|
||||||
| Updated: Tuesday, June 15, 2004 01:14 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
العنــقـاء كنت في المطبخ أعد طعام الغداء، سمعت ما يشبه صرخة "يما" تخترق مسمعي، أجفلت فزعاً... فالصوت صوت همام. وقع الصحن البلوري من يدي وانكسر متحطماً إلى شظايا... ازداد فزعي، فصوت التحطم بلغ غرفة ديمة. -ماذا هناك، يما؟ جاءني صوتها راعشاً، كأنما وصل الفزع إليها مع صوت التحطم. -لا... لا شيء ديمة... صحن انكسر... أجبتها من المطبخ لأعود لأفكاري وكلي عجب واستغراب. "همام في البلد، فكيف أسمع صوته هنا يناديني؟... صوته الذي أعرف كل نبرة فيه؛ كل نأمة أيخفى علي؟ لكن هذا مستحيل... أنت تتوهمين يا ناجية!! همام تركته هناك، على عجل ودون أن تفكري بشيء... همك الوحيد كان أن تأتي إلى دمشق... هو نفسه قال لك إن صهرك اتصل وإن ديمة مريضة وهي بحاجة ماسة إليك... فكيف تفكرين بعد ذلك بأحد سواها؟ الشيء الوحيد الذي فكرت به حينذاك: أذهب إلى دمشق مع زوجي أم مع همام؟". كنت أعلم أن من الصعب على زوجي أن يترك المحل... من الصعب عليه جداً أن يعيش في بيت الصهر... أن يقتلع من جذوره الفراتية وينغرس على ضفاف بردى حتى ولو أياماً فقط... فسألت ابن أختي همام "تذهب معي؟" لكن هماماً يكره الذهاب إلى ديمة... يبغض زوجها أشد البغض، فكيف يساكنه بيته؟ وأرسلته إلى عمه في المحل يأتي لي به... همام ابن أختي... أنا أعرفه جيداً إن قال كلمة ظل عليها لا يتغير ولا يتبدل.. هو عنيد... ربيته من الصغر وأعرفه.. ابناً لي وأكثر، أنا التي ليس لها ابن... فصار أغلى من أي ابن حملته في بطني... صار فلذة من كبدي أناديه "يما" ويناديني "يما".. هذه الصرخة ذاتها التي سمعتها قبل قليل والتي أقسم إنها جاءتني واضحة صريحة بغير لبس... لكن لم تراه يناديني بذلك الصوت الراجف المليء خوفاً ووجعاً؟. أأصابه شيء؟ أهو يستغيث بي وقد وقع في مأزق؟ الأولاد لا يستنجدون إلا بأمها تهم في المواقف الصعبة.. أهي الغريزة التي تجعل الأم هي الألصق؟ الحضن الذي يتذكره الابن دائماً وقد احتضنه صغيراً وحماه... من يدري؟ هم يسمونه: خواطر... مخاطر... لا أدري بالضبط.. وقفت أتذكر... ديمة حدثتني ذات يوم عن الأمر.. علماء في أوروبا وأمريكا، كما قالت، يدرسون هذه الظاهرة... أجل... يسمونها ظاهرة عرفها الإنسان في الماضي كما عرفها في الحاضر... وقد عرفها في شرقي الأرض كما عرفها في غربيها... يكون المرء جالساً فيخطر بباله فجأة زيد من الناس ويأتي على ذكره مباشرة ثم لا تمر ثوان حتى يظهر هو نفسه ويضحكون في بلدنا مرددين المثل القديم: "ابن الحلال عند ذكره بان".. أو يقولون "اذكر الذيب وهيئ القضيب" بل مرة؛ كما حدثتنا ديمة، كانت أم أمريكية يحارب ابنها في فيتنام، مشغولة في البيت، فجأة مثلت أمام عينيها صورة ابنها وهو يقع على الأرض مضرجاً بدمه... بعدئذ بساعات أخبروها أن ابنها قتل في المعركة وفي تلك الساعة بعينها فلم تفاجأ... لقد رأته بأم عينها بطريقة... ماذا يسمونها... هذه الظاهرة يا ناجية؟ سأسأل ديمة... أجل.. أجل... التخاطر. تذكرت فجأة فقد كانت تحدث معي كثيراً وكانت تشغلني، لهذا سألت عنها ديمة حين صارت قابلة... شبه طبيبة... والأطباء يعرفون... إذن، صرخة همام صحيحة... بالتخاطر وصلت إلي، فهل هو في ورطة؟ هل حل به مكروه؟ وهززت رأسي نفياً: أي مكروه سيحل به وهو في بيته وبين أهله؟ مع ذلك لم أملك إلا أن أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، هادم اللذات ومخرب البيوت... لا، لا... كل شيء عدا همام... هو الذكرى الوحيدة التي تركتها لي أختي، أغلى الناس على قلبي... فحل هو محلها... هي التحقت بالرفيق الأعلى فالتحق هو بي وليس لـه سواي... احتضنته كما لم تحتضن أم فلذة كبدها... بل كان مواساتي وقد ناخ الدهر علي بكلكله وكان عزائي وقد حرمت من كل عزاء... فالموت كان يلاحق نسلي... صبياناً... بنات... لم يترك لي الموت سوى ديمة... الأطباء قالوا إنه عدم تجانس الدم بيني وبين زوجي... زمر دموية، ما أدري أيش... موجب.. سالب... ما أدري أيش... فيأتي الجنين وأمامه أحد خيارين: إما أن يسقط طرحاً قبل أشهره التسعة وإما أن يولد ليعيش شهراً أو شهرين ثم يموت. الاستثناء الوحيد كان ديمة، هي التي ظلت ناحلة لا تكسب صحة ولا تربو وزناً، فكانت دائماً مصدر خوف لي ولأبيها... أتلحق بأخوتها وأخواتها؟ أتموت هي الأخرى فتكتمل المأساة؟ وكان همام العزاء الذي أواسي به نفسي... أنا وزوجي... فكرت حين رفض مرافقتي أن بيده حقاً. صحيح أنني أفضل رفقته أكثر من رفقة عمه، فهو يسليني، يروي لي القصص، يبوح لي بأفكاره ومشاعره، لكن الصحيح أيضاً أن دمشق كلها كريهة إلى قلبه، وأن البيت الذي سآخذه إليه هو أكره البيوت طراً والرجل، صاحبه، هو الغريم الذي يود ألا تراه عينه أبداً... فكان لابد من أخذ البديل: عمه... لم يكذب الرجل خبراً... فقد جاء مسرعاً ملهوفاً يسأل عن أخبار ابنته. "أظنه المقدور، مسلم" قلت زافرة وقد اعتمل الهم جياشاً في صدري... "لا... لا تقولي ذلك، ناجية". أجاب بخوف شديد، فقد كانت نقطة ضعفه الوحيدة ديمة... ابنته التي تعلق بها منذ الصغر وعقد عليها آماله. كل موت كان يواجهه بشجاعة حتى الولد الثالث، بعد ذلك صار يخاف... يكاد ينهار إذا ما ماتت لـه ابنة أو ابن. بعضهم نصحه "تزوج بأخرى... أنت وناجية لا يسلم أولادكما... تزوج غيرها يسلم أولادك... "لكنه رفض" أملي بالله كبير... لابد أن يأتي يوم ويسلم الأولاد". بعد ذاك جاءت ديمة وسلمت وبدا أكثر تفاؤلاً وأملاً... كما اطمأنت نفسي قليلاً. إذ لا أكتمكم الحقيقة، كنت خائفة بل خائفة كثيراً... كان كلام الناس يصلني، وكان إلحاح أقربائه وأصحابه على أن يتزوج يبلغ مسامعي فأرتجف... "ماذا لو طلقني؟ ماذا لو تزوج علي ضرة يأتيها صبيان وبنات وتصير آمرة علي ناهية؟ أليس الموت خيراً لي وأشد رحمة؟ "كنت أعلم أن المرأة لا ضمانة لها في مجتمع كمجتمعنا... هي مسكينة، مستضعفة.. بل ضلع قاصر كما يقولون، يمكن للرجل أن يسومها مر العذاب ولا أحد يحاسبه، يمكنه أن يستبد بها، يضطهدها ولا تجد ظهيراً أو نصيراً.... الرجل يتزوجها من أجل النسل فإن لم تأته بالنسل الذي يحب لا يشفع لها شيء... يمكنه أن يلقيها على الرصيف بكلمة واحدة: ذلك السيف المسلط على رقبة المرأة: الطلاق، أو يدوس عليها بقدمه ويمسح بها الأرض بتصرف واحد: الزواج الثاني... فماذا بيدها أن تفعل..؟.. مسلم ابن عمي؛ لم أر نفسي إلا وأنا مخطوبة له، متزوجة، لم يستشرني أحد، لم يسألني هو رأيي... ولماذا أخذ الرأي؟ ابنة العم في عشيرتنا لابن عمها طالما هو يريدها، ذلك أيسر سبيلاً وأكثر راحة. في زواج الأقارب يرتاح الرجل من المهر الغالي ومشاكل الخطبة والزواج والحساسيات بين العشائر والثارات... لذا غالباً ما تجد الأخوة يقولون لبعضهم بعضاً "نضع جبناتنا على خبزاتنا... وكفى الله المؤمنين شر القتال" أو "الأقربون أولى بالمعروف... فلم البحث عن الغريب؟" لهذا السبب، بالطبع، لم أفكر يوماً بأحد غير مسلم، ذلك أنني مذ عرفت الدنيا عرفت أنني له، وأنه لي، لكن المشكلة أن ابن عمي لم يبادلني عمره كلمة حب واحدة، ولا عرفت مغازلته... ففي عشيرتنا الحب حرام، ومغازلة ابنة العم أشد حرمة "هي عرضك... فكيف تعرضها للضعف والاستسلام؟ استسلامها خيانة فكيف تزلقها إلى مزالق الخيانة؟" وكانت علاقتنا جدية صارمة دائماً، هو الرزين الرصين الأميل للعبوس دائماً. بعدئذ فهمت أنه، بعبوسه يريد أن يزرع في نفسي الرهبة والهيبة، ولم أكن أعترض على ذلك، المرأة في بلدي ترهب زوجها دائماً وتهابه، بل في بلدي الرجل الذي ليس لـه رهبة أو هيبة ليس رجلاً.. وما كنت أتمنى يوماً أن يكون زوجي إلا رجلاً بكل ما في الكلمة من معنى... أثبت مسلم أنه ذلك الرجل منذ ليلتنا الأولى... ليلة الدخلة!! آه يا لتلك الليلة كم كانت مخيفة رهيبة! بنات بلدي كلهن يخشين ليلة الدخلة.. يسكن قلوبهن الذعر منها، أنا نفسي كنت أرتجف وأنا أتصور نفسي عروساً ذاهبة إلى ليلة دخلتها... مخاوفي تحققت... فقد كان مسلم رجلاً ككل رجل في بلدي وعشيرتي... عليه أن يفعل ما يفعلون أو كانت وصمة عار في جبينه، لا يمحوها شيء. ولكي لا تكون كذلك، وجدته يستقبلني بحاجبين مقطبين ووجه عبوس قمطرير وخيزرانة بدت سوداء كالحة كوجه الشيطان، لا.. لا تقولوا الخيزران ذو لون بني أصفر... تلك الخيزرانة كانت سوداء قاتمة وكانت صرخته بي أشد قتاماً وسواداً. "اخلعي حذائي". ترددت قليلاً في الانكباب على حذائه، إذ كيف يطلب مني القيام بمثل ذلك العمل المهين، وللتو انهالت علي الخيزرانة؛ هذه توجعك يا ناجية... تلك لا توجعك، وناجية تتحول إلى قنفذ دون أشواك يلوذ بالأرض محاولاً الاحتماء من وحش مفترس. عشرين، ثلاثين، خمسين لا أدري كم مرة انهالت علي الخيزرانة موجعة حارقة تسلب القلب سلباً... أجل مع كل ضربة كنت أشعر أن قلبي يسلب من صدري، وأن دمائي تتوقف عن الجريان وأن أنفاسي تنقطع، فأهم بالصراخ، لكن صوته الراعد كان يوقفني "اخرسي.. لا أريد لصوتك أن يطلع، لا أريد لأحد أن يسمع... أو ذبحتك بالسكين ذبح النعاج". وأمسك الهلع بتلابيبي. "من يرده!؟ أنا ملك يده.. جارية حقيرة.. أمة كسيرة.. دفع ثمني مالاً يسمونه مهراً، فما الذي يمنعه من التصرف بحر ماله؟" وخرست... رحت أعض على لساني... بقوة أعض حتى أحسست بمذاق الدم في فمي... كان مذاق الدم قد تسرب إليه من قبل... من يدي... من كتفي.. من عنقي... لكن لدم اللسان طعماً آخر أشد هولاً فأخافني أكثر "ماذا لو انقطع لسانك يا ناجية؟ ستصبحين خرساء لا تستطيعين الكلام... دعي لسانك وشأنه إذن، دعيه". وهكذا تحولت من لساني إلى شفتي... أكز عليها وأنشج باكية دون صوت، نائحة دون ندب.. فالخيزرانة تهدد بويل أعظم وثبور أشد. التعب وحده هو الذي أوقفه وليس الشفقة علي.. صحيح أنني كنت أتوسل إليه بعيني، بصوتي المكتوم، بدموعي المنهمرة لكن الصحيح أيضاً أنه لم يول اهتماماً لذلك كله... كان همه أن يثبت لي رجولته، أنا المرأة المسكينة المستضعفة... ثم يثبت لي فحولته... أنا الملقاة أرضاً التي لا تستطيع دفعاً عن نفسها ولا مقاومة.. ولقد أثبت... خلال دقيقة أو ربما أقل انتهى كل شيء لأشعر بدم آخر ينسال بين فخذي ولأرى وجهه يشرق بهجة وسروراً... "ابنة عمي عذراء" كان يقول في نفسه ولا شك، كما يقول في تلك المناسبة الرجال كلهم. "هي لم تنحرف ولم تخن من قبل، إذن هي تستحق أن تكون زوجتي...." وكانت الزوجة مرهقة إلى حد الإنهاك، فلم تبال بشيء سوى الانطواء على نفسها ولعق جروحها، فيما شال هو برأسه مزهواً بفحولته وخرج، ربما كي يحتفل بانتصاره. تلك القسوة لم أكن أتصورها فيه، بعد تلك الليلة أدركت أنني كنت على خطأ... فقد كان يترك دائماً هامشاً واسعاً بيني وبينه لا يسمح لي بإلغائه. كلامه جد، حركاته، نظراته، كلها موزونة وكلها تعني... "حذار.. أنا هنا السيد المطلق. "كنت أعلم بالطبع أن زوجي رجل كرجال الشرق جميعاً... سيد مطلق لا يسمح لكائن أن ينافسه فكيف إذا كان هذا الكائن امرأة؟ لقد كان هناك نظام صارم يعيش وفقه، وكان علي أنا أن أتبعه دون الإخلال به قيد شعرة. الأكل في مواقيت محددة، يفيق الفجر للصلاة، إذن على القهوة أن تكون جاهزة حين يعود، ثم الإفطار الذي يريده من بيض وعسل، زبدة وقشطة... فهو بحاجة لغذاء جيد يعوض ما يصرفه في الليل. عند الظهيرة، يعود من المحل في ساعة محددة، إذن، علي أن أقدم لـه الطعام جاهزاً في تلك الساعة... هو يحب أن يأكل بمفرده لا تشاركه امرأته، فالنساء في بلدي لا يؤاكلن الرجال... بل يأكلن فضلات الرجال... لـه حجرة خاصة مستقلة قريبة من باب الدار، يستريح فيها، يستقبل ضيوفه، يمضي سهراته ثم ينام... وإذا ما شعر بحاجة إلي يشير لي أن تعالي فأجيء طائعة، وهل تملك الجارية إلا أن تطيع!.؟ صحيح أنني كنت أفعل ذلك وأنا أشعر بغصة.. فقد كان حلمي أن أعيش مع ابن عمي حياة مختلفة عن حياة الآخرين.. حياة المشاركة والتفاهم والحب... حياة زوجين لا تفصل بينهما هوة ولا تقوم حواجز.. هو لها بكليته وهي لـه بكليتها... لكن الصحيح أنه لم يستطع أن يكون مختلفاً، الرجال في بلدتي الفراتية صبوا في قالب واحد جميعاً فخرجوا بمقاييس واحدة ومعايير واحدة لا يختلف بعضهم عن بعض في شيء. الرجل يمازح امرأته ويلاعبها؟ هذا عيب. يطلعها على أملاكه وأمواله؟ هذا ضعف، لا يستطيع بعده أن يأمن شرها أبداً فليخفِ عنها أمواله وأملاكه... يشاورها بشيء أو يأخذ رأيها بشيء؟ إنه العار والشنار... فهي ستملكه وتركب على ظهره... وكان ذلك يحزنني... " يا لها من أعراف قديمة وعادات بالية لكن رباه لم وجدوا تلك الفوارق بين الرجل والمرأة؟ لم وضعوه في أعلى عليين ووضعوها في أسفل سافلين؟ أليس في هذا الظلم كله؟ ألم يخلق الله الإنسان من ذكر وأنثى... كلاهما روح... وكلاهما مسؤول أمام ربه بالحقوق نفسها والواجبات ذاتها؟" كنت أفكر وأنا على يقين مطلق أن على تلك الأعراف والعادات أن تتغير فتصبح المرأة صنو الرجل.. نده في الحياة كما هي نده في الممات. كما كنت أحلم بمجيء ذلك اليوم، إن لم يكن من أجلي أنا فمن أجل بناتي... كنت قد تعلمت القراءة والكتابة لكن لا أكثر وكان يتأكلني شوق عارم للعلم، لكن حسب الفتاة في بلدتنا الفراتية أن تصل إلى الصف السادس، تفك الحرف وكفى، أما أكثر من ذلك فمن النوافل التي لا مبرر لها ولا ضرورة. كنت أعلم أن العلم وحده هو طريق المرأة إلى الاستقلال والتحرر من ربقة الطغيان الذكوري وكنت أحلم أن أرى ابنتي متعلمة متحررة قادرة أن تتخذ قرارها بنفسها وتخلص من قسوة الرجل وظلمه... قسوة مسلم ازدادت بمرور الأيام من جهة، وموت أجنتي في بطني وخارج بطني من جهة ثانية. الهوة التي بيننا اتسعت أكثر وأكثر بفعل الخيبات والمرارات ونحن لا نرزق بولد يكون قرة عيننا ولا تسلم لنا حتى بنت تغدو زينة البيت.. مع ذلك لم يعط علي ولم يسمع كلام الناس... وتلك خلة من خلال مسلم أحترمه من أجلها: الوفاء... فهو وفي، مخلص لا يعرف الزائحة وكم تحب المرأة في الرجل الوفاء والإخلاص!؟ ثمة شيم أخرى فيه أحبها، لكنها كلها لم تخفف قلامة ظفر من قسوته. نقطة ضعفه الوحيدة كانت ابنته، فهو معها شيء آخر، كأنما هي بعيدة كل البعد عن جنس حواء لا يربطها به رابط... هو يداعبها، يلاعبها، يضحك لها، بل يركبها ظهره... تصوروا... مسلم الذي يأبى مجالستي ومؤاكلتي يجعل ابنته تركب على ظهره ثم يمشي بها، فرساً مروضاً مطيعاً، ولعل ذلك ما جعلها تصل إلى مبتغاها دائماً، فهو يحبها حتى درجة العبادة، روحه معلقة بها حتى الموت. قلت لـه "ابنتك في خطر... لنمض إليها"، فلم يتلكأ ولم يتردد... حزمنا متاعنا على عجل ومضينا، ركبنا السيارة فانطلقت تنهب بنا الأرض نهباً يشغلنا هم واحد: ديمة وقد أحدق بها الخطر... كيف لا والموت هو الشبح الذي ظل يطاردنا باستمرار؟ ألم يقض على عدة أجنة في بطني؟ ألم يذهب بعدة أطفال لي وهم ما يزالون في اللفائف؟ بلى، كان الموت يسير في ركابنا دائماً، حتى قالت لي بعض النسوة "أنت مرصودة... ثمة جني حاقد يقتل أولادك، اطرديه" ولم أدر يومذاك كيف لأحد أن يرصدني، فيركبني جنيّ كلما شعر بحمل في بطني قتله، أو تركه، كي يقهرني أكثر، إلى أن أكحل عيني بمرآه وأعمر صدري بالأمل به، فيمسك بتلابيبه إلى أن يلفظ أنفاسه. مع ذلك صدقت قول النسوة. لكن كيف أفك الرصد؟ النسوة يعرفن الجواب... فالخبرة الطويلة جعلت لهن عالمهن الخاص، مفاهيمهن الخاصة، طقوسهن الخاصة، وعلى عالم الحريم أن يكون كذلك أو عجز عن الوقوف ليلة واحدة ضد عدوه. الأوحد: الرجل. طبقاً لتعليماتهن ذهبت إلى الشيخ مجوز... مجوز؟ اسم مضحك قليلاً، أليس كذلك؟ لا أدري تماماً ما يقصدون به، أهو كثير الجواز (الزواج بعد إبدال الأحرف في لهجتنا المحكية)؟ أم هو اسم المزمار في بعض اللهجات؟ أم لا هذا ولا ذاك بل لـه معنى ثالث!.؟ المهم ذهبت إليه، كتب لي الحجب.. مرستها بالماء وشربت نقيع بعضها، فيما علقت بعضها الثاني على المنزل وحشوت المخدة ببعضها الثالث.. فقلت العجب العجاب، مع ذلك لم يجدني كله نفعاً... فالأجنة ظلوا يسقطون وكأنما رحمي أرض بوار لا ينبت فيها زرع إلا لكي يموت... فكيف يا ترى لا يرهبنا الموت؟ كيف لا نطير إلى ديمة ونحن نعلم أنها مهددة بالموت؟. -"يما"، جاءني النداء هذه المرة لكن بصوت ابنتي الوحيدة وهي تصرخ صرخة أعرف تماماً منشأها... تركت كل شيء من يدي وغادرت المطبخ إلى غرفتها بأقصى سرعتي.. هذه الصرخة تركت بيتي وبلدي قبل عشرين يوماً من أجلها... فكيف لا أترك المطبخ الآن؟... -ماذا يا بنيتي؟ تشعرين بشيء؟ سألت وأنا أنكب عليها متفحصة سيماء وجهها وقد تقبض تقبضاً تاماً... -أشعر يما.. أشعر.. الطلقة الأولى جاءت يما.. -هو المخاض إذن... استعدي يا بنيتي... إن شاء الله اليوم تخلصين بالسلامة ويجيئك مسلم... قلت بشيء من ممازحة أردت بها التخفيف عنها، أم يريدان تسميته على اسم أبيه؟ قلت وأنا أشير إلى جهة من الدار تعرف مغزاها. -اسم أبي... اسم أبيه... لا يهم... يما... المهم يجيء الولد... -والمهم تخلصين بالسلامة، قاطعتها وأنا أمسك بيدها تشجيعاً لها. -اتصلي بمازن، يما، اطلبيه بالحال، قالت وهي تشير إلى الهاتف، فلم أملك إلا أن أسرع إلى حيث كان، لكن قبل أن أصل إليه، كانت أم مازن، بكل لهفة الأم ولوعتها، ترفع السماعة وتدير الرقم. -أنا أحكي معه... قالت الأم وهي تتعجل النداء، على محياها الخوف وفي عينيها التوجس، ربت كتفها بنوع من المشاركة الوجدانية والعرفان، ثم عدت إلى ديمة أمسك بيدها علها تستمد من يدي القوة والشجاعة... لكن وجهها المصفر، عينيها المذعورتين، شفتيها الراجفتين، كلها كانت تسلبك الطمأنينة... كان الطبيب قد منعها من القيام بأية حركة، بل طلب إلى مازن أن يمنعها حتى من الذهاب إلى المرحاض، فهي في السرير مستلقية تقضي حاجاتها هناك، وكان مازن محباً شفوقاً لو استطاع لوضعها داخل عينه وأطبق جفنيه... هذا الحب!! أليس هو ما كنت أحلم به؟ هذا الرجل، أليس هو ما تبغيه المرأة فلا تحتاج معه إلى ما يقيها البرد؟.. ترى، ماذا هناك أروع من رجل كله حضن دافئ؟ قلب حنون؟ مشاعر وهاجة تحرق ما بينك وبينه من خبث ليبقى الحب نقياً خالصاً من كل شائبة. لطالما حدثتني ديمة عن حبه... أجل... كان يسعدها كل السعادة أن تتحدث عن غرامها به وغرامه بها، لكأنه قيس حقيقي وهي ليلى العامرية، بل أكثر من مرة ذكرت لي أنه يحفظ معظم أشعار الغزل ويرددها على مسامعها، فأغبطها في سري وأهنئها في علني". هنيئاً لك!! يغازلك رجلك!؟. إذن كم أنت سعيدة الحظ يا بنتي!! كم تغيرت الدنيا!! "وكانت تضحك فقد كانت تعلم أن أباها حرمني عمري كله من متعة الغزل، تلك كما قطع كل ما بيني وبين الحب من جسور!! "تعلمين يما؟" قالت لي ذات يوم، معترفةً بحبه آملة أن تكسبني إلى جانبها في معركة حبها. "أشعر بمازن وكأنه يريد الحب للحب" لم أفهم ساعتئذ قصدها فشرحت لي "ألا يقولون حب الفن للفن، حب المال للمال، حب السلطة للسلطة؟ كذلك الحب للحب فلا يريد جزاء ولا نفعاً مادياً". "هذا الآن، لكن ماذا بعد؟" سألتها هازةً رأسي. "كل حب لابد أن يتجسد أخيراً في شكل مادي، عملٍ حسي، وما أحسب مازناً إلا مطالباً إياك ذات يوم بحقه في هذا التجسد". يوم ذاك راحت ديمة تدافع عنه: "هو روحاني، شاعر، رومانسي... إلى ما هنالك من كلمات أفهم بعضها ولا أفهم أكثرها، كم أنشدت لي أشعاراً كان ينشدها إياها يعجب المرء لها ولا يكاد يصدق. لم أحفظ تلك الأشعار لكنني حفظت معناها، فجميل يرضى من بثينة بأقل الأشياء، يرضى حتى بما لو أبصره العذول الواشي لما ثارت لـه ثائرة، يرضى منها أن يراها في السنة مرةً واحدة فأي حبٍ عذري هذا؟ وأي متيم مازن، لو أن الأم تحسد ابنتها، إذن لحسدتها. لكنها ابنتي، امتدادي عبر الزمان، فكيف أحسدها؟ هو الحب الذي كنت أحلم به وحرمني الزمان منه، لكنه حققه لابنتي، أو لا ينبغي أن أكون سعيدة؟ لكن ابنتي مريضة بقصور القلب، محرم عليها الزواج فكيف تفكر بالحب؟ سألتها حيذاك فقالت. "إن كان قد حرمني الزواج أيحرمني الحب!؟". "سؤال وجيه، لكن الخشية أن يجرجرك الحب إلى ما بعده.. فتقعي في المحظور".. "لا، يما، أنا أعلم حدودي ولسوف أقف عندها"، "لكن هو، أيعلم تلك الحدود؟ أيعلم أنه محظور عليك الزواج؟". ".. لا، طبعاً". قالت لي وهي تطرق ملياً لكأن السؤال أثار في نفسها مواجع ومواجع. "هو يعلم فقط أن ظروفي لا تسمح بالزواج وأن ابن عمي كان يريدني، لكنني رفضته.. فحسبنا حباً عذرياً لا يضر بأحد"، "واقتنع بهذا الكلام؟" سألت بكثير من الاستغراب، فأنا أعلم، من تجربتي كامرأة ومن حكايات النساء وأحاديثهن، أن الرجال ذئاب لا يرضيها إلا الدم.. تأتي إلى النعاج فتدميها ثم تنقض على لحمها فتنهش فيه... وحده ذاك يرضيها، كيف لمازن إذن أن يرضى بالنظرة والكلمة والابتسامة؟ يومين وليلتين ظلت يومذاك تحدثني عن مازن الشاعر الذي لا صلة لـه أبداً بالذئاب، والذي يحبها هكذا للحب، وهي نفسها تحبه للحب، فهل الحب حرام؟ كان السؤال محرجاً لي، إذ لم يكن باستطاعتي أن أجيب بلا أو أجيب بنعم... نساء جيلي، من عشيرتي وبلدتي لم يكن يسمح لهن بالحب أو حتى ذكر الحب... الفتاة تولد وما إن ينهد صدرها حتى تجد الزواج بانتظارها ابن عم أو ابن عمة... فتمضي إليه لتعيش حياة ساكنة مستقرة لا عواطف فيها ولا أحاسيس... ولتجد نفسها وقد تحولت إلى فراخة، ما إن يفقس البيض تحتها حتى يوضع بيض جديد وتفرخ من جديد فأين تجد الوقت للحب؟ لكن في داخلهن أي منهن لم تحلم بالحب، كما حلمت به؟ أي فتاة من لداتي، وأنا أعرفهن جيداً، لم تحدثني عن فارس أحلامها الذي يخوض المعارك من أجلها، يقاتل الإنس والجن ويجوب مغرب الأرض ومشرقها للوصول إليها، هي ست البدور القابعة خلف السبعة بحور!؟ كان ذلك ديدننا جميعاً لكننا حرمنا من الحب فهل أحرم ابنتي منه؟ كانت قد جاءت من دمشق، بعد انقطاع طويل. وبعد أن ثبت بالدليل القاطع أنها لا تستطيع الزواج، وكان همام قد تأكد من ذلك فدب اليأس في نفسه وانطوى يكبس الملح على الجرح ويكتم ألمه، فلا يدري به أحد سواي. لم أستطع أن أبوح لـه يومذاك بما باحت لي به ديمة.. لم أستطع أن أقول لـه إن ثمة حباً عذرياً ينبعث في صدر ديمة وأن رجلاً آخر يحتل محله في قلبها!! هو الذي يحبها فوق كل حب ويضحي من أجلها بما هو أكثر من الروح، بيد أن اكتشافه مرضها جعله يقنط. "لماذا أنا وحدي أبتلى ببلوى كهذه؟". سألني مرة وقد تيقن من حالتها الصحية البائسة. "لماذا علي أنا وحدي أن أعاني؟ أن أرى ابنة عمي التي أعبد أمام عيني ولا أستطيع مد يدي إليها؟ أي حرمان هذا؟ أي ظلم؟". أسئلة لا تزال تتردد في أذني حتى اليوم فأشعر بالحسرة عليه شعوره هو بالمرارة وقد حرم من أجمل أحلامه.. لكنه مع الزمن راح يتكيف مع الواقع الجديد، يرتب أموره بطريقة جديدة، فقد اعتبر أن قدرهما واحد.. هو ومن يحب، هي ستحرم من متع الحياة والزواج والولادة، إذن، لم لا يشاركها هذا الحرمان؟ "إنه أبسط أنواع التضحية.." كان يقول وكنت أحاول مناقشته بخطئه فمن حقه أن يعيش حياته الخاصة، أن يبحث عن نفسه وسعادته، لكنه أبى!! "إيه يابني!! كم أنت شهم نبيل!! تبحث عن سعادة من تحب أكثر مما تبحث عن سعادة نفسك، فبوركت يا من جسدت لي دائماً أجمل صور النبل وأعظم مكارم الأخلاق". لكن يومذاك كتمت الحقيقة عنه، فلم آت على شيء مما ذكرته لي ديمة... ولم أذكر لـه أنني باركت حبها، لا علناً طبعاً، بل سراً، فقد ظللت على حذري وتشنجي أمامها "يما... المشكلة ليست في الحب بل في ما يجره الحب والحب يجر.. فاحذري إذن، طالما لا تستطيعين الزواج، ابتعدي عن كل ما لـه علاقة بالرجال والعواطف. هو أسلم لك وأضمن. "لكن هيهات تقنع ديمة بكلام كهذا... كان الحب قد فتنها والحب مغرٍ فاتن إن وقع المرء في أسره لم يستطع فكاكاً. لم تستطع ديمة بالتأكيد، ولم أستطع أنا إلا أن أصمت. لقد وضعتني في الصورة الجديدة: حبها العذري، وكيف تراني أعترض على حب عذري؟ ماذا تراني أقول ضد مازن وما من حجة في العالم ضده، هو الملاك الطاهر والمعبود الساحر الذي لا طمع لـه ولا غاية سوى أن يرتل الصلوات لمعبودته وينشد الأشعار لحبيبته؟ - - - الملاك المعبود وصل بناء على مكالمة أمه... كان العرق يتصبب منه وقد صعد الدرج مثنى وثلاث، وكانت أنفاسه قد تقطعت وهو يجري جرياً إلى محبوبته.... لا... لم أر مثل تلك اللهفة قط.. لم أر مثل ذلك الاندفاع قط... -إي... حبيبتي.. أهو المخاض؟ سألها وهو يجلس إلى جانبها على الفراش حانياً عليها حنو الأم على الفطيم. -إي... لا.. لا أدري.. حبيبي... ردت مبتسمة ممسكة بيده وقد أفلتت يدي... أتراه جاء الأصيل فبطل الوكيل؟ لا أدري... لكن طوال ذلك الوقت كانت تمسك بيدي متأملة وجهي... -لا تدرين؟ أنت القابلة لا تدرين إن كان المخاض أم لا؟ -أنا قابلة والنساء عندي ولادات.. لكن وأنا ولادة ماذا أكون؟ سؤال أعجبنا كلينا فضحكنا ثم شاركتنا أمه الضحك وقد دخلت إثر ابنها ربما كي تشارك في القرار. -مذ طلبناك لم يحدث شيء... تدخلت أنا شارحة... ربما كانت طلقة مخاض وربما مجرد مغصة واحدة لم يعقبها شيء.. -بل هي طلقة مخاض، عقبت أمه على الفور... وإن لم تأتها طلقة ثانية، لا مشكلة، فطلقات المخاض الأولى تتباعد... -صحيح، حضرة القابلة؟ سألها ممازحاً. -نظرياً صحيح... أجابت ديمة مبتسمة... لكنهما مجربتان وأنا لم أجرب قالت مشيرة إلي وإلى أمه... واسأل مجرباً ولا تسأل طبيباً... ضحكنا لمزحتها اللطيفة، لكن سرعان ما كتمنا ضحكنا، وهي تطلق صرخة آخ شديدة. -إذن، هو المخاض بلا شك... قلت لـه وأنا أعود للإمساك بيدها الأخرى وقد تقطعت نياط قلبي... كلم الطبيب.... أسرع مازن إلى الطبيب يكلمه فيما هدأت ديمة من جديد... "الله! ما أعجب المخاض!! تأتي الطلقة فتشعر المرأة وكأن تلك هي نهاية العالم... تذهب الطلقة فتشعر أنه ليس هناك شيء. الشيء ونقيضه تماماً فما أعجبك أيها المخاض وما أغربك!! تجعل الميت يخرج من الحي وتجعل الحي يخرج من الميت فكيف ذاك أيها المخاض؟ "لكنني لم أتابع تساؤلاتي. كان علينا، أنا وأم مازن، أن نعد حاجاتها للذهاب إلى المستشفى، هي بنفسها ذكرتنا بذلك... إذ ما إن مضت الطلقة حتى نظرت إلي ثم إلى حماتها: -أغراضي... ماما... وفطنا لما ينبغي علينا أن نفعل... حتى إذا جاءت سيارة الإسعاف كانت الحقيبة قد أعدت، وكنت أجري بجانبها وقد حملت على نقالة إلى السيارة، فيما كانت طلقة ثالثة قد جاءت منذرة بأنه المخاض فعلاً وأن الطلق تتقارب موجاته. -لا تخافي ديمة.. يابنيتي... إن شاء الله هينة... قلت لها شبه هامسة، وأنا أمسك بيدها وقد جلست إلى جانبها في السيارة، فيما جلس إلى جانبها الآخر مازن يمسك بيدها الأخرى أيضاً عله يمدها بشيء من القوة والشجاعة... لم تجب ديمة، بل نظرت بعينين حائرتين إلي كأنما لا تدريان ما تقولان، عينين مغرورقتين بمزيج من الضباب والدموع... حدقت إليهما ملياً "أيعقل أن تنطفئا الآن؟ هذا الضياء البراق فيهما هل يخبو ويتلاشى؟ آه.. يا إلهي!! لماذا تجعلنا نلد إن كنا نلد للموت.؟ لماذا تدعنا نعمر إن كنا نعمر للخراب؟ لا.. ديمة هي وحيدتي.. ليس لي سواها يا إلهي فارحمني يا رب!! أبقِ لي ديمة... أبعد عنها الموت أنت يا أرحم الراحمين!! "كنت أناجي ربي وأنا أهتز في السيارة ذات اليمين وذات الشمال، أندفع إلى الأمام ثم أرتد إلى الخلف فسائق الإسعاف يريد كسب الثانية، ولكي يفعل ذلك عليه أن يسرع إلى أقصى ما يستطيع.... لكن الإشارات تقف في طريقه، المعترضات تحول بينه وبين غايته فيكبح ويندفع.. يسرع ويبطئ، ونحن نمسك بيدي ديمة، نمدها بشيء من الراحة ونخفف من خوفها وقلبي يتفطر عليها... أيعقل؟ ابنتي ديمة حامل على وشك أن تضع... بالأمس فقط كنت أنا حاملاً بها على وشك أن أضع... وأعود بذاكرتي إلى سنين بدت لي في تلك اللحظة وكأنها أيام أو ربما ساعات... أجل... يمكن في لحظة من اللحظات أن تطوي الزمن الممتد الطويل كشال من حرير شفاف هفهاف حتى لتحتويه بقبضة يدك. كنت، قبلها، قد أجهضت عدة مرات ووضعت مرتين: صبياً وبنتاً كلاهما مات بعد أسابيع قليلة، وكنت خائفة.. خائفة إلى حد الارتجاف... فقد بدأ الناس يتقولون وبدأ بعضهم ينفث سمومه في عقل مسلم... "هذه المرأة نحس.. كالقطة تأكل أولادها... اسمع مني تزوج... أو جاء يوم تجد فيه نفسك بلا أولاد... تصور أنك بلا بنين ولا بنات... ما نفع ثروتك ومالك إن لم يكن لك بنون وبنات؟. البنون زينة الحياة الدنيا..." إلى آخر ما هنالك من سموم يستمتع الناس بنفثها، لكن ما عساني أفعل والأجنة تموت في بطني؟ "القابلة" أم سلام أعطتني أدوية مقوية، أعشاباً تساعد الرحم على الإمساك بالجنين، لكن عبثاً فقد ذهب بطنان بعد ذلك... أخذني مسلم إلى الطبيب، بل وضعني تحت إشرافه... طبيب نسائي بارع ليس مثله أحد في عروس الفرات.. ورغم احتجاجي في البداية، إذ كيف أسمح لرجل أن يكشف علي؟ إلا أنني غضضت النظر وكبست الملح على الجرح.." قال ما حاجك للمر؟... قال: الأمر، فاسكتي ناجية، واذهبي إلى الطبيب، المهم أن يسلم الأولاد... فتسلمي أنت نفسك من الأمرّ: يطلقك أو يتزوج عليك"... ورغم أنه أعطاني أدوية ومقويات وأمرني بأن أستلقي على ظهري طوال فترة الحمل، إلا أنه حل ببطني الثالث والرابع ما حل بالأولين... لكن للحقيقة.. والتاريخ... الحق ليس على الطبيب. الآن... وهنا... أعترف لكم... لم أتقيد بتعليماته، فكنت لا آخذ الأدوية وأنسى المقويات، كما لم أكن أستلقي على ظهري... فإذا استلقيت من يشتغل في البيت؟ طعام مسلم من يطبخه؟ الدار من ينظفها؟ الغسيل، الجلي، الكوي، كله من يقوم به؟ مسلم قال: هو مستعد أن يأتي بلفّاية، بخادمة، لكنني أبيت.. امرأة تدخل إلى بيتك يعني إبليس دخل... وأنا أكره أن يدخل بيتي إبليس... أكره أن أرى امرأة أخرى تذهب وتجيء في بيتي. أنا مستلقية على ظهري، وعين زوجي عليها فما الضمانة أن لا تزوغ عين زوجي؟. الرجل لا أمان لـه.. والمرأة أقل أماناً بكثير.. فربما تكون قد أتت على طمع، وما يقف في وجه امرأة ذات طمع؟ ذلك كله جعلني أخالف تعليمات الطبيب وأقوم بخدمة بيتي بنفسي... أسرق نفسي سرقة واشتغل فيشعر بي مسلم أحياناً وأكثر الأحيان لا يشعر... ليقرعني إذا شعر ويطلب إلي السكون والراحة لكن أنى لي السكون والراحة؟ عندما حملت بديمة اضطررت للتقيد بالتعليمات، إذ كان قد نفد صبر مسلم وراح يراقبني بعين الراصد المترصد لأية خطيئة مني كي يوقع بي العقاب. كان يصرخ بي أشد الصراخ، إن رآني أتحرك أو أعمل... وكان يوبخني مهدداً إياي متوعداً إن رآني متعبة ألهث.. الغسيل صار يرسل به إلى المكوى، الطعام يأتي به جاهزاً من المطعم: شواء أو صفيحة، "أنا أعمل أي شيء، بل دعيني بلا أكل ولا تطبخي وتتعبي نفسك". وصرت أخاف غضبه... فلا أطبخ... وحين صرت في شهري التاسع... استلقيت طوال الشهر على ظهري... لا حركة لا جهد... يا إلهي!! أهو التاريخ يعيد نفسه؟ ها هي ذي ابنتي نفسها ديمة التي تعبت في حملها وشقيت، خافت وتعذبت، تستلقي على ظهرها طوال الشهر.. تماماً كما حدث لي بها... فلماذا يا إلهي؟ نحن فقط من بين النساء كلهن لا نستطيع أن نتحرك مع حمل..؟ نساء كثيرات أعرفهن يخرجن إلى الحقول، يعملن وبطونهن أشبار أمامهن، نساء يركضن ويقفزن ولا يضيرهن حمل أو جنين؟ أرحامنا سقيمة؟ بنياتنا ضعيفة؟ لماذا خلقتنا هكذا يا رب؟ "وعدت من جديد إلى الوراء. حين جاءني المخاض بديمة لم يأت لي بأم سلام... رغم إلحاحي عليه أن يأتي لي بها... فأنا سأظل في بيتي والقابلة معتادة عليها، أعرف ما ستفعل وما ستقول "سخنوا لي ماء.. هاتوا لي زيتاً.. خرقاً... طشتاً... ابتعدن.. اقتربن.. حسبك صراخاً يا شر..!!". وكنت أتحملها: صراخها، سبابها كل شيء من أم سلام، العجوز التي ولدتني أنا نفسي وأنا جنينة في بطن أمي، فكيف لا أتحملها؟ "لكن زوجي أصر أن أذهب إلى المستشفى، أن يولدني الطبيب الذي أشرف على حملي... كان كله أملاً بأن يسلم جنيني وأن آتي لـه بولي العهد..." سأذبح لك ثلاثة من ذوات القرون.. سأقيم لك حفلاً لم تشهده عروس الفرات" كان يعدني ممنياً نفسي ونفسه بخلاص أكيد وولي عهد عتيد... في المستشفى أراد أن يدخل معي إلى غرفة العمليات، لكن الطبيب منعه "ما هذا مسلم؟ متى كان الأزواج يدخلون مع زوجاتهم؟ لا.. لا.. انتظر هنا" وأشار إلى الممر الواسع أمام غرفة العمليات، وانتظر لكن على أحر من الجمر.... ذلك كله سرني.. بالحقيقة.. ولا أكتمكم ذلك، فإن دل على شيء إنما كان يدل على حبه لي... ذاك الذي لم ينطق لسانه به مرة واحدة، وعلى خوفه علي أيضاً، ذاك الذي كان يرفض الاعتراف به دائماً. كان الطلق قد جاءني متباعداً في البداية ثم متقارباً وكنت أصرخ، أكز على أسناني وأصرخ، أمسك بملاءة السرير، أشد وأصرخ... "يا إلهي!! أي ألم تشعر به المرأة مع كل طلقة!؟ أي وجع ممزق يعمل في أحشائها وقد جاءها المخاض؟" لكن لم لا؟ الخلد في جحره المحكم... ينظر حوله فلا يرى غير الظلام... يتلمس حوله بحثاً عن منفذ فلا يجد سوى كوة صغيرة لا تكاد ترى. هو يريد الخروج.. يريد كسر الطوق، فك الحصار من حوله.. عله يرى النور، يشم الهواء، يعيش الحياة، لكن الطوق المحكم من حوله يمنعه ويجد لزاماً عليه أن يكسر الطوق، أن يوسع الكوة الصغيرة كي يستطيع النفاذ... فماذا يفعل؟ برأسه، بكتفيه، يدفع جدران الكوة... دفعة كتف إلى اليمين... دفعة كتف إلى اليسار، ضربة رأس إلى الأمام.. ارتدادة إلى الخلف والحركة لا تهدأ، إذ ما إن يبدأ الخلد شق طريقه إلى الخارج حتى يتعذر عليه السكون أو الهدوء.... المسألة تغدو بالنسبة إليه مسألة حياة أو موت... إن تأخر في جحره مات... وإن خرج عاش.. فيغدو أكثر وأكثر إلحاحاً... دفعاته، ضرباته كلها تتسارع وكلها تمزق وتمزق فاتحة شرايين، قاطعة أوردة مرسلة بنزيف دماء لا يتوقف... الدفعات موجعة تدفع بالمرأة لأن تلجأ إلى وسيلتها الأخيرة: الصراخ.. علها تخفف من شدة الألم والنزيف يسحب الروح من الجسد فيشتد خوف المرأة وشبح الموت يحوم فوق رأسها وتبكي... تعول وتبكي: إنه الموت الماثل أمام العينين. لكن الموت عفا عني تلك المرة.. لعل عزرائيل أشفق علي لشدة ما صرخت وبكيت وتضرعت... فعفا عني.. كما عفا عن جنيني. ذاك الذي كان يشق طريقه... بتؤدة وعلى مهل لكنه يشق طريقه... فالرحم كان قد تعب من حمله والجنين كان متلهفاً لرؤية النور وقد عافت نفسه الظلام فراح يلفظه، دافعاً به إلى الخارج... بوصة.. بوصة... بل قل مليماً مليماً... ثانية بثانية ودقيقة بدقيقة كان يسير طريقه الطويل... سلحفاة بطيئة بطيئة تدب في كهفها المعتم... كانت الكوة قد اتسعت وكان الرأس قد ولجها دافعاً بها إلى الجانبين فانفرجت مرغمة عنه... كان الطبيب يصرخ بي، "طلقة قوية.. شدي عزمك... أعطيني طلقة قوية، وأعطيته طلقة قوية، شعرت معها أن الرأس يسد مجاريّ التنفسية فأكاد أختنق... أشهق طالبة النفس فلا أكاد أجد النفس، لكأن الجو فرغ من الهواء.. لكأن كمامة مثقلة بالماء وضعت على فمي وأنفي فأصرخ.. "حكيم... أنا أموت.. أنا أختنق... أنا أموت. "ويصرخ بي الطبيب من جديد،.. "طلقة واحدة... فقط طلقة واحدة.. بقوة.. بقوة.. هيا.. أعطيني طلقة.." ولا أدري من أين جاءتني القوة، من أين جاءتني الأنفاس، فقد جمعت كل ما بقي لدي من عزم وإرادة وضغطت أحشائي... عصرت رحمي... فإذا بالجنين يندفع خارجاً كسمكة تنزلق من حوض ماء.. وفجأة شعرت بالراحة... كأن لم يكن هناك شيء قط... شعرت وكأنه لم يعد هناك ألم، لم يعد اختناق.. العالم صار كله هواء... وأنا أتنفس الصعداء، بصوت عال أتنفس الصعداء وقد طغى علي شعور عجيب بأن كل شيء قد انتهى... فمتى تنتهي أنت يابنيتي؟ متى تخلصين بالسلامة وتشعرين مثلي بذلك الشعور العجيب؟ عاود الطلق ديمة فصرخت صرخة ثاقبة: -لا تخافي، صحنا معاً، أنا ومازن، وقد خطفت قلبينا كليهما.. كوني شجاعة.. تحملي يابنيتي... تابعت أنا فيما راح هو يمسد خدها براحة كفه ويغمغم قرب أذنها: -أرجوك حبيبتي. اصبري.. تحملي.. أنت الشجاعة البطلة دائماً فلا تكوني إلا شجاعة بطلة... -سأكون.. أجل... سأتحمل.. ردت وقد سكن الطلق. سأكز على شفتي... سأكز على لساني فلا أصرخ... -بل اصرخي.. قلت لها وملء صدري إشفاق وعطف... الصراخ يخفف الألم... يساعد في تحمل الوجع... لكن بلا خوف.. لا تدعي الخوف يمتلكك فيتشنج جسدك وتتأخر ولادتك... -أنا لست خائفة... صدقيني يما... قالت ثم التفتت إلى مازن، كن على ثقة أن ديمة التي أحببت ليست خائفة، أنا لا أخاف الموت مازن، أنا أعرف مصيري ولسوف أواجه هذا المصير... بكل شجاعة سأواجهه... لكن إن مت اذكرني دائماً مازن... لا تنسني حبيبي. -ما هذا الذي تقولين ديمة؟ أنت ستعيشين.. ستأتين لي بفتاة حلوة مثلك وتربينها... بعزك ودلالك ستربينها... -أجل.. سآتي لك ببنت... -بنت.. صبي... تدخلت وأنا أشعر أن الكلام يتعبها وأن أنفاسها تتقطع... لا يهم... المهم تقومين لنا بالسلامة... وتوقفت السيارة فتوقفنا عن الكلام... كنا قد صرنا أمام باب المستشفى وكان ممرضان أو ثلاثة قد أسرعوا إلى باب سيارة الإسعاف، فتحوه، ثم بمهارة المحترف العارف جيداً ما يفعل، سحبوا النقالة وحملوها مسرعين إلى الداخل، فيما أسرعت أنا ومسلم... مازن وأمه... نلاحقها وكأننا في سباق. عند غرفة العمليات كان الطبيب على أهبة الاستعداد... -قابلتنا العزيزة كيف أنت؟ سألها ممسكاً بيدها مربتاً إياها ثم داخلاً معها الغرفة... أنا في إثره... أشعر وكأن قلبي ينسحب إلى الداخل ساحباً معه جسدي كله، لكن الممرضة تغلق الباب في وجهي فأقف متسمرة لحظة من الزمان.. مرة أخرى يعيد التاريخ نفسه لكن ليس مع زوجي وهو يريد الدخول معي إلى غرفة العمليات بل معي أنا وأنا أشعر أن من حقي أن أدخل مع ابنتي، أشهد ولادتها، أساعدها في مخاضها وأرى أول من يرى جنينها الذي سيبصر النور. "ستصبح جداً يا مسلم" فكرت وأنا أنظر إلى الرجل المنكمش على نفسه، المترقب هناك بجانب الباب ساكناً لا يتحرك... وكأن السكون يزيد من قوته، يرسخ قدميه في الأرض.. "أنت أيضاً ستصبحين جدة" خاطبت نفسي سراً وأنا أمسح بناظري الباب الذي أودعته فلذة كبدي... وهي على الحافة... فهل تتماسك وتنجو أم تنزلق وتسقط في الهوة؟ خمس وعشرون سنة كانت قد مرت على اليوم الذي ولدتها فيه.. صغيرة جاءت، ضئيلة الوزن لكنها سليمة... مذ أمسكها الطبيب من قدميها وقلبها عالياً سافلاً أطلقت صرختها الأولى... سمعتها ففرحت أنها أنثى... فرحت أنها سليمة... لم أفكر حينذاك بالصبي ولا بالأب الذي ينتظر الصبي.. كان ثمة أمران يعنيانني: خلاصي أنا وسلامتها هي وكان الأمران قد تحققا... فتنفست الصعداء من جديد وأسبلت أجفاني لأغفو وكأن صراخي لم يكن قبل ثوان فقط يصل إلى قبة السماء. زوجي نفسه فرح... فعلى غير ما توقعت، كان ينتظر خلاصي، وكان لا يريد من الدنيا سوى طفل يعيش... لا هم ما هو جنسه... المهم حياته قال لي ذلك ما إن صرنا معاً في المنزل... وبدأ الأهل، الأقارب، الجيران يأتون للمباركة لنا... كان بعضهم يتقدم بحذر وكله خشية أن يصدم بوجه زوجي العبوس وحاجبيه المقطبين، كعادة رجال بلدتي كلهم حين تأتيهم البنات، لكن ما إن يصل ويرى ضحكته الواسعة وعينيه المشرقتين حتى يبدأ التهنئة... كان مسلم قد جاء بالحلويات وكان يوزعها بنفسه على المهنئين "أنت تريد الصبي... لكن العطية عطية الله... هو يعطي وهو لا يعطي فهل تعترض على ما يعطي الله؟ "كان يقول لمن يبدي استغرابه من تغير موقفه". ثم صدقني.. ما إن يأتي الطفل حتى تحبه.. بنتاً كان أم صبياً.. سواء بسواءً. وبدا ذلك صحيحاً، فالرجل يحقق شيئاً كان يفتقده، وكان في أشد التوق لتحقيقه: الأبوة.. والطفلة التي جاءت تحقق تلك الأبوة فلماذا لا يفرح؟ قلت لـه "ماذا تسميها؟" قال على الفور "ديمة" ثم تابع شارحاً ربما جواباً على استفسارات عيني "أنا ابن الجفاف أحب ما أحب في هذا العالم الديمة الملأى بالمطر... تمر في البادية فتملأ أرضها خيراً وعطاء... عل هذه الطفلة تملأ حياتنا خيراً وعطاء وتكون بشير خصب ونماء". وغدت ديمة محور اهتمامنا كله... نحن البادية التي لا تعرف السحاب فإذا جاءها كان بلا مطر... برقه خلب ورعده كاذب.. باتت ديمة شيئاً فشيئاً تستأثر بحبنا وعطفنا... بدلالنا وحناننا، من قال إن للذكر حظاً ليس للأنثى؟ من قال إن قلب الوالدين يفرق بين ذكر وأنثى؟ لا... لا... لم يكن مسلم يفرق ولم أكن أنا كذلك... بل خيل إلي، وقد بدأت تناغي وتكاغي، أنني ما كنت لأحب أحداً في الدنيا كما أحبها، حتى ولو كان صبياً... كانت طفلة هنية رضية، تشبع من القليل وترضى بالقليل... تحب النوم.. وتكره البكاء... ترضع ما تجد في ثديي ولا تطلب المزيد... ولم تكن تمرض إلا قليلاً: أمراض الأطفال المعتادة فقط. وتفاءلنا كثيراً.. "هذه المرة ستسلم الجرة" وسلمت الجرة... طلعت أسنان ديمة فاحتفلنا بصنع "الحبوبية" لها كما يفعلون في بلدتي... بدأت تحبو على الأرض ثم تزحف ثم مشت فقفزنا أنا ووالدها فرحاً ثم غدا أمتع المتع لديه أن يمسك بيديها الحليبيتين الصغيرتين ويساعدها على المشي "دادي.. يالله ويالله... دادي يا ماشا الله!!" مسلم يغني لها، وكنت أرقبه وأعجب... هو الذي كان يتصنع معي القسوة والفظاظة بات مع طفلته رقيقاً مهذباً إلى حد الهشاشة... فسبحان من يغير ولا يتغير. كلماتها الأولى كادت تطير عقله.. فأول ما نطقت كانت كلمة "بابا" وفرح أيما فرح... "أترين؟ هي تحبني أكثر.. تردد اسمي أولاً" وعجبت. "حقاً؟ لم بابا أولاً؟ الأطفال ينادون "ماما" أولاً.. هي أسهل عليهم وأقرب إلى منالهم... فلماذا شذت ديمة عن القاعدة؟" كنت أتساءل ثم أفكر "لعلها حيلة أوحت لها الطبيعة بها كي تكسب قلبه وتتربع على عرشه". وهو ما حدث.. لقد تربعت ديمة على سدة العرش في قلب أبيها، صار يحبها كما لم يحب أب ابنته... تعلقه بها صار مضرب المثل في البلدة، وأحياناً السخرية... فهو لا يرد لها طلباً، ولا يرفع بوجهها صوتاً، ولا يجرحها بكلمة واحدة... ولم تكن هي نفسها تسمح لـه بذلك، فهي تعرف جيداً حدودها، وهي دمثة، هادئة رقيقة المشاعر، حادة الذكاء، تعرف جيداً ما يرضي أباها وما يرضي أمها ولا تفعل إلا ما يرضي أباها وأمها... "إيه!! ديمة!! كم كنت طفلة عذبة!! كماء الينبوع كنت رقراقة صافية باردة في الصيف دافئة في الشتاء... فكم كنا سعيدين بك!!". بعد ديمة عدت إلى ديدني السابق: إجهاضاً تلو إجهاض، وظلت البنت وحيدة... لا.. ليست وحيدة بمعنى الكلمة، إذ كان قد وقع الحادث لأسرة أختي... وظل همام وحده من الأسرة كلها على قيد الحياة... فماذا نفعل؟ جئنا به، أنا خالته وزوجي عمه، ومن أولى به من خالته وعمه؟ كان يزيدها بحوالي العام لكنه كان أمتن بنية وأطول قامة، أليس للذكر مثل حظ الأنثيين؟ بلى.. لكن المسألة لم تكن هنا، بل هي في نحول ديمة وضعف شهيتها للطعام... كانت تأكل لكن القليل، وكنا نعزو ذلك إلى بنيانها الرقيق الذي لا يتحمل... وصار لها رفيق... لقد فتحت عينيها على همام، وعت الدنيا وهو إلى جانبها، يأكلان معاً، يشربان معاً بل ينامان في غرفة واحدة... صحيح أنها كانت تتسلل أحياناً إلى فراشنا أنا ووالدها، لكن الصحيح أيضاً أن سريرها الصغير كان هناك قبالة سريره الصغير وكنت أهدهدهما معاً وأغني لهما إلى أن يناما. دخل همام قلبي ليحل فيه وجنباً إلى جنب، مع ديمة وكأنما اقتسماه، لكل منهما شطره الذي امتلكه امتلاك السيد المطلق. وكان يخيل إلي أحياناً أن الله أرسله لي تعويضاً لما حل بي من مصائب، فأشعر بالذب ويتأكلني تأنيب الضمير وأنا أتصور أن الحادثة ما كانت لتقع لولا أن الفائدة ستعود علي أنا. لقد أصبح بمثابة ابن لنا... وأخ لابنتنا... كنت ما أزال أرضعها حين جاء وكان هو لم يفطم بعد، فأختي رحمها الله لم تكن ترضى بإرضاع طفلها عامين بل ثلاثة أعوام... "خير من حبوب منع الحمل"، وكان يسرها ألا تكثر من النسل فسبحانه وتعالى قال: "ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر". وهي لا تريد أن يلهيها التكاثر... حسبها ثلاثة أطفال.. وكانت قد جاءت بالأطفال الثلاثة على مهل وبكل تؤدة.. لكن بسرعة ماتت هي وبصورة خاطفة ماتوا هم.. ليجد ابنها، الذي نجا بأعجوبة من الموت نفسه، يتيماً بلا أب ولا أم، بلا أخ ولا أخت. بكل رعاية أحطته، بكل حنان أغرقته، حتى لم يشعر يوماً أنه شيء آخر سوى ابني... هو يناديني "يما" أنا أناديه "يما" تماماً كما كان شأن ديمة.. لا أفرق بينهما في طعام، لا أميز واحدهما عن الآخر بملبس، مصروف... معاملة.. هما يداي وعيناي فكيف يفرق المرء بين يد ويد، عين وعين. وحدها الرضاعة، حين جاء، فرقته عنها... فلم أرضعه.. ليالي عديدة ظل يبكي فقداناً للحليب لكنني لم أعطه الحليب... صنعت لـه الحساء، أطعمته البيض، مرست لـه اللحمة، قدمت لـه اللبن بالسكر، لكن لا حليب، فعلى المرء أن يحسب حساب المستقبل. إن وضعته على صدري مع ديمة صارا أخوين ولماذا يصيران أخوين؟ ماذا يا ترى إن كبرا وأحب واحدهما الآخر؟ أليسا ابني عم؟ إذن، ثمة احتمال كبير، فلماذا لا آخذ ذلك الاحتمال الكبير بالحسبان؟ عذبني همام في أيامه الأولى إلى أن اعتاد الفطام لكن بعد ذاك نسي كل شيء... صار يأكل مثلنا... حتى البرغل كان يطحنه طحناً، لتلحق به هي بعد لأي، فقد غلتها للمرة الثالثة، كما هي عادتي، ولم أكن أريد إرضاعها حليب غيلة. على أرض الدار درجا معاً، طفلين جميلين حبيبين، أرقبهما بعين الوامق المتيم فلا أستطيع أن أميز بينهما: أهو أغلى أم هي أغلى؟ كانا متساويين لدي في كل شيء... أقسم لديهما كل شيء بالعدل وكنت أحب العدل... لعل معاناتي من الظلم، تلك المعاناة التاريخية لجنس حواء كله، كانت تدفعني لأن أعاملهما على قدم المساواة. فقد تعلقت به وأحببته تعلقي بها وحبي لها. وكان كلاهما يحب الآخر ويتعلق به... أرى ذلك فأزداد حباً للصغير الذي راح يثبت يوماً بعد يوم أنه جدير بالحب فهو لا يغار من ديمة ولا يعتد بقوة جسده على ضعف جسدها، لا يؤذيها ولا يفعل إلا ما يرضيها.. وهي كذلك أيضاً، لكأنهما وجدا، مذ أيامهما الأولى تلك، الأرضية المشتركة لتفاهم مشترك لا تشوبه شائبة. ولكم سرني ذلك!! كم بنيت أحلاماً عليه!؟ كم شيدت قصوراً في الأندلس وأنا أراهما يذهبان إلى المدرسة معاً، يدرسان معاً... ويكبران معاً... إلى أن جاء ما يفرقهما. المدارس الإعدادية في بلدتي لا تعرف الاختلاط... هم يسمحون به في الابتدائية فالتلاميذ ما يزالون صغاراً... لا خطر منهم على التلميذات، لكن ماذا وقد صاروا مراهقين؟ واحدهم في الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة... حواجز تقيمها بلدتي بين الذكر والأنثى إذا ما بلغ واحدهما سن الصبا.. بل كثير من الأهل يمنعون الفتيات من متابعة تعليمهن بحجة "حسبهن أن يفككن الحرف"... بعض أهلنا اقترحوا أن نوقف تعليم ديمة... وأن تقعد في البيت بانتظار العريس. لكن ديمة، المحبة للعلم، المتعلقة بالكتاب والمطالعة، كانت قد حتمت على أبيها ألا يصغي لمثل أولئك الأهل. لم أشأ التدخل يومذاك بل لم أجد حاجة للتدخل، فهي وحدها كانت كفيلة بالدفاع عن نفسها وما تهواه، وأبوها، شديد التعلق بها، كان حرياً به أن يلبي لها كل ما تهواه. لم تخيب ديمة أملنا، فقد أفلحت في دراستها أيما فلاح. هي دائماً من الأوائل... طبعها الهادئ كان يزيدها تعلقاً بالكتاب. ميلها للتأمل والتفكير كان يجعلها أكثر نجاحاً في المدرسة.. وأكثر احتراماً لدى المدرسين والمدرسات، همام كان كذلك... بل ظل كذلك إلى أن داهمته سوسة ممرضة تدعى: الرياضة... ففي الصف الثامن غدا عاشقاً ولهان لكرة القدم.. انضم لفريق المدرسة، صار يلعب مهاجماً حيناً وحارس مرمى أحياناً أخرى ثم يأتي ليروي لي القصص عن بطولاته، ولا أملك إلا أن أعجب بقصصه، أعجب بجسده الذي كان يتشكل أمام عيني، جسد رجل حقيقي طويل عريض المنكبين، تماماً كما تشتهي كل أم لابنها وكما تريد كل أم لزوج ابنتها المستقبل، فهما الغرستان اللتان نميتهما بنفسي، سقيتهما، غذيتهما بيدي، لم أكن أتصور يوماً أن يفترقا... هما عاشا معاً، إذن عليهما أن يستمرا معاً.. الظروف جمعتهما إذن، علي أنا أن أرسخ ما جمعته الظروف، ولم يكن هناك أحب على قلبي من أن أسمع أحداً من الأهل أو الجيران يقول "ديمة لهمام وهمام لديمة هنيئاً لك بهما!!" وأشعر بالهناءة فعلاً، وأنا أرى ديمة متعلقة بهمام، ترافقه، تسأله، تطلب معونته بل تتدلل عليه أحياناً وتشاكسه أحياناً كما يتشاكس أخوان واحدهما على رأس الآخر، لا يفصلهما إلا عام واحد. كانا يتمازحان ناعتين واحدهما الآخر بنعوت من هو رافع الكلفة تماماً. تتكلم معه دون حرج، تروي لـه أو تسمع منه طرفاً بذيئة أحياناً ولا حرج بل تدخل إليه في غرفته وهو يخلع ثيابه أو يلبسها ولا تشعر بحرج... وكنت أعجب: أهو التعلق الشديد أم البراءة؟ سألت نفسي أكثر من مرة ليأتيني الجواب دائماً: البراءة، فديمة كانت على وشك أن تبلغ مبلغ النساء، صدرها بدأ ينهد وجسمها يستدير. مع ذلك كنت أراها ما تزال طفلة تتصرف تصرف الأطفال وتحمل براءة الأطفال، لكن هو!! همام كان قد بلغ مبلغ الرجال وكانت الرياضة تزيد من متانة بنيته وكمال جسده، حتى بدا في الخامسة عشرة رجلاً كاملاً مكتملاً لا ينقصه سوى أن يفتل شاربيه... مع ذلك لم تغير سلوكها تجاهه... ظلت تمازحه، تشاكسه، تذهب معه إلى هذا الشأن.. أو ذاك، بل تدرس معه أحياناً حتى وقت متأخر من الليل. وكان ذلك يسرني إلى حد الغبطة... فذلك كله، كنت أشعر، يزيد من الروابط بينهما حتى لا يستطيعا فكاكاً بعد، لكنه زوجي الذي نبهني: "ما بك؟ أنسيت أن ديمة وهماماً ابنا عم وليسا أخوين؟" "لا، لم أنس" أجبته وفي نيتي أن أراوغ، "إذن... احذري الشيطان، فما اجتمع ذكر بأنثى إلا وكان ثالثهما الشيطان". "لا... لا... لا شغل للشيطان في دنيا الملائكة... وديمة وهمام ملاكان.." "لا.. ناجية.. لا تغلطي" قاطعني مسلم وقد عادت لنبرة صوته قسوته المعتادة وفظاظته. "ليس من ملائكة على الأرض.. هم يوجدون فقط في السماء، فحذريها هي وحذريه. عليهما أن يتصرفا الآن بشكل مختلف..أن يراعيا عاداتنا وتقاليدنا، أن يحافظا على الهامش الذي يحقق الأمان... أتفهمين علي؟ هامش أمان فلا يجيئنا وجع رأس..". وعصيت أوامر مسلم, لعلها كانت المرة الأولى التي أعصى أوامره بها فقد عز علي كثيراً أن أحذر أغلى كائنين على قلبي واحدهما من الآخر، كلا لم أكن أتصور أن يكون باستطاعة أحدهما إيذاء الآخر... إذن لماذا أخيف ديمة من همام، وأخيف هماماً من ديمة؟ أنا التي كانت على استعداد لأن تدفع كل ما تملك كي تجعلهما يتقاربان ثم يتحدان كلاً لا يتجزأ مدى الزمان؟ كنت أراهما نصفّي الاثنين فكيف أعمل على شطر نصفي الاثنين؟ جناحيّ فكيف أفرق بين جناحيّ؟ رحت فقط أرقبهما؛ بقيت هي على براءتها وسلوكها فيما بدأ هو يحمر ويخجل.. كان قد دخل مرحلة جديدة فغدا يحذر من الانزلاق وينكمش على نفسه ربما خشية ارتكاب خطأ. نظرات جديدة بدأ ينظر إليها بها.. راقبتها فأدركت أنها نظرات المحب العاشق الذي لا يستطيع إلا أن يكتم عشقه.. وسرني ذلك كثيراً فما أردته أن يكون بينهما بدأ يتشكل... "سأرعى حبهما صغيراً كما رعيتهما صغيرين، ثم أراه يكبر أمام عيني ويكبر إلى أن يوحدهما الرباط المقدس فيظلا جناحيّ اللذين أطير بهما محلقة في السماء. بلغت ديمة مبلغ النساء ولم تغير سلوكها تجاه مازن.. فعاد والدها ينبهني "ألم تحذريها؟". "بلى.. حذرتها" كذبت عليه فعاد يؤكد "حذريها من جديد.. دعيها تكن أكثر حذراً" وقلت لها هذه المرة.. لكن بطريقة تسبر غور سلوكها ولا تكبحه فضحكت قائلة "أحذر من أخي!.؟ لا.. لا... لا تخافي أنت وأبي... فهو في عيني ليس سوى أخ غالٍ غلاوة الروح".. وصدمني ذلك القول.. شعرت به يهدم قصوري في الأندلس كلها، لكنني لم أرد مناقشتها وكلي أمل أن يغير الزمن من نظرتها تلك، أن تفعل الطبيعة فعلها ذات يوم فتحل الغريزة محل البراءة وحب الشهوة بدلاً من حب الأخوة. الطبيعة فعلت فعلها حقاً لكن عكس ما أشتهي... فقد جعلته هو يزداد هياماً بها وجعلتها هي تزداد أخوة له... جعلته هو يتعلق بالرياضة ويكره الدرس وجعلتها هي تكره الرياضة والهوايات الأخرى وتتعلق بالدرس... ثم جاءت الشهادات ورسوب الفتى المتكرر فيما كانت الفتاة تشق طريقها بسرعة وثبات.. وجهاي اللذان خيل إلي في لحظة من اللحظات أنهما متشابهان ينطقان بما أريد ويعبران عما أريد بدأا يختلفان وبدأت الحواجز تقوم بينهما وتتكرس.. ترك هو المدرسة وتابعت هي فحاول أن يعرقل مسيرتها... أن يبقيها مثله، كأنما شعر أن فارق التعليم سيكون يوماً أحد أهم الحواجز بينهما، لكنها دافعت عن دراستها دفاع اللبؤة عن عرينها.. حاول أن يستعدي أباها عليها، أن يستعديني أنا، وكدت أسمع له.. لكن ما إن جد الجد، حتى وقفت أناصرها.. لماذا؟ لا أدري لعل شعوري القديم بظلم الرجل للمرأة، لعل حبي للمساواة والعدالة، رغبتي الشديدة في أن تحقق ابنتي -امتدادي الوحيد- ما لم أستطع أنا تحقيقه، فأحقق بذلك ذاتي، ربما ذلك كله جعلني أقف إلى جانبها، وجعلني أساندها كي تكمل دراستها الجامعية: قابلة قانونية، فذلك وحده ما كان يدغدغ روحي، منعشاً شيئاً ما كامناً هناك في الأعماق، ملغياً كل اعتبار آخر. همام متعلق بها، يحبها حب العبادة، لكنه بات يبدي تخوفه ويشتكي لي "أراها تبتعد عني يما، الفوارق بيننا تزيد والحواجز ترتفع –يما".. "لا... لا تخف.. أنا معك... مهما وصلت، ومهما ارتفعت لن تكون إلا لك.. ثق بي" لكن حدسه صدق وثقتي بنفسي خابت... فوجودها في دمشق جعلها تصبح فتاة أخرى أكثر استقلالاً، أكثر ثقة بالنفس، أكثر قدرة على الدفاع عن النفس.. ظهر ذلك يوم تخرجت وبرزت مشكلة تعيينها، فقد قاتلت بضراوة عن فكرة تعيينها هناك... ثم ما إن تعينت ومرت بضعة أشهر حتى بدأنا نحس جميعاً أنها تتسرب من يدنا تسرب الماء من قبضة اليد وبدأ همام يبدو أكثر خوفاً وأشد إلحاحاً "يجب أن نكتب الكتاب يما، أن نفرض على ديمة العودة إلى هنا أو خسرناها إلى الأبد يما" راح يعزف لي معزوفته كل يوم وكان قرارنا... نذهب إلى دمشق ولا نعود إلا وقد أنهينا مشكلة ديمة وهمام. وضعنا خطة محكمة أنا وهمام قبل أن نذهب إلى دمشق وكادت الخطة تنجح، بل نجحت وجئنا بديمة إلى البلد نكتب الكتاب لكن لنفجع بما لم نكن نتوقعه: اكتشاف مرضها الخطير، ذاك الذي يجول بينها وبين الزواج، يحرمها من أن تحبل أو تلد... - - - كان قد مضى علينا أكثر من ساعة أمام غرفة الولادات... ولم يكن ثمة صوت أو حركة.. أعيننا شاخصة إلى الباب أو مطرقة إلى الأرض ننتظر على جمر النار.. كنا أنا وأبوها، الأم وابنها ننظر إلى غرفة العمليات ثم نتبادل النظرات. -الولادة تصرخ فلماذا لا تصرخ ديمة؟ غرفة العمليات صامتة ساكنة فأين جلبة الولادة وضجيج الإنجاب؟ سألت مستغربة فأجاب مازن: -الأبواب كاتمة للصوت.. فلا تخرج صرخة إلى الخارج ولا يسمع نشيج أو عويل... وكان كل ما أتمناه في تلك اللحظة أن أسمع صوت ديمة صارخة أو مستغيثة، فقد كان يملؤني الرعب من أن يكون ذلك السكون سكون الموت، وهم لا يريدون البوح لنا بالحقيقة. -آه!! فقط لو سمحوا لي أدخل معها... قلت بكثير من الحسرة... -أين تدخلين يا حرمة؟ أتحسبينها عند أم سلام؟ سألني مسلم بعتب شديد وهو يلوح برأسه.. -لم يعد باستطاعتي الانتظار... أنا أحترق.. أحترق... -كلنا نحترق.. قالت أمه وقد بدت خائفة متلهفة، لا تفتأ عيناها تقفزان إلى باب الغرفة ثم تعودان... -ما عساي أقول أنا؟ سأل مازن وهو يذرع الممر جيئة وذهاباً مطرقاً مغتماً، عيناه فقط ينبوعا ماء.. دموع حارة تنساب منهما... بصمت وهدوء تنساب وكأنما هي خارج إرادته.. كأنما هناك قبضة جبارة تعتصر قلبه فتخرج العصارة دموعاً حارة تنساب على الخدين. نظرت إليه فتعجبت: أنا نفسي لم أكن أبكي، فكيف به، هو الرجل يبكي؟ لكنه لم يكن بكاء... نظرت إليه من جديد وأدركت أنها مجرد عصارة... القبضة الجبارة تمسك بقلبه، وهو يعلم أن حبيبته على حافة الهاوية مصيرها على كف عفريت، فكيف لا يعتصر قلبه اعتصاراً تتحول معه الدماء إلى دموع؟ أنا أذكر يوم اكتشافنا مرضها كيف كان قلبي يعتصر اعتصاراً وأنا أرى حلمي ينهدم... ما شيدته طوال عمرهما، هي وهمام، ينهار دفعة واحدة... همام نفسه كان قد غدا شمعة تحترق.. ليسيل قطرات من دمع وهو يحبس نفسه في غرفته ويبكي... هي نفسها لم يبد عليها الخوف ولا الحزن... أنا أذكرها جيداً... قال لها الطبيب: مرضك كذا فلم تحفل، يمنع عليك كيت وكيت فلم تبال... فيما وقع علي ذلك كالصاعقة ووقع عليه هو أشد من الصاعقة... كنا كلانا نعلم أن تلك هي نهاية حلمنا بأن تكون ديمة ما يجمعنا إلى الأبد بوثاق أشد وأمتن من كل وثاق... كنا كلانا نعلم أن الجنة التي سنصنعها نحن الثلاثة بزواجهما غدت سراباً، لا طائل وراءه.. فلماذا الجري واللهاث؟ يومذاك، ظل أياماً في غرفته لا يدخل ولا يخرج.. حسرة قلبي عليه كم حزن وكم بكى!! لا.. أنا الأم المفجوعة بابنتها لم أحزن ولم أبك كما فعل.. أتراه حب الرجل أقوى من حب الأم؟ كنا كلانا حزينين لكن هو كان يائساً...إذ ما إن تأكد في دمشق من حقيقة مرضها حتى أمسك بتلابيبه يأس قاتل ترك معه أصحابه، أقلع عن الطعام، عزف حتى عن الذهاب إلى المحل.. وكان علي أنا وعمه أن نبذل المستحيل لإعادته سوياً إلى الحياة.... لكنه لم يعد إلا وقد أقسم "لا أتزوج بعد ديمة أبداً"، لكأن ذلك القسم قد حقق لـه التوازن الذي افتقده. "كما تعيش أعيش، وكما تموت أموت". وبدا لي في ذلك نوع من الظلم... كان بودي أن أقنعه بالزواج، وكان عمه كذلك، فقد ظل وحده بين أيدينا، وظل وحده أملنا.. إن لم يأتنا عقب منه عدمنا العقب أبد الدهر... "افعلي المستحيل.. يجب أن تقنعيه بالزواج، عله يأتي لنا بولد يكون قرة عيننا بقية هذا العمر". وفعلت المستحيل، كما أمرني زوجي وطلبت مني ابنتي، لكن عبثاً، فالحب الذي كان يكنه لديمة كان يحول بينه وبين أن يرى أية فتاة أخرى، "ما رأيك بابنة خالتك سهام؟ "أسأله حاثة مشجعة فيبرم شفتيه استهزاءً. "سهام هذه الجربوعة البشعة"، يجيبني فيسرني ذلك وأنا ألمس لمس اليد كم يحب ديمة!! كم كان لتربيتي وتوجيهي من أثر في نفسه، لكنه في الآن ذاته يغيظني، فهو يجعل مهمتي صعبة إن لم تكن مستحيلة... "اسمع... رنا ابنة جيراننا صبية موردة الخدين ممشوقة القوام".. أبدأ فيقاطعني "اسمعي.. يما... رنا لا تعجبني أبداً.. هي عضروطة بغيضة تعاف رؤيتها نفسي".. وأسكت من جديد وقد سد علي المنافذ.. كل مرة أطرح عليه اسماً جديداً يرفض طرحي... يأبى حتى سماعي إلى النهاية، حتى يئست رافعة الراية البيضاء، "لا فائدة" قلت لزوجي وقد سألني عنه ذات ليلة ضمنا فيها الفراش "لم أدع حيلة ولا وسيلة إلا حاولت بها إقناعه بالزواج لكن سدى... هو لا يريد غير ابنة عمه". "وابنة عمه لا تستطيع الزواج... يا إلهي!! أية مصيبة أصبنا بها!! "وراح يزفر زفرات تقلع الشجرة.. أول مرة أراه فيها يزفر بتلك الطريقة، فقد كان يحرق قلبه أن يقف عاجزاً لا حول لـه ولا طول أمام مشكلة عويصة كتلك المشكلة... هو يحب ابن أخيه الذي نشأه ورعاه حتى استوى رجلاً، وها هوذا يرى الرجل أمامه يذوي مهدداً باليباس والموت... فما معنى أن يبقى الرجل بلا زواج؟ ما معنى أن يحرم النسل؟ ألا يعني أنه هو نفسه، مسلم المشاهدية، قد حرم النسل؟ أنه سيموت قبل أن يرى برعماً جديداً، يحمل اسمه وكنيته، يتفتح للحياة؟ إذن، سيموت كمداً ولمداً. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |