|
||||||
| Updated: Tuesday, June 15, 2004 01:14 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
في الصباح أفقنا فلم نجد هماماً.. كان فراشه على ترتيبه أمس، لم يمس "معقول؟ طوال الليل ساهر لم ينم؟" تساءلت وأنا أذهب إلى مسلم أنقل لـه الخبر "إذن... هو لم يقتنع بكلامنا.. سينفذ تهديده" قال مسلم مطرقاً أرضاً وعلى محياه علائم الهم كلها. صحت ملء صوتي "ويلاه!! ويلي!! راحت البنت "ثم لم نجد أنفسنا إلا ونحن نسرع إلى الهاتف، أنا وأبوها، نحاول الاتصال. لم ترد علينا.. بل ردت الحماة... كانت هي ومازن قد خرجا... رجوناها أن تكلمها... علها تكلمنا... فالأمر طارئ وخطير... اتصلت بنا ديمة.. وكنت وحدي... رددت عليها، حذرتها من ابن عمها، الثور الهائج، الذي قد يغرر قرنيه في صدرها فيقتلها... لكنها لم تخف.. قالت سأواجهه... قلت لها بل اهربي، تحاشي لقاءه فأصرت... لا.. إن كان الجبن ينجي فالشجاعة أنجى. وكانت شجاعة... واجهته.. جادلته... تحدته... لكن تحدي الأخت لأخيها، مثيرة في نفسه نخوة الأخ وشهامة ابن العم.. ونجت ديمة... بأعجوبة نجت من خنجره الذي استله لذبحها... لكنها لم تخف.. فمدت لـه عنقها قائلة لـه "اذبحني" وللتو تراجع الأخ فيه.... أشفق ابن العم ثم خرج لا يلوي على شيء... - - - -الصحية جاهزة، يمكنكم الخروج بها الآن، قال موظف المستشفى وهو يدخل على عجل، وراءه مسلم الذي بدا وكأنه أنهى الإجراءات.. أسرع عدة ممرضين إليها يضعونها في النعش ثم يحملونه خارجاً... في تلك اللحظة فقط، انهار سد مأرب في عيني وانهمرت الدموع... سيلاً منداحاً على وجنتي حتى لم أعد أرى شيئاً... الطفلة بين يدي ناولتها لجدتها الأخرى وقد خشيت أن أتعثر بها. أخذتها الجدة الأخرى، وهي تنشج أيضاً... لكن دون سيول منداحة ونجمت عن انهيار سد مأرب. لم يكن حزناً ما أشعر به، بل هو قهر من نوع فريد... قهر ملأ علي جنبات نفسي، غيظ فاض من حواف صدري وخرج مع سيل الدموع الذي انداح، كنت أشعر أن الدهر اللئيم قد خبأ لي ضربته القاضية إلى أجل... وهاهو ذا قد جاء ذلك الأجل.. فأين المفر؟.. أحد عشر قبلها كنت قد دفنت... أجنة سقطت أو أطفالاً صغاراً ماتوا، وكنت أبكي حظي مع كل جنين منهم أو طفل، لكن ما إن جاءت ديمة وعاشت حتى وجدت فيها عزائي "الحمد لله!! عوضني ربي أخيراً.. ستكون قرة عيني مدى العمر... سأجد حين أموت من يبكيني... من يقوم بعزائي. لكن الآن وقد ماتت، من يقوم بذلك يا ترى؟ الأم تلد البنت أو الولد وكل ما تتوقعه أن يعيش بعدها ويدفنها... لكن هاهي ذي ابنتك تموت وعينك تنظر يا ناجية... ها أنت تأخذينها بيدك إلى القبر... تدفينها بيدك فأي قهر أشد من قهرك هذا؟ أية لوعة أشد من لوعتك يا ناجية؟" وسرت إلى السيارة وأنا لا أكاد أبصر... ركبتاي تتقصفان تحتي وأنا لا أكاد أقوى على المشي... رآني مازن فأسرع إلي يسندني. "حنون أنت يا مازن!! قلبك من ماس لألاء يا مازن!! لا عجب أن أحبتك ديمة... فالرجل الحنون يحب.. هو وحده من يعوض بؤس المرأة... من يهبها الدفء الذي تحتاج لتطرد قرس الحياة وتذيب صقيعها... فكم أنت رائع ونبيل يا مازن!! كم قلبك مليء بالحب والحنان!!؟". في السيارة عدت أنا ومازن من جديد، يجلس واحدنا قبالة الآخر، لكن هذه المرة مع نعش لا نقالة، "إيه منك أيها النعش!! كيف تنغرز كالخنجر في القلب، كالسكين تحز العنق والمرء يرى إليك فلا يرى إلا الظلمة والفناء... أنت يا من تنتظر كل ابن أنثى، آلة حدباء لابد من أن يحمل عليها البشر، أكنت تعرف قدر ابنتي؟ أكنت تعمل على وأدها وهي حية... أجل... شابة نضرة كعود الحبق، فواحة كزهرة الياسمين.. لم ترأف بها أيها النعش، لم تشفق على جمالها وشبابها فأخذتها بين ذراعيك أخذ العزيز المقتدر... وإلى أين.؟ إلى باطن الأرض تودعها هناك فلا تراها عين أبداً. آه! كم أنت ظالم أيها النعش!! كم أنت قهار، يا خنجراً ينغرز في القلب، يا سكيناً تحز العنق!!". وصلنا إلى بيت مازن... كان صوت القارئ قد ارتفع عالياً يتلو آيات بينات من القرآن الكريم، وكان مازن يريد لديمة أن تزور بيتها زيارتها الأخيرة ولم يكن باستطاعتنا أن نعترض، حسبنا أننا سنؤوي بالجثمان، فهل كثير عليه أن يمر مرة واحدة فقط على الدرب الذي كان يمر عليه كل يوم؟ أكثير عليه أن يطوف بأرجاء المكان الذي رأى حبه وكان مسرح سعادته؟ غادرنا السيارة وفوجئنا: حشد من رجال الحي ونسائه، صغاره وكباره كانوا قد اجتمعوا... من قال إن دمشق لا تحفل بأبنائها؟ يموتون، يعيشون لا فرق لديها... من قال إن أبناء دمشق نسوا أعرافنا وتقاليدنا؟ صاروا كالأجانب الغرباء لا يعرف بعضهم بعضاً ولا يهتم بعضهم ببعض؟ وتذكرت... هذا حي قديم من أحياء دمشق "حمداً لله إذن أنه ليس حياً جديداً لا أحد فيه لأحد". طافت ديمة بالمنزل، لكن أيطوف الموتى بشيء؟ لا... لا.. الموتى يطاف بهم وحسب. طلب مازن أن يضعوها في غرفة نومها... أن يدعوه يودعها وحيداً هناك ففعلوا ما أراد... وسمع كل من في الحي عويله وهو يندب الحبيبة التي هجرته إلى غير رجعة.. يقسم لو كان شاهجيهان لشاد لها ضريحاً أروع من تاج محل... لكن العين بصيرة واليد قصيرة.. حتى قبر في دمشق لا يستطيع أن يدفنها فيه..." سيأخذونك بعيداً"، كان يصيح بصوت عالٍ "لن تكوني بقربي... أزورك كل يوم، فامضي عليك السلام يوم ولدت ويوم مت ويوم تبعثين حية". ومضى الرجال بالنعش.... كان أمامنا طريق طويلة وكانت كلها مزروعة شوكاً وقتاداً، وكان علينا أن نقطعها حفاة الأقدام، فكم تدمي الأقدام طريق طويلة مزروعة بالشوك والقتاد؟ وكم هو طويل زمن الحزن والبكاء!! كم هو معتم قاتم؟ لكن كان علينا أن نسير الطريق الطويلة وأن نقطع زمن الحزن والبكاء، إلى أن يوارى ثراه الجثمان... موشحة بالسواد استقبلتنا عروس الفرات... ألأنه الليل أرخى سدوله أم لحزنها على ابنتها العائدة بلا حياة..؟ شوارعها معتمة، ألأنها أعلنت الحداد أم لأنهم أطفأوا الكهرباء؟ أجراس الكنائس تدق أهي موسيقى المآتم أم دعوة للصلاة؟ كانت المدينة كلها حزينة، بل خيل إلي لحظة من اللحظات أن أعلامها كلها منكسة وأهلها كلهم حزانى على الصبية الجميلة التي غادرتها، ملؤها الحياة والشباب، لتعود إليها في آلة حدباء أمطرتها طوال الطريق بدموعي السخان. وكان ليلاً طويلاً، سجي الجثمان فيه على السرير... كي يودعه الأهل والأحبة... -تعال همام، ودع أختك!! رحت أصيح في المنزل لكن ما كان في المنزل همام... كنا قد وصلنا ولم يأتِ همام... سألنا عنه لكن لم يكن أحد يعرف أين همام؟ ولم أفاجأ... صدقوني... لم أشعر بأية مفاجأة... لكأنني كنت أتوقع ذلك من قبل... أهو حدس المرأة؟ حاستها السادسة؟ لا أدري... كل ما أدريه أن غيابه لم يفاجئني... أنا التي تعلم مقدار ما يحمل لها من حب... "ترى، أيستطيع استقبال معبودته ميتة؟ "رحت أتساءل، فيما عمه قال "وراء الأكمة ما وراءها". وفطنت... طوال الأيام العشرين التي قضيناها في دمشق لم نسمع صوته... لم يرفع سماعة ولا اطمأن على ابنة عمه... حاول عمه أكثر من مرة الاتصال به، لكن كل مرة كان الهاتف يرن ولا من مجيب... لم نول الأمر كبير اهتمام فقد كانت ديمة تشغلنا عن كل ما عداها، كانت بين الموت والحياة، وكان شأنها هو الشأن الوحيد المهم في العالم... لكن هانحن نعود بجثمانها وهاهو يسجى في المنزل طوال الليل ولا يظهر همام ولا يأتي لوداعها؟.. "يا إلهي!! ما أقسى قلوب الرجال!!". لحسن الحظ أن قلوب النساء ليست كذلك، فحين نحتت قلوب الرجال نحتت من صوان، فيما جبلت قلوب النساء من زهر الياسمين، نسمة الهواء تؤثر فيها. تجعلها تتفتت حزناً، تنوح وتبكي... وكانت قريبات ديمة قد جئن إليها... يساهرنها الليل وينشدنها المواويل الحزينة ويذرفن الدموع... كان بودي أن يدعنني معها وحيدتين أماً وابنة تتودعان الوداع الأخير... لكن من يدعك؟ بنات خالاتها، أخوالها، عماتها، أعمامها، النسوة من أهلها، بنات عشيرتها، كلهن جئن... يقمن بالواجب وينحن على زهرة الياسمين الغضة التي لما تكمل يومها بعد. كنت أجلس إلى جوارها أتأمل الجسد الساكن الذي أسلم نفسه لذراعي الموت بكل رضى واستسلام، أتأمل الوجه الذي لم يمسه غبار الموت ولا علته صفرة الموت... بل ظل بشرة بيضاء ناعمة، سيماء هادئة مطمئنة، وكأنها في رقاد هنيء.. أتراه الموت رقاد؟ يتعب الجسم من الحياة كما ينعس مع مجيء الليل، فيسلم نفسه لسلطان النوم يغمض لـه عينيه، وينام؟ ديمة نائمة، بل يخيل إلي أن ثمة أنفاساً واهنة تتردد في صدرها، يخيل إلي أنها ستفتح عينيها في لحظة من اللحظات وتبتسم لي... ثم تأخذني بين ذراعيها لاثمة مقبلة كعادتها... طيفها الفاتن الجميل يطوف المكان من حولي. أنا وحدي أراه... في هدأة الليل وقد سكنت النسوة وهدأن، رأيت طيفها هناك، مرة في الردهة، مرة في غرفة الضيوف، مرة في باب غرفتها يدخل علي وكأنه آت في زيارة... الطيف، كل مرة، يومئ لي، يبتسم، بل يقترب مني ويوشوشني... كأنما لا يريد لإحدى النسوة أن تسمعني.... لم يكن الطيف حزيناً، لم يكن سقيماً... بل كان في زهوة الصبا وريعان الفرح... مرة رأيته يرقص وهو يحمل جلاءه بيده آتياً من المدرسة، ناجحاً بتفوق... مرة أخرى كان متورد الخدين متوهج الروح، في عينيه بريق الحب والهيام... مرة ثالثة رأيته عروساً في ثياب عرسها نزفها إلى مازن وهي تكاد تطير فرحاً وسعادة. لم يرقد لي جفن تلك الليلة، فلا نوم مع الأموات.. ولا رقاد في ليلة وداع... كنت أناجيها سراً أحياناً وجهراً أحياناً أخرى، وكانت النسوة يشاركنني نجواي حيناً ويملن برؤوسهن تعباً ونعاساً أحياناً أخرى... وكنت أتشممها حيناً وأقبلها حيناً آخر... لكن مالها باردة حبيبتي ديمة؟ لم لا تبادلني القبل؟ لم لا تشعرني بدفئها؟ هوذا الموت إذن: برد وجفاء... فلا تعود تهتم بأحد ولا يعنيك أحد... لا ترى، لا تسمع، لا تشم، لا تتكلم... أية فاجعة هو الموت؟ يجردك من كل ما وهبتك إياه الحياة... يجردك من حرارة جسدك، من تواثب روحك، من حركة يديك، من نشاط قدميك... ويأخذ معه كل حاسة من حواسك لتغدو مجرد حطام مرمي في زاوية... هباء معلق في الفضاء... فما أقساك أيها الموت!؟ وما أقساك يا ذاك الليل!! وليل كموج البحر أرخى سدوله * * * * * علي بأنواع الهموم ليبتلي ألا أيها الليل الطويل ألا انجلِ * * * * * بصبح وما الإصباح منك بأمثل رحت أردد في سري ذينك البيتين اللذين كنت أسمعهما من ديمة ترددهما كلما ألمت بها مصيبة ولا أدري من قائلهما... لكن كم هو شاعر عظيم أن ظل شعره خالداً ينشده الناس في ملماتهم... فالليل كان قد أرخى سدوله علي بأنواع الهموم كلها فعلاً، وكان قد ابتلاني بمالا يستطيع بشر تحمله... وكنت أتمنى أن ينجلي ذلك الليل وإن كنت أعلم أن الصباح ليس بأفضل منه... فماذا سيحمل لي الصباح؟ مزيداً من الهم والغم!؟ مزيداً من النواح والبكاء!؟. أجل.. ذاك ما حمله لي الصباح... فقد حملوا فلذة كبدي إلى المقبرة يوارونها التراب الذي جاءت منه... بكيت وهم يخرجون بها من المنزل كما لم أبك من قبل... كانت ولاويلي تبلغ عنان السماء، وكان ندبي... لطمي لوجهي، ضربي لصدري... كله أشد مما كنت أحس أنني قادرة عليه... فقد كانت تلك مصيبة المصائب... أجنتي وأطفالي الأحد عشر كانوا بكفة وديمة وحدها بكفة... وكان الأحد عشر متفرقين... لكن هذه جملة واحدة انقضت على رأسي كالصاعقة فلم أعد أعرف كيف أعول وكيف أصيح... إلى أن غاب الجثمان عن عيني... يحمله الرجال على أكفهم... وترقبه النساء بأعينهم وهم يبتعدون به ففي بلدنا لا تخرج النسوة مع النعوش ولا يرافقن الرجال إلى المقابر... فجأة شعرت، وأنا أعود، أن المنزل أفرغ من مضمونه كجسد أفرغ من أحشائه... فجأة شعرت أنني وحيدة مهجورة ليس لي أحد... كانت النسوة من حولي يحاولن تعزيتي، مواساتي، لكنني لم أكن أسمع تعزياتهن، لم أكن أعنى بمواساتهن، فشعور الوحدة، شعور الوحشة هو وحده الذي كان يطغى... وفجأة وجدتني أندفع في غرف المنزل أبحث عن همام. "أين همام؟ يجب أن أجده. هو وحده عزائي وسلواي" لكن... لا أثر لهمام..." همسة خافتة وصلتني، وقد هدأ ضجيج الجنازة وفرغت الدار من الرجال... الهمسة لم أتبينها أول الأمر... لكنني تبينتها بعد لحظة -بعضهم يقولون إنه ذهب إلى العراق... -ماذا؟ صحت ملء صوتي وقد جاءتني الهمسة نذير شر مستطير، طار لها صوابي... ذهب إلى العراق!؟ ماذا يفعل؟ -فدائياً يقاتل الغزاة المعتدين... ألم تسمعي بالحرب التي يشنها علينا الأمريكان؟ كانت تلك أختي التي كنا سنزوجه ابنتها وكانت تعرف الخبر، لكنها، مثل غيرها، لم ترد مواجهتنا على الفور. -بلى... سمعت... قلت وأنا مازلت في خوفي وانبهاتي وذهولي. -حسن... كثيرون من أبناء البلد ذهبوا إلى العراق للدفاع عنه... ولعله أحدهم.. لقد اختفى فجأة وأنتم غائبون.. لم يقل لأحد... لم يخبر أحداً، بل كأنه فص ملح وذاب... فأين تراه ذهب؟ فجأة بدا السؤال يحوم في أرجاء المنزل، وفجأة ذهب عني الانبهات والذهول... وقد تذكرت وعيده لي بأن يتطوع في الجيش أو يلتحق بالعمل الفدائي...، ذلك الوعيد القديم الذي كنت قد نسيته... هاهو يفعلها ويذهب إلى العراق فدائياً يقاتل المعتدين... لا... ليس في الأمر مفاجأة.. كان علي أن أعلم أنه سينفذ وعيده ذات يوم. السؤال فقط، كيف يذهب وهو يعلم أن ابنة عمه في خطر؟ كيف يخلي الدار؟ يتخلى عن المحل؟ هكذا دون علم أو خبر؟". ووجدت نفسي ألوب في المنزل من جديد، أفتش غرفته.. خزانته، طاولته، هناك وجدت الجواب: رسالة من ثلاثة أسطر لا غير: "يما، هذه الحياة لم تعد تطاق... أحباؤنا يغادروننا وأعداؤنا يغزوننا فلماذا العيش إن كان كله بؤساً وشقاء؟ ذلاً وهواناً؟ يما... أنا ذاهب إلى العراق أقاتل عنه حتى النصر أو الشهادة فسامحيني... ادعي لي... والوداع.. الوداع..." ووجدتني أهوي على حافة السرير... وقد انهارت تحتي ركبتاي. "همام في العراق... هذا القصف... الضرب... التدمير.. التفجير... كله إذن فوق رأسه؟" وبدا لي الأمر فوق ما يحتمل عقلي "لا.. لا.. حرام.. أن يقتل همام!! حرام أن يضيع من يدي هكذا!!! أن أفقده هو وديمة معاً؟". لكن سرعان ما انتفضت متسائلة: اللعنة!! لماذا جاء أولئك الغزاة الطامعون؟ ماذا يريدون من العراق؟ لم لا يدعونه وشأنه؟". إنما دون أن أجد من يجيب... لقد كانت تلك الأسئلة تملأ فضاء العالم كله... كل من فيه يطرح تلك الأسئلة ولا أحد يجيبهم... الأنكلو أمريكان مصممون على ضرب العراق، على احتلال العراق... رغم رفض العالم لذلك، رغم الاحتجاجات، المظاهرات، الانتقادات... العصابة سادرة في غيها.... تريد أن توجه الضربة القاضية للعراق، قبل أن يستطيع أحد الدفاع عنه!! كنت في دمشق قد سمعت بعض الأخبار... بل ربما سمعت الكثير وزوجي يتابعها بلهفة وقلق شديدين لكن كانت ديمة ابنتي على فراش الموت... هي محور حياتي وقطب اهتمامي. تعيش؟.. تموت؟ تلك كانت المسألة... فكيف أفكر بغير ابنتي، محور حياتي؟ "لكن كيف لا أفكر بالعراق" رحت ألوم نفسي وأنا أستعيد بعضاً مما سمعت خلال الأيام العشرين ونيف تلك... العراق بلدي الثاني، نصف عشيرتي هناك، في القائم، راوة، بادية السماوة... عشيرة تنتشر في سهول الفرات وبواديه... جاء مستعمر أشر فمر بخنجره على الجسد الواحد يقسمه قسمين: صارت هنا سورية وهناك عراق لكن العشيرة واحدة؛ الأهل هم أنفسهم وإذا أصيبت العشيرة بمصيبة تداعت أطرافها كما يتداعى الجسد الواحد إذا تعرض أحد أعضائه للخطر فكيف لا تتداعى اليوم، والعراق كله يحيق به الخطر؟ -"حسناً فعلت يا همام!! بوركت يا بطل!! لينصرك الله ياولدي!!" رحت أردد وأدعو وأنا أخرج بالرسالة إلى قريباتي وقريباته. -حياك الله يا همام!! -بطل أنت همام. -كل عمرك نشمة، صاحب مروءة ونخوة، يا همام!! انطلقت صيحات الإعجاب والحماس للتو، وكاد يأخذ بي الحماس ذاته... لكن خوفاً خفياً برز برأسه أمامي.. كانت أخبار العراق مروعة... وكان بعض الذي سمعته، وأنا في دمشق، يقف لـه شعر الرأس: آلاف الطائرات تدك العراق دكاً، عشرات آلاف الصواريخ تنهال عليه انهيال مطر استوائي مجنون... البوارج الحربية تلقي بحممها عليه من البحر، المدفعية والدبابات من البر... إحدى الإذاعات قالت إن عشرات آلاف الأطنان من المتفجرات قد ألقيت على العراق فهل بقي منه شيء دون خراب؟ -حسرتي عليك يا عراق!! تحسرت بصوت عال والمعزيات من حولي... يريدون إبادتك!! -بل أبادوه وانتهوا!! قالت إحدى قريباتي، مديرة المدرسة التي تهتم بالسياسة وتتابع الأخبار... -انتهوا؟ صحت محتجة.. -لم تسمعي الأخبار إذن؟ -أية أخبار؟ -بغداد سقطت... منذ الأمس سقطت.... وسقط قلبي.. أجل شعرت به يسقط إلى ركبتي... بل ربما إلى الأرض. -بغداد العظيمة تسقط!؟ قلعة الصمود تنهار؟ كيف؟ سألت القريبة بلهفة شديدة ولوعة حارقة فقالت: -أوه!! من يدري كيف؟ حتى صباح أمس كان كل شيء يجري على نحو معقول... العدو يهاجم والعراق يدافع.. معارك في النجف، معارك في كربلاء، معارك في السماوة، معارك في الكوت... بل حتى في محيط بغداد معارك... وكان العدو يمنى بخسائر فادحة وكان الصحاف، صحيفة العرب، يتوعد العلوج، عصابة الأوغاد الدوليين الأشرار... "مقبرة ستكون لهم بغداد، سنجعلهم يلعنون الساعة التي وطئوا فيها تراب العراق"... -إي... وماذا حصل إذن؟ سألت وأنا أتعجل النتيجة... -ما حصل.. أننا في حوالي الحادية عشرة رأينا دبابات على جسر الرصافة.. -حسر الرصافة!؟ هو الذي يصل شطري بغداد معاً: الكرخ والرصافة؟ -أجل.. وكان الطيران قد هدأ... لم يعد هناك قاذفات ب 52، لم يعد هناك صواريخ... وبدت بغداد تسكن سكون ما بعد العاصفة... -إي.. وماذا بعد؟ سألت وأنا لا أطيق انتظاراً... إذ كان قلبي يشتعل من الداخل والدنيا تدلهم في عيني ومزيج من الحزن والخوف يطبق على صدري... -بيدك حق... أنت بالأمس كنت مع فاجعتك... مع ابنتك وهي تنتقل إلى الرفيق الأعلى... فكيف تعرفين بالفاجعة الأخرى؟ وشعرت بنفسي أرتجف "فاجعة واحدة تكفي يا رب!! فكيف بفاجعتين معاً؟". لكنها كانت قد وقعت وانتهت... -بعد قليل، تابعت قريبتي مديرة المدرسة، أعلنت الإذاعة ومحطات التلفاز أن بغداد سقطت... لم نصدق آذاننا في البدء، فالمقاومة الضارية التي جرت في المطار، الدورة... أماكن الإنزال هنا وهناك كانت تبشر بالخير، فكيف تسقط بغداد بهذه السرعة؟ لكن كانت عدسات التلفاز قد بدأت تعرض علينا شوارع بغداد الخالية من متاريسها، العسكر وقد خلعوا بزاتهم العسكرية وراحوا يجرون هاربين، محلات بغداد المغلقة، أسواقها المقفلة: أجل... كانت بغداد مدينة للموت، سحرها الأنكلو أمريكان فحولوا بشرها إلى حجارة وحياتها إلى موت زؤام. -يا إلهي!! كل هذا جرى أمس ونحن لا ندري؟ سألت وأنا أشعر بلوم شديد لنفسي... سألت وأنا أكاد أنسى مصيبتي.. يذهب العراق كله ولا أدري؟ -مسكينة أنت!! وهل كنت قادرة على سماع أخبار؟ هل كنت فارغة لغير مصيبتك؟ -لكن أخبريني... أخبريني... ألم يحدث قتال شوارع في بغداد؟ ألم يخرج الناس لمحاربة الأعداء حرب عصابات، كما كانوا يتوعدونهم؟ -أبداً.. لم يحدث قتال شوارع... ولم تنشب حرب عصابات... كان الكل قد أخلوا المدينة.. وكأنما جاءتهم إشارة من عصا سحرية: "اختفوا... لا يبق لكم أثر"، فاختفى، الجند، الفدائيون، الحرس الجمهوري، المتطوعون العرب... غير العرب... كلهم اختفوا دون أن يتركوا أثراً... لكأنهم جن لجؤوا إلى باطن الأرض... -والأمريكان؟ ماذا فعلوا؟ -ماذا فعلوا؟ راحت دباباتهم تتقدم...مئات الدبابات راحت تكتسح شوارع بغداد... وبغداد ساكنة.. صامتة... مقبرة لكن لأصحابها لا للغزاة. فلا نأمة ولا حركة... إلى أن احتلت الجسور... توزعت في الساحات، الشوارع... ثم وصلت طليعتها إلى فندق فلسطين.. هناك حدثت المهزلة... -المهزلة!؟ أية مهزلة؟ سألت وأنا أزداد استغراباً لحظة بعد لحظة: -عفواً المأساة... فما حدث يابنة عمي مأساة... مأساة هزت ضمائرنا جميعاً... أبكتنا جميعاً حتى ذوبان القلوب... -ما هي؟.. أسرعي... قولي... ما الذي جرى في فندق فلسطين؟ -رفعوا العلم الأمريكي بدلاً من علم العراق... وضعوه بحيث يجلل رأس تمثال لصدام هناك... ثم لم يكتفوا بذلك... بل ربطوا جنزيراً حديدياً بعنق التمثال لتجره دبابة ويهوي من علٍ... إلى الأرض...". وتوقفت لا تستطيع متابعة الكلام، الغصة ملء حلقها... الدموع ملء عينيها وتمتمات خافتة ملء شفتيها: لكأن العراق نفسه هوى من علٍ.. لكأن العراق نفسه سقط أرضاً وتناثر حطاماً. -خسارة يا عراق!! -حرام يا عراق؟! -من لنا بعدك؟ -من يحمي ظهرنا؟ من يصد أعداءنا!؟ راحت الصيحات تتعالى أشبه بندب على ميت... لكأنهن عدن إلى ندب ديمة... العراق مات!! ديمة ماتت!؟ فكيف لا تندبها النسوة... أنا نفسي رحت أندب وقد شعرت بالفاجعة الحقيقية التي حلت بالعرب جميعاً... من محيطهم إلى خليجهم... كانت ديمة قد ألهتني عن الأخبار... السياسة... الوطن... لكن الوطن في دمك فكيف تلهو عنه؟ تأتي ساعة فيستيقظ خوفك على الوطن... على الأهل... على القوم الذين تنتمي إليهم..وكان ثمة خوف آخر عاد إلى البروز من جديد، "همام؟ ما الذي حل به؟ إن كان العراق كله قد سقط، جيشه، حرسه الجمهوري، فدائيوه، مقاتلو حزبه... كلهم سحقوا ومحقوا... فما الذي جرى لك يا همام؟". لكن من يجيبني... وكل شيء عن العراق ملفوف بغيوم متلبدة كثيفة لا يخترقها بصر ولا يعبرها ضوء. الإذاعات، التلفازات، وكالات الأنباء، مندوبو الصحف... كلهم في حيرة من أمرهم.. لا يدرون ما الذي حل بالعراق؟ هل فرط عقد نظامه تماماً؟ هل قتل الرأس فمات الجسد؟ هل أبيدت المقاومة؟ هل انسحب الكل انسحاباً تكتيكياً من أجل مقاومة أبعد وأطول أمداً!؟ هل حدثت خيانة؟ أسئلة كثيرة كانت تنتشر في الأثير انتشار وسائل الإعلام وألسنته.. هذا يقول: أمر جلل حدث ليلة 8-9 نيسان... ما هو؟ لا أحد يدري... بعضهم يؤكد أن صدام حسين قتل... رصدته المخابرات المركزية الأمريكية بجواسيسها وأقمارها الصناعية لدى ظهوره في شوارع بغداد... ثم لاحقته بعيونها الذكية إلى أن دخل حي المنصور حيث المطعم الذي يتناول فيه وجباته أحياناً.. هناك انقضت عليه الذئاب الناهشة طائرات وصواريخ إلى أن جعلت الحي كله بلقعاً خراباً... أبنيته استوت مع الأرض... بما فيها ومن فيها فهل ينجو هذه المرة صدام؟ بعضهم الآخر قال بل هرب قبل دقيقة واحدة فقط من انقضاض الذئاب الناهشة ونجا فعلاً.. ذهب إلى حيث لا يدري إلا الله" هو الذي يملك قدرة عجيبة على التخفي، هو صاحب الموهبة العجيبة الغريبة في التمويه والتملص... لكن الأرجح أنه قتل وإلا كيف ينفرط عقد المقاومة بهذه السرعة؟ كيف تذهب الآمال كلها بصمود بغداد... فتنخ بغداد على ركبتيها وتخضع كما خضعت لهولاكو أيام زمان؟ ترى أيحل ببغداد ما حل بها يومذاك؟ أتباح بغداد للغزاة المنتصرين؟ أتستباح نساؤها؟ تنهب كنوزها؟ يلقى بما في مكتباتها في جوف دجلة؟ المستقبل مظلم والفاجعة كبيرة... بغداد تسقط فتسقط معها مدن العراق جميعاً... العراق يستعمر فيستعمر معه الوطن العربي كله... هو بوابة الشرق... فما الذي يحدث للشرق وقد فتحت بوابته للأعداء؟ وأحسست في لحظة من اللحظات أنه لم يعد لدي فاجعة... أن فاجعتي بديمة صغيرة صغيرة حتى لا تكاد تقارن بفاجعة العراق... بالوطن الذي يدمر، بالأهل الذين يذبحون، بالخيرات التي تنهب، بالكرامة التي تداس فنمرغ كلنا في التراب...وبكيت من جديد.. بكيت على العراق الذبيح... بكيت على الأمل الضائع... على الحلم المبدد بأن ننتصر يوماً في معركة من معاركنا مع العدو، بأن نقف يوماً على أرجلنا لنثبت أننا أمة جديرة بالحياة... عاد الرجال من المقبرة بجلبتهم وضجيجهم... فانقطعت سلسلة أفكاري... كان علينا أن نفتح الدار للتعزية وكان لابد من إعدادها لذلك... غرفة المضافة... المسجلة والقرآن... القهوة المرة والدخان... كان ثمة شغل كثير لكنهم لم يدعوني أشتغل... كان حسبي ما أقاسيه من هموم... الفتيان... الفتيات... الأقرباء، الجيران كلهم تطوعوا لفتح التعزية... وانطلق صوت القارئ مرتلاً آيات بينات من ذكره الحكيم، ترى هل توقف مازن عن الندب والعويل؟ معينه الذي لا ينضب هل نضب أخيراً؟ ولم يكن باستطاعتي أن أجيب فتعزية الرجال منفصلة عن تعزية النساء وما كان باستطاعتي أن أذهب أو أجيء... كان حبل المعزيات لا ينقطع... وكان علي أن أستقبلهن جميعاً... أتلقى القبل، أقبل.. أرد على التعازي، أشكر المواساة والتعاطف ولا أجد لنفسي سبيلاً... لم تكن ديمة وحدها قد غابت عني... بل نفسي ذاتها غابت... صرت ملك الآخرين.. علي أن أكون معهم ولهم دون أن أترك لنفسي هامشاً صغيراً أراها فيه فكيف أعرف ما حل ببيتي؟ بزوجي؟ بمازن؟ من يطعمه؟ من يعتني به؟ أنا نفسي كنت بحاجة لمن يعتني بي... عند الظهيرة جاؤوا بطعام... من صنعه؟ لا أدري.. لعل زوجي أوصى عليه من المطعم، هو ليس مثلي، تهده المصائب... أنا أعرفه جلداً قوياً يتحمل كل مصيبة... وينفذ من كل مأزق... لابد أنه عاد فوقف على رجليه... راح يرتب هذا الأمر وذاك... كيلا يبدو منهاراً أمام الناس، بيته غير متماسك في وجه العاصفة... أنا لم أره منذ دخلنا المنزل بالجثمان... كان لـه فلكه ولي فلكي وكل في فلك يسبحون... صهره معه، هو يعتني به ولا شك... "فلتسمح لي مازن... لتسمحي لي ديمة... أنا اليوم مفجوعة... ليس بفاجعة واحدة بل باثنتين... أجل... فاجعتان يابنتي حلتا بي... فلا تؤاخذيني... إن لم أستطع أن أحل محلك وأرعى شؤون زوجك... لكن لا تخافي هو حزين، إلى درجة لا يفكر معها بشأن نفسه: أكل.. شرب... نوم... كلها قضايا تافهة صارت أمام المصاب العظيم الذي أصيب به: فقدانك... أما أنا فقواي خائرة.. مفاصلي مفككة، أعصابي منحلة حتى لا أستطيع الوقوف إلا بالكاد: أنت والعراق... تذهبان معاً؟ كيف يابنتي؟ ألم تكفني فاجعتك فأفجع أيضاً بالعراق!..؟ إذن قولي: "ليكن في عونك الله يما!! قولي لك الله يما..." هذه الكلمة أريد أن أسمعها... أذناي تحنان لسماعها. لقد ذهب من كان يناديني بها: أنت وهمام... كلاكما غبتما يابنتي فكيف أسمع ذلك النداء؟ رشة من رصاص لعلعت في الخارج فبهتت النسوة وساد الوجوم. لحظة ثم انطلقت رشة ثانية من رصاص راح يئز هنا وهناك مع جلبة رجال وصياح نساء: -ما هذا؟ -ما الذي جرى؟ -لم هذا الرصاص؟ -لم يكن باستطاعة أحد أن يجيب... فأسرعنا جميعاً إلى الخارج... الرصاص في الشارع إذن علينا أن نخرج إلى الشارع. الرجال سبقونا... والرصاص عاد يلعلع من جديد.... -الشهيد حبيب الله!! جاء هتاف بصوت خيل إلي أنني أعرفه. حاولت جهدي تحديد اسمه فلم أستطع. -الشهيد حبيب الله!! رددت جملة أصوات الهتاف نفسه وكأنما كانت تنتظره على أحر من الجمر... خرجنا إلى الشارع... كانت هناك سيارة ذات لوحة عراقية وكان حشد كبير من الرجال قد تجمعوا حولها، وكان نور الدين وسطهم يهتف من جديد: -همام حبيب الله!! الشهيد حبيب الله!! "ردد الحشد وراءه بينما انطلقت أصوات تهتف: -الموت لأمريكا!! -يحيا العراق!! ومع الهتاف كانت مسدسات تطلق ورصاص يئز. ثم بلمعة كلمعة البرق فهمت كل شيء... "ها أنت إذن قد استشهدت يا همام!! رصاص الغزاة قتلك..؟. صواريخهم مزقتك؟ "رحت أصرخ نادبة معولة". الله!! ما أشد فاجعتي بك... بالأمس بتر جناحي ذاك... وهاهو ذا جناحي الثاني يبتر فبأي جناح أطير بعدكما؟ بالأمس مسح وجهي الأول واليوم يمسح الثاني، فبأي وجه ألقى الناس بعدكما؟ أواه!! كم أنا شقية بائسة!؟ كم أنا تعيسة الحظ؟ أحب الناس وأغلاهم على قلبي... آه!! أدفنكما بيدي!.؟ أنا التي كانت ترجو أن تدفناها بأيديكما... أنا الشقية البائسة التي حرمتها الدنيا من كل أمل في الحياة". كان اللغط قد اشتد حول السيارة التي بدا عليها التعب والبلى... والتي لا أدري كيف شققت طريقي إليها عبر الرجال... كانت ثمة نار تلفحني من خلف فأفر إلى أمام... وكان الرجال يرونني، يسمعون ندبي فيشفقون علي، وربما يفتحون لي الطريق. بجانب السيارة كان مسلم قد فتح بابها لينحني على الجسد المسجى هناك. شعرت بالغصة في حلقي وبالفوران في صدري... وماذا هناك ليفور؟ لا أدري... كانت عيناي مغرورقتين... وكنت لا أكاد أرى... فضباب الدموع جعل كل شيء غائماً أمامي... -مات همام إذن؟ سألت زوجي وأنا أحشر نفسي معه بجانب السيارة، ننظر إلى الجسد المسجى في الداخل. -بل قولي قتلوه!! العلوج الأوغاد قتلوه... أليس كذلك يا بني؟ سأل وهو يتوجه إلى نور الدين الذي بدا كتلة من التعب والنصب. الحزن والقهر. -بلى... يا عماه!! كنا في بغداد... وكنا سنقاتل في كل شارع وزقاق الغزاة المعتدين.. لكن عند الجسر كانت ثمة دبابتان.. وكنا وحيدين أنا وهمام.. واجهناهما، دمرنا واحدة لكن عاجلتنا الثانية بطلقة سقط إثرها همام... شظية من القذيفة شطبت كتفه اليسرى.. انظر عم، قال وهو يرفع الغطاء عن كتف لم تعد كتفاً فشهقت،.. شهقة أعظم من البكاء وأكبر من الدموع لكنني كظمت وهو يتابع: ذهبت كتفه وذراعه... قلت أسعفه... حملته ومضيت إلى أقرب مستشفى... كانت الفوضى قد دبت.. وكانت المستشفى قد أخليت... مرضى بلا ممرضين... أجهزة بلا أطباء... فقلت أذهب به إلى أي مكان... كان ينزف... ضمدته بكل ما استطعت من مهارة... وظل لدي أمل.. أوصله بكتف واحدة وذراع واحدة خير من ألا أوصله أبداً... أسرعت به إلى أول سيارة مستنجداً. هذا السائق النشمي، أنجدني... قال وهو يشير بعينيه إلى كهل عراقي أضواه التعب وربما الجوع. بسرعة الريح انطلق وبسرعة الريح سار... لكن دون أن نجد مكاناً يسعفه. قلت أوصله إلى سورية أعالجه في أول مستشفى... لكن واحسرتاه!! كان الموت أسرع يا عماه!! لقد فارق همام الحياة قبل أن نغادر حدود العراق. وانهمرت دموع نور الدين... كما انهمرت دموع مسلم... أجل... هذه المرة رأيته يبكي... مسلم زوجي القوي القاسي بكى، أتراه بكى على ابن أخيه؟ أم على العراق؟ أم على ابنته ديمة؟ لعله بكاهم جميعاً فالتراكم يفعل فعله، يغير، كما كانت تقول ديمة، ولقد صار لديه كم هائل من التراكم يغيّر حتى الحجر. -أدخلوه إلى المنزل، قلت بصوت راعش لا يكاد يبين... -لا... لا.. نأخذه مباشرة إلى المقبرة... ردت عدة أصوات لم يكن بوسعي أن أعرف أصحابها. -دون أن تغسلوه؟ سألت من جديد وأنا لا أدري من أسأل. -الشهيد لا يغسل.. بدمه الطاهر يغسل الشهيد، رد مسلم هذه المرة... وتذكرت... صحيح... الشهداء لا يغسلون بالماء بل بالدماء، وهمام شهيد، كان يقاتل العدو المغتصب وبقذيفة من قذائفه قتل... "فهنيئاً لك همام... أنت الشهيد المبجل، أنت الحي بين أحياء عند ربهم يرزقون.." وأطلقت زغرودة... دون أن أدري أطلقتها... وأنا أنحني فوق همام أقبله، أتشممه وأقبله، فيما كان شبان شجعان قد أخرجوا الجثمان من السيارة . وضعوه في النعش ذاته ذاك الذي كانوا قد عادوا به للتو ثم رفعوه على الأكف... زغرودة أخرى انطلقت من خلف حيث كانت النسوة قد تجمعن. تبعتها زغاريد... ثم راحت الزغاريد تلعلع... فقد كان ذلك عرس همام وكانت ثمة نسوة أبين إلا أن يشاركن في وداع العريس. سار موكب العرس، هتافات وأهازيج تحيي البطل. تسقط الأعداء الباغين، ومع الهتافات والأهازيج زغاريد أبت إلا أن تنطلق في عرس الشهيد... مع الموكب سرت... لم أعد أفكر بعادات، لم أعد أبالي بتقاليد... كنت أشعر أن علي أن أرافق ولدي إلى مثواه الأخير.. ألا يستحق ذلك؟ هو الذي جاء إلي من بغداد شهيداً ألا أذهب معه إلى المقبرة؟ نور الدين يسندني... هو ابني الآخر، رفيق همام الذي حمل جثمانه لي، رحت أسأله.. الموكب يسير وأنا أسأل.. كنت أريد أن أعرف كل شيء عن مغامرة ولدي... وحدثني نور الدين عنها، عن حماسته، شجاعته، تصديه للأعداء.. تصميمه على تدمير الدبابة.. ثم صرخة: يما... وقد أصابته الشظية. -لقد سمعتها!! تلك الصرخة سمعتها وأنا في دمشق، قلت فذهل نور الدين... فاغر الفم جاحظ العينين توقف لحظة والموكب يسير... لكنني دفعته فعاد إلى السير. أجل... الأم تسمع بقلبها، تابعت وكأنني أحدث نفسي، ولقد سمعته، كما سمعت دمشق بغداد وهي تصرخ، لكن ما كان بيدها حيلة... دمشق لم تستطع أن تهب للنجدة.. لكنها كانت ترتجف راعشة القلب نازفة الدم وهي ترى بغداد تسقط... ترى هولاكو يجتاحها دون أن تستطيع فعل شيء، كذلك أنا، لم أستطع فعل شيء، لم يجب نور الدين... بل بدا وكأن مزيجاً من الذهول والخوف لجم لسانه. سار الموكب إلى الجامع، صلوا على همام... هو الذي كان مضرجاً بدمائه والذي لفه صاحبه جيداً كيلا يظهر ما حل به من تشوه. وصلنا إلى المقبرة، الهتافات خفت، الوجوم بدأ يلقي بكلكله. نظرت فإذا بقبر طازج أمامي... طازج إلى درجة تفوح منه رائحة الموت... وانخلع قلبي من جديد... ليمضي مسرعاً إلى القبر ولأمضي في إثره ثم أنكب على القبر أنشج وأبكي. "من دمشق جئت يا حبيبتي... ومن بغداد جاء، لتدفنا جنباً إلى جنب أخوين توءمين مثلما دمشق وبغداد أختان توءمان، فكيف يفرقون بين دمشق وبغداد؟ أواه يابنتي!! يا فلذة الكبد ومهجة الروح!! هاهو همام، ابن عمك ورفيق عمرك، يأتي إليك يؤنس وحدتك ويطوي وحشتك أخاً وسنداً في موتك كما كان في حياتك!! فكوني لـه كما كنت دائماً الأخت المحبة الحنون. "رحت أناجيها وأنا أشهق باكية متنقلة بناظري بين قبرها ونعشه فيما كان فتية يحفرون قبراً بجانب ذلك القبر الجديد". إيه همام!! اليوم تلتقيان من جديد جارين في دار البقاء، نجماكما اللذان اقترنا هنا يقترنان الآن هناك، فلا تخف... لست وحدك... لقد سبقتك ديمة، ابنة عمك التي أحببت حتى الموت. لكنكما لم تلتقيا حيين فالتقيا ميتين. اهدها سلامي همام. قبلها عني قبلة الأخ الحبيب والعاشق المتيم. ارقدا معاً همام!! بسلام وطمأنينة ارقدا!! لا تعاتبها، لا تلمها، فهي الأخرى كانت عاشقة متيمة، لكن بسواك، واعلم يمّا، أن العشق ليس باليد تمنحه من تشاء وتنزعه ممن تشاء، هو هكذا يأتي من تلقاء نفسه أو لا يأتي، هو هكذا لا يصنع بقرار ولا يخضع لأوامر. فلا تؤاخذها همام!! اذهب إليها أخاً كما أرادتك دائماً.. افرد عليها جناح العطف والرحمة، من أجلي يما، كن عونها ونصيرها كما أحبتك أن تكون. إني هنا أبكيكما الدموع الغزار.. أبكي معكما العراق الذبيح، ذاك الذي قتلت من أجله. أشعر أنني، بعدكما، أدخل، كما دخل العراق، النار، أنني، مثلما يحترق العراق، أحترق... فهل يأتي يوم نخرج فيه، أنا والعراق، كما تخرج العنقاء من الرماد؟ هل يأتي يوم نفرد فيه أجنحتنا، كما تفرد العنقاء جناحيها وتطير؟ |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |