|
||||||
| Updated: Tuesday, June 15, 2004 01:13 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
كنا سبعة أقلتنا سيارة أجرة إلى مركز الحدود، فالحافلات التي كانت تذهب إلى عانة والرمادي، الموصل وبغداد كلها أوقفت رحلاتها. "الطريق نار مشتعلة، ومن يلقي بنفسه في النار؟" لا أحد سوانا، نحن الرفاق الذين عرفنا بعضنا بعضاً منذ المدرسة... أكثر من رابطة جمعتنا لكن في رأسها جميعاً هواية كرة القدم... نور الدين، صلاح الدين، كمال، جمال عبد العظيم، عبد الرحيم وأنا، كلنا كنا نهرب من المدرسة كي نلعب الكرة... ليس في باحة المدرسة فالمعلمون يزجروننا ويعيدوننا إلى غرف الدرس، بل في الساحة القريبة الخالية من العمران حيث حولها الأولاد من قبلنا إلى ملعب لشتى الألعاب. ولأننا جميعاً لم نكن نحب الدرس. خرجنا جميعاً من المدرسة بالتتالي.. نور الدين أولاً، كمال ثانياً.. إلى آخر الركب.. بعضهم قبل أن يصل إلى شهادة الكفاءة، وبعضهم الآخر بعد أن رسب مرات عدة فيها... كانت الأعمال الحرة تجذبنا جميعاً فتوزعنا كلنا في ساحة الأعمال الحرة، هذا في الزراعة، ذاك في الصناعة.. ذلك عامل مطبعة، عامل بناء.. الخ وكنا نلتقي... دائماً نلتقي رفاقاً يجمعهم الود وتربطهم أواصر الصداقة. نجدة العراق هذه المرة جمعتنا... لا أدري كيف؟ لكنه نور الدين ولا شك، نور الدين الذي يتصف بالكثير من صفات القائد، هو الذي كان كابتن فريقنا يوم كنا فريقاً هاوياً ثم شبه محترف يدخل المباريات، يكسب ويخسر إلى أن كبرنا على ذلك وفرط عقد الفريق لكن لم يفرط عقد الصداقة.. كانت الحمية والحماسة تجمعنا ونحن في السيارة نستمع إلى الأخبار ونغني... فكل شيء إلا الصمت.. الصمت يقتلك في حالة كهذه، يثبط معنوياتك على الأقل، يجعلك تراجع حساباتك وربما تندم وتتراجع... لكن لا.. نحن ذاهبون لنصرة أخوتنا في العراق فكيف نتراجع؟.. انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، هكذا كانت تقول العرب فكيف إن كنت على يقين مطلق أن أخاك مظلوم يقع عليه حيف جلي كعين الشمس... الأنكلو أمريكان يريدون إعادة الاستعمار إليه ولا يرضون عن ذلك بديلاً، يريدون تمزيق أوصاله ولا يخفون ذلك عن أحد... يريدون نهب ثرواته، هم الذين يعتقدون أن ثروات العالم كلها ملكهم... فكيف لا ننصر العراق؟ كيف لا نقف صفاً واحداً للدفاع عنه؟
هكذا رحنا نغني، بصوت واحد يرج السيارة ويملأ الفضاء.. يا إلهي "كم هو معبر هذا النشيد!! كم يحمل من معان عظيمة تنعش القلب وتبهج الروح!؟ أجل... بلاد العرب كلها بلادي... وطنهم كله وطني، فإذا صرخت امرأة في فاس ارتعشت لها قلوب في عروس الفرات، وإذا جرح رجل في صنعاء اهتز لجرحه ابن الموصل... إنها الوحدة المتجذرة عبر التاريخ... أركانها التاريخ والجغرافيا، اللغة والدم، فكيف يفرقنا الاستعمار؟ هو الذي يصنع التكتلات الكبيرة والوحدات الجامعة؟ لماذا لا يريدنا إلا شراذم؟ فرق تسد.. هوذا ما يريد لنا... نظل فرقاء مختلفين فيسود علينا ويسيطر بأهون السبل.
جاءت الأغنية التالية بصوت أكثر تناغماً وقوة... وكأننا كلنا كنا نعلم أن أمل هذه الأمة هم الشباب... أولئك الذين لما تتثلم سيوفهم بعد ولما تثبط عزائمهم بعد، الشباب الذين يجسدون روح الأمة الوثابة وطاقتها الحيوية الهائلة... هم وحدهم من يمكنهم إنقاذ هذه الأمة من براثن الأعداء الحاقدين...
رحنا نغني أيضاً "ربع الكفاف الحمر والعقل مياله"، وكلنا يلبس كفية حمراء لكن دون عقال، فقد كان في ذهننا جميعاً أن شمس العراق والعمل في ساحات الفداء يقتضي منا كفيات تحمي رؤوسنا من الشمس ووجوهنا من أعين الأعداء. كنا نمضي إلى المجهول، فلم يكن أحد منا يعلم ما الذي ينتظره عند الحدود. أيرجعوننا؟ أيستقبلوننا؟ إن سمح لنا السوريون بالمضي، أيسمح لنا العراقيون؟ كانت أمامنا هاوية من هوى المجهول ظلمتها حالكة لا تخترقها عين، مع ذلك كنا نمضي.. سيارتنا تشخر بنا، مذياعنا لا يفتأ ينقل الأخبار، ونحن لا نصمت إلا لكي ننطلق بالغناء من جديد. الغناء وحده يلهب الحماسة ويزيد الحمية.. وفي اقتحامك للمجهول تكون أحوج ما تكون للحماسة والحمية. سيارتنا العتيقة تشخر وتنخر، مع ذلك، ولشدة حماستنا، كنا نشعر أننا راكبون عقاباً يشق بنا السهول والوديان ليضعنا على قمة جبل أشم هو العراق..!! "إيه أيها العراق!!. أيها الأبي الأشم كيف يريدون إذلالك؟ أنت حصن العرب الحصين ومعقلهم الأمين، كيف يريدون إذعانك!؟ بغيض هذا الاستعمار، كريه هذا الغازي المحتل يرسل قواه العاصفة بعد أن حاصرك وجوّعك، زعزعك وهد أركانك، فهل تقاوم يا عراق؟ هل تستطيع الصمود يا عراق؟ قوى جبارة تهجم عليك... أقوى قوى العالم تغزوك فكم ستقاتل يا عراق؟ وبماذا تقاتل؟ طائراتك محظور عليها الجو منذ زمن طويل يا عراق... فقعدت للصدأ والعطالة... أتنهض اليوم يا عراق؟ صواريخك تختفي.. خلوداً تحت التراب، أتظهر برؤوسها اليوم يا عراق؟ أمس، في حربك تلك مع المعتدي الأنكلو أمريكي، سددت ضربات موجعة لعدوك المختبئ هناك في جحره، إسرائيل، فهل تسدد اليوم مثل هذه الضربات؟ أمس، وفي تلك الحرب، جعلت تل أبيب تصرخ، حيفا تستغيث، تبث الرعب لأول مرة في قلوب اليهود الحاقدين، جعلتهم يفرون كالحمر المستنفرة فرت من قسورة، فهل تجعلهم يفرون اليوم؟ كلنا أمل بك يا عراق.. أنت يا قلعة الصمود.. يا حصن الأسود... ألن تقاتل!!". إذاعة بغداد كانت تقول إنها ستقاتل. كنا قد اقتربنا من الحدود وكانت إذاعة بغداد قد غدت تلعلع موسيقا وأناشيد...
فرحنا نهزج مع المطرب الشعبي الذي بدا يضرب على الوتر الحساس الذي تهتز لـه قلوب العرب جميعاً. كان دوي الطائرات قد بدأ يملأ الفضاء، وكانت أنياب للرعب تكشر في وجهك وأنت تنظر إلى الشرق، حيث الصواريخ تأتي من جهات الدنيا الأربع لتنقض على أرض العراق نابشة ترابه، ممزقة صخوره، تاركة أهله وكلهم جروح ودماء. أخبار الإذاعة مشجعة، أغانيها مشجعة. -لا تسمعوا إلا إذاعة بغداد، قال نور الدين وهو مرتفع المعنويات إثر خبر سرنا سماعه: "حاولت الطائرات الأنكلو أمريكية إنزال قوات في أم القصر صباح هذا اليوم فأبادتها قواتنا منزلة بها شر هزيمة. عند الظهيرة، وبعد قصف مدفعي شديد، هاجمت الدبابات الأنكلو أمريكية مواقعنا في أم القصر فصدتها قواتنا الباسلة لترجعها مذمومة مدحورة. الله أكبر والنصر لأمتنا العربية المجيدة". صفقنا جميعاً وهتفنا وكأننا في أم القصر نشهد فلول العدو وهي تندحر منسحبة من أرض المعركة مجرجرة أذيال الخيبة والهزيمة... عند مركز الحدود العراقي فوجئنا. فالطريق شبه الخالية من شاحنات تسير أو سيارات صغيرة تطير، كانت توحي.. بأن المركز سيكون خالياً هو الآخر... لكن يا للمفاجأة!! وصلنا فإذا جمهرة من الناس تحتشد، عشرات من الشبان الصغار والرجال الكبار... بل حتى الكهول. تطلعنا بعضنا إلى بعض وابتسمنا. كانت فرحة حقيقية. "نحن لسنا وحدنا إذن، ثمة الكثير ممن يريدون نصرة العراق.. ثمة الكثيرون ممن يريدون الدفاع عنه... فافرح همام!! ربما الشعب العربي كله سيقف وقفة الرجل الواحد دفاعاً عن العراق... مئات الآلاف، بل ربما الملايين سيندفعون إلى العراق، من الغرب، الجنوب، اليمن السعيد، وادي النيل، الجزائر، تونس، كلهم سيندفعون مدججين بالسلاح فماذا تفعلين يا أمريكا؟ أتبيدينهم بالنابالم جميعاً؟ أتقذفينهم بالقنابل النووية؟ ليس هذا غريباً عليك، فالمجازر من اختصاصك. إبادة الناس بالآلاف والملايين شغلك الشاغل... ألم تبيدي هيروشيما؟ ناغازاكي؟ الهنود الحمر؟ لكن خسئت.. هنا، لن تستطيعي فعل شيء، سيوقفك شعبنا العربي البطل وقد رص صفوفه، غدا صفاً واحداً يحول بينك وبين التقدم إلى بغداد". كانت الجمهرة بانتظار حافلات تقلهم إلى الداخل... وكانت دفعة قبل هذه قد ذهبت فشعرنا بالأمان... لم يعد أمامنا من مجهول فالطريق الذي سلكناه كان كثيرون قبلنا قد سلكوه... وهاهي الجمهرة حشد من الرجال، شباناً وكهولاً تركوا كل شيء وجاؤوا يشاركون في القتال... "إن لم يتحرك الحكام فليتحرك الشعب "كان لسان حال الناس جميعاً، الناس الذين انتظروا من حكامهم طويلاً أن يوحدوا أقطار العرب الممزقة فلم يفعلوا، أن يذبوا عن تراب العرب فلم يحركوا ساكناً، أرض مغتصبة هنا، مستعمر مقيم هناك وما من أحد معني بشيء... كل منشغل بشأنه ولا شأن لوحدة العرب، لعزة العرب... فلماذا لا يتحرك الناس أنفسهم؟ الحكام ميؤوس منهم فلماذا لا يجدد الأمل الشعب؟ أليس الشعب يصنع المعجزات؟ إذن ليصنع المعجزة الآن وليهب جمعاً واحداً لقتال الغزاة المعتدين. كان كل من في الحشد متحمساً متأججاً كالنار، مثلنا وأكثر، وكان مسؤولو الحدود فرحين بهم... أخيراً وجد العرب أنفسهم، تجاوزوا الحكام ليلتقوا شعباً واحداً لا يفرقه حاجز ولا تفصله حدود... بداة كانوا قد تركوا أغنامهم وجاؤوا إلى مركز الحدود، فلاحون تركوا قراهم ومزارعهم والتحقوا بمركز الحدود، ومن المدن كان مهنيون، عمال، مواطنون عاديون قد توجهوا جميعاً إلى العراق وقد عدا عليه المعتدي وغزاه الغازي. في المركز أطعمونا، سقونا وخير رعاية رعونا، لم لا وهم أحفاد الحارث بن سنان وحاتم الطائي؟ لم لا وفرحهم بنا بلا حدود؟. -يا مرحبا بالنشامى، يا هلا بالأماجد.. أخوة والله حنا، أخوة ماكو فرق بين سوري وعراقي، ملعون الوالدين الاستعمار هو اللي فرق بيننا. جاء المسؤول الأعلى يرحب بنا وانهلنا عليه بالأسئلة: -متى تأتي الحافلات؟ -هل ستعطوننا أسلحة؟ -هل ستدربوننا؟ -أين سنتجه؟ -هل نذهب إلى البصرة أم بغداد؟ ولم يكن باستطاعة المسؤول إلا أن يجيب بما يطمئننا... -سنعطيكم أسلحة... سندرب من لم يتدرب من قبل... سنرسل كلاً منكم حيث يشاء: الموصل، البصرة، بغداد.... كلها أرضكم تدافعون عنها... لكنه أضاف ذلك الذي لم نكن قد فكرنا فيه، ولا تنسوا قد تذهبون إلى البادية والصحراء، فالعدو قد يسلك الصحراء. -طريق الصحراء؟ سأل شاب في الطرف الآخر من الجمهرة... لكن الصحراء مكشوفة وبلا دفاع... -لا... لا تخافوا... نحن اتخذنا لكل شيء، عدته... أجاب مسؤول المركز بكثير من الثقة بالنفس، صحيح أننا لم نستطع إقامة دفاعات فيها خشية الطائرات والصواريخ، إلا أننا سنستخدم سلاحاً آخر سيفاجئهم... -القاهر؟ -الظافر؟ -الصمود؟ انطلقت التساؤلات وقد ذهبت الأفكار بنا جميعاً إلى الصواريخ التي كنا نعلم أن العراق يملك منها الكثير وأنه قادر على إصابة عصفور بها إن أراد. -لا.. لا... رد المسؤول هازاً رأسه... ليست الصواريخ بل الشعب، عشائر العراق وقبائله المتحركة في الصحراء هي سلاحنا... وهللنا جميعاً... أجل.. أبناء العشائر والقبائل.. ساكنة الصحراء... ترى ألم يفكر بهم الأنكلو أمركيان؟ هل اعتبروهم سقط متاع، هم نشامى العرب ورجال البادية الشجعان؟ -لكن كيف؟ أهم مدربون؟ منظمون؟ سأل أحدهم إلى يميني، فرد مسؤول المركز بثقته الكبيرة تلك: -بالطبع.. نحن وزعنا السلاح على القبائل كلها. أفراد العشائر جميعاً مدربون على السلاح ويستطيعون القتال؛ قتال العصابات والحرب الشعبية في الليل، حيث لا طائرة ترى ولا صاروخ يرصد، يتحرك هؤلاء المقاتلون، يهاجمون العدو فيدمرون مدرعاته ويبيدون قواته.. سترون.. يحسب الأنكلو أمريكان أننا لا نعرف مخططاتهم، لكن خسئوا... نحن نعرف كل شيء، وقد اتخذنا استعداداتنا لكل شيء. وطارت بنا الفرحة... إذن لن نؤخذ على حين غرة، لن يجد العدو العراق فريسة سهلة يفترسها خلال ساعات... إذاعاته، محطاته التلفازية تراهن على أن الحسم سريع.. ساعات فقط... خمس أو ست ساعات على الأكثر وينتهي كل شيء...!! الرأس طار.. بضربة مباغتة سريعة قطعنا رأس العراق... صدام، مع قيادته، صار تحت الأنقاض. صواريخنا الكروز سوت كل شيء هناك بالأرض، فماذا يفعل جسم بلا رأس؟.. سينطرح أرضاً متخبطاً بدمائه... -لكنهم يقولون إن القيادة أبيدت!؟ سأله هذه المرة عبد العظيم، الرأس المفكر في فريقنا. صدام حسين قتل؟ -خسئوا!! والله ما مست شعرة منهم... إنها مجرد حرب إعلامية دعامتها الأساسية الكذب... ألم تسمعوا ما كان يقوله غوبلز وزير الإعلام النازي الشهير في الحرب العالمية الثانية؟ -لا، ما الذي كان يقوله؟ أجابه أكثر من صوت وكلنا نجهل ما كان يقول، بل أكثرنا لم يسمع بغوبلز نفسه. -كان يقول: اكذب.. اكذب.. فلابد أن يصدقك الناس... رامسفيلد اليوم يسير على مذهب غوبلز، يعمل بقوله، وهو يحسب أننا سنصدقه لكن خسئ... هذا الكذاب الدجال.. ما من أحد منا يصدق كلمة مما يقول. أليس كذلك؟ -بلى. -طبعاً. -بالتأكيد. انطلقت الأصوات برد واحد إن دل على شيء فإنما يدل على أن الحشد كله مقتنع كل القناعة بما يقول، عارف بحقيقة الكذاب الدجال الذي لم يكن يتورع عن تلفيق أية كذبة، اتباع أي طريق للتدجيل والتضليل فالحرب خدعة... بل خدعة كبيرة، تبرر فيها الغاية كل وسيلة. وساد صمت لحظة من الزمن، فيما بدا المسؤول وكأنه يصيخ السمع لشيء. بعد لحظة فقط انتفض: -ألم يقولوا قتل صدام؟ اسمعوا... ها هوذا يصدر بياناً للشعب... وأصخنا جميعاً السمع باتجاه المركز الذي كان التلفاز يعمل فيه... إحدى الأيدي امتدت إليه ترفع صوته... فيما اندفع الحشد كله باتجاه المركز يريد أن يكون أقرب للصوت الذي كان قد بدأ بيانه: -.. يا ماجدات العراق... أيها النشامى في قواتنا المسلحة... وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل... "يا إلهي!! هوذا صوته حقاً!!" فكرت شارداً وأنا أستعيد في ذهني ما قاله المسؤول عن الأنكلو أمريكان الكذابين، الدجالين وغوبلز الذي جعل صنعته تضليل الناس وخداعهم إلى أن يصدقوه. كيف تراهم سيواجهون الناس وقد ظهر صدام حياً يرزق لم تمس منه شعرة فعلاً؟ ماذا سيقولون بعد اليوم وقد تكشفت الحقيقة وبان كذبهم واضحاً كعين الشمس؟ كنت أتساءل في مكاني لا أبرحه فيما كان الكل يتدافعون للاقتراب من النافذة أو الباب حيث يمكنهم رؤية صدام... -لماذا أراه؟ هذا صوته يكفي ويفي.. قلت لجاري نور الدين وقد دفعني للاقتراب أكثر علنا نراه. -لا.. لا... صوته لا يكفي ولا يفي... بل ربما حتى صورته لا تكفي... -معقول!؟ ما عساهم يقولون؟ أي كذب يكذبون؟ -سيقولون هذا شبيهه وبديله... همس في أذني، مؤشراً ربما ألا يسمعه أحد. -والصوت؟ -الشبيه يدرب بحيث يغدو صوته كصوته، نبراته كنبراته، بل حتى مخارج الألفاظ وطريقة النطق... -تقصد سيستمرون في كذبهم أنه قتل؟ -لم لا وهم هكذا، يتصرفون دائماً على طريقة.. عنزة ولو طارت؟ ألا تعرف قصة العنزة ولو طارت؟ -أعرفها، قلت وأنا أستغرب كيف يمكن لمرء أن ينكر الحقيقة فيقول عن كركي إنه عنزة حتى ولو طار الكركي أمام عينيه. أنهى صدام البيان فانطلق الحشد بصوت واحد: عاش العراق.. عاش العراق... عاش العراق، فيما انطلقت عيارات نارية من بواريد ومسدسات. كانت معنوياتنا قد ارتفعت وكانت حماستنا في الأوج وكانت الجمهرة كلها كتلة من نار.. جاءت الحافلات فاندفعنا نتسابق وكلنا يريد الوصول... حين جلست في مقعدي وجدتني أبتسم، وأنا فخور بنفسي، بزملائي، بالحشد كله وهو يتسابق... أهكذا كان أجدادنا الذين تحدث عنهم خالد بن الوليد "والله لقد جئتك بقوم يحبون الموت كما تحبون أنتم الحياة" هذا السباق ألا يعني حب الموت؟ ألا يدل على أن الأحفاد كالأسلاف لا يهابون حرباً ولا ضرباً... أنهم على استعداد للتضحية بالأجساد والأرواح؟ وشعرت بكثير من الراحة... راحة الفرد وقد وجد الجماعة التي يمكن أن ينتمي إليها ويسلم قياده لها. على الطريق العريض الممتد عبر سهول العراق لا يعترضه تل ولا جبل، المتلوي مع فرات العراق لا يحجبه عن النظر شيء، سارت الحافلة تهدهدني وأنا في مقعدي ألوذ بالصمت، وكأنما نضب معين الكلام. كان رفاقي جميعاً في حافلتي، وكنا حريصين أن نظل معاً ربما بحثاً عن شعور أشد بالأمان. وكنت راضياً عن نفسي، فرحاً في داخلي فرح طفل وجد كل ما كان يحلم به... "سأستلم بندقية وأقاتل... سأحقق ذاتي" كان كل ما يدور في ذهني وأنا أرصد من نافذة الحافلة سهول العراق شبه الجرداء. شبه الخالية وقد ابتعدنا عن الفرات بمائه الأغبر وواديه الأخضر. أجل... شيء ما كان ينقصني... ففي البيت الذي ربيت فيه ونموت... كنت جزءاً من كل... حيناً أشعر أنني جزء من خالتي وهي تحنو علي وترعاني فلا أملك إلا أن ألتحم بها "يما، ماذا تريدين؟ ما تأمرين؟" وحيناً آخر أجد نفسي جزءاً من عمي... في البيت، في المحل أنا مجرد فرع من أصل يتبعه حيثما يذهب ويعمل كل ما يرغب، لكن أكثر الأحيان أجدني جزءاً من ديمة... تلك الفتاة الرقيقة الحسناء التي أحببت حتى درجة العبادة، أتذكرين يابنة عمي ومهجة روحي؟ خاتم شبيك لبيك كنت في إصبعك، مظلة كنت فوق رأسك، أحميك الحر والمطر... أتذكرين؟ تأمرين فأطيع وتنهين فأنتهي، كأنني بعضك يابنة عمي ومهجة روحي.. يدك، رجلك.. بنانك، تحركينني كيفما تشائين وتفعلين بي ما تشائين. كان العاشق يذوب في معشوقه والعبد يمحي في ظل سيده... أجل يابنة عمي ومهجة روحي... لم يكن لي ذات... كنت أنت ذاتي وكان كل ما أحلم به أن أتماهى معك.. أن أتحد بك فلا ننفصل أبداً... وكنت على وشك أن أفعل ذلك... تلتحم الفلقتان معاً، تتحد الذاتان معاً لتغدوا ذاتاً واحدة.. لكن جاء ذلك العرس المشؤوم، ليحطم أحلامي كلها تحطم الموجة على صخرة الشاطئ... في البدء حسبنا كلنا أن إغماءك مجرد حدث عارض لا قيمة لـه، لكن كان لعمتك رأي آخر، فوجهك المصفر ونومك الليل بطوله بعد الإغماء وامتناعك عن الطعام، كلها تدل، كما قالت، على أن الأمر ليس بالعارض الذي لا قيمة لـه. ذهبت إليك وأنت نائمة، أردت أن أوقظك فأطمئن، لكنها منعتني "دعها تسترح. هي متعبة كثيراً... تراها حين تستيقظ" لكن حين استيقظت، لم تكوني أكثر قوة من وقت إغمائك... هي نفسها قالت ذلك... أحاولت النهوض؟ الخروج؟ هي قالت إنك حاولت، لكنك لم تقوي على الحركة.. يا إلهي ماذا جرى للبنت؟ لكأنما أصابتها عين، حسدتها إحداهن على جمالها ورشاقتها، شبابها وعافيتها فضربتها عيناً ألقتها أرضاً... أصحيح يابنة عمي ومهجة روحي؟ أنت لا تؤمنين بالعين والحسد... عقلك علمي... أنا أعرفك لكنني أنا أؤمن... ربما ضربتك تلك العين فقط نكاية بي، فقط كي تحول بيني وبينك، فتلك العين غيرت مجرى حياتي كله... حالتك تلك جعلتنا نعرضك على الطبيب... كان علينا أن نطمئن، لكن الطبيب لم يحمل لنا الاطمئنان... بل العكس حدث، زادنا قلقاً على قلق، بل هو نفسه ازداد قلقاً على قلق، أليس هو قريبنا؟ ألا يهمه أمرك وأمرنا؟ أنا سألته... بإلحاح الخنفساء سألته... لكنه في البداية لم يعطني جواباً "لابد من التحاليل والتصاوير..." قال لي ثم أعطى تعليماته لك "افعلي هذا....... اعملي ذاك.....". وحين عدت إليه مرة ثانية، وقد نفذت أوامره، كان اكتشاف المرض وكانت الكارثة... "لا. لم أفكر بالأمر". "حسن، أنا أقول لك" في الحبل تحمل المرأة في بطنها جنيناً". "وما وزن الجنين؟" سألته مستغرباً "صحيح.. ربما يكون كيلو غرامين أو ثلاثة.. لكن ما معه قد يزيد عن اثني عشر أو ثلاثة عشر كيلو غراماً، فتصور نفسك تحمل في بطنك ثلاثة عشر كيلو غراماً!! لحظة من الزمن صمت، أتصور في بطني ثلاثة عشر كيلو غراماً ثم غمغمت "شيء مخيف فعلاً... ترى كيف تحملها المرأة؟". "هوذا السر الذي لا تبوح به الطبيعة... إنه القدرة على التكيف.. فالبطن الذي يبدأ صغيراً يكبر غراماً غراماً وتتكيف المرأة معه، طالما جسمها قابل للتكيف، ساعة بساعة.. لكن ماذا إن كان قلب المرأة معطوباً وجسمها عليلاً؟ "ولم أجب. كان السؤال أصعب من أن أجيب عليه، فصمت وقد اهتز كل ما فيّ: ذهناً وأعصاباً، جسداً وروحاً... لقد قام الحاجز الذي يحول بيني وبينك... لكأنما استكثر علي الدهر ذلك النصر الذي كنت على وشك أن أقطف... أسرع إليك ينقذك من براثني... ويعيد إليك النصر الذي اعتدت دائماً أن تريه ملكك، وإلي الهزيمة التي اعتدت دائماً أن تكون مآلي. لكن تلك الليلة خطر لي خاطر "ماذا، إن كانت كلها مؤامرة؟ ابن عمي الطبيب هو ابن عمك أيضاً رحت إليه شكوت لـه أنك مرغمة على الزواج مني.. وأنت تكرهين زواج الأقارب... ربما هو مثلك أيضاً يكره زواج الأقارب، بل ربما وضعت يدك في زناره، فعل أبناء العشائر طالبة منه النجدة، فتعاطف معك وأنجدك.. ثم اخترع لك القصة كلها وأخرجك كالشعرة من العجين؟ أجل، خطر ببالي ذلك... فزعت بآمالي إلى الكذب والتكذيب، عسى أن يكون ما قاله الطبيب أول مرة وثاني مرة كذباً، مؤامرة... ثم تنكشف الحقيقة ونتأكد أنه لا قصور قلب معك ولا مانع من الزواج يمنعك... لكن واحسرتاه.. ذهبت إلى دمشق... أجريت الفحوص من جديد وتأكد الخبر... أجل بنفسي تأكدت... بأم عيني رأيت كم كنت حزينة، كيف جعلك اكتشاف المرض تكبرين فجأة عشر سنين... في البلد أول اكتشاف المرض، رصدت سيماءك وأنت تتلقين الخبر... صدمت، صحيح... لكنك لم تكوني حزينة... ماذا؟ تراك لم تكوني قد صدقت بعد..؟ استهنت بتقارير البلد الطبية؟ واجهت بكل استخفاف كلام ابن عمك الطبيب؟.. بل لا أخفيك، رأيت بريق فرح خفي يلمع في عينيك، هناك في البلد.. فيما كانت عيناك وقد أكدوا لك المرض في دمشق، كابيتين، الحزن، ملؤهما.... كنت حزينة حتى الموت... وصرت أنا نفسي حزيناً عليك وعلى نفسي حتى الموت وأقسمت ألا أتزوج بعدك أبداً... حبيبتي ستحرم من متعة الحب والزواج، كيف تراني أطيق أن أستمتع بهما... لا... لا... أنت مهجة روحي ولا سعادة لي أو فرح إن كانت مهجة روحي ستعيش بلا سعادة أو فرح. - - - بلا سعادة، بلا فرح، كانت راوة، وقد وصلنا إليها في عتمة الليل... لم تخرج لاستقبالنا مهللة صارخة كما كنا نحلم... لم يهتف رجالها ولم تزغرد نساؤها وقد عبرنا شارعها الرئيسي إلى المعسكر. كانت كئيبة واجمة منقبضة متشنجة لاطئة بحذاء جدرانها خشية الطائرات الهادرة التي كانت تملأ فضاء العراق.. خشية الصواريخ الغادرة التي كانت تخرق أجواء العراق... من الشمال من الغرب. من الجنوب، كان ملء السماء صواريخ وطائرات، وكانت كلها تنصب على مدن العراق الكبرى والصغرى منها، القرى والضياع، وهدفها إحداث الصدمة والترهيب... لا... لا.. ليس الأنكلو أمريكان متناقضين... وليس في الأمر أية مفارقة... إنهم يهجمون على العراق بؤرة الإرهاب والخطر على أمن أمريكا وإنكلترا لكن دون أن يستخدموا أية وسيلة من وسائل الإرهاب، القتل والتدمير... إنهم ضد الإرهاب، ضد القتل والتدمير... رصاصهم، قنابلهم، صواريخهم كلها هدفها إحداث الصدمة والترهيب فقط، يريدون أن يصدم كل من في العراق، يريدون إدخال الرهبة والإرهاب في قلوب الناس فقط، فلا يستطيع أحد رفع رأسه ولا يفكر أحد بالمقاومة بل يستسلمون رافعين الرايات البيضاء ناثرين الأزهار والورود على جحافل العم سام وهي تدوس كرامة العراق، تدنس مقدسات العراق. هم ضد من يستهدفون المدنيين الأبرياء العزل من أطفال ونساء وشيوخ ويسمونهم إرهابيين صارخين محتجين: ما ذنبهم هؤلاء الأبرياء يفاجئهم الإرهابي بقنبلة يفجرها أو صلية رصاص يرشها، لكنهم يرسلون طائراتهم أفواجاً أفواجاً... كأمواج البحر يمسك بعضها بأطراف بعض لتقصف العراق يقولون لها إياك، نحن لسنا إرهابيين، لا نريد قتل المدنيين، الأبرياء والعزل، نساء.. كانوا أو رجالاً، شيوخاً أو أطفالاً، فهذا حرام وهو عمل إرهابي، فأين المفارقة في ذلك؟ أين التناقض؟. هم يحترمون الإنسان، يراعون حقوق الإنسان ولا يمسون منزلاً أو مدنياً... لا.. هم لا ينهون عن عمل ويأتون مثله!! يكونون الشيء ونقيضه في الوقت ذاته؟ حاشى لله أن يكونوا كذلك... أليسوا هم رسل المدينة والحضارة؟ بلى.. بلى.. إذاعاتهم تقول ذلك.. لكن الترويع الذي تركه الطيران الأنكلو أميركي وهو يغير على المدن، الطرق، يضرب حافلة ركاب هنا، سيارة محشوة بالناس هناك... كان يثير ألف إشارة استفهام وكان يفسر لماذا راوة واجمة حزينة وقد لطأ أهلها في الملاجئ أو اختبؤوا تحت أشجار البساتين، يتقون أعمال إرهاب أنكلو أمريكي لم يعرف لـه نظير من قبل، فالتكنولوجيا المتطورة لم تترك مجالاً لطائرات العراق أن تطير... سماء العراق محرمة على نسور العراق فكيف يطيرون، وصواريخ التكنولوجيا المتقدمة ترميهم عن بعد مئات الكيلومترات؟... تصعد إلى سماء بغداد فيأتيك صاروخ من مياه الخليج حيث تنينات التكنولوجيا تربض هناك راصدة كل حركة وسكنة في أرض العراق وسماء العراق... نظرها ثاقب، عيونها ترى من بعيد... فكيف تخرج طائرات العراق إلى سماء الموصل وبغداد؟ كنا، ونحن في الطريق، قد رأينا أكثر من صاروخ ينطلق إلى السماء معترضاً هذه الطائرة أو تلك، لكن الطائرات الأنكلو أمريكية خبيثة لا تقارب الصواريخ... تظل عالية في السماء، حيث لا رصاص يصل ولا صاروخ يقترب ثم تلقي بقذائفها.. حبلاً من مسد... يشعل الأرض والسماء... في الطريق أيضاً، شهدنا أكثر من حافلة قصفت، أكثر من سيارة تفحمت وقد سقطت عليها قنبلة ذكية فقدت ذكاءها لحظة وانحرفت عن مسارها لتضرب الأطفال والنساء... لهذا السبب كان سائق حافلتنا كثيراً ما يلجأ إلى ظل شجرة إذا ما رأى غارة جوية، أو يسرع سائراً بخط متكسر إذا ما سمع دوي طيران، فترويع الناس وإرهابهم كان كل ما يبغيه الأنكلو أمريكان، إحداث الصدمة لديهم كان كل ما يريدون رغم أنهم ما جاؤوا إلى العراق إلا لغرض واحد فقط –لا تنسوا فقط هذه أرجوكم- هو القضاء على الإرهاب. ألم يهيجوا بعد أحداث أيلول هياج عش دبابير في عز الظهيرة وقد اقتربت منه؟ ألم يضعوا استراتيجية قائمة بذاتها هي: الحرب على الإرهاب؟ أفغانستان في رأس القائمة، ثم محور الشر، والعراق بالطبع هو في رأس قائمة محور الشر، بصواريخه عابرة القارات، بقنابله الذرية، الهيدروجينية، يهدد كل لحظة أمن أمريكا وإنكلترا: هذين البلدين الوديعين المسالمين فكيف لا يتخذان احتياطهما ضد هذا الخطر؟. كيف لا يضربانه ضربة وقائية تمنعه من أن يهدد بإرهابه أبرياء الأنكلو أمريكان المساكين ومدنييهم العزل الوادعين!؟ معسكر راوة كان يخشى الضربة الوقائية تلك، فلاذ ساكنوه جميعاً في وادي السلح، حيث الحفر والملاجئ، المهاجع والمباني وقد أطبق عليها جميعها الحزن والوجوم. حتى كهرباؤه كانت مطفأة فأعتم كل شيء، ربما للتمويه على الطيران الأنكلو أمريكي وتضليله. بسرعة وصمت استقبلنا قادة المعسكر وبسرعة وصمت وزعونا على الحفر والملاجئ وقد زودوا كلاً منا ببعض الزاد وبعض معدات الطعام والنوم. قرب شجرة نخيل كانت حفرتنا... تناولنا عشاءنا... ثم استلقينا... كان التعب يهدنا والنعاس يمسك بتلابيبنا فلم تمض لحظات حتى كان طائر النوم يرفرف بأجنحته فوق أجفاننا. انفجار هائل جعلني أقفز على قدمي مجفلاً مذعوراً.. تلفت حولي، كان نور الدين وعبد العظيم قد هبا بدورهما مجفلين مذعورين، انطلقت أعيننا تبحث عن مكان الانفجار فلم تعد بشيء... لم يكن هناك غبار ولا دخان... المعسكر خالٍ من كل أثر... أين إذن الانفجار؟ وتبسم جاري، الأقدم مني في المعسكر،: -لا... لا تبال... الانفجار بعيد.... ربما هو في هيت أو الرمادي، أو حتى في الموصل... -معقول؟ خيل إلي أنه فوق رأسي.. -لم لا... وهم يلقون قنابل وزن طنين وأربعة، ومن يدري ربما عشرة أطنان.؟ -يا إلهي!! هوذا إذن سبب ذلك الصوت... لابد أنها قنبلة من الوزن الثقيل. كانت الشمس قد طلعت وكان الصباح الذي يفترض أن يكون أصبح أزهر قد بدا لي أعتم أغبر... كان ذلك هو بداية الربيع لكن الربيع لم يأت طلقاً على الموصل أم الربيعين وعلى عانة وراوة... ولم يختل ضاحكاً متبسماً بنيروزه وأفراحه، بل جاء كئيباً ناقماً، غاضباً صاخباً.. ليلقي عليها بدل الورود والزهور، قنابل وصواريخ تهز الأرض وتجعلها تتمزق تراباً وصخوراً... لكن سرعان ما بدأنا نضحك من أنفسنا ونحن نرى الرفاق القدامى يسيرون لا مبالين في المعسكر كل إلى شأنه... -طوال الليل كانت هناك انفجارات... ألم تفق عليها؟ قال لي أحدهم بعد أن عرّفني بأن اسمه قاسم وأنه من اليمن. -كنت قد تناولت منوماً... أجبت وفي نيتي أن أمازحه. -منوم؟؟ أي منوم؟ -القات... قلت وأنا أتابع ممازحته فالجو الكئيب الثقيل كان يطبق على صدري وكان كل همي أن أفك قبضته عني. -لا.. لا.. هنا لا يوجد قات.. القات في اليمن فقط.. ثم إن القات غير منوم فما المنوم الذي أخذته إذن؟ -التعب... وضحكنا كلانا، ربما ليثبت كل منا للآخر أنه لا يخاف طائرات الأنكلو أمريكان ولا انفجارات قنابلها... في المطعم، إن كان باستطاعتك أن تسمي تلك البراكة التوتيائية مطعماً، وعلى الإفطار، اكتشفت أن هناك الكثير ممن سبقونا إلى المعسكر: لبنانيون، أردنيون، فلسطينيون، سعوديون، مصريون، بل حتى مغاربة وجزائريون... ولكم أسعدنا ذلك!! وحدة العرب تتحقق هنا في معسكر وادي السلح، حيث كان الكثير من الشبان قد تداعوا، شاعرين بالخطر الداهم قبل وقوعه، للذهاب إلى العراق بغية الدفاع عنه. كان المعسكر قد استقبل بضع مئات منهم وكان قد بدأ تدريبهم قبل أن تبدأ الحرب.. -كنا نعلم أن الحرب واقعة لا محالة، شرح لي صديقي الجديد، اليمني قاسم، ونحن نتناول الإفطار، كنا قد رأينا الوحش مكشراً عن أنيابه، فجئنا، -قبل خمسة عشر يوم جئنا، تدربنا وها نحن اليوم جاهزون للزج مباشرة في المعركة... أما نحن الذين تأخرنا ولم نكن جاهزين للزج في المعركة فقد جمعنا قائد المعسكر في الساحة، ردد معنا نشيدنا المحبب "بلاد العرب أوطاني ثم قال: -لابد لكم من بعض التدريب.. خصوصاً من لم يلتحق بدورة ولم يتدرب من قبل. -قل إنك متدرب: لكزني عبد العظيم هامساً قرب إذني: -لكنني لم أتدرب... -ألم يدربوك فتوة؟ -بلى.. -اعتبر هذا تدريباً إذن. سألونا.. فرفعت يدي... متدرباً يعرف الرمي على السلاح، كما طلب إلي عبد العظيم، هو الذي كان قد التحق بمنظمة فدائية ذات يوم وقام بعدة عمليات. لكن طحاناً لا يغبر على كلاس، فالتجربة علمتهم أن الكثير من المتطوعين، ولفرط حماستهم، يدعون ما ليس فيهم فيأخذون سلاحاً لا يعرفون استخدامه ويخوضون معركة لا يعرفون كيف يخوضونها. تجربة صغيرة كشفت لهم الحقيقة... لأظهر الغر الذي لم يعرف يوماً سلاحاً. المتدربون فرزوا للتو إلى مناطق عدة وأرسلوا هنا وهناك استعداداً للمعركة المقبلة. فيما ظللت أنا وكمال في المعسكر نتلقى التدريب. التدريب سريع مباشر، فك وتركيب بندقية، رمي بندقية، استخدام رشاش، رمي رمانة يدوية، كر، فر، حرب شوارع، حرب عصابات... وبدا الأمر ممتعاً كل الإمتاع.. لكن الأمتع كان درس التوجيه، فقد جمعنا ضابط التوجيه تحت أشجار النخيل حيث كان دوي الطائرات مسموعاً، وأصوات الانفجارات ترغمه على التوقف من حين إلى حين، مع ذلك لم يكن يرف لـه جفن. كانت معنوياته في الأوج: -لا يخيفنكم هذا الهدير والدوي، ثلاث عشرة سنة ونحن نعيش تحت القصف والتهديد، فما الذي جرى؟ ها هوذا العراق ما يزال صامداً وهانحن أولاء ما نزال نتحدى الاستعمار العالمي وقواه الشرسة... -لكن المعركة غير متكافئة رفيق، سأله أحدهم، وكان من ليبيا، وفي المعركة غير المتكافئة يهزم الضعيف... -صحيح، رفيق، أجابه ضابط التوجيه، نحن نعلم أنها معركة غير متكافئة ونعلم أنهم أقوى قوتين في العالم تجتمعان علينا.. لكننا نؤمن بالشعب... أجل نحن نؤمن بالشعب الذي يصنع المعجزات... ألم تسمعوا بحرب فيتنام؟ في تلك الحرب ألقت أمريكا بثقلها كله.. لكن الشعب الفيتنامي صد وقاتل، قدم وضحى فمن انتصر؟ -الشعب الفيتنامي... أجبناه بصوت واحد تقريباً وقد سرنا سؤاله. -في الصومال ألم ينهزم الأمريكان في ليلة لا ضوء فيها؟ في لبنان ألم ترغمهم حادثة فدائية واحدة على الخروج مولين الأدبار؟ الأمثلة كثيرة يا رفاق، استطاع فيها الشعب أن يصنع المعجزات... وتذكرت عبارة أخرى قلتها أنت يابنة عمي ومهجة روحي: الحب يصنع المعجزات فهل يعني هذا أن الحب والشعب كليهما يصنع المعجزات؟ لا أدري لكن ضابط التوجيه كان على ثقة تامة مما يقول: -أكبر دليل على ذلك أن عدونا تخبط في أكاذيبه ألم تسمعوا قولهم عن ضربتهم البارعة التي قتلوا بها القائد؟ وانطلقت ضحكات وقهقهات، فالكل كانوا قد سمعوا بيان القائد أمس، والكل كانوا على يقين أنهم كاذبون في ادعائهم... -لقد أراد القائد أن يورطهم في كذبهم، فلم يرد على ادعائهم على الفور بل تركهم يكذبون ويكذبون إلى أن حانت الفرصة، فإذا بهم مجرد أدعياء مغترين، كاذبين مضللين.. وتعالت ضحكات من جديد... فالإعلام الأنكلو أمريكي كان قد ارتكب خطأ فادحاً، إذ ظن أن معلومات مخابراته كتاب منزل لا يأتيه الباطل من أمام ولا من خلف... قالت لهم المخابرات المركزية: صدام في المنزل الفلاني مع قيادته.. اضربوه... ودون أن يدققوا الحسابات أو يفكروا صبوا صواريخهم على ذاك الذي يهدد العالم!! -لكن كيف يبدؤون الحرب دون موافقة مجلس الأمن؟ سألته أنا وقد كان ذلك السؤال يشغلني طوال الوقت. -وهل تهتم أمريكا بمجلس الأمن؟ هل تكن لهيئة الأمم أي احترام أو اعتبار؟ أجاب ضابط التوجيه بطلاقة وكأنما سره سؤالي. لا يا رفاق، أمريكا تعتبر أنها هي سيدة العالم، وأن على الدول كلها في مجلس الأمن أن تخضع لإرادتها وتذعن، تريد فيكون ذلك إرادة مجلس الأمن، تأبى فيأبى مجلس الأمن... نحن كنا نعلم ذلك... لكن كان هناك بعض الأغرار من حكامنا العرب ممن ظنوا أن أمريكا لن تشن حرباً... بل لقد جاء بعضهم ليقول إن الحرب مستحيلة... مجلس الأمن لن يوافق، فرنسا ستستخدم حق الفيتو، روسيا وألمانيا ترفضان، لكننا كنا نعلم أنه متى سنحت لأمريكا الفرصة ستبدأ الحرب ضاربة عرض الحائط بفرنسا وألمانيا، روسيا والصين، بل وبالعالم كله... -لكن هذا بغي، هذا عدوان باطل، سأل مقاتل في الطرف الآخر بدا من لهجته أنه مغربي.. -وماذا يفعل الباغي غير البغي؟ سأل الضابط مجيباً، أيسأل المعتدي إن كان ما يقوم به حقاً أم باطلاً؟ لا، أيها الرفاق... أمريكا مصرة على حربها هذه، منذ زمن طويل تريد خوضها بغية احتلال العراق... هي تريد أن تحتل الوطن العربي كله باحتلال العراق... تريد توفير الأمن لإسرائيل، فلا يهددها بعد ذلك شيء ولا يشكل عليها خطراً أحد.. تريد نهب ثروات الوطن العربي كلها... وما ثرواته؟ النفط محرك العالم وبيت قصيده.. ضع يدك على النفط الآن تضع يدك على العالم... إنها، بالنفط العربي، تفرض إرادتها على أوربا، اليابان، الصين... تعوض مخزونها الذي نفد، توفر فرص العمل لشركاتها واستثماراتها... أهداف كثيرة تسعى إليها أمريكا... وكلها مكشوفة.. المظاهرات في العالم كلها خرجت بهتافات تكشف غايات أمريكا الخسيسة: لا دم مقابل النفط، ارفعوا أيديكم عن العراق الآمن المسالم... لا تحتلوه باسم التحرير... لا ترتكبوا المجازر من أجل المصالح.. لكن أمريكا سادرة في غيها، بريطانيا أذن من طين وأذن من عجين. ثلاثة ملايين بريطاني خرجوا في لندن يحتجون على حرب جائرة لكن بلير لا يرى ولا يسمع.. هو تابع ذليل، فكيف يرفض أمراً لسيده تابع ذليل؟ في روما، مدريد، بل حتى نيويورك نفسها خرج ملايين المتظاهرين وكلهم يندد بالعدوان على العراق، كلهم يطالب بالسلم بدل الحرب، فكلهم يعلم أنه لا مبرر لهذه الحرب المجرمة سوى حب الإجرام ذاته.. إذ كان العراق قد لبى مطالب مجلس الأمن كلها، رغم جورها، وكان قد سمح بتدمير الكثير من صواريخه وأسلحته، وهي حقه المشروع في الدفاع عن نفسه، كما سمح للجان التفتيش بالعودة والتفتيش دون قيد أو شرط... لكن الأنكلو أمريكان أصروا "يخرج صدام من العراق..." وحين جاء وسطاء وبدا أن القائد على وشك أن يقبل حفاظاً على وطنه وصوناً لوحدة ترابه واستقلال بلاده، خرج وولفويتز المخطط الاستراتيجي لأمريكا يقول: "حتى لو خرج صدام من العراق سنحتل العراق". -ألم يكن خطأ إذن، الإذعان لمطالب مجلس الأمن؟ السماح بتدمير الأسلحة؟ -خطأ ربما.. لكن القيادة كانت تتمسك كالغريق بالقشة، لعل وعسى... وكان الوسطاء، الحكام العرب، يأتون ويضغطون: "وافقوا... اقبلوا... لا تدعوا لهم حجة.. لا تتركوا بيدهم ذريعة"... لكن الإذعان لم يجد نفعاً والقشة لم تنقذ غريقاً. -هل تعني أن العراق غارق لا محالة؟ سأله متطوع وشت لهجته بأنه مصري. -لا.. لا سمح الله.. العراق لن يغرق طالما شعبه صامد مقاتل، طالما أخوته العرب، أمثالكم، معه... ألم تأتوا من أرجاء الوطن العربي كله؟ ألا يفور شعبنا ويمور في كل مكان من المحيط إلى الخليج؟ هو يريد من حكامه أن يتحركوا... أن تقاتل جيوشهم إلى جانب العراق.. لكن الجيوش لا تقاتل طالما هي بأمرة الحكام... أما أنتم... هذا الشعب الحي الخلاق فإنه يقاتل ولسوف يقاتل حتى يلقن الاستعمار درساً لا ينساه أبد الدهر... وانتهى الدرس الممتع لننطلق إلى مهاجعنا وقد ارتفعت معنوياتنا حتى السماء. لم نكد نتناول غداءنا، حتى أسرعنا إلى المهاجع نلتف حول أجهزة المذياع، فقد كنا بشوق عارم للأخبار... كنا نسمع إذاعة بغداد وكانت إذاعة بغداد تضج حماسة وحيوية... باثة أغاني وأناشيد يقف لها شعر الرأس وكان ثمة بيانات وتصريحات.. لكن ما لفت أسماعنا وأبصارنا جميعاً تصريحات وزير الإعلام، محمد سعيد الصحاف وهو يرد على أسئلة الصحافيين ساخراً: -قالوا: هي حرب خاطفة نظيفة... بست ساعات سنكون في بغداد وسيكون النظام قد انهار... اليوم يا أخواني هو أربع وعشرون ساعة، وها هو اليوم الثاني على بدء الحرب، بل مرت ثماني عشرة ساعة منه فأين ما ادعوه؟ كيف لم يسقط النظام؟ هم مازالوا في أطراف أم قصر يواجهون مقاتلينا الأبطال، فمن يعلم كم تبعد أم قصر عن بغداد؟ وسمعنا من المذياع ضحكات وقهقهات... هؤلاء العلوج لا شأن لهم سوى الكذب والدجل...، تابع الصحاف، لكأن العالم كله أمامهم طفل صغير يمكنهم أن يضحكوا عليه بأي شيء. تصوروا... يقولون إنها حرب نظيفة... ليأتِ العالم إلى بغداد ويرَ الأبنية التي دمرت، المرافق التي خربت، المنازل التي انهارت، الجسور التي تحطمت وملأت أنقاضها الأنهار، أهذه نظافة، لو عملت مئات الرافعات مئات الأيام لن ينظف دجلة والفرات... هذا الصباح... هذا الصباح... ومع بزوغ أول شعاع للشمس قصف العلوج جسراً قرب راوة لا يستفيد منه سوى الفلاحين والعاملين في الأرض في غدوهم ورواحهم لمزارعهم... وكان هناك العشرات منهم أطفالاً، نساء، رجالاً لطخت دماؤهم كل مكان وتناثرت أشلاؤهم في كل مكان، ويقولون: حرب نظيفة... حقاً إنهم علوج كذابون... واهتز المذياع على ضحكات ساخرة أطلقها الحضور هناك في بغداد... فيما تلفت واحدنا إلى الآخر... إذن كان هو جسر راوة الذي هزنا انفجاره وأجفلنا من نومنا؟ وما شأن جسر ثانوي كجسر راوة بإسقاط النظام في بغداد؟ -لعلهم كانوا يستهدفون معسكرنا نفسه فأخطأوه وأصابوا الجسر؟ فكر أحدهم بصوت عال... -مستحيل... أجاب آخر لو استهدفوا المعسكر لأصابوه... صواريخ كروز دقيقة لا تخطئ هدفها أبداً... هم يريدون أن يدمروا الجسور، الطرق، سكك الحديد، المواصلات، ألم يفعلوا ذلك في حربهم الأولى عام 1991؟ ألم يفعلوه في قصفهم سنة 1998؟ -بلى، رد أكثر من صوت، فيما عادت إلى ذاكرتي صور من تلك الأيام كان التلفاز ينقلها للعالم: جسور تتطاير في السماء، مدارس تتكوم على رؤوس تلاميذها، ملاجئ تشب حرائق بمن فيها... والسلسلة طويلة. كان حقد الأنكلو أمريكان على هذا الشعب الضعيف المسكين فوق كل حد... أهي بابل سبب ذلك الحقد؟ يذكر الصهاينة أيام سبي بابل فيشتد الحقد في صدورهم وتشتعل الضغينة؟ يهود واشنطن لم ينسوا أسلافهم حين حملهم نبوخذ نصر معه إلى بابل... هم الذين عاثوا وأفسدوا فعاقبهم أشد العقاب... أيريد أولئك اليهود أن يثأروا لأسلافهم؟ أن ينتقموا من أبناء بابل اليوم؟ لكن ما ذنب أبناء بابل اليوم؟ أيؤخذ الابن بجريرة الجد رقم مائة!؟ الله!! كم هم عتاة طغاة ظالمون!! بعد الظهر عدنا للتدريب. -قد تدخلون المعركة غداً، وعليكم أن تستعدوا... قال المدرب الفهلوي الذي كنا قد أحببناه كثيراً، فهو يفك الكلاشينكوف معصوب العينين ويفك المسدس ويركبه بدقيقة واحدة، ويرمي الحمامة بمسدسه الطائر، "متى أصبح مثله؟" فكرت وأنا أرقب أصابعه كيف تتحرك بالفك والتركيب ثم وأنا أرى الحمامة تسقط من عالي السماء إثر طلقة من مسدسه. "يا إلهي!! كم أود أن أصبح قناصاً ماهراً.. حتى إذا دخلنا معركة لم أحتج إلا لطلقة واحدة كل مرة يواجهني فيها عدو... "إيه... ما أروع أن تقنص العدو واحداً واحداً وأنت كامن خلف ساترك، تراه ولا يراك، تقتله ولا يقتلك". كانت وتيرة المعركة سريعة، وكان ذلك يقضي منا، نحن المتطوعين العرب، أن نسرِّع من وتيرة تعلمنا، فلا وقت لدعة أو راحة... في الليل تدريب على القتال الليلي، تحت جنح الظلام إجراء مناورات والقيام بغارات. "فالمعركة غير المتكافئة تفرض عليكم أن تستفيدوا من الليل، أن تستخدموا ظلامه ساتراً يحميكم من صواريخ العدو وطائراته، "قال لنا المدرب وهو يعلمنا كيف نستخدم عيوننا لتصبح كعيون القطط، تخترق حجب الظلام وتستغل أضعف قبس من ضوء. طوال ذلك النهار والليل، مثل النهار قبله والليل، كانت الطائرات تسيد وتميد زارعة أرض العراق ديناميت ونابالم يتفجر فيفجر كل ما حوله، يحترق فيحرق كل ما حوله... آلاف الطلعات ذلك اليوم طلعت طائرات الأنكلو أمريكان على البصرة، الناصرية، كربلاء، الحلة، الديوانية.... وحتى الموصل، لكن أشد تلك الطلعات وأكثفها كانت تستهدف بغداد... كان هولاكو يعلم أن الخليفة في بغداد وأنه إذا ما وصل إلى الخليفة وصل إلى ديار الإسلام كلها فخلى كل شيء جانباً ومضى إلى بغداد... اقطع الرأس يمت الجسم... تلك نظرية هولاكو وعلى أساسها خطط ونفذ فلم لا يستفيد من تلك النظرية بوش وبلير؟ بغداد رأس العراق فليدمر ذلك الرأس... ستجد الأطراف نفسها بلا حياة... سينزف دمها كله، دماغها المفكر يموت، وما فائدة جسم بلا رأس؟ ما قيمة رأس بلا دماغ؟ وراحت الطائرات تنقض على بغداد.. الصواريخ تفجر بغداد... كروز، توماهوك، عابر قارات، غير عابر قارات كلها كانت تنهال على بغداد تريد لها أن تصبح قاعاً صفصفاً. الجسور، الطرق، محولات الكهرباء، مضخات المياه، بدالات الهاتف، كل مرفق من مرافق بغداد صار مركز رادار بالنسبة للصواريخ الأنكلو أمريكية يجب تعطيله، كل مركز من مراكز خدماتها صار مطاراً عراقياً يجب تدميره، فإعادة العراق إلى العصر الحجري هدف الأنكلو أمريكان، إذن لماذا لا يقضون على مظاهر الحضارة كلها؟ لم لا يجتثون وسائل المدنية من جذورها؟ كان القصف أكثر من وحشي... قصف لم يشهد لـه التاريخ مثيلاً، فالطائرات سيل لا ينقطع، بعضه يعبر فوق رؤوسنا، بعضه نسمع هديره وحسب، بعضه يأتي من الخليج مباشرة، فحاملات الطائرات تنينات تقبع بعيداً هناك تنفث نارها لهباً وشواظاً على العراق. -الجبناء!!. هتف أحدهم سائلاً ضابط التوجيه.. لم هذا القصف الوحشي كله؟ أتراهم يفعلون ما فعلوه سنة 1991 يقصفون مدة أربعين يوماً ثم يهجمون، أم تراهم كسنة 1998، يكتفون بالقصف دون هجوم؟ -بل سيهجمون، أجاب الضابط. هذه المرة سيهجمون لا محالة. لكنها سياسة الأرض المحروقة... السياسة التي طبقتها فرنسا أيام الأمير عبد القادر الجزائري... يحرقون، يخربون، يدمرون كل شيء قبل أن يبدؤوا هجومهم، فيضمنوا سلامة جندهم... لا يظل جند يقاومون ولا ناس يواجهون... فيحتل جندهم الأرض بكل راحة وهدوء. -تعني أنهم سيستمرون هكذا يقصفون ويقصفون دون هجوم؟ سأله آخر فأجاب: -وكيف يهجمون وهناك مقاومة أرضية تضربهم... جيش يتربص بهم... دبابات ومدرعات بانتظارهم... لا... لا... لن يهجموا قبل أن ينهوا كل مقاومة. قبل أن يصبح العراق أرضاً محروقة متفحمة.... -لكن هذا حرام.. هذه حرب غير عادلة.. سأل ثالث. -وغير أخلاقية أيضاً... هذه حرب غير أخلاقية أيضاً... العالم كله يقول ذلك... لكن هو حكم القوي على الضعيف... أيام زمان كانت الحرب أخلاقية وعادلة... يلتقي جيشان فيبرز أحد الفرسان صائحاً من مبارز؟ من مناجز؟ فيخرج لـه فارس يتبارزان ومن ينتصر تكن لجيشه الغلبة... ألم يربح المسلمون معركة خيبر بمبارزة بين علي بن أبي طالب ومرحب...؟ ألم يشكل قتل علي لعمرو هزيمة للمشركين في وقعة الخندق؟ هكذا كانت الحرب أيام زمان فارساً لفارس، فلا يقتل المدنيون ولا تدمر المدن والقرى ولا يستهدف النساء والأطفال... الحرب للمحاربين فقط... أما اليوم فالحرب هناك، وأشار ضابط التوجيه إلى السماء. الحسم للجو.... من يملك طائرات أقوى وصواريخ أكثر وأبعد يربح المعركة إذ يسلط وحوشه الفتاكة تلك على الأرض حتى يمسح كل شيء عن وجهها مبيداً كل من عليها، بعدئذ يدخل... ألم يحدث ذلك في حرب حزيران؟ أتذكرون؟ لا... لا... أكثركم لم يكن قد ولد بعد.. في حزيران انطلقت الطائرات الإسرائيلية تصب حممها على القوات المصرية في الغرب والسورية في الشرق، حتى لم تبق طائرة ولا صاروخ، مدفع ظاهر، أو دبابة بارزة، بعدئذ هجمت... ست ساعات من الهجمات الجوية حسمت معركة حزيران وفتحت أبواب النصر لإسرائيل... -تعني أن المعارك تحسم دائماً جواً؟ -أجل، دائماً الحسم للجو... المعارك الحديثة كلها تحسم جواً... -وحتى هنا... ستحسم جواً؟ -هم يتصورون ذلك، لكن نسوا أن الأمر مختلف هنا. هم يريدونها حرباً عادية ونحن نريدها حرباً شعبية وفي الحرب الشعبية الحسم للشعب لا للجو.. لذلك ثقوا بأنفسكم وثقوا جيداً أن العراق أعد عدته للحرب الشعبية هذه... وأنه سيفوت عليهم مثل هذه الفرصة... -كيف؟ سألته بنفسي وقد شعرت بشيء من الخوف وهو يتكلم عن الجو والحسم الجوي. -نحن نعلم مسبقاً أن العدو سيطبق هذا التكتيك، فاتخذنا احتياطاتنا كلها لنقلل ما أمكن من خسائرنا إذا ما بدأ قصفه الجوي... لجأنا إلى أمنا الأرض التي يمكنها أن تخفي كل شيء... احتمينا بأمنا الأرض فحفرنا في بطنها الملاجئ والخنادق، أخفينا المدافع والدبابات، الصواريخ والطائرات... بحيث لا تطال يدهم شيئاً منها...أنتم هنا في المعسكر منذ يومين.. أرأيتم مدرعة؟ دبابة؟ -لا.. انطلق أكثر من صوت. -عظيم.. المعسكر مليء بالمدرعات والدبابات وقد اختفت في باطن الأرض... فليقصفوا ما شاء لهم القصف... لن ينالوا منا بقدر قلامة ظفر... -لكن لم حسمت إسرائيل معركة حزيران جواً هناك ولا يستطيع الأمريكان حسمها هنا؟ -لسببين، بدأ إجابته: الأول أنها لن تكون حرباً كلاسيكية بل حرب شعبية كما كانت في فيتنام، والثاني: المفاجأة.. والمفاجأة دائماً نصف النصر، رد ضابط التوجيه الذي بدا معتداً بنفسه ومعلوماته كل الاعتداد.. في حزيران كانت المعركة مباغتة... عبد الناصر، السوريون، العرب، بل العالم كله لم يتوقع أن تبدأ الحرب في الخامس من حزيران، فقد كانت هناك مفاوضات وكان هناك وسطاء يتدخلون لمنع الحرب، بل كان هنالك تأكيد من الولايات المتحدة أن إسرائيل لن تبدأ الحرب أبداً، ثم تكشف أن ذلك كله احتيال وخداع، غايته طمأنة عبد الناصر حتى لا يتخذ احتياطاته للحرب... وجاءت المفاجأة فبوغتت الطائرات العربية وهي في مطاراتها، وفي وقت لم يخطر ببال أحد أن يكون هو موعداً لبدء الهجوم...
وتوقف الضابط لحظة من الزمن شرب بها كأس ماء ثم تابع: هنا، العكس هو الصحيح.. نحن منذ ثلاثة عشر عاماً في حرب مع الأنكلو أمريكان... حربهم الأولى عام 1991، علمتنا كم هم مخادعون كاذبون، حربهم الثانية عام 1998، أكدت لنا كم هم أشرار حاقدون.. حظرهم الطويل، حصارهم الشديد كل هذا جعلنا نتخذ أقصى الإجراءات الاحتياطية، فلا يظهر لنا سلاح، ولا ترانا عين قمر تجسسي من أقمارهم... باطن الأرض هو ذا ردنا عليهم... بدلاً من ظهرها نلوذ بباطنها... ومع الزمن صار لنا باطنها الملجأ الدائم والمسكن الآمن... القيادات، الأفراد، الأسلحة، المعدات... كل شيء.. كل شيء. تحت الأرض... فليضربوا ما شاؤوا... ستظل قواتنا سليمة آمنة تنتظرهم على أحر من الجمر، فإذا ما خيل إليهم أنهم أبادوا كل شيء، حرقوا الأرض، ومهدوا الطريق فأرسلوا قواتهم البرية، خرجت لهم قواتنا تفاجئهم ثم تبيدهم عن بكرة أبيهم... ليست القوات العسكرية وحسب بل الشعب كله سيخرج: سبعة ملايين بارودة وزعنا على الشعب، فأي عدو لا يستطيع أن يهزمه سبعة ملايين مقاتل؟ وانطلقت هتافات فرح وتصفيق أكف فقد كان ضابط التوجيه بارعاً في الوصف والشرح... -إذن، المعركة معركة مفاجأة... سأل كمال هذه المرة... من يفاجئ من؟ هي ذي المسألة. -بالتأكيد... وهي معركة شعب أيضاً... ولمعركة الشعب حسابات لا تعرفها معركة الجند.. ألم تسمعوا ما حدث في أم قصر اليوم؟ -بلى.. تعالت الأصوات مجيبة... فقد أمضينا طوال فترة القيلولة نسمع الأخبار والمقابلات وكانت جلها عن معارك أم القصر وكانت تبشر بالخير. يومين كاملين ظلت القوات الأنكلو أميركية تقصف أم القصر، تابع الضابط شارحاً.. قصف... قصف، بالصواريخ، بالطيران، بالبوارج الحربية، بالمدفعية البرية حتى غدت أم قصر جحيماً أو أشد من الجحيم... وحتى خيل إليهم اليوم أنه لم يبق في أم قصر صافر نار... صارت أم قصر أرضاً محروقة، ليدخلوها إذن... وجاءت القوات تدخل، فماذا حصل؟ خرج لهم المقاتلون الأبطال من تحت الأرض: مليشيات مقاومة، فدائيون، جيش قدس، نساء، رجال... ونشبت معركة لم يملك معها العدو إلا أن ينهزم متراجعاً وقد تزعزعت صفوفه وانهدت أركانه... ومن جديد انطلق التصفيق وهتاف الفرح، هنيهة ثم تابع... هكذا سنفعل بهم في كل مكان... ستكون كل مدينة وكل قرية وكل دسكرة في العراق أم قصر أخرى تلقن العدو درساً لن ينساه... -لكن لم خرقوا تكتيكهم وهاجموا أم قصر فقط؟ سأل أحد الرفاق، وقد كان شيئاً يلفت النظر فعلاً... هم يقصفون فقط.. تكتيكهم الأرض المحروقة... لا يبدأ هجومهم البري إلا وقد حسموا المعركة جواً فلماذا هذا الاستثناء؟ -أنا أقول لكم... بدأ ضابط التوجيه بعد إطراقة من تفكير، في الحرب هناك ما يسمونه بالون اختبار... فأنت تطلق بالوناً في الجو كي تختبر اتجاه الريح، سرعتها، قوتها،... وفي الحرب تناوش هنا، تفتعل معركة هناك فقط كي تختبر خصمك: يقاتل، ينهزم، يصمد، يستسلم... نوعية سلاحه، تماسك جنده... الخ... وأم قصر بالون اختبار، أراد الأنكلو أمريكان أن يجربوا المقاتل العراقي ليعلموا كيف ستكون حربهم حين يبدؤون هجومهم البري... ثم لا تنسوا... أم قصر بلدة صغيرة على حدود الكويت، بل نصفها عراقي ونصفها كويتي، فيها ميناء هام لتصدير النفط، الهجوم عليها يحقق أكثر من هدف بكثير. وكان الضابط على حق.. فخروج المقاتلين العراقيين على نحو مباغت وتصديهم للعدو خيب فأله وأحدث لـه صدمة... أخبار أم قصر الطيبة كنا قد سمعناها من الصحاف وزير الإعلام، ذلك العصر، وكانت كلها تؤكد أن خسائر فادحة وقعت بالعدو وأنه فوجئ تماماً فلم يستطع إلا أن ينسحب... "يا إلهي؟! أصحيح... ستكون كل قرية ومدينة في العراق أم قصر أخرى!!" قلبي يدعو، عيناي تتضرعان، قلوب الرفاق، عيونهم كلها تدعو متضرعة لله، رب الحق والعدالة، أن يجد الأنكلو أمريكان في العراق بلداً موحداً قوياً وشعباً صامداً مقاتلاً فيردهم على أعقابهم مدحورين، هم الذين ما فتئت طائراتهم وصواريخهم تدك البصرة، الموصل، بغداد... تحيلها كلها إلى جحيم من نيران وحرائق صبغت الأفق في الشرق والجنوب بحمرة الدم والنار... أنظر إليها وأنا ذاهب إلى فراشي فلا أملك إلا أن أهتف: "أواه!! ما الذي حل بك يا بغداد؟" لكن ما إن أدخل فراشي، وفراشي بطانية تحتي وأخرى فوقي.. حتى أنتقل إلى عالم آخر وأتذكر بغداد أخرى... غالية على قلبي عزيزة فوق كل تصور مهددة أيضاً بالخطر... فأغمغم في سري... "أواه!! ما الذي حل بك يا ديمة؟" | ||||||||||||||||||||||||