وجهان لعنقاء واحدة ـــ عبد الكريم ناصيف

رواية ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2004

Updated: Tuesday, June 15, 2004 01:14 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

على أرض الدار درجا معاً، طفلين جميلين حبيبين، أرقبهما بعين الوامق المتيم فلا أستطيع أن أميز بينهما: أهو أغلى أم هي أغلى؟ كانا متساويين لدي في كل شيء... أقسم لديهما كل شيء بالعدل وكنت أحب العدل... لعل معاناتي من الظلم، تلك المعاناة التاريخية لجنس حواء كله، كانت تدفعني لأن أعاملهما على قدم المساواة. فقد تعلقت به وأحببته تعلقي بها وحبي لها. وكان كلاهما يحب الآخر ويتعلق به... أرى ذلك فأزداد حباً للصغير الذي راح يثبت يوماً بعد يوم أنه جدير بالحب فهو لا يغار من ديمة ولا يعتد بقوة جسده على ضعف جسدها، لا يؤذيها ولا يفعل إلا ما يرضيها.. وهي كذلك أيضاً، لكأنهما وجدا، مذ أيامهما الأولى تلك، الأرضية المشتركة لتفاهم مشترك لا تشوبه شائبة. ولكم سرني ذلك!! كم بنيت أحلاماً عليه!؟ كم شيدت قصوراً في الأندلس وأنا أراهما يذهبان إلى المدرسة معاً، يدرسان معاً... ويكبران معاً... إلى أن جاء ما يفرقهما.

المدارس الإعدادية في بلدتي لا تعرف الاختلاط... هم يسمحون به في الابتدائية فالتلاميذ ما يزالون صغاراً... لا خطر منهم على التلميذات، لكن ماذا وقد صاروا مراهقين؟ واحدهم في الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة... حواجز تقيمها بلدتي بين الذكر والأنثى إذا ما بلغ واحدهما سن الصبا.. بل كثير من الأهل يمنعون الفتيات من متابعة تعليمهن بحجة "حسبهن أن يفككن الحرف"... بعض أهلنا اقترحوا أن نوقف تعليم ديمة... وأن تقعد في البيت بانتظار العريس. لكن ديمة، المحبة للعلم، المتعلقة بالكتاب والمطالعة، كانت قد حتمت على أبيها ألا يصغي لمثل أولئك الأهل. لم أشأ التدخل يومذاك بل لم أجد حاجة للتدخل، فهي وحدها كانت كفيلة بالدفاع عن نفسها وما تهواه، وأبوها، شديد التعلق بها، كان حرياً به أن يلبي لها كل ما تهواه.‏

لم تخيب ديمة أملنا، فقد أفلحت في دراستها أيما فلاح. هي دائماً من الأوائل... طبعها الهادئ كان يزيدها تعلقاً بالكتاب. ميلها للتأمل والتفكير كان يجعلها أكثر نجاحاً في المدرسة.. وأكثر احتراماً لدى المدرسين والمدرسات، همام كان كذلك... بل ظل كذلك إلى أن داهمته سوسة ممرضة تدعى: الرياضة... ففي الصف الثامن غدا عاشقاً ولهان لكرة القدم.. انضم لفريق المدرسة، صار يلعب مهاجماً حيناً وحارس مرمى أحياناً أخرى ثم يأتي ليروي لي القصص عن بطولاته، ولا أملك إلا أن أعجب بقصصه، أعجب بجسده الذي كان يتشكل أمام عيني، جسد رجل حقيقي طويل عريض المنكبين، تماماً كما تشتهي كل أم لابنها وكما تريد كل أم لزوج ابنتها المستقبل، فهما الغرستان اللتان نميتهما بنفسي، سقيتهما، غذيتهما بيدي، لم أكن أتصور يوماً أن يفترقا... هما عاشا معاً، إذن عليهما أن يستمرا معاً.. الظروف جمعتهما إذن، علي أنا أن أرسخ ما جمعته الظروف، ولم يكن هناك أحب على قلبي من أن أسمع أحداً من الأهل أو الجيران يقول "ديمة لهمام وهمام لديمة هنيئاً لك بهما!!" وأشعر بالهناءة فعلاً، وأنا أرى ديمة متعلقة بهمام، ترافقه، تسأله، تطلب معونته بل تتدلل عليه أحياناً وتشاكسه أحياناً كما يتشاكس أخوان واحدهما على رأس الآخر، لا يفصلهما إلا عام واحد.‏

كانا يتمازحان ناعتين واحدهما الآخر بنعوت من هو رافع الكلفة تماماً. تتكلم معه دون حرج، تروي لـه أو تسمع منه طرفاً بذيئة أحياناً ولا حرج بل تدخل إليه في غرفته وهو يخلع ثيابه أو يلبسها ولا تشعر بحرج... وكنت أعجب: أهو التعلق الشديد أم البراءة؟ سألت نفسي أكثر من مرة ليأتيني الجواب دائماً: البراءة، فديمة كانت على وشك أن تبلغ مبلغ النساء، صدرها بدأ ينهد وجسمها يستدير. مع ذلك كنت أراها ما تزال طفلة تتصرف تصرف الأطفال وتحمل براءة الأطفال، لكن هو!! همام كان قد بلغ مبلغ الرجال وكانت الرياضة تزيد من متانة بنيته وكمال جسده، حتى بدا في الخامسة عشرة رجلاً كاملاً مكتملاً لا ينقصه سوى أن يفتل شاربيه... مع ذلك لم تغير سلوكها تجاهه... ظلت تمازحه، تشاكسه، تذهب معه إلى هذا الشأن.. أو ذاك، بل تدرس معه أحياناً حتى وقت متأخر من الليل. وكان ذلك يسرني إلى حد الغبطة... فذلك كله، كنت أشعر، يزيد من الروابط بينهما حتى لا يستطيعا فكاكاً بعد، لكنه زوجي الذي نبهني: "ما بك؟ أنسيت أن ديمة وهماماً ابنا عم وليسا أخوين؟" "لا، لم أنس" أجبته وفي نيتي أن أراوغ، "إذن... احذري الشيطان، فما اجتمع ذكر بأنثى إلا وكان ثالثهما الشيطان". "لا... لا... لا شغل للشيطان في دنيا الملائكة... وديمة وهمام ملاكان.." "لا.. ناجية.. لا تغلطي" قاطعني مسلم وقد عادت لنبرة صوته قسوته المعتادة وفظاظته. "ليس من ملائكة على الأرض.. هم يوجدون فقط في السماء، فحذريها هي وحذريه. عليهما أن يتصرفا الآن بشكل مختلف..أن يراعيا عاداتنا وتقاليدنا، أن يحافظا على الهامش الذي يحقق الأمان... أتفهمين علي؟ هامش أمان فلا يجيئنا وجع رأس..".‏

وعصيت أوامر مسلم, لعلها كانت المرة الأولى التي أعصى أوامره بها فقد عز علي كثيراً أن أحذر أغلى كائنين على قلبي واحدهما من الآخر، كلا لم أكن أتصور أن يكون باستطاعة أحدهما إيذاء الآخر... إذن لماذا أخيف ديمة من همام، وأخيف هماماً من ديمة؟ أنا التي كانت على استعداد لأن تدفع كل ما تملك كي تجعلهما يتقاربان ثم يتحدان كلاً لا يتجزأ مدى الزمان؟ كنت أراهما نصفّي الاثنين فكيف أعمل على شطر نصفي الاثنين؟ جناحيّ فكيف أفرق بين جناحيّ؟‏

رحت فقط أرقبهما؛ بقيت هي على براءتها وسلوكها فيما بدأ هو يحمر ويخجل.. كان قد دخل مرحلة جديدة فغدا يحذر من الانزلاق وينكمش على نفسه ربما خشية ارتكاب خطأ. نظرات جديدة بدأ ينظر إليها بها.. راقبتها فأدركت أنها نظرات المحب العاشق الذي لا يستطيع إلا أن يكتم عشقه.. وسرني ذلك كثيراً فما أردته أن يكون بينهما بدأ يتشكل... "سأرعى حبهما صغيراً كما رعيتهما صغيرين، ثم أراه يكبر أمام عيني ويكبر إلى أن يوحدهما الرباط المقدس فيظلا جناحيّ اللذين أطير بهما محلقة في السماء.‏

بلغت ديمة مبلغ النساء ولم تغير سلوكها تجاه مازن.. فعاد والدها ينبهني "ألم تحذريها؟". "بلى.. حذرتها" كذبت عليه فعاد يؤكد "حذريها من جديد.. دعيها تكن أكثر حذراً" وقلت لها هذه المرة.. لكن بطريقة تسبر غور سلوكها ولا تكبحه فضحكت قائلة "أحذر من أخي!.؟ لا.. لا... لا تخافي أنت وأبي... فهو في عيني ليس سوى أخ غالٍ غلاوة الروح".. وصدمني ذلك القول.. شعرت به يهدم قصوري في الأندلس كلها، لكنني لم أرد مناقشتها وكلي أمل أن يغير الزمن من نظرتها تلك، أن تفعل الطبيعة فعلها ذات يوم فتحل الغريزة محل البراءة وحب الشهوة بدلاً من حب الأخوة.‏

الطبيعة فعلت فعلها حقاً لكن عكس ما أشتهي... فقد جعلته هو يزداد هياماً بها وجعلتها هي تزداد أخوة له... جعلته هو يتعلق بالرياضة ويكره الدرس وجعلتها هي تكره الرياضة والهوايات الأخرى وتتعلق بالدرس... ثم جاءت الشهادات ورسوب الفتى المتكرر فيما كانت الفتاة تشق طريقها بسرعة وثبات.. وجهاي اللذان خيل إلي في لحظة من اللحظات أنهما متشابهان ينطقان بما أريد ويعبران عما أريد بدأا يختلفان وبدأت الحواجز تقوم بينهما وتتكرس.. ترك هو المدرسة وتابعت هي فحاول أن يعرقل مسيرتها... أن يبقيها مثله، كأنما شعر أن فارق التعليم سيكون يوماً أحد أهم الحواجز بينهما، لكنها دافعت عن دراستها دفاع اللبؤة عن عرينها.. حاول أن يستعدي أباها عليها، أن يستعديني أنا، وكدت أسمع له.. لكن ما إن جد الجد، حتى وقفت أناصرها.. لماذا؟ لا أدري لعل شعوري القديم بظلم الرجل للمرأة، لعل حبي للمساواة والعدالة، رغبتي الشديدة في أن تحقق ابنتي -امتدادي الوحيد- ما لم أستطع أنا تحقيقه، فأحقق بذلك ذاتي، ربما ذلك كله جعلني أقف إلى جانبها، وجعلني أساندها كي تكمل دراستها الجامعية: قابلة قانونية، فذلك وحده ما كان يدغدغ روحي، منعشاً شيئاً ما كامناً هناك في الأعماق، ملغياً كل اعتبار آخر.‏

همام متعلق بها، يحبها حب العبادة، لكنه بات يبدي تخوفه ويشتكي لي "أراها تبتعد عني يما، الفوارق بيننا تزيد والحواجز ترتفع –يما".. "لا... لا تخف.. أنا معك... مهما وصلت، ومهما ارتفعت لن تكون إلا لك.. ثق بي" لكن حدسه صدق وثقتي بنفسي خابت... فوجودها في دمشق جعلها تصبح فتاة أخرى أكثر استقلالاً، أكثر ثقة بالنفس، أكثر قدرة على الدفاع عن النفس.. ظهر ذلك يوم تخرجت وبرزت مشكلة تعيينها، فقد قاتلت بضراوة عن فكرة تعيينها هناك... ثم ما إن تعينت ومرت بضعة أشهر حتى بدأنا نحس جميعاً أنها تتسرب من يدنا تسرب الماء من قبضة اليد وبدأ همام يبدو أكثر خوفاً وأشد إلحاحاً "يجب أن نكتب الكتاب يما، أن نفرض على ديمة العودة إلى هنا أو خسرناها إلى الأبد يما" راح يعزف لي معزوفته كل يوم وكان قرارنا... نذهب إلى دمشق ولا نعود إلا وقد أنهينا مشكلة ديمة وهمام.‏

وضعنا خطة محكمة أنا وهمام قبل أن نذهب إلى دمشق وكادت الخطة تنجح، بل نجحت وجئنا بديمة إلى البلد نكتب الكتاب لكن لنفجع بما لم نكن نتوقعه: اكتشاف مرضها الخطير، ذاك الذي يجول بينها وبين الزواج، يحرمها من أن تحبل أو تلد...‏

- - -‏

كان قد مضى علينا أكثر من ساعة أمام غرفة الولادات... ولم يكن ثمة صوت أو حركة.. أعيننا شاخصة إلى الباب أو مطرقة إلى الأرض ننتظر على جمر النار.. كنا أنا وأبوها، الأم وابنها ننظر إلى غرفة العمليات ثم نتبادل النظرات.‏

-الولادة تصرخ فلماذا لا تصرخ ديمة؟ غرفة العمليات صامتة ساكنة فأين جلبة الولادة وضجيج الإنجاب؟ سألت مستغربة فأجاب مازن:‏

-الأبواب كاتمة للصوت.. فلا تخرج صرخة إلى الخارج ولا يسمع نشيج أو عويل...‏

وكان كل ما أتمناه في تلك اللحظة أن أسمع صوت ديمة صارخة أو مستغيثة، فقد كان يملؤني الرعب من أن يكون ذلك السكون سكون الموت، وهم لا يريدون البوح لنا بالحقيقة.‏

-آه!! فقط لو سمحوا لي أدخل معها... قلت بكثير من الحسرة...‏

-أين تدخلين يا حرمة؟ أتحسبينها عند أم سلام؟ سألني مسلم بعتب شديد وهو يلوح برأسه..‏

-لم يعد باستطاعتي الانتظار... أنا أحترق.. أحترق...‏

-كلنا نحترق.. قالت أمه وقد بدت خائفة متلهفة، لا تفتأ عيناها تقفزان إلى باب الغرفة ثم تعودان...‏

-ما عساي أقول أنا؟ سأل مازن وهو يذرع الممر جيئة وذهاباً مطرقاً مغتماً، عيناه فقط ينبوعا ماء.. دموع حارة تنساب منهما... بصمت وهدوء تنساب وكأنما هي خارج إرادته.. كأنما هناك قبضة جبارة تعتصر قلبه فتخرج العصارة دموعاً حارة تنساب على الخدين.‏

نظرت إليه فتعجبت: أنا نفسي لم أكن أبكي، فكيف به، هو الرجل يبكي؟ لكنه لم يكن بكاء... نظرت إليه من جديد وأدركت أنها مجرد عصارة... القبضة الجبارة تمسك بقلبه، وهو يعلم أن حبيبته على حافة الهاوية مصيرها على كف عفريت، فكيف لا يعتصر قلبه اعتصاراً تتحول معه الدماء إلى دموع؟‏

أنا أذكر يوم اكتشافنا مرضها كيف كان قلبي يعتصر اعتصاراً وأنا أرى حلمي ينهدم... ما شيدته طوال عمرهما، هي وهمام، ينهار دفعة واحدة... همام نفسه كان قد غدا شمعة تحترق.. ليسيل قطرات من دمع وهو يحبس نفسه في غرفته ويبكي... هي نفسها لم يبد عليها الخوف ولا الحزن... أنا أذكرها جيداً... قال لها الطبيب: مرضك كذا فلم تحفل، يمنع عليك كيت وكيت فلم تبال... فيما وقع علي ذلك كالصاعقة ووقع عليه هو أشد من الصاعقة... كنا كلانا نعلم أن تلك هي نهاية حلمنا بأن تكون ديمة ما يجمعنا إلى الأبد بوثاق أشد وأمتن من كل وثاق... كنا كلانا نعلم أن الجنة التي سنصنعها نحن الثلاثة بزواجهما غدت سراباً، لا طائل وراءه.. فلماذا الجري واللهاث؟‏

يومذاك، ظل أياماً في غرفته لا يدخل ولا يخرج.. حسرة قلبي عليه كم حزن وكم بكى!! لا.. أنا الأم المفجوعة بابنتها لم أحزن ولم أبك كما فعل.. أتراه حب الرجل أقوى من حب الأم؟ كنا كلانا حزينين لكن هو كان يائساً...إذ ما إن تأكد في دمشق من حقيقة مرضها حتى أمسك بتلابيبه يأس قاتل ترك معه أصحابه، أقلع عن الطعام، عزف حتى عن الذهاب إلى المحل.. وكان علي أنا وعمه أن نبذل المستحيل لإعادته سوياً إلى الحياة.... لكنه لم يعد إلا وقد أقسم "لا أتزوج بعد ديمة أبداً"، لكأن ذلك القسم قد حقق لـه التوازن الذي افتقده. "كما تعيش أعيش، وكما تموت أموت". وبدا لي في ذلك نوع من الظلم... كان بودي أن أقنعه بالزواج، وكان عمه كذلك، فقد ظل وحده بين أيدينا، وظل وحده أملنا.. إن لم يأتنا عقب منه عدمنا العقب أبد الدهر... "افعلي المستحيل.. يجب أن تقنعيه بالزواج، عله يأتي لنا بولد يكون قرة عيننا بقية هذا العمر". وفعلت المستحيل، كما أمرني زوجي وطلبت مني ابنتي، لكن عبثاً، فالحب الذي كان يكنه لديمة كان يحول بينه وبين أن يرى أية فتاة أخرى، "ما رأيك بابنة خالتك سهام؟ "أسأله حاثة مشجعة فيبرم شفتيه استهزاءً. "سهام هذه الجربوعة البشعة"، يجيبني فيسرني ذلك وأنا ألمس لمس اليد كم يحب ديمة!! كم كان لتربيتي وتوجيهي من أثر في نفسه، لكنه في الآن ذاته يغيظني، فهو يجعل مهمتي صعبة إن لم تكن مستحيلة... "اسمع... رنا ابنة جيراننا صبية موردة الخدين ممشوقة القوام".. أبدأ فيقاطعني "اسمعي.. يما... رنا لا تعجبني أبداً.. هي عضروطة بغيضة تعاف رؤيتها نفسي".. وأسكت من جديد وقد سد علي المنافذ.. كل مرة أطرح عليه اسماً جديداً يرفض طرحي... يأبى حتى سماعي إلى النهاية، حتى يئست رافعة الراية البيضاء، "لا فائدة" قلت لزوجي وقد سألني عنه ذات ليلة ضمنا فيها الفراش "لم أدع حيلة ولا وسيلة إلا حاولت بها إقناعه بالزواج لكن سدى... هو لا يريد غير ابنة عمه". "وابنة عمه لا تستطيع الزواج... يا إلهي!! أية مصيبة أصبنا بها!! "وراح يزفر زفرات تقلع الشجرة.. أول مرة أراه فيها يزفر بتلك الطريقة، فقد كان يحرق قلبه أن يقف عاجزاً لا حول لـه ولا طول أمام مشكلة عويصة كتلك المشكلة... هو يحب ابن أخيه الذي نشأه ورعاه حتى استوى رجلاً، وها هوذا يرى الرجل أمامه يذوي مهدداً باليباس والموت... فما معنى أن يبقى الرجل بلا زواج؟ ما معنى أن يحرم النسل؟ ألا يعني أنه هو نفسه، مسلم المشاهدية، قد حرم النسل؟ أنه سيموت قبل أن يرى برعماً جديداً، يحمل اسمه وكنيته، يتفتح للحياة؟ إذن، سيموت كمداً ولمداً.‏

"افرض عليه الأمر فرضاً" نصحته وقد لمعت في رأسي الفكرة. "كيف؟" سأل وكأنما فوجئ بالنصيحة، "نخطب لـه ونأتي بالعروس دون أن نأخذ رأيه"، قلت فرد رافعاً حاجبيه "معقول؟ الفتاة يمكن إرغامها، غض النظر عن أخذ رأيها، لكن الفتى.. كيف؟ هو من سيتزوج.. هو من سيكون الفاعل... والفاعل يجب أن يكون راغباً"، شرج وجهة نظره الذكورية التي لم أكن أوليها، أنا الأنثى التي تعرف قدرات الأنثى على الإغواء والتحريض، أي اهتمام. فتابعت اقتراحي بإلحاح "ابنة أختي التي في القرية، نذهب إليها، نخطبها، نجهزها، ونأتي بها دون أن نقول له. أمر واقع سيجد نفسه أمامه فيرضخ.. إن لم يكن أول ليلة فثالث ليلة أو عاشر ليلة... لا يهم... المهم النتيجة... وكن على ثقة أن النتيجة ستكون ما نريد نحن.. لا ما يريد هو. "وأطرق مسلم يفكر.. وفرحت... معنى ذلك أن الفكرة حازت على قبول أولي... بعدئذ تابعت الطرق والحديد حام إلى أن اقتنع أخيراً بفكرتي "حسن.. نحاول" قال وفي نبرته رعشة من شك..‏

في اليوم التالي، ذهبنا إلى بيت أختي، رأينا الفتاة فازددنا إعجاباً بها، كانت تبدو مهرة حقيقية لم تعرف لجاماً.. ملؤها الحيوية ملؤها النشاط، وهي تتراقص على مرجة من ربيع. حدثت أمها بالفكرة حدث هو أباها، وبدا كلاهما متفهماً مستجيباً... "إذن نقرأ الفاتحة" اقترح مسلم فرحاً، وقرأنا الفاتحة.. "في الأسبوع القادم تنزلين إلى البلد مع العروس نجهزها على أحسن وجه"، قلت لأختي التي لم تكن تمانع رغبة أختها الكبرى التي تحبها كل الحب.‏

في الموعد المحدد، جاءت الأم بابنتها تزورنا، مضينا إلى السوق، اشترينا ذهباً وأقمشة... حوائج وملابس، لكن ظلت هناك حوائج وملابس تريدها العروس فاتفقنا على موعد جديد... لم ير همام العروس ولم يلتق بخالته.. كان مسلم حريصاً كل الحرص على إبقائه في المحل.. وكنت أنا حريصة على إقناع أختي وابنتها بأن نترك المفاجأة كاملة لهمام، لكن حسن الحظ الذي حالفنا أول مرة خذلنا في المرة الثانية، إذ ما إن عدنا من السوق حتى وجدنا الفتى في الدار وقد أصيب بمغص حاد منعه من البقاء في المحل.. وارتعدت الفتاة صائحة "أنت مريض؟ يا لسوء حظك يا فاتن؟؟ راحت المنحوسة تفرح ما لاقت لها مطرح..." وللتو انتفض همام.. "ماذا؟ تفرحين بماذا؟" سألها وهو يتفحص بسرعة ما حملنا معنا من السوق، يتأمل ما في خديها من توهج وفرح، يقلب النظر بيني وبين أمها وكأنما راوده شك من قبل "أفرح.. بك.. نفرح.. معاً" قالت بتلعثم واستحياء. ونوع من الإشارات التي تدل على الاقتران..‏

"يما.. ماذا هناك؟" ركز نظراته علي وقد نسي مغصه وغدا كله توفزاً وتشنجاً "لا شيء.. لا شيء.. نتحدث فيما بعد... المهم الآن هذا المغص.. سأغلي لك النعناع". "ألم أوصك بعدم التكلم في الأمر؟" سألتها عاتبة "ألم تسمعيه؟ هو سألني، أأكذب؟" ولم أر جدوى من العتاب، فأسرعت إلى المطبخ أعد لـه النعناع.‏

"يما، في الرز بصل... أنا أشعر بذلك، فما قصة فاتن؟ أنتم تجهزونها عروساً فمن تراه العريس؟" ووجمت صامتة.. كان يعرف إذن أننا نعدها عروساً، فهل أكذب عليه هكذا كذباً مباشراً؟ أأقول لـه نعدها لعمرو، أو لزيد، كيف بعد ذلك نواجهه بالحقيقة؟ الأمر الواقع يقتضي المفاجأة، فلا يملك المرء أن يقبل أو يرفض.. بل يستسلم لذلك الأمر الواقع... المفاجأة مضت وانقضت، فبماذا أجيبه؟ الصمت وحده كان خياري... فقال وقد أدرك الحقيقة "لي أنا يما، آ؟ تريدان تزويجي رغماً عن أنفي أليس كذلك؟" فقلت "لا، ليس رغماً عن أنفك... فاتن فتاة جميلة يتمناها كل رجل... وهي ابنة خالتك..." "قلت لك لا أريد أن أتزوج يما.. أرجوك... قراري قاطع لا رجعة فيه... فلماذا هذا اللف والدوران؟ قد أقسمت يميناً معظماً ولسوف أبر بيميني" "اليمين لا تفكر به... سنكفر عن يمينك ونبرئك منه... فاسمع مني... فاتن حلوة... عروس تناسبك... ولسوف تأتيان لنا ببنين وبنات..". "قلت لك مستحيل يحرم علي الزواج بعد ديمة... بل لن أتزوج أبداً لا طوعاً ولا كرهاً... أم تحسبين أنني فتاة ترغمينني على الزواج بمن لا أريد؟ لا... لا... أنا رجل ولسوف أثبت لك أنني رجل..."، "ماذا تعني؟" سألته وأنا أرى عينيه تقدحان شرراً... "أعني.. تأتيان بالعروس فلا تجدان عريساً.. وخذي فضيحة... تلوكنا بها ألسنة البلد كلها..". "لا تفعلها.." قلت مهدئة. "وإلا أين تربيتي لك؟ أين تعبي عليك؟" "تربيتك على رأسي... تعبك من عيني هذه قبل هذه، لكن تزوجينني رغماً عني؟ لا وألف لا... سأتطوع بالجيش... سألتحق بالعمل الفدائي فلا تراني عين لكم أبداً". وخرج من المنزل يدوي تهديده كالطبل في أذني.‏

في الليل، ونحن وحيدان، نقلت لمسلم ما حدث، إذ باشر همام بتنفيذ تهديده على الفور، ولم يعد طوال ذلك الليل. "إذن، فشل أمرك الواقع؟" علق مسلم هازئاً قليلاً "ألم أقل لك المفعول به يمكنك إرغامه أما الفاعل فلا.." ... لكن يجب أن نزوجه "قلت بإصرار المعاند المكابر. "دعيه الآن.. اسمعي مني... همام سيتزوج.. لكن بإرادته وبمن يختار... فقط لابد من الزمن الذي ينسيه ديمة، قسمه، أيمانه... اسمعي مني.. الضغط يولد الانفجار", "وأي انفجار؟ تصور يهددني بالجيش والعمل الفدائي"، "وماذا يمنعه؟ هو رجل.. والرجل ملكه الدنيا كلها، يستطيع فعل ما يشاء..."، "والعروس، ماذا نقول لها؟ كم ستكون كبيرة خيبة أملها!!". "العروس يمكن إقناعها، كلميها، كلمي أختك، هما على كل حال، بالصورة.. نحن أفهمناهما الواقع، طلبنا إليهما التزام السرية والكتمان... لكن سامحها الله!! العروس تعجلت فليكن ذلك عقاباً لها".. "لكن حرام... زهرة في أول عمرها ستجرحها الحادثة جروحاً لا تندمل"، "لا... بل تندمل... سأهبها كل ما اشتريناه لها حلالاً زلالاً، ألا يكفي تعويضاً يدمل جروحها؟" وأسدلنا الستار على زواج همام، كما سبق وأسدلنا الستار على زواج ديمة.‏

- - -‏

ديمة في غرفة الولادات مسدل عليها ستار من عتمة لا تخترقه عين، موصد عليها باب لا يعبره صوت. ساعتان كانتا قد مرتا لم يخرج فيهما أحد نسأله سؤالاً أو نشم منه خبراً.. كنا، الأربعة، ما نزال أعصاباً تتحرق وقلوباً تتأكل، نرقص على لهب اللهفة ونشوى على جمر الانتظار. "آه!! ما أصعب الانتظار!! يأتي إليك زاحفاً كأفعى كوبرا تنفث سمها في أوردتك وشرايينك فيجمد الدم في أوردتك وشرايينك وتنقطع أنفاسك ولا تدري أشللت أنت فلا تستطيع حراكاً أم مازلت قادراً على الحراك. الهواء حولك يتعفن مرسلاً رائحته الكريهة إلى أنفك، الزمن يتحول إلى طين لزج تدوس فيه فتغوص إلى الأسفل فالأسفل.. فيما تتوقف عقاربه عن الحراك وهي تنظر إليك مخرجة لك لسانها صانعة من إصبعيها قرنين فوق رأسها علامة السخرية والاستهزاء. "تريدني أن أسرع؟ إذن، سأبطئ حتى درجة التوقف فأزيدك احتراقاً على احتراق...".‏

كان مسلم يفرك يديه بعصبية واضحة واحتراق أكيد، وهو يجلس على المقعد بجانبي.. وكنت أرقبه بإشفاق "هوذا الموقف الصعب يا زوجي العزيز!! هوذا الامتحان العسير. فلذة كبدك بين الموت والحياة، وأنت الرجل الذي ما عرفته يوماً عاجزاً عن حل مشكلاته.. فما بالك اليوم، لا تحل هذه المشكلة؟ تحرك، مسلم أرجوك.. كنت معقد أملي دائماً وما تزال.. فهيا.. تحرك.. افعل شيئاً وانقذ فلذة كبدك. "لكنه لا يتحرك من مقعده.. بل ينتظر أن يفتح الباب مثلما أنتظر أنا، ينتظر أن يخرج الطبيب بالخبر، مثلما أنتظر أنا، فكيف صرت كالنساء يا فحل الرجال! "كنت أخاطبه في سري وأنا أنتظر.‏

مازن لا يزال شبه منهار، دموعه تنساب على خديه، كأنما هو على معرفة أكيدة بالنتيجة، كأنما هو يعيش معاناته قبل أن يطبق على صدرها جبل صنين فيقطع عنها الأنفاس..‏

-يا إلهي!! لماذا هذا التأخر كله؟ تمتم وهو يمر بجانبي كأنما لم يعد يحتمل الصمت...‏

-الحمد لله.. أنهم تأخروا، رد الأب وبريق أمل في عينيه، هذا يعني أن الأمور بخير!!‏

-حقاً؟ هتفت على عجل، وقد جاءني كلامه بصيص ضوء في آخر نفق مظلم، أيعقل أن تكون الأمور بخير؟‏

-وإلا كانوا خرجوا؟‏

-صحيح!! هتفنا نحن الثلاثة وكأنما فطنا لحقيقة لم نكن ندركها، بعدئذ تابعت:‏

-يا رب!! نذراً علي أن أحج إلى كعبتك على جمل إن نجت ابنتي... يميناً علي أن أمشي إلى بيتك الحرام حافية القدمين إن ظلت ديمة على قيد الحياة...‏

-وهو نذري، عقب مسلم مؤكداً فيما لحقت به الأم:‏

-وعلي أنا وعلى ابني يا رب!! فقط تخلص ديمة بالسلامة!! وللتو وجدنا أنفسنا نفتح أيدينا جميعاً رافعين رؤوسنا إلى السماء لاهجين بدعاء محمل بكل ما في قلوبنا من حرارة وحب، عله ينقذ فلذة الكبد، حبيبة الروح ومعقد الأمل.‏

بعدئذ ساد صمت لم يعكر صفوه شيء، كنا كلنا جلوساً مطرقين ننتظر ومازن يتحرك مرخي الذراعين، متهدل الكتفين يذرع الممر جيئة وذهاباً، فيما الدموع تنساب من عينيه انسياباً: يا إلهي!! كم يحبها إذن!! "وعدت بالذاكرة إلى اليوم الذي جاءتني فيه من دمشق على غير توقع... كانت صحتها قد تحسنت وكان في خديها بعض الورود، سألتها فقالت "إنه العلاج... قلبي يتحسن يوماً بعد يوم". "وهل هناك أمل؟" سألتها ثم ندمت "أقصد.. هل قصور القلب يشفى؟". "بالطبع، يما.. كل مرض يمكن شفاؤه، خاصة بعد أن تقدم العلم كثيراً وحقق الطب المعجزات... تصوري... الآن.. يستأصلون القلب كله، يلقونه أرضاً ويزرعون قلباً آخر بدلاً منه". "ويعيش المرء بقلب آخر؟" سألت مستغربة "أين مشاعره إذن؟ حبه؟ كرهه؟ ألا يوقعه ذلك في مشاكل؟". "أية مشاكل يما؟" ردت ديمة ضاحكة "ما القلب إلا آلة تضخ الدم، أما الحب والكره فهنا في الدماغ". "حقاً.. ديمة؟ والقلب الذي يقولون إنه هو الذي يحب وهو الذي يكره". "مجرد أقاويل.. وإلا لكان من يزرعون لـه قلباً الآن يحب من كان صاحب القلب يحبه، ويكره من كان يكرهه..". "عجيب!! هذا الإنسان عجيب غريب!! لا تعرفين ما يحويه من أسرار"، "لا، والآتي أغرب وأعجب يما... كل يوم اختراعات وابتكارات، يدهش لها الإنسان، فإلى أين سيصل الإنسان؟". "حقاً!؟ أين سيصل؟ لكن كم أتمنى أن يخترع غداً ما يقضي قضاء مبرماً على قصور القلب لترجعي لي الأمل المزهر والغد الجميل يما". "سأرجع يما.. سأرجع..أنا كلي ثقة بالحياة، كلي تفاؤل بالمستقبل". "حقاً ديمة؟ يعني هل أتفاءل أنا؟" قلت لها وفي عيني رجاء أن تجيبني بالإيجاب. "بل تفاءلي كل التفاؤل.. ابنتك تنفتح لها أبواب السماء...". "حقاً؟" هتفت سائلة "طمئنيني... كيف؟". "صفحة جديدة سأفتح مع الحياة!! هكذا قال لي الطبيب.. شهران أو ثلاثة ويعود قلبي سليماً تماماً". "معقول ديمة؟" "معقول ونصف وثلاثة أرباع" ردت مازحة مداعبة "ألم أقل لك الطب اليوم يصنع المعجزات؟ وأنا في قلب الطب الآن وفي الصميم منه فكيف لا أستفيد من تقدمه؟" "صحيح لماذا لا تستفيدين؟ لماذا لا نستفيد كلنا وترجعين ابنة صحيحة الجسم، لا علة فيها.. تتزوج وتنجب لنا دزينة من الأولاد "قلت بفرح طاغ انتقل إليها للتو" تعلمين؟ بودي، مثلك، أن أنجب دزينة من الأولاد.. ولكم سأفرح حين أشفى ويغدو قلبي قادراً على التحمل فأحمل وأنجب.. حتى يتعب الحمل والإنجاب دون أن أتعب أنا". "أإلى هذا الحد تحبين الأولاد؟" سألتها وقد أدهشني إفصاحها، للمرة الأولى عن مكنونات صدرها. "لم إذن اختصصت قابلة!.؟ أنت تعلمين لو جمعت علامات كافية لعملت طبيبة نساء... لكن تقصيري في الرياضيات، ذاك الذي لم أستطع لـه دفعاً، جعلني أصير قابلة... فأعالج النساء وأتعامل مع أجنتهن، وأعمل على توليدهن، إنها الهواية التي شغلتني مذ عرفت الهوايات". وكانت على حق... فقد كنت أعرف ذلك فيها حق المعرفة... كانت، وهي صغيرة، تتحدث بإعجاب دائم عن أم سلام، القابلة التي تولد نساء بلدي، دون أن تكون قد درست في مدرسة قبالة أو كلية طب، وكانت، إذا ما سألها أحد ماذا تريدين أن تصيري في المستقبل غالباً ما ترد، بكلمة: قابلة.. حتى إذا كبرت وصارت في الإعدادية والثانوية تبلور حلمها وكبر فصار: طبيبة نساء. ترى أكان ذلك كله لأنها تعرف بالغريزة، أنها لا تستطيع أن تحمل وتلد؟ أكان إحساسها الداخلي بقصور قلبها وعجزه هو الذي يدفعها إلى هواية، محورها الإنجاب والولادة؟ أسئلة لم يكن باستطاعتي الرد عليها، وهي تدخل في جملة ألغاز الإنسان وأسراره، إذ كنت أخشى على ديمة الجرح... فقلت وعيناي تنغرسان فيها جيداً "إذن... الأمل كبير في أن تعودي إلى همام؟". "همام؟" ردت وقد ارتدت مصدومة إلى الوراء "ألم تنته قصة همام يما؟" "انتهت طالما أنت لا تستطيعين الحمل والإنجاب... أما...." "لا... لا تكملي يما.." قاطعتني.. لكن دون انفعال، كأنها كانت تخفي في نفسها أشياء كثيرة لابد للبوح بها من الزمن والصبر وبرودة الأعصاب. "كم مرة قلت لكم همام أخي... فهل تتزوج البنت أخاها؟" "لكنه يحبك يعبدك، ديمة" "أوه... يما.. ليس المهم أن يحبك الرجل.. المهم أن تحبيه أنت" واستغربت. "صحيح" قلت مخاطبة نفسي "المهم أن تحبي أنت... لكن لم لم أفطن لهذه المسألة من قبل؟" رغم ذلك وجدتني أعاند "كيف تقولين هذا ديمة؟ أن تكوني موضع حب هو المهم.. أن تري الناس من حولك يحبونك يابنتي هو المهم"... "طبعاً... لا شك أن هذا مهم قليلاً... فلا تجد الفتاة نفسها منبوذة مكروهة... أجل... لابد لها من الحب فتشعر بالناس يحبونها ويهيمون بها... لكن ما هذا قصدي يما... قصدي أن تشعري أنت بالحب... أن يتسلل هذا الطائر الجميل إلى شغاف قلبك، يبني فيه عشاً ويطير هنا وهناك، غريداً فرحاً...". "آ.. ذاك الشعور لاشك أنه جميل..." "أنت لم تعرفيه يما!؟ أنت لم تحبي يوماً؟ لم تتزوجي أبي عن حب".‏

سألتني على نحو مفاجئ فباغتني السؤال، تلعثمت وأنا لا أدري ما أقول "لا.. يما... أيامنا لم يكن هناك حب" قلت بعد لأي، فيما هي تتفحصني بخبث من وجد ما يحرج به خصمه. "من قال هذا؟ الحب موجود دائماً. وجد في الماضي كما هو موجود في الحاضر ولسوف يوجد في المستقبل، أم نسيت قصة ليلى وقيس... بثينة وجميل؟ وقبل ليلى وبثينة كانت هناك آلاف الليلاوات والبثينات..." "صحيح... أنت على حق... أنت على حق" رددت على عجل وقد عرفت أنني أخطأت خطأ لم يكن علي الوقوع فيه فلا تحسب أمها مجرد أمية جاهلة. "أقصد أيامنا لم يكن ثمة مجال للحب... كانت الفتاة ما إن تبلغ حتى تجد نفسها في بيت الزوج الذي عليها أن تطيعه أكثر مما تحبه، أن تخدمه أكثر مما تهتم بعواطفه، أن تنجب لـه الأولاد أكثر مما تنشغل بالحب والغرام "شرحت لها وقد تحولت كلها إلى آذان صاغية" مسكينة المرأة... كم كانت محرومة مظلومة!! لم تكن تعرف غير التعب والشقاء!!". "لهذا عليكن أن تناضلن لتحرير المرأة.. لتخليصها من كل ذلك الظلم والحرمان!!" "المرأة تناضل اليوم.. تسعى لبلوغ حقوقها... وفي رأس هذه الحقوق: الحرية والحب". "معقول ديمة.. أتحصل المرأة يوما على ذلك؟ أيصبح من حقها الحرية والحب؟". "لم لا؟ لقد فعلت ذلك في العالم المتقدم وحصلت عليه... وهي هنا تناضل ولسوف تحصل بالتأكيد ليس عليه وحسب بل على كل ما حرمت من حقوق..." وشردت لحظات مع الحب الذي كان يوماً حلمي... كم من أيام أمضيت وأنا أتصور نفسي مع فارس أحلامي يحبني وأحبه، يغازلني وأغازله، يسعدني وأسعده... لكن ضاع كل شيء. ابن الجيران الذي بدا لي أقرب إلى فارس الأحلام تبخر وقد جاء العريس ليحملني إلى بيته، في يدي قيود من ذهب وعلى جسدي شباك من حرير، فلم أعرف منه إلا القسوة والفظاظة، وكل همه أن يثبت لي أنه الرجل الفحل والسيد المطلق. شرحت لها ذلك كله، كما شرحت لها المعاناة التي عشتها لدى رجل راح يمنى بخيبة بعد خيبة، حتى باتت حياته سلسلة من الخيبات. "هل تمنيت أن تحبي؟" سألتني بنبرتها ذاتها فقلت دونما تفكير "كل فتاة تتمنى أن تحب... لكن سعيدة الحظ وحدها من تستطيع تحقيق تلك الأمنية". "يعني هل أكون سعيدة الحظ إن أحببت؟" سألت بعد شيء من تردد فلم أستطع منع نفسي من إطلاق آهة: "آه يابنتي... أنت وحدك فقط لا تستطيعين أن تحبي... أم نسيت علتك اللعينة تلك؟" "افرضي.. افرضي.. أنني شفيت". فقاطعتها على الفور" تشفين؟ نذر علي إذن أمشي حافية القدمين، عارية الرأس إلى مقام سيدنا الرفاعي" ..لا... لا أريدك أن تمشي حافية عارية الرأس... بل أن تحققي لي أمنية واحدة..." "إن شفيت يا ديمة نذر علي أن أحقق لك الأمنية التي تتمنين". "حقاً يما! صحيح يما؟" راحت ديمة تردد شبه منشدة شبه راقصة "صحيح ونصف وثلاثة أرباع" قلت بطريقتها التي سبق واستخدمتها معي "نذر علي أن أنفذ لك كل ما تطلبين".‏

وبدت فرحة ذلك المساء، مازحت هماماً، داعبت أباها، جلت عني الصحون ثم مضت مع أبيها إلى غرفته تحدثه وتجرجره إلى أن نذر النذر الذي نذرته لها ذاته، هكذا أخبرتني وهي تعود إلى غرفتها سعيدة كما لم تسعد من قبل، شفافة حتى لتكاد تطير، بل رأيتها وهي تودعنا عائدة إلى دمشق، كأنما لها جناحان ترفرف بهما عالياً في السماء لكأنها لم تكن تودعنا... أخذتها جانباً أسألها "... ديمة!! ألست حزينة على فراقنا؟ "... "بلى حزينة.. يما...". "وهذه السعادة التي أراك فيها؟".. لا أدري يما... ربما هو الأمل.. ربما هو الحب..".‏

بعد أقل من ثلاثة أشهر جاءتنا برقية منها... هي لم تكتب رسالة، لم تتصل بهاتف، بل أرسلت برقية من بضع كلمات: "عاجل... عاجل.. أبي.. أمي.. يلزم حضوركما فوراً". وانتابنا خوف شديد "ماذا بها؟ لماذا يلزم حضورنا فوراً؟ ولم نستطع التوصل إلى جواب.. حاولنا الاتصال بها إلا أن أحداً لم يرد، فازداد غليان قلبي وتوتر أعصاب أبيها، ولم نجد من خيار أمامنا سوى الإسراع إلى دمشق.‏

هناك كانت المفاجأة، فديمة فرحة كما لم تكن فرحة من قبل "أمي، أبي، انظرا.. هذه التقارير تؤكد شفائي من المرض..!!" هتفت وهي تعرض علينا أكثر من تقرير طبي موقع ومختوم وكلها تشهد أن ديمة المشاهدية سليمة القلب صحيحة البنية ولا مانع لديها من ممارسة حياتها العادية شأن الفتيات كلهن. أذهلتنا المفاجأة "معقول؟" صاح أبوها.. "يعني، لم يعد لديك قصور قلب؟ لم يعد محرماً عليك الزواج والإنجاب؟". "أبداً أبي... أبداً.. انظر.. أنا بقوة الحصان... أعمل.. أركض... أنا شفيت أمي... أنا شفيت أبي!!". وانكبت علينا تقبلنا الواحد تلو الآخر، فيما أطلقت زغرودة فرح وأنا أتصور ابنتي أمامي عروساً مجلوة مثل بدر يوم تمامه... ثم عانقناها كلانا فرحاً... "الحمد لله!!" هتفنا كلانا "الآن يمكننا أن نفرح بك"، فردت بكل ثقة في النفس: "لهذا أرسلت لكما البرقية". "سامحك الله... خضضتنا" قال أبوها وفي عينيه أكداس من العتب واللوم... "لا تؤاخذني أبي.. لا تؤاخذيني أمي.. أردت أن أفاجئكما". "أنت فاجأتنا حقاً!! لكن لو ذهبت إلى هناك أما كانت المفاجأة أجمل؟". قلت وأنا أهز رأسي عتباً أيضاً "همام كان سيفرح أيضاً.. وكنا سنكمل المفاجأة في الحال فنعقد كتابه عليك". "همام!؟ ما الذي تقولينه أمي؟ ألم تقتنعي بعد أن هماماً أخي... أخي ولا يمكنني أن أقبله رجلي وزوجي؟". "دعوا الموضوع الآن.." تدخل أبوها وقد رآها انفعلت: "فرحتنا هذه لا نريد ما يعكرها أبداً". "لا... أبي.. الموضوع يجب أن يحسم الآن وهنا". "كيف؟ تحسمينه والعريس غائب...؟" تدخلت أنا بغير انفعال "لا.. لابد من الذهاب إلى هناك.. إلى حيث همام". "همام لا شأن لـه بالأمر... دعاني منه أرجوكما" "كيف ندعك من همام، وهو ابن عمك وخطيبك وما يزال في انتظارك؟" سألها أبوها لكن بغير حدة. "أبي... هذه المسألة انتهت منذ زمن... بل هو نفسه أقسم أنه لن يتزوج.. هو نفسه قال لي بعظمة لسانه: اذهبي أنت حرة من كل التزام تجاهي طليقة من كل قيد. فلماذا الآن تعودان إلى المعزوفة القديمة: همام... همام؟. أنا أقول لكما أموت ولا أتزوج هماماً".. "تموتين؟" صحت أنا بصوت كله رعشة خوف "أجل... أشنق نفسي.. أحرقها بالكاز... أرمي بنفسي في النهر ولا أتزوج أخي... أتسمعان أنا لا أتزوج رجلاً لا أكن لـه إلا شعور الأخوة الخالصة.." وتذكرت في الحال ممازحتها له، مشاكستها إياه، دخولها إلى غرفته حتى وهو يخلع لباسه، أهذا هو شعور الأخوة يا ترى؟" لقد ظلت ديمة، وهي صبية بالغة، تتصرف التصرفات ذاتها مع همام وهي طفلة... لم تغير... لم تبدل... أكان ذلك هو شعور الأخوة الذي تعنيه؟‏

"ماذا تريدين إذن؟" سألها أبوها بعد إطراقة من صمت لفتنا كلنا ونحن نفكر بتهديدها بالانتحار... أنا بالحقيقة، خفت إذ لا مزاح في كلام ديمة... هي تقول فتفعل...إن هددت بالانتحار، معنى ذلك أن الأمر بالغ حدوده القصوى.. "أريد أن تنفذا نذركما لي.. أتذكران؟".. سألت ناقلة ناظريها بيني وبين أبيها "أي نذر؟" أجبتها وقد نسيت كل شيء. "يوم نذرتما أن تحققا لي الأمنية التي أتمنى إذا ما شفيت، وها أنا ذي قد شفيت". "صحيح" رددنا كلانا بصوت واحد تقريباً.. "فما هي تلك الأمنية؟". تابع أبوها فسألها وقد تذكرنا القسم كلانا. "شاب لطيف ظريف، خلوق مربى، وضعه المالي جيد... وهو من هنا.. من دمشق يطلب يدي... وكل ما أتمناه أن توافقا عليه.. فهلا وافقتما!!" تبادلنا أنا ومسلم النظرات، كان الأمر كله مفاجئاً.... بل هو شرك نصبته لنا ابنتنا كي نقع فيه... وأدركت في تلك اللحظة لماذا أرسلت لنا البرقية "هو أمر واقع تريد فرضه علينا، بعد أن جعلتنا ننذر نذراً لا لبس فيه أن نلبي لها كل ما تتمناه "هه.. ماذا قلتما؟ أبي... أمي... هي ذي أمنيتي الوحيدة في الحياة"، عادت بنبرة أكثر إلحاحاً وتضرعاً وقد رأتنا نلوذ بالصمت لا يتكلم أحد منا. "لقد أقسمتما أن تحققا لي أية أمنية أتمناها، وها هي ذي أمنيتي التي أموت من أجل تحقيقها... أتسمعان؟ أموت من أجل تحقيقها". "إلى هذه الدرجة؟" سألتها وقد أدهشتني حماستها المفاجئة "أجل... أمي... أموت... أضحي بالغالي والرخيص فقط كي تتحقق..." وتوقفت، وهي ترى أباها يقف مطرقاً أرضاً ثم يسير ويداه خلف ظهره خارج الغرفة... كان يفكر... وكان في حيرة. أنا أعرف إطراقته تلك ومشيته ويداه خلف ظهره.. "لكن لم هذا كله؟ تضحين؟ تموتين؟ لماذا ديمة؟" سألتها وقد صرنا وحيدتين.. "لأنني أحبه يما.. أحبه... أعبده... هو فارس أحلامي يما... خطف قلبي.. أحبه... يحبني... فكيف لا أضحي من أجل الحب؟ كيف لا أموت من أجل حبي يما؟".‏

وتذكرت آخر مرة كانت تزورنا فيها هناك في البلد. لابد إذن أنه كان قد بدأ، ذلك الحب... هو ليس وليد اليوم والليلة... بل وليد شهور وشهور... الحب في عينيها يتفجر لمعاناً وبريقاً... هو ذاته ذلك البريق الذي كان فيهما يومذاك... وهي تتحدث عن الحب، تسألني عن الحب، تتكلم بالحب... حتى غدت شفافة كالأثير، فرحة تكاد تطير... أنا أذكرها... أجل... أذكرها وهي تجرني جراً إلى أن نذرت لها نذري ذاك.." ومنذ متى؟ "سألتها بعد لأي وأنا أراها متعلقة بشفتي كمتهم ينتظر حكم القاضي" الحقيقة... الحقيقة يما؟". "أجل... لا أريد سوى الحقيقة". "سأعترف لك يما.. أنت أمي وينبغي أن تفهميني.. ينبغي أن تكوني موطن أسراري... الآن أعترف لك فلا تغضبي مني... هو قدري يما... وهل هناك مفر للمرء من قدره؟". "لا... لكن..متى؟ كيف... من؟" بدأت أسأل رشاً وقد صرت كلي فضولاً وحب استطلاع... حكت لي ديمة القصة مذ تعرضت لحادثة النشل وتطوع مازن لنجدتها وحتى لخطتنا تلك. كانت قصة فريدة من نوعها... ابنتي تخفي ذلك كله في صدرها لا تبوح به حتى لي أنا؟ أمر لا يصدقه عقل... إذن كيف يقولون "إن المرأة لا تستطيع أن تكتم سراً وإنك إذا ما أودعت الخرساء سراً نطقت.." هاهوذا سر تخفيه عني ابنتي أشهراً وسنين تتعرض لضغوط شديدة، تساق إلى مذبح الزوجية، يوضع عنقها على النطع بل يكاد يهوي السيف عليها ولا تبوح بما يكنه قلبها من حب لشاب يموت هو نفسه في حبها... بل هي تقول إنه يحبها أضعاف ما تحبه... فماذا أفعل؟ أفرح للحب الذي وجدته ابنتي تنعم به وتهنأ، أم أحزن لقتلها حلمي ذاك الذي لم يفارقني مذ عاشا معاً هي وهمام في أن يصيرا جناحي اللذين أطير بهما، يدي اللتين أعمل بهما، وجهي اللذين أواجه بهما الناس؟ ماذا أقول لها وقد وجدت نفسي أمام نذر نذرته بأن أحقق لها الأمنية التي تطلب... أمر واقع... أجل... عرفت بذكائها ودهائها كيف تفرضه علينا... حب قوي الجذور راسخ الأركان... عرفت كيف تمهد لـه السبيل ضاربة عرض الحائط بكل شيء آخر... بل شفاؤها ذاته، ربما لم يكن إلا من صنع ذلك الحب... لولاه كيف كانت ستشفى... أليس الحب هو الذي صنع المعجزة؟ إذن، من حق ذلك الحب أن يجني ثمرة ما صنع... ووجدتني أطأطئ رأسي وقد امحى من نفسي كل اعتراض.. الحب سيل جارف وليس باستطاعتك أن تقف في وجه السيل الجارف، بل تتنحى، مفسحاً لـه في الطريق كي يمضي حتى النهاية... ومضى حب ديمة حتى النهاية... وافقنا على زواجها من مازن، جرى كل شيء بسرعة كما أرادت، وبكل سرية وكتمان كما أرادت... فرحنا بهما وحدنا في دمشق وفيها تركناهما عروسين لا أجمل ولا أهنأ، فماذا كانت النتيجة؟‏

- - -‏

النتيجة!؟ هاهي ذي أمام أعيننا.... ننتظرها بفارغ الصبر... أنا، أبوها، زوجها، حماتها... كلنا نتقلب على جمر النار وهي في غرفة الولادات ثلاث ساعات كانت قد مرت، لم يخرج أحد ولم يدخل أحد... "يا إلهي!! لماذا فعلت ذلك، يابنيتي؟ لماذا عرضت حياتك للموت؟ تزوجت؟ لابأس، فلماذا حملت؟ ولماذا تلدين؟ ألم تحسبي حساب أن يعود إليك قصور القلب؟ أم تراك تعلمين أنه مازال معك... لم تشفي منه... بل هي خدعة لجأت إليها لإنفاذ غرضك؟ أنا الآن أشك.... أجل... أشك فأنت تبطنين أكثر مما تظهرين.. تخفين حتى عن أمك الحقيقة.. من أجل غاية تريدين الوصول إليها... هذا ثديك الذي أرضعتك منه.. أنا أعرف بك من نفسك يابنتي... شهور الحمل... عانيت فيها الكثير... مع ذلك لم تكوني تقولين لأحد... حتى زوجك الذي تعبدينه لم تسري لـه بما تعانين... التعب يقعدك، الجهد يرميك أرضاً، بعظمة لسانك اعترفت لي بعد أن وقعت الواقعة وجئت إليك في دمشق... في مدرسة القبالة لم تعودي تبذلين أي جهد، الأطباء، أساتذتك وزملاؤك، غضبوا منك، لاموك؛ لكن ما الفائدة وقد وقع المقدور؟ كان قصور القلب، وطوال الأشهر الثمانية سيفاً مسلطاً فوق رأسك، لكن دون أن تدعي أحداً يشعر بك. حماتك، زوجك، أخفيت عنهما كل شيء لتواجهي مصيرك بمفردك.. فكم أنت قوية يابنتي!! كم أنت عنيدة مكابرة تموتين ولا ترمينها واطئة... مثل أبيك أنت... تموتين ولا ترمينها واطئة...".‏

فتح الباب فجأة فشهقنا جميعاً هابين ملء طولنا... كانت الممرضة متعبة متعرقة وكان في عينيها قتام "مبروك!! بنت!؟" ثم مضت مسرعة لا تسمع حتى أسئلتنا ولا تلتفت إلى أحد منا، فعدنا على أعقابنا من جديد إلى غرفة الولادات...‏

ظهر الطبيب فشهقنا مرة أخرى ونحن نسرع إليه "أخبارك حكيم... طمئنا حكيم" قلنا لـه بصوت واحد وكأننا متفقون جميعاً على ما نريد قوله. "بجهد جهيد أنقذنا المولودة... أما الأم..." وتوقف.. فصاح مازن " ماتت حكيم، الأم ماتت حكيم؟". "بل هي آتية... لحظة وترونها..." ثم مضى في طريقه هو الآخر... لا يلوي على شيء. هبط قلبي... اصطكت ركبتاي... وشعرت بكل شيء في جسمي يرتعش...‏

-فلذة كبدي!! ديمة!! مهجة روحي!! رحت أهتف بصوت شبه مكتوم.‏

وظهرت فلذة كبدي ومهجة روحي... ممددة على النقالة... مغمضة العينين، مصفرة الوجه، شبه متلاشية... انكببنا عليها من كل جانب... ثم سرنا معها وهم يدفعون النقالة باتجاه غرفتها... أبوها يمسك بيدها، ويكز على أسنانه، بل ربما يعض على لسانه كي لا يبكي... مازن أرخى العنان لدموعه فانطلقت أمهاراً في سباق... أمه تعول وتولول.. وأنا لا تكاد تحملني رجلاي، أصيح مرددة: فلذة كبدي!! مهجة روحي.. افتحي عينيك... انظري إلي كلميني، لكن عينيها المغمضتين لم تكن تستطيع فتحهما، شفتاها المطبقتان لم تكونا تنفرجان عن لسانها كي يتكلم..‏

-مهلاً عليها... مهلاً.. هي ما تزال تحت تأثير المخدر. قالت الممرضة بحركة أرادت بها إسكاتي، فأشاعت بعض الطمأنينة لدى أناس يولولون ويبكون... سكت، فيما خفت ارتعاشات أبيها، غير أن دموع مازن لم تسكت ولم تخف... وصلت النقالة إلى الغرفة.. رفعت ممرضتان الوالدة عنها، مددتاها على السرير، هناك تحلقنا حولها وكلنا رقاب مشرئبة وعيون متطلعة إلى ذلك الوجه المتعب المصفر وتينك العينين المغمضتين على أمل أن تفتحهما... تنظر إلينا، تكلمنا، لكن عبثاً... كانت متمددة كخشبة يابسة... وكانت الصفرة أشبه بغبار الموت، وكانت يد أبيها ما تزال تمسك برسغها كأنما هو يجس نبضها.‏

-دعوها تسترح... لا تضيقوا عليها الخناق... هي بحاجة لهواء... فابتعدوا عنها...‏

ابتعدنا عنها، فيما كان ممرضان يأتيان لها بالأوكسجين وآخران يأتيان لها بالمصل... يغرزان الإبرة في ظاهر يدها ثم يضعان جهاز الأوكسجين على أنفها وكأنما لا يزال لديهم بعض الأمل...‏

ابتعدنا مفسحين في المجال وكلنا أمل أن تجد الهواء، أن تتنفس وتعيش بيننا، كما نحب ونشتهي... هنيهة من الزمن ثم شهقت فرحاً، فقد فتحت ديمة عينيها، جالت بهما حتى حطت على مازن ثم غمغمت... في البداية لم نفهم ما قالت فأسرعنا إليها وكلنا يهتف:‏

-حمداً لله على سلامتك!!‏

-أنت بخير...‏

-قد نجوت والحمد لله!! إلى آخر ما كان يعبر عما في نفوسنا من خوف ولوعة. هزت رأسها شاكرة متمتمة ربما بأشياء وأشياء كلها لم نفهمها... فقط آخر كلمة فهمناها...‏

-بنت أم صبي؟‏

وتلفتنا بعضنا إلى البعض الآخر.. كنا قد سمعنا الممرضة تقول "بنت، مبروك" لكن لم يكن أحد قد أولى أي اهتمام لوليدها... كانت هي من تشغلنا... وكانت سلامتها وحدها ما نتلهف من أجله.‏

-بنت!! رد مازن ثم تابع ممازحاً... لكي أثبت لك أنني أحبك أكثر...‏

-آه!! كم كان بودي أن يكون صبياً فأثبت لك أنني أحبك أكثر... أجابت بأنفاس غير مقطوعة وبمخارج ألفاظ واضحة وكأنما عادت إليها قوتها كلها.‏

-المهم سلامتك حبيبتي... المهم أن تنهضي لنا وكلك صحة وعافية... قال مازن من جديد فيما كانت فكرة تعبر ذهني لم أجرؤ على الإفصاح عنها... ترى هل في الحب أكثر أو أقل؟ لا.. لا أعتقد ذلك... الحب كل واحد... لا يتجزأ أبداً... إما أن يأتي كلاً واحداً لا يتجزأ أو لا يأتي أبداً."‏

-إيه!! كم كان بودي أن أعيش... تنبهت من أفكاري على كلماتها واضحة من جديد.. لكن قدري... أن أولد وفي قلبي علة دائمة... لا شفاء منها..‏

-لكنك شفيت، رد الأب على عجل...‏

-للأسف أبي، أنا لم أشفَ... علتي مازالت في قلبي... فسامحوني... غلطة واحدة ارتكبتها معكم فسامحوني... أرجوكم... كلكم.. أن تسامحوني...‏

-لا تقولي هذا، نحن سامحناك، وأنت زينة يما... قلت لها وقلبي يتفتت..‏

-لا، يما، أنا أموت... أنا أعلم أنني أموت... ولا فائدة.. قصور القلب ظل قصور قلب، والدسامات العاطلة ظلت دسامات عاطلة...‏

-لكن لماذا قلت لنا إنك شفيت؟ سأل الأب بشيء من انفعال... لماذا قالت ذلك التقارير الطبية التي أريتنا إياها؟‏

-هي ذي الغلطة.. فاغفروها لي.. أبي... أمي.. وأنت مازن، أنت الذي لم تكن تعرف شيئاً عن الأمر... سر كامل خبأته عنك... سر كبير... العلم حذرني... الطب بين لي المخاطر، لكنني تمردت وعصيت...‏

-لكن لماذا؟ سأل الأب من جديد وقد بدا في حالة حنق شديد...‏

-إنه... إنه... بدأت ديمة لكن ليقاطعها مازن:‏

-إنه أنا... أنا المذنب... أنا الذي يتحمل المسؤولية..‏

-بل هو الحب حبيبي!! قاطعته ديمة.. وما أنا نادمة... لا... صدقوني.. قد عشت من السعادة والهناءة ما يكفي عمراً مديداً... ثم إن الموت حق.. فلماذا نخشاه؟‏

-لكن خسارة!! تموتين وأنت في عز صباك!! صحت، وأنا لا أكاد أصدق ما أسمع...‏

-إنه الحب، جاء على غير إرادة مني... فهل أرفضه؟ اقتضى مني التضحية فهل أتردد؟ لا... يما، الحياة هي الحب والحب تضحية.. وحبي لمازن.. يستحق كل تضحية، قالت وهي تنظر إلى مازن بشغف المتيمة الوالهة.‏

-آه... لو كنت أعلم فقط... لكن الحق علي... الذنب ذنبي!! راح مازن يندب شبه لاطم خديه!!.‏

-لا... أنا وحدي من يتحمل المسؤولية، أنا التي اختارت طريقها بنفسها، وأنا التي أخفت عنك الحقيقة... وزورت لغاية في نفسها التقارير... فلا يلم أحد نفسه... لقد صممت أن أموت حباً بدلاً من أن أموت قهراً.‏

-لا، أنت يجب أن تعيشي... الحياة حلوة حبيبتي..‏

-حلوة.. لكن بك... أما بغيرك... أليس الموت خيراً منها؟‏

-لكن.. هذا حرام.. حرام... عاد مازن يهتف وهو ينشج فيما دموعه تنسكب.‏

-الحرام أن نعيش ميتين... الحرام أن لا نضحي من أجل قناعاتنا... أن ندع الحب يموت أمام أعيننا دون أن ندافع عنه..‏

-وما الفائدة؟ عاد مازن يردد وفي حلقه غصة... ها أنت ذي تموتين أنت والحب، ديمة.‏

-لا. حبنا باقٍ مازن.. صحيح أنا سأموت... لكن حبنا لن يموت... هذه ديمة الصغيرة ستعيش، وستحمل لك كل ما كنت أحمل من حب.. بل أكثر وأقوى مما كنت أحمل لك من... حب... فيظل حبنا.. خالداً.. أبداً.. متجدداً.. أبداً.. وأسبلت أجفانها.. دون حشرجة... دون تخبط... بل راضية مستسلمة ألقت بنفسها بين ذراعي الموت. للتو امتلأت عينا مازن هلعاً وراح يصرخ:‏

-لا.. لا تموتي ديمة...أنا أحبك ديمة... ظلي بجانبي ديمة... فيما، وبكل هدوء، مد والدها يده إلى أجفانها يطبقها جيداً وإلى شفتيها يسدل عليهما ستار الموت. جو من الرهبة ساد المكان... صمت عميق أطبق على الغرفة... والكل متسمر في مكانه جامد لا يتحرك، لا يصرخ، لا يبكي... أنا نفسي تحولت إلى حجر جلمود... لم تنزل لي دمعة، لم تنطلق آهة... فقط كنت كالجلمود.. أرى إلى ابنتي ميتة أمامي ولا أصدق...أستعيد ما سمعت من كلامها ولا أصدق... ترى من علمها ذلك كله؟ كيف عرفت أن الحب يستحق كل تضحية... وأن الحياة هي الحب... به تصبح جنة النعيم وبغيره تصبح بلاء الجحيم... هنيهة ظللنا نتبادل النظرات ولا أحد يتكلم، أخيراً قطع الطبيب حبل الصمت وقد دخل فجأة:‏

-العوض بسلامتكم!! قد بذلنا كل ما نستطيع من جهد.. لكن كما تعلمون الأعمار بيد الله... وهذه إرادة الله...‏

-شكراً لك حكيم... نحن نعلم أنك بذلت أقصى جهد... لكنه قدرها، رد مسلم، زوجي، وكأن الميتة ليست ابنته... هو يتكلم ببرود وحياد، كأن كائناً لا يمت لـه بصلة هو الذي مات.‏

بعد ذاك سحبوا المصل، أخذوا أنبوبة الأوكسجين، ثم بدؤوا بتجهيزها للخروج...‏

-الصحية... حكيم... نريد صحية!! قال مازن وقد وقف سيل دموعه كأن الدموع تهاب الموت وترهب حضوره فلا تجرؤ على السيلان.‏

-تكرم عيونكم!! خمس دقائق وتكون جاهزة، قال وهو يخرج، ربما لتنفيذ وعده...‏

-إذن... عمي... أنتم تأخذونها إلى البيت وأنا أذهب إلى المقبرة أشتري لها قبراً...‏

-تشتري لها قبراً؟‏

-أجل... في دمشق... كل شيء بثمن، حتى القبر لابد من أن تدفع ثمنه.‏

-وكم ثمنه؟‏

-مائة ألف على الأقل...‏

-يا للهول!! قبر، متران بمتر، يريدون ثمنه مائة ألف... هذا ظلم..‏

-وليس بوسعك إلا أن تقبل هذا الظلم!!‏

-لا... أنا لا أقبله... ابنتي ستدفن حيث تستقبلها أرض كريمة معطاء تأبى أن تباع وتشرى.‏

-ماذا تعني عمي؟‏

-أعني.. ستسمح لي بها أدفنها هناك في مسقط رأسها حيث الأرض لنا فلا نحتاج لدفع مئات أو آلاف...‏

-لا... عمي.. لا.. هكذا ستحرمني منها... فلا أزور قبرها ولا أقدم لها صلوات حبي كل يوم... أرجوك عمي... دعها لي...‏

-بل أنت دعها لي... هي التي ضحت بنفسها حية من أجلك... ألا تستحق أن تضحي بها ميتة من أجلي؟‏

وصمت مازن... كانت الحجة مفحمة، وكان صمت الموت الرهيب قد جعل كل قول نافلاً...‏

-لكن الصغيرة لي... قالت الأم فجأة وقد انحنت عليها في مهدها تحتضنها...‏

-هي لكم حين تكبر، رد مسلم وهو يعرف ما يريد قوله... لكن وهي صغيرة دعوها لنا... نحن نربيها...‏

-لا، عمي، أرجوك... هذه من رائحة المرحومة... فإن حرمتني من جثمانها لا تحرمني من وليدتها... سأموت إن أخذتموها..‏

وشعرت بزوجي يحني رأسه إشفاقاً، كأنما يلمس لمس اليد ما في قلبه من حب... أردت أنا أن أتكلم، أن أعترض لكن إحناءة رأسه ثم تمتمة شفتيه:‏

-وهي لك، جعلتني أصمت... مشفقة أيضاً على الرجل الذي سيحرم دفعة واحدة من كل أثر لحبه... الطفلة عزاء وسلوان فلتظل لـه العزاء والسلوان... وصمت... لا أحتج، لا أنوح، لا أبكي وقد تجمدت الدموع في مآقي. "لك الله أيها الموت!! ما أشد رهبتك!! تنزل على البشر فينبهت البشر... يفغرون أفواههم دهشة لقسوتك وتجحظ عيونهم خشية بطشك فماذا أنت أيها الموت؟ لغز لم يعرف الإنسان حله قط، ولن يعرف حله أبداً... اذهب... أنت الذي لا أستطيع إلا أن أقول لك... سلام عليك أيها الموت!!"‏

خرج مازن يرى ما حل بسيارة الصحية، ثم لحق به مسلم... ثمة إجراءات لابد من اتخاذها... نقود تدفع للمستشفى... أجور للطبيب... لنظل نحن الأربعة: الجثمان المسجى بسلام لم يعرفه مدى الحياة... الأم التي احتضنت الطفلة رافعة إياها من مهدها، والطفلة التي كانت مغمضة العينين، مطبقة الفم، لا تدري، ربما، ماذا عليها أن تفعل، وأنا نفسي...‏

على مهل مددت يدي إليها أتلقفها من حضن جدتها... بشرة بيضاء، رأس صغير، شعر من زغب، أنف صغير، فم أصغر... وعينان مغمضتان كعيني قطيطة لما تفتحا بعد... هكذا كانت أمها... أنا أتذكر جيداً ذلك اليوم، وقد ولّدتني أم سلام... لم أظل يومذاك ساعتين ولا ثلاثاً.. بعد أن بدأ الطلق انطلق مسلم إلى العجوز القابلة... وريثما جاءت، كانت أمي، أختي، جاراتي كلهن قد أعددن لها الماء الساخن... الزيت الدافئ، الصابون، الخرق بل كل ما تحتاجه، وحين جاءت جلست بين ساقي المنفرجتين إلى أقصى مدى... تتحسس وتتلمس وأنا أصرخ... تسبني فأصرخ، ويلعلع صوتها: هاتي الصابون... هاتي الزيت... هاتي الخرق وتتحول النسوة كلهن إلى جوار تطيع وهي سيدة تأمر.‏

خمس عشرة دقيقة... عشرون لا أكثر وانزلق ذلك الشيء مني... فانزلق الوجع دفعة واحدة كأنما لم يكن هناك شيء.. بعدئذ سمعت صرخة حادة طربت لسماعها، بل قد نسيت كل شيء بسماعها... إنه الوليد يعلن عن مجيئه للدنيا... فكيف لا أفرح بذلك الإعلان؟ إنه المؤذن ينطلق بأذان فجره فكيف لا أستبشر خيراً بسماعي أذان الفجر؟‏

"بنت أم صبي؟" سألت يومذاك، تماماً كما سألت ديمة.. صحيح إذن أنه لا جديد تحت الشمس، كما يقول الإنجيل، فما أفعله اليوم فعلته أمي وجدتي وجدة جدتي من قبل وما فعلته ديمة ستفعله حفيدتها وحفيدات حفيدتها.... إنها قوانين الحياة التي تنظم كل ما في الحياة فينضوي تحت ظلها البشر، الحيوان، الطبيعة، الكون كله.. فقط أنا لم أقل لمسلم كان بودي أن يكون صبياً كي أبرهن أنني أحبك أكثر، إذ ما من يوم كان بيننا كلام عن الحب. يحبني أكثر؟ أم أحبه أكثر؟.. هذه لغة لم نتكلمها قط. لكنني قلت في سري "كم كان بودي أن يكون صبياً!!" ولم أجرؤ أن أرفع صوتي. فهو ولا شك، قد شعر بالخيبة، حين قالوا لـه "إنها بنت" لكن لا أكتمكم، أنا لم أشعر بالخيبة... ربما، لكي أرضي زوجي، كنت أود حقاً أن يأتي الصبي فيرتاح ضميري وأشعر أنني أديت لـه ما علي من واجب إذ جئته بولي العهد، لكنني في أعماقي كنت راضية، مرتاحة، بل شعرت بإحساس خفي يدغدغني. "ها أنت ذي تتجددين، ناجية، هاهو امتدادك يأتي إلى الأرض... فلا تموتين بعد اليوم. "تلك الفكرة التي تحدثت عنها ديمة كانت قد راودتني قبلها... ألم أقل لكم لا جديد تحت الشمس؟ فكرة الامتداد. البقاء، الخلود، كلها كانت قد عبرت ذهني وأنا آخذ طفلتي، ديمة، بين ذراعي، فالمرأة لا تموت إن جاءت ببنت... ابنتها ستجعلها تتجدد حية خالدة... تنقل معها مورثات حواء ومكونات حواء فلا تفنى حواء.‏

كل ما كان يشغلني في ذلك الحين: هل تكتب لها الحياة أم تلحق بأخوتها وأخواتها؟ ولكي أتأكد، رحت أتفحصها، أتلمسها... أقرصها حتى تبكي، وبكت، كان صوتها قوياً فشعرت بالأمل... جاءتها القابلة بالماء والسكر، راحت تلقمها قطعة الشاش الصغيرة المبللة فلقمتها.. هي تأكل... إذن سيكتب لها الحياة وكان في ذلك غاية أحلامي..‏

- - -‏

-ماذا ستسميها؟ سألت وقد عاد مازن، فيما لم يعد حموه..‏

-ديمة... قال مطلقاً آهة حرى... وهل هناك أجمل من ذلك الاسم؟‏

-أبداً.. قلت وأنا أتذكر يوم ولدت ديمة... وكيف انتقينا اسمها... ديمة الخير والعطاء.‏

-ديمة، إذن، مبروك هذا الاسم، تابعت وأنا أتذكر أيضاً القول القديم: مات الملك عاش الملك، فهل أقول لـه ماتت ديمة... عاشت ديمة؟ لكنني لم أحتج لقول ذلك فقد سمعته يقول شبه هامس وهو يقترب ناظراً إلى وجهها الصغير ببشرته البيضاء وشعره الزغب...‏

-بهذا، لا تكون ديمة قد ماتت... بهذا نكون قد انتصرنا على الموت.. سأظل أنادي: ديمة.. حبيبتي.. وترد علي ديمة غداً كما كانت أمها ترد علي بالأمس: نعم... حبيبي... ولم يكمل مازن... غصة كبيرة سدت حلقه فخفت صوته ودموع غزار انهمرت من عينيه، ذلك المعين الذي لا ينضب، فملأت وجهه وفمه... "الله كم يحبها!!" عدت للتعجب مكررة ما كنت قد قلته في سري وعلني عشرات المرات، عند عقد القران وبعد عقد القران، كنت أرى كيف ينظر إليها، كيف يكلمها، أسمع صوته وهو يحدثها تغريد بلبل عاشق فلا أملك إلا أن أغبط نفسي "حمداً لله أنني وافقت معها على الزواج منه... حمداً لله أنني أشفقت عليها وبررت بقسمي.. هو يستأهلها... هذا الحب العجيب يستأهل أن تضحي من أجله المرأة، مثل هذا الرجل يستحق أن تموت من أجله المرأة، فهو يقطر حباً، يفيض عشقاً. إذن، كيف لا تهيم به المرأة؟".‏

يومذاك، حلفتني ديمة أن أكتم نبأ زواجها، فهي لا تريد مشاكل وفضائح... "هذه الحياة وهبتني قلباً كبيراً أحبه ويحبني، فلا أريد من يكسر أو يخدش مجرد خدش هذا القلب" قالت وهي تودعني فأقسمت لها أن أفعل ما تريد... وفعلت... لكن الصدف شاءت أن يعود همام ذات ليلة وأبوها يكلمها بالهاتف "كيف زوجك؟" كان يسألها فطار عقل همام "إذن ما سمعته صحيح؟ ديمة تزوجت؟" جاء إلي كالثور الهائج ولم يكن باستطاعتي إلا أن أقول الحقيقة، معترفة لـه بكل شيء، فازداد هياجاً على هياج.. "إذن... سأقتلها... بل سأقتلها وأقتله، "وأسرعت إلى عمه أستنجد به أن يهدئ ابن أخيه...‏

بعد جدال ونقاش، هدأ ابن الأخ بل أخذته بيدي إلى فراشه كي ينام. حاولت أن أجره للكلام لكنه كظم كظم من يبيت في نفسه أمراً... فالشرر ما يزال يقدح من عينيه... ويداه ما زالتا مطبقتين... قبضتين من حديد يريد أن يهوي بهما على خصم، فيما كانت شفتاه مزمومتين... علائم كلها كنت أعرفها بهمام، دلالة الغضب والثورة... وكان بيده حق... هو غاضب لأننا جميعاً خدعناه... كان قد قال في جدل مع عمه... "ليست ديمة وحدها التي خدعتني، بل أنت عمي، أنت، يما فلماذا؟" كان قد كرر ذلك السؤال مائة مرة، وكان عمه يشرح لـه كل مرة النذر، اليمين، الأمر الواقع... لكن كل ذلك لم يكن يسمعه همام.‏

"ديمة لي وأنتم تعلمون أنها لي فكيف تزوجونها بسواي؟" وبدا أننا ندور في حلقة مفرغة، ساهمت أنا في صنعها، بل زدت طينتها بلة، ما إن دخلت الجدال، فقد كان يقبل أن يخدعه الناس كلهم، عداي... أنا... سنده الوحيد في الحياة أخدعه؟.. أخذله؟.. ذلك ما لم يقبله عقله قط.‏

 

يتبـــــع

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244