|
||||||
| Updated: Sunday, February 27, 2005 10:24 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
القسم الأول 1 - مرشح ليصبح نابليون - لا ترش الرذاذ على ثوبي يا شتيرنر! أنت لا تجيد التجذيف. - طبعاً, لدى النساء عادة تبرز عندما يتوجهن إلى نزهة في القارب, وهي أن يرتدين ثوباً مصنوعاً من تلك المادة التي يترك رذاذ الماء عليها بقعاً لا تمحى. - أنت تستعير هذه الفكاهة من قصة "ثلاثة في القارب" لجيروم جيروم. - أنت واسعة الإطلاع جداً, أيتها الآنسة. أنا لست مذنباً في أن جيروم قام بهذه الملاحظة قبلي. الحقيقة تبقى حقيقة, ولو أن المسافرين في الزورق كانوا خمسة لا أربعة. ردت إيما فيت من مقعدها: - نحن أربعة فقط. أجاب شتيرنر: - أيتها اللعبة الرائعة ذات الشعر الأجعد الذهبي لقد كان الراكب الرابع في زورق جيروم كلباً, أما الراكب الأول في قاربنا فهو كلبي فالك... - لماذا هو الراكب الأول؟ - لأنه عبقري. فالك! ناولْ منديل الأنف للآنسة فيت, فهي قد أوقعته, كما ترى. قفز فالك كلب الصيد الأبيض الجميل بحذاقة وناولها المنديل, فضحك الجميع. قال شتيرنر بخيلاء: - ها أنت ذي تشاهدين! تزوجيني يا آنسة غليوك! وسنفتتح معك سيركاً للكلاب الضالة, فأقوم بعرض عجائب الترويض وأنا ألبس باروكة المهرج الشقراء, في حين تجلسين عند الصندوق. ولك أن تتخيلي فقط هذه الحياة المسالمة الرغيدة: الجمهور يتقاطر إلينا من كل حدب وصوب, والكلاب ترقص, والنقود تخشخش في الصندوق ... وبعد الحفلة سنولم مائدة في مجتمع أخلص وأبهى الأصدقاء من ذوي الأربع. عظيم! هذا أكثر تسلية بكثير من العمل لدى كارل غوتليب. - أشكرك, لكني لا أحب حياة التشرد. - هم ... أنا أمثل لك كمية تافهة جداً بوجود رأسمالك. سألتْ إلزا غليوك في حيرة: - بوجود رأسمالي؟ - لماذا تتعجبين؟ أنت تتظاهرين كما لو أنك لا تعرفين رأسمالك. إنه شعرك العجيب المميز لفينوس تيتسيان ... أليس هذا اللون طبيعياً؟.. لا تلبسي وجهك الاستياء. أنا أعرف أنه طبيعي. أما النساء التيتسيانيات, كما تعرفون, فقد صبغن شعورهن بمركب خاص. حتى إن وصفة هذا المركب قد حفظت في مكان ما. وهكذا ترون, فإن جميلات العالم اللواتي ألهمن ريشة تيتسيان, قد كوَّن صنعياً ذلك الذي قامت الطبيعة الكريمة بإعطائك إياه دون تقديم وصفة ... أما عيناك الزرقاوان مثل الهاوية السماوية! فإنهما طبعاً, ليستا ملونتين صنعياً أبداً... - كفاك... - أسنانك, عقد لؤلؤ... - بعد ذلك يأتي وصف الشفتين المرجانيتين, أليس كذلك؟ من الممكن التفكير بأنك لست سكرتيراً لصيرفي مضجر, وإنما مندوب تجاري متجول لدى شركة مجوهرات. لذا فأنا سأدفع لك, أيها الثقيل, لأجل هذه المجاملات الجواهرية! أما وجهك الطويل, وأنفك الطويل, وشعرك الطويل, وذراعاك الطويلتان فهي طبعاً حقيقية؟ - وأنت أيعجبك أكثر كل شيء مدور؟ مثل ذلك الوجه المدور لدى أوتو زاوير, وهاتان العينان المدورتان, ومن الجائز, ذلك الرأسمال المدوَّر الذي سيتكوَّن بعد عشر سنوات... نطقت إلزا غليوك والسخط في صوتها: - لقد أوصلت الكلام إلى حد الدناءة. تكلم زاوير المستشار القانوني للصيرفي غوتليب: - من فضلك, لا تحسب الرأسمال في جيوب الآخرين. كان زاوير منحرف المزاج خلال حديث شتيرنر مع إلزا, وشق صامتاً الماء المتورد بأشعة الشمس الغاربة بمجذافين طويلين. شعر شتيرنر حقيقة أنه مضى بعيداً في نكاته, لذا أخذ يتكلم بجدية أكبر. - المعذرة أنا لم أرد الإساءة لأحد. أردت القول فقط إنه في الحب, كما في كل الأمور, يوجد القانون ذاته, قانون الصراع من أجل البقاء, والأقوى سينتصر. فذكور الأيائل تخوض صراعاً حتى الموت, في حين تصبح الأنثى ذات القرون والقوائم الأربع من نصيب المنتصر. ومن هو الأقوى في مجتمعنا؟ إنه ذلك الذي يملك رأسمالاً. التفت شتيرنر نحو إلزا. - تخيلي يا آنسة, كما لو أنني أصبحت غنياً فجأة, مثل كريز. لا, أكثر غنى. مثل رب العمل المحترم كارل غوتليب. عندئذ, من المحتمل, ألا يبدو وجهي طويلاً إلى هذا الحد في عيون النساء. أجابت إلزا مبتسمة: - سيبدو أكثر طولاً. قال شتيرنر بعدم ارتياح: - آ! هذا لأنك حرة في الاختيار حسب ذوقك حتى في وسط من أشباه غوتليب, بسبب امتلاكك لهذا الرأسمال من الجمال. وما الذي سيبقى لنا لنعمله, نحن الحثالة التافهة, المؤلفة من مختلف السكرتيرين والسكرتيرات, الذين يقفون قريباً من طاولة المأدبة, لكنهم مضطرون لالتقاط الفتات الساقط فقط, وهم يبتلعون ريقهم, ويشاهدون كيف يثمل الآخرون من كل خيرات الحياة؟ قالت فيت: - يالها من كلمات قبيحة لديك يا شتيرنر! تابع شتيرنر: - المعذرة, فأنا سأعير قاموسي اللغوي اهتماماً في غاية الجدية ... النزاهة: هذا هو عيبنا الذي يستغله من هو أعلى منا, قال هايني ذات مرة: "النزاهة شيء رائع إذا كان الجميع من حولي نزهاء, وأنا النصاب الوحيد بينهم", ولكن بما أن حولي كتلة متراصة من المحتالين أيضاً, طبعاً الحديث لا يجري عن الموجودين, فإنه كي أمتلك السعادة... ونظر إلى إلزا غليوك(1) نظرة ذات معنى. - ... من الواضح أنه علي أن أصبح ذلك النصاب الخارق, الذي يبدو جميع المحتالين الباقين أشخاصاً فاضلين بالمقارنة معه. تدخل أوتو زاوير في الحديث مجدداً: - أنت اليوم ترفه عن السيدتين ترفيهاً فاشلاً إلى حد ما يا شتيرنر, إذ تكتسب مزحاتك مسحة قاتمة جداً. سأل شتيرنر آلياً: - آ؟ ثم سحب رأسه فجأة وصمت, فأصبح وجهه شيخوخياً, إذ ظهرت ثنية عميقة بين حاجبيه. وبدا غارقاً في تفكير عميق, كما لو أنه يحل مسألة ما صعبة. وضع فالك إحدى قوائمه على ركبته ونظر بانتباه إلى وجهه. ربض المجدافان في يدي شتيرنر دونما حراك, وقطرات المياه الحمراء مثل الدم تسيل منهما دون انقطاع تحت أشعة الشمس الغاربة. ارتعشت إلزا غليوك فجأة وهي تشاهد وجه شتيرنر الذي شاخ فوراً, وحولت نظرها إلى زاوير كما لو أنها تبحث عن مساعدة. وفجأة صدم شتيرنر المجدافين بالمياه بقوة, ثم رماهما وانفجر في قهقهة. - اسمعي يا آنسة إلزا. وماذا لو أنني أصبحت أقوى إنسان على الأرض؟ لو أن الجميع امتثل لكلمة واحدة مني, لإشارة واحدة, مثلما يمتثل فالك؟ صرخ شتيرنر وهو يرمي السوط في الماء: - فالك! الحقه! اندفع فالك مثل السهم مغادراً متن القارب. - هكذا! لو أنني أصبحت سلطان العالم؟ قالت إلزا: - أ تعرف يا شتيرنر؟ لديك وجه شاب, ولكنه قديم الطراز للغاية. تشاهد هذه الوجوه بين الصور في الألبومات العائلية. وعادة ما يقولون عنها كما يلي: "هذا هو جدنا في شبابه". وها أنت ذا بالضبط مثل "جد في شبابه". لا, أنت لا تصلح قطعياً كي تصبح نابليون. هل يعقل أن يخرج منك نابليون مصرفي صغير؟. - أوخ, هكذا إذاً؟ في هذه الحالة أنا أحرمك من التاج, والقصر, والعربة الذهبية, والقلادة الماسية, ومن جميع وصفاء ووصيفات بلاطك. أنا أحرمك من عطفي. واعلمي أنني لا أحبك إطلاقاً. ولا تظني أنني أنوي القيام بمآثر مثل فارس من القرون الوسطى, فقط كي أستحق الحصول على يدك وقلبك. كلا, إطلاقاً. فأنت بالنسبة إلي مقياس لإنجازاتي فقط. رهاني الأول, لا أكثر. هذا ما لدي لك! - وماذا في ذلك! والآن ألا ترغب في الانكباب على المجدافين؟ حان وقت العودة إلى المنزل. سحب شتيرنر إلى الزورق فالك المبتل, الذي صب الرذاذ على الجميع عندما انتفض, فصرخت غليوك وفيت. نكت شتيرنر وهو يضغط بقوة على المجدافين: - لقد هلك ثوباكما اللذان يخشيان الماء. اندفع الزورق بسرعة مع التيار نحو الأسفل, واختفت الشمس خلف الغابة. وفي الأعلى تلألأ النهر مثل الذهب المصهور, في حين رقدت حول القارب ظلال زرقاء. أخذت الرطوبة تمتد, فألقت إيما على كتفيها شالاً أزغب. صمت الجميع. كان سطح النهر المرآوي ساكناً, ونادراً ما قامت سمكة صغيرة بشق السطح الأملس الهادئ وقد لمعت حراشفها فوقه. قطع زاوير الصمت: - لم أكن أعلم أنك طموح على هذا النحو يا شتيرنر. أخبرنا ما الذي دفعك لترك مركزك العلمي والانتقال إلينا في مجموعة خدم غوتليب المتواضعين؟ إذ إنك, إذا لم أكن مخطئاً, قد عملت عملاً ناجحاً جداً في مجال دراسة الدماغ, لا بل إنني صادفت عدة أخبار في الجرائد عن تجاربك الموفقة ... ماذا يدعى ذلك العلم الفتي الذي شغفت به آنذاك؟ الإرتكاسولوجيا؟ قالت إلزا: - أنا أتخيل تخيلاً مبهماً جداً ماهية هذا العلم. ابتدأ شتيرنر الحديث بتلك النبرة, كما لو أنه يقرأ محاضرة على جماعة منتقاة: - أيها السيدات الفاضلات والسادة الأفاضل. الإرتكاسولوجيا, هو العلم الذي يدرس ردَّات الأفعال الجوابية لدى الإنسان, وعموماً لدى أي كائن حي, والتي تظهر بالارتباط مع تأثير العالم الخارجي. فتميز بذاتها عموماً, كل علاقات الكائن الحي مع الوسط المحيط. مفهوم؟ أجابت إيما: - غير مفهوم إطلاقاً. - سأحاول التعبير بشكل أسهل. الارتكاس هو نقل الإثارة العصبية من إحدى نقاط الجسم إلى الأخرى بوساطة المركز أي الدماغ. فكل تأثير من الخارج عبر أعضاء الحس, وعن طريق الارتكاس من خلال المركز, يستدعي للعمل أعضاء الجسم هذه أو تلك. وبكلام آخر, يستدعي رد الفعل. الطفل يمد يده نحو النار, فتحرقه. إن تأثير النار هذا على الجلد ينتقل من خلال الأعصاب إلى الدماغ, ويذهب رد الفعل الجوابي من الدماغ إلى اليد, فيسحب الطفل يده بسرعة. وسيرتبط التصور عن النار لدى الطفل بتصوره عن الألم. وفي كل مرة عندما يشاهد الطفل النار سيبدأ بسحب يده بوجل. أي أنه حدث ذلك الذي ندعوه علمياً الارتكاس الشرطي. سأقدم مثالاً أكثر تعقيداً. ستقدمون الطعام للكلب, وفي الوقت ذاته, وفي كل مرة عندما يباشر الأكل ستعزفون على المزمار, غداء مع الموسيقا. أثناء الطعام يسيل لعاب الكلب بغزارة. بعد فترة من الزمن, عندما يرتبط العزف على المزمار في وعي الكلب ارتباطاً وثيقاً بالأحاسيس الذوقية, فإنه سيكون كافياً لكم أن تعزفوا على المزمار كي يبدأ لعاب الكلب بالسيلان بشدة. ارتكاس شرطي!. وما علينا إلا التفكير في أن أكثر الأحاسيس الإنسانية "قداسة" مثل الواجب, والإخلاص, والفريضة, والأمانة, وحتى "الأمر القطعي" الكانتي الشهير, ما هي إلا ارتكاسات شرطية تماماً, من الرتبة ذاتها التي تضم سيلان لعاب الكلب أيضاً. عملية خلق هذه الارتكاسات أكثر صعوبة, ولكن الجوهر ذاته. بعد هذا الإيضاح العلمي, أعترف أن كل هذه الفضائل العالية لا تثير في نفسي احتراماً خاصاً ... ولهذا يبدو لي أحياناً, أن سيلان لعاب الفضيلة هذا مفيد لأحد ما, وأن أحدهم يعزف على مزمار الدين والأخلاق والواجب والنزاهة. أما نحن, الأغبياء, فنطلق اللعاب. ألم يحن الوقت كي نرمي كل سقط المتاع القديم هذا, وأن نكف عن الرقص على مزمار الأخلاق القديمة؟ قرر زاوير أن يغير الحديث, فسأل شتيرنر مجدداً لماذا ترك مهنته العلمية. وقال: - أنت تعرف كثيراً جداً, ومن الجائز أنه بإمكانك الوصول إلى الشهرة وإلى مختلف النجاحات في المجال العلمي وصولاً أسرع. أجاب شتيرنر والنظرة الماكرة في عينيه: - هاكم لماذا تركت مهنة العلم أيها المحترم زاوير, لقد شرَّحت نحو ألف دماغ إنساني, وتصوروا أنني لم أجد عقلاً في أي منها. وقد قررت أن العلاقة مع الأدمغة تكون ألذ كثيراً عندما تكون مشوية جيداً, وموجودة على طاولة غداء ربِّ عملنا الطيب جداً. سمع شتيرنر صوت فيت خلفه: - يا لها من كلمات شنيعة التي تفوهتم بها مجدداً! - عفوا ألف مرة! لكني أؤكد لكم أن غوتليبنا لا يتغذى بأدمغة بشرية. ما هي إلا استعارة مجازية, ها - ها! أنا أشعر أنه سيأكل غداً صباحاً بيت الصيارفة تيوبفير و ك ... لقد أردت القول فقط إنه كان جيداً بالنسبة لسلاطين العصور الوسطى أن يمارسوا العلم, عندما كان تحت أيديهم جبال من مختلف المأكولات وبراميل من النبيذ. أما الآن ... فها أنا ذا وزاوير لا نعدو أن نكون خادمين متواضعين للصيرفي, وحتى أنتما, يا أروع آنستين, عاملة على الآلة الكاتبة وكاتبة الاختزال لديه, تتقاضيان أكثر مما يناله دكتور شاب في أكثر العلوم روعة. كما ترون فأنا صريح. أنا لست أول ولا آخر من فضَّل حساء العدس على خيرات العلم المستقبلية. ومع ذلك, كيف نعرف؟ لقد علمونا في المدرسة أن الخط المستقيم هو أقصر مسافة بين نقطتين, لكن كل هذه الرياضيات تجريد حقيقي. في العالم الواقعي لا توجد خطوط مستقيمة … قف! ها نحن أولاء قد وصلنا, والآن... ثم التفت إلى إيما فيت: - أعطني يدك واسمحي لي باصطحابك حتى المحطة ... مضى شتيرنر وفيت إلى الأمام. دفع زاوير أجرة القارب, ثم تأبط ذراع إلزا وتوجه ببطء نحو محطة القطارات. أظلمت الدنيا وانتثرت النجوم في السماء. كان الطريق خالياً من الناس. قال زاوير: - انظري, كيف تتألق النجوم! من المحتمل أن طقساً ممطراً سيحل. أجابت إلزا: - نعم, لكننا سنفلح في الوصول. - هل أنت مسرورة بنزهتنا, يا إلزا؟ سألت إلزا وهي تبتسم: - أليست مخاطبتك لي عديمة الكلفة أكثر من اللازم؟ ثم تابعت دون أن تدع زاوير يتكلم: - لكن, لا تتذرع. كان بوسعي أن أكون راضية لولا ذلك الثرثار الذي لا يحتمل, شتيرنر. يوجد إذاً أمثال هؤلاء الناس الفارغين! يقرقع مثل العقعق, لا يدع أحداً ينبس بكلمة. ويا لها من ادعاءات. قال زاوير متأملاً: - نعم, ثرثار ... لكنني وددت نصحك يا إلزا بأن تكوني أكثر حذراً مع هذا الثرثار. نظرت إلزا إلى زاوير متعجبة: - ألم أكن حذرة معه؟ ثم انفجرت ضاحكة وصاحت: - كلا يا أوتو, أنت ببساطة تغار علي! لكن أليس مبكراً بعد؟ فأنا لم أعطك كلمة حتى الآن. ويمكن أن أغير رأيي. - ها أنت ذا قد مزحت, في حين انقبض قلبي ... ثرثار! طبعاً, ثرثار. لكنه يتكلم عن وعي. هل سمعت ما قاله عن النزاهة وعن الخطوط المنحنية؟ هذه فلسفة خطرة. وأنا حقيقة أخافه , أخاف عليك وعلى شيخنا غوتليب ... فهذا الثرثار يتكلم بقصد خفي. يوجد شيء ما في كلماته. ما الذي يخطط له. لن أتعجب لو أنه قام بشيء ما رهيب. تذكرت إلزا فجأة وجه شتيرنر الممعن النظر, والذي شاخ وقد أضاءه الشعاع الأرجواني للشمس الغاربة, فعاد الخوف إليها ثانية, وضغطت لاإرادياً يد زاوير بقوة أكبر. - لكن كيف استحوذ على ثقة غوتليب! فالأخير الآن لا يتركه يبعد عنه خطوة واحدة. لقد أسكنه في بيته ... وفي الأمسيات يقوم شتيرنر بتسلية العجوز بالاستعانة بكلابه المروضة. - يجب أن ننصفه يا أوتو فكلابه مدهشة. - أنا لا أنفي ذلك. فكلابه تفوق كل ما هو معروف في مجال ترويض الحيوانات. وخصوصاً هذا المدعو فالك. تذكرت إلزا: - وكلبه الرومي الأسود, الذي يعرف العد ويتعرف على أي حرف من الأبجدية, يحزر دون كلام كل أوامره. يصيبني الخوف في بعض الأحيان... - نعم, كما لو أن الشيطان ذاته يسكن هذا الكلب الرومي. من الجائز أن شتيرنر ذكي وعبقري. لكن الشر العبقري خطره مضاعف. ونظر زاوير نظرة ذات معنى إلى إلزا. - لا تقلق بشأني يا أوتو. فسحره لا يؤثر علي. أنا كنت ببساطة لا أكترث به. لكن بعد أمسية اليوم عندما شاهدت وجهه ... لا أعرف كيف أعبر عن هذا ... على كل حال, من الجائز أننا نجور عليه. ما هذا؟.. آخ!.. ظهر فالك من العتمة دون جلبة, وعض بأسنانه طرف ثوب إلزا وشدها إلى الأمام بزمجرة مرحة. غضب زاوير من الكلب وأخذ يطرده, لكن إلزا انفجرت ضاحكة: - على ما يبدو أنك أصبحت موسوساً يا أوتو. من الواضح أن شتيرنر قد أرسل فالك لينبهنا كي نستعجل. 2 - تحت عجلات القطار فتح باب المكتب وظهر على العتبة الصيرفي كارل غوتليب بمرافقة السكرتير الشخصي لودفيغ شتيرنر. تلألأت شمس الصباح على نظارات كارل غوتليب الذهبية بعد أن غمرت الغرفة كلها من خلال الجدران المصنوعة من زجاج متصل. ضَيَّق الصيرفي عينيه وابتسم. كان عمره نحو ستين سنة, لكن أحداً لم يعطه هذا العمر بعد النظر إلى وجهه البض الأبيض ذي التورد في كامل وجنتيه. ناعم الحلاقة, تفوح منه رائحة صابون غال وسجائر جيدة وعطور, مسرور دائماً, مرح وحيوي, جسَّد في شخصه الرفاهية الحياتية. سأل وهو يصافح بالدور أيدي غليوك وفيت وزاوير: - لكن, كيف مرَّت نزهتكم خارج المدينة؟ بمرح؟ هل اصطدتم كثيراً من السمك؟ كان الطقس رائعاً, أليس كذلك؟ من فضلك يا زاوير أرسلْ هذه البرقيات. هل استلمت نشرة البورصة؟ ما هو سعر صرف الدولار اليوم؟ نعم ... نعم ... أسهم القطن؟ ترتفع بشدة؟ عظيم. ارفضوا دفع هذه الحوالات الخاصة ببيت الصيارفة تيوبفير و ك. لا أستطيع التساهل أكثر. تبدين اليوم رائعة, يا آنسة فيت ... وأنت بماذا تحلمين, يا آنسة غليوك؟ ها – ها! هددها بإصبعه متخذاً مظهراً ماكراً. - يبدو أنني حزرت. فالربيع يجلب معه بكتيريا خطرة. نعم- م! ثم نظر إلى الساعة بعد أن رتب باقة البنفسج الموجودة في عروة السترة السوداء وقال: - الساعة الآن العاشرة. سينطلق القطار في العاشرة وخمس وأربعين دقيقة. سأسافر وأعود في الثانية والربع, سأذهب لاستلام المعمل. سننتهي أنا وشتيرنر من الشكليات بسرعة. بالمناسبة سوف أتسلى, لقد جلست طويلاً ... هل وصلت السيارة؟ لنذهب يا شتيرنر! خرج الصيرفي غوتليب وهو يخطو بتؤدة, صارخاً خلف الباب: - أين أنت يا شتيرنر؟ مضى شتيرنر بسرعة إلى الغرفة المجاورة وصرخ: - حالاً! فالك! بروت! ركض لملاقاته كلبان وهما ينبحان بمرح: كلب الصيد الذي كان في النزهة, وبروت الكلب الكبير الضخم ذو اللون النمري. أمال شتيرنر رأسه جانباً عندما مر بالقرب من غليوك وسأل بسخرية: - ألم تقرري بعد؟ - ماذا؟ - الزواج بي... وبعد أن ضحك بصخب انطلق مع كلابه للحاق برب عمله. تجهمت إلزا, وتمتم زاوير بشيء ما وهو جالس خلف طاولته. ضجت السيارة المغادرة وراء النافذة. ساد الصمت في الغرفة, وطقطقت فيت على الآلة الكاتبة, أما زاوير فتصفح أوراقاً ما بعصبية وقال مجدداً بصوت خافت: - مربي كلاب. ردت عليه غليوك: - بماذا تدمدم هناك؟ أجاب زاوير: - إنه مع كلابه في كل مكان. لا أستطيع احتمال هذا السيد المتصنع! بالأمس فقط قال عن غوتليب إنه يكاد يقتات بالبشر, من الواضح, أنه يشير إلى قسوة غوتليب مع المدينين له, واليوم هل شاهدتموه؟ يتملق هكذا رب العمل. ليس أسوأ من فالك في النظر إلى العيون!.. لماذا تظنونه أخذ الكلبين؟ أ ليسلي بهما العجوز في أحضان الطبيعة ... قالت إلزا: - يبدو أنك تتحول إلى مماحك يا زاوير! لقد حزر شتيرنر لأن غوتليب التهم تيوبفير و ك. أجاب زاوير متجهماً: - هو ذاته أقنع غوتليب كي يقوم الأخير بإبراز الكمبيالات للتحصيل, لا يوجد شك في ذلك. غنَّت فيت مبتسمة: - ببساطة, زاوير يغار. قال زاوير بجفاف وهو يعطي فيت ورقة: - انسخي من فضلك هذا الكشف! هدأت فيت مثل طفل مذنب وأجابت بوجل: - تفضل! قرقعت الآلة الكاتبة, وانغمس الجميع في العمل الذي قطعته رنات الهاتف. نحو الساعة الحادية عشرة رن جرس هاتف جديد. استمع زاوير إلى المكالمة كالمعتاد دون أن يتوقف عن كتابة رسالة العمل التي بين يديه. - آلو! نعم, نعم ... مكتب السكريتاريا الخاصة بالصيرفي كارل غوتليب. ماذا هناك؟ لا أسمع؟ تكلموا بصوت أعلى! حدث؟ ماذا حدث؟ كيف؟ غير ممكن. سقط قلم الحبر الآلي من يد زاوير وامتقع وجهه. وسمعت في صوته تلك النبرات العصبية, بحيث أن غليوك وفيت تركتا العمل وأخذتا تتابعانه بفضول القلق. - سقط تحت القطار؟ لكن كيف حدث هذا؟ عفواً, لكن هذا الفضول مفهوم تماماً!.. نعم ... نعم ... أسمع ... نعم ... سيتم كل شيء!.. وضع زاوير سماعة الهاتف ونهض من وراء الطاولة وهو يمرر يده على شعره. سألت فيت بهلع وهي تنهض: - ما الذي حدث يا زاوير؟ من سقط تحت القطار؟ تكلم بسرعة. لكن زاوير استوى في المقعد ثانية وجلس صامتاً, وقال بعد توقف: - نعم ... لقد انتظرت شيئاً ما من هذا القبيل. ثم نطق بسرعة وهو ينهض بعصبية: - لقد أخبروني هاتفياً لتوهم أن كارل غوتليب قد سقط تحت القطار. سألت فيت وغليوك في آن واحد: - لكن هل هو حي؟ - التفاصيل غير معروفة... قالت فيت: - تفاصيل جيدة! هل هو حي أم لا؟ - لقد طلبت شرحاً للحادث, لكنهم أجابوني أن الوقت الآن ليس وقت شروحات ... ينبغي أن نعد تختاً بسرعة وأن نستدعي الأطباء... قالت غليوك: - يعني, هو حي؟ - يمكن ... ضغط زاوير أزرار الأجراس الكهربائية لاستدعاء الخدم. أصدر الأوامر, وهتف للأطباء ... تعالى الهرج في المنزل وجاءت القهرمانة تركض قلقة. كان غوتليب وحيداً, وقد أدارت كل أموره المنزلية "مدبرة منزل", كانوا يدعونها العجوز النظيفة السيدة شميتغوف, وقد صدمت إلى درجة اضطرت إلزا للاهتمام بها. سمعت صافرة سيارة مقتربة فصرخت فيت: - الطبيب! أجاب زاوير: - كلا, فهذا بوق سيارتنا. هانس, اذهب بسرعة إلى مدخل البيت. خرج الخادم هانس بسرعة حاجلاً بساقيه المريضتين. تكاثف في الغرفة انتظار فارغ الصبر. وجلست السيدة شميتغوف في المقعد نصف ميتة من الخوف والقلق وهي تتنفس بصعوبة. وسمع من الغرف البعيدة وقع ثقيل لأقدام تتابع الخطو. همست فيت: - يحملونه ... ليته يكون حياً. انفتحت الأبواب عن آخرها. حمل أربعة أشخاص جثة كارل غوتليب المدماة والمشوهة. صرخت شميتغوف صراخاً هستيرياً وأغمي عليها. كانت ساقا غوتليب مبتورتين من فوق الركبتين. حمل الشخص الخامس المرتدي زي موظف في السكك الحديدية حزمة ما. عرفت فيت وغليوك أنها حرام غوتليب. بان حذاء الصيرفي اللماع من تحت طرف الحرام الذي انفتح. فكرت غليوك, فخطر لها خاطر أخرق: "ساقاه, إنهما ساقاه ... يا للهول! لكن لماذا يحملونهما؟ بماذا تلزماه الآن؟" لم تتغير ملامح غوتليب كثيراً, لكن وجهه كان ذا بياض غير عادي مثل صفحة الورق. فكرت إلزا: "بسبب فقدان الدم" وأدهشها أحد التفاصيل أيضاً, فقد بقيت باقة البنفسج في عروة سترة غوتليب السوداء, ولسبب ما فإن هذه الوردة على صدر الميت قد أقلقت إلزا قلقاً غير مألوف. توجه الموكب الحزين إلى غرفة نوم غوتليب عبر المكتب, مخلفاً على الأرضية الخشبية قطرات من الدم. مشى شتيرنر في إثر جثة غوتليب. كان وجهه ممتقعاً أكثر من المعتاد, ولكنه كان هادئاً. دار بحذر حول قطرات الدم الموجودة على الأرضية الخشبية كي لا يطأها, متخذاً ذلك المظهر, كما لو أنها برك من مياه المطر وسط الطريق. سار في أعقابه فالك. شم الكلب قطرات الدم بمنخريه العصبيين المتوسعين. نظرت غليوك إلى شتيرنر بخوف غير مفهوم لها ذاتها, فقابل نظراتها, وتراءى لها أنه يبتسم بعينيه فقط. وبعد أن عاد زاوير من غرفة النوم, اقترب من شتيرنر وحدق في عينيه ممتحناً, وسأل: - كيف حدث هذا؟ احتمل شتيرنر هذه النظرة أيضاً. حاجباه فقط هما اللذان اهتزا. وأجاب بهدوء: - أنا لم أكن شاهداً. فقد طلب غوتليب مني إرسال برقية مستعجلة. وقد استغرق مني ذلك خمس دقائق فقط, لا أكثر. وعندما عدت كان كل شيء منتهياً. يقول الشهود إن كلبي بروت خاف من القاطرة البخارية واندفع جانباً فسقط تحت قدمي غوتليب. لم يثبت العجوز على قدميه فوقع من الرصيف على القضبان سوية هو والكلب. تقطع بروت إلى نصفين, كلب مسكين! أما غوتليب فقد بترت ساقاه. - أنت تأسف على الكلب فقط؟ - لا تقل حماقات يا زاوير. ولا تعط أهمية كبيرة جداً للأساليب الرسمية في التعبير عن "الأسى النفسي". لقد كان غوتليب عجوزاً جليلاً. وأنا آسف عليه. لكن لا ينتج عن ذلك أنه لا يمكنني التعبير عن أسفي لموت صديق بأربع قوائم. قال زاوير مفكراً, كما لو أنه يعطي كلماته معنى خاصاً: - يا للغرابة, مات غوتليب بسبب بروت. أجاب شتيرنر وهو يبتسم بسخرية قبل أن يذهب إلى غرفة نوم غوتليب: - كلبي بروت ليس إنساناً, وإنما هو كلب. وغوتليب ليس قيصراً, بل هو صيرفي. 3 - وصيتان أقلق خبر الوفاة المأساوية لكارل غوتليب, أكبر صيرفي ألماني, العالم التجاري كله . كان مكتب الصيرفي واحداً من العقد العصبية في حياة البلاد المالية والصناعية. لقد مول غوتليب لا البنوك المالية وحدها, وإنما الصناعة الضخمة أيضاً. لذا ليس غريباً أن يصبح موت غوتليب المفاجئ حدث اليوم, إذ ناقشت الجرائد النتائج المحتملة لهذه الوفاة بالنسبة لهؤلاء أو أولئك الدائنين, وخمنت التناسبات المتغيرة للقوى المالية, ومصير البنك الذي فقد رئيسه. وطرح سؤال: هل سيحل أحد ما مكان غوتليب, أم أن البنك سوف يصفى؟. وأخبر المراسلون الصحفيون القراء عن ورثة غوتليب من الأقرباء: ملاك الأراضي أوسكار غوتليب الأخ الأصغر للمرحوم, ولديه الابن رودولف البالغ من العمر أربعاً وعشرين عاماً إضافة إلى أربع بنات. لا بل حسبت إحدى الجرائد مقدار الرأسمال الذي سيؤول إلى الشاب والعرائس الغنيات, رغم أن أحداً لم يعرف بالضبط ما مدى ضخامة الممتلكات. قلق التجار وضجت الجرائد, أما في بيت كارل غوتليب فقد انتهى الفصل الأخير من تراجيكوميديا حياة إنسان. وتصرف في البيت وفقاً لحقوق الورثة الشرعيين أوسكار غوتليب الإنسان الأحمر الملفوح بالشمس الأخرق, وأولاده النمشون المغفلون الذين تم استدعاؤهم على نحو عاجل. عبس أوسكار غوتليب وزم شفتيه. أشعل إمكان الاغتناء الشرر في عينيه الضيقتين, لكن حس اللباقة والأسف المخلص جزئياً بسبب فقدان الأخ جعلاه متحفظاً. في حين أن أولاده ابتهجوا علناً, وانهمكوا في التذوق المسبق لحلاوة امتلاك الثروة انهماكاً لا رادع لـه. فقد جال الابن رودولف وابنتا أوسكار الكبيرتان لويزا وهيرترودا من غرفة إلى غرفة, وعاينوا اللوحات, ولمسوا الزينات الغالية, وجلسوا على المقاعد الوثيرة, وتحسسوا القماش بالأيدي. تقاسموا الأشياء فيما بينهم, تجادلوا, ضحكوا ورسموا خططاً... دفنوا جسد كارل غوتليب المشوه مع ساقيه المبتورتين في ضريح غال ذي معمارية ثقيلة الوزن, وخصصوا اليوم التالي للدفن لفتح الوصية. نظم هذا العمل تنظيماً احتفالياً إلى حد ما. فقد دعي بعض موظفي كارل غوتليب أيضاً, وبضمنهم زاوير وشتيرنر وغليوك وفيت. جلس شتيرنر خلف طاولة الكتابة بهيئة من يعاني الملل, ورسم كلاباً على صفحة ورقة. ناداه رودولف غوتليب: - اسمع أنت, يا سكرتير عمي المرحوم. قدني من فضلك إلى الطبقة العليا, فأنا أريد المعاينة... ضغط شتيرنر بصمت زر الجرس الموجود على الطاولة فظهر خادم عند الباب. - هانس, قد السيد غوتليب الابن إلى الطبقة العليا. ثم عاد شتيرنر للانغماس في رسم الكلاب ثانية. صمت رودولف, لكن حمرة الغضب غمرت وجهه الأنمش. زاوير, الذي راقب هذا المشهد بينما كان يجلس في الزاوية مع غليوك وفيت, ابتسم ابتسامة خبيثة. - انظري, يا إلزا, شتيرنر يتصرف كما لو أنه هو ذاته الوريث ... أعترف أنني لا أفهم لعبته. لكأنه يقصد شخصياً أن يرميه المالكون الجدد خارج الأبواب. قالت إيما بجزع: - من غير المعروف أيضا ما الذي سيحصل معنا. ضحكت إلزا بسخرية: - وماذا في ذلك, إذا طردت فسيتوجب علي الانضمام إلى السيرك الجوال, وسأعمل أمينة صندوق. - كفي عن المزاح يا إلزا. أنا أقول بمنتهى الجدية إن شتيرنر يدبر لعبة ما كبيرة تدبيراً واضحاً. ثم تابع بعد أن خفض رأسه: - ألا يبدو لكما أن وفاة كارل غوتليب قد حدثت في ظل ظروف غريبة؟ نظرت إلزا إلى زاوير. - ما الذي تريد قوله يا أوتو؟ لكن شتيرنر لم يكن موجوداً في لحظة الكارثة. - آ ها! يعني, أن هذه الفكرة خطرت على بالكِ أيضاً. فكرة أن موت غوتليب ليس مصادفة؟ الكلب! ماذا لو أن الكلب تصرف بإيحاء غير قابل للشرح؟ إذا لم أكن مخطئاً, فإن شتيرنر قد مارس في عمله العلمي مسائل الإيحاء ونقل الأفكار عبر المسافات. هل تعرفان أي عجائب يجترحها مع كلابه؟ هل تذكرين, بالأمس عندما كنا عائدين من النزهة, ركض فالك نحوك... همست فيت: - يا لها من كوابيس! ماذا لو أنه أوحى فجأة إلى الكلاب فأماتتنا عضاً؟ ضحك زاوير ضحكة ساخرة. - لن يحصل على فائدة من هذا ... اعذراني, فكلاب شتيرنر تقتنص طريدة أكثر ضخامة. لكن ما الفائدة التي سيجنيها من موت غوتليب؟ إن هذا الإنسان الغريب يحيط نفسه بسر عميق. أنتما تعلمان أننا نعمل معاً منذ أكثر من سنة, ونتقابل كل يوم, لكن لا أنا ولا أحد غيري لم يكن قد دخل غرفته قط. ما الذي يفعله هناك؟ أي الخطط يدبر بسكينة؟ - ... لا أفكر أبداً في القيام بذلك. يمكنك أن تأخذي لنفسك منظر كورو الطبيعي, لكن لن أتنازل عن لوحة القديس سيباستيان. مرت الأختان غوتليب قربهم وهما تتجادلان حول تقسيم إرث عمهما. فصمت زاوير. قرعت الأجراس في كل البيت داعية الجميع إلى مكتب المالك المرحوم الكبير. وهناك كان كاتب بالعدل يجلس خلف طاولة المكتب. عجوز حليق نحيل يلبس نظارة ذات إطار أسود من عظم السلحفاة. كان شكلياً إلى حد كبير, ورفض قطعياً إخبار الورثة أي شيء عن محتوى الوصية قبل فضها, فنظر الآن آلـ غوتليب بقلق لا إرادي إلى حقيبة الكاتب بالعدل الثخينة التي تخفي سر الإرث. أخرج الكاتب بالعدل, دون عجلة, حزمة من الحقيبة وقدمها لاستعراض سلامة الأختام, ثم فضها وبدأ القراءة. انتقلت حسب الوصية أملاك المرحوم كلها إلى أخيه أوسكار غوتليب, مع تخصيص مبلغ ضخم نوعاً ما للسيدة شميتغوف, ومبالغ أقل للشيوخ من الخدم. تنفس آلـ غوتليب بارتياح بعد أن سمعوا الوصية حتى النهاية, لكن وجوههم استطالت فجأة عندما قال الكاتب بالعدل وسط السكون السائد: - هذه الوصية الأولى. سأل أوسكار غوتليب بهلع: - يعني, توجد وصية ثانية أيضاً؟ أجاب الكاتب بالعدل: - توجد وسوف أتلوها. وبعد إجراءات معاينة الأختام ذاتها, فضها وتلا الوصية الثانية التي كتبت قبل وفاة كارل غوتليب بشهر فقط: - " إبطالاً لكل الوصايا المحررة مسبقاً, فإنني أوصي بكل الممتلكات المقتناة العائدة لي, المنقولة منها وغير المنقولة مهما كانت مكوناتها, أن تصبح ملكية كاملة لعاملة الاختزال إلزا غليوك الموظفة عندي. ولأسباب شخصية لن أتمكن من الكشف عن البواعث التي تدفعني لحرمان أقربائي من الإرث ولإعطائها لإلزا غليوك. لكن, وكي لا يقوم الأولون بالطعن القضائي في الحقوق الموصى بها للأخيرة, فإنني أشير إلى أن ما حملني على ذلك هو: 1 - خدمة قدمتها لي إلزا غليوك, خدمة لن أتحدث عنها, لكن قيمتها لا يمكن أن تغطى حتى بالرأسمال المتروك. 2 - بعض الظروف ذات الطبيعة الشخصية جداً, والتي أرغمتني على شطب أخي أوسكار غوتليب من بين قوائم المقربين مني ...". وأكمل الكاتب بالعدل: - ممتلكات الوارث محولة إلى دولارات تقدر بمليارين وفقاً للحساب الأولي. استلقى أوسكار غوتليب على ظهر المقعد. أصبحت عيناه زائغتين. تنفس تنفساً مرفقاً بصفير من فم مفتوح فتحة عريضة وهو يلعب بأصابعه بعصبية. وبدا أن الضربة صعقته. تعانقت الأختان غوتليب ونشجتا وهما تحنيان رأسيهما الواحدة على كتف الأخرى. امتقع لون رودولف بحيث برزت كل حبات النمش على وجهه مثل رذاذ القمامة. ثم صرخ فجأة صراخاً هستيرياً: - غير ممكن!.. غير ممكن!.. كذب! خداع! جريمة!.. نحن لن نترك الأمر هكذا! الجميع هنا محتالون. هز الكاتب بالعدل كتفيه. - كن حذراً في كلامك أيها الشاب. أنا نفذت واجبي فقط. يمكنكم الطعن في الوصية عن طريق القضاء إذا وجدتموها غير صحيحة. أما الآن فأنا مضطر لإعطائها للوريثة. نهض الكاتب بالعدل من وراء الطاولة, ثم اقترب من إلزا غليوك, وأعطاها الوصية باحترام. رفعت إلزا حاجبيها في حيرة كاملة وأخذت الورقة آلياً. شخص زاوير المصعوق نحو إلزا, ولم تعرف إيما فيت أ ينبغي لها أن تفرح أم أن تبكي. فقط الكاتب بالعدل وشتيرنر هما من حافظ على الهدوء. وفجأة مال أوسكار غوتليب وأخذ ينحدر زاحفاً من الكرسي, فاندفع الجميع لمساعدته. - الطبيب! وقامت القيامة. 4 - العروس السعيدة قبل اعتماد وصية كارل غوتليب بشأن ممتلكاته, تم إنشاء وصاية, زد على ذلك أن أوسكار غوتليب ظفر بتعيينه وصياً. لذا بقي آلـ غوتليب يعيشون في بيت الصيرفي المرحوم, وتماسك الشاب رودولف غوتليب كما في السابق باستقلالية المالك المستقبلي, آملاً بقوة أن القضاء "سوف يعيد الحقوق للورثة الشرعيين". تطلب استكشاف ممتلكات المرحوم الضخمة وجود جميع الموظفين, ولهذا عاد الجميع إلى العمل في اليوم التالي ليوم فض الوصية, وبضمنهم إلزا. لاقاها زاوير متعجباً: - أنت؟ .. بأي صفة أنتِ تظهرين هنا؟ أجابت ببساطة: - بصفة عاملة اختزال. أجابها: - المليارديرات لا يعملن مختزلات. ثم قال زاوير وهو يسحب إلزا جانباً: - أرجوك, اجلسي ... ينبغي أن نتحدث أنا وأنت حديثاً جدياً. جلسا. أوتو الشاحب بعد ليلة لم ينم فيها, مسح جبينه بيده مستجمعاً أفكاره. - منذ يوم أمس, لدي بلبلة في رأسي بحيث فقدت القدرة على الحديث المترابط, إما أنني اشتبهت في قيام شتيرنر بجريمة دون أساس, أو ... أو إنه أخطر مما ظننت ... لكن شيئاً اتضح لي, وهو أن حاجزاً لا يقهر ينشأ بيني وبينك ... أنت تذهبين عني يا إلزا! نظرت إلزا إليه في حيرة وعتاب: - قولي لي بصراحة يا إلزا وبمنتهى الصدق, ألم تكوني تعرفين شيئاً عن تلك ... السعادة التي كانت بانتظارك؟ أجابت إلزا بحزم: - لم أعرف شيئاً. شدد زاوير: - لكن عليك أن تعرفي على الأقل الخدمة غير العادية المقدمة لكارل غوتليب, والتي قيمها تقييماً أعلى من كل ثروته؟ - أنا لم أقدم لـه أي خدمة على ما أذكر. وضع زاوير يده مجدداً على جبينه المتقد. - يمكن أن أجن من هذا ... لنفرض أن شتيرنر متورط هنا, مع أنني لست متأكداً شخصياً من ذلك, لنفرض أنه أثر تأثيراً ما على العجوز غوتليب, وأقنعه بشطارة بهذه الخدمة غير الموجودة, التي ألزمت غوتليب على ما يبدو, بأن يكون ممتناً لك ... لكن عندئذ, لماذا لم يستفد من الوصية على اسمه؟ أو ... استقام زاوير كله بشكل ما فجأة وتصعر وجهه بألم. - المعذرة يا إلزا, لكن علي أن أسألك سؤالاً آخر حساساً للغاية: من الجائز أنه كانت بينك وبين كارل غوتليب علاقات حميمة ... نهضت إلزا مستاءة. - إيه, إيه, لن أفعل, اهدئي! اجلسي أرجوك ... أنت ترين أنني لا أتمالك نفسي ... تخطر في رأسي أفكار سخيفة تماماً. آخ, إنه ذلك العذاب! .. علي أن أفصح لك فوراً عن كل شكوكي التي عذبتني طوال الليل. لقد قلبت فكري كثيراً! وفكرت أنه يمكن أن تكوني ... ابنة غوتليب. - اسمع يا زاوير, سأغادرك الآن إن لم ... - أو يمكن ..., ها - ها - ها!, إنك تعملين بالاتفاق مع شتيرنر, وأنك لست إلا ستاراً له. نهضت إلزا ثانية, لكن زاوير أمسكها من يدها وأرغمها على الجلوس. - اجلسي! عليك أن تستمعي إلى هذا. افهمي أن ما أقوله لك بتلك الحدة والصراحة, سيقولونه, لا بل إنهم يقولونه خلف ظهرك. هل يعقل أنك لا تفهمين أن هذه الوصية تسود اسمك الطيب؟ - اسمع يا زاوير, أنا أحبك - لاحظ أنني أقول لك هذا بصراحة - لكن لكل صبر نهاية. حتى لو كان الجنون يتحدث في داخلك فإنني ... لا أحتمل تلك الأشكال من الجنون. من الذي أعطاك الحق في إهانتي دون عقاب؟ - الحق, الحق! من أعطى الحق في تعريضي لعذاب الشكوك الرهيبة ... ومن أين هي؟ صمت زاوير وخفض رأسه بتعب. رثت إلزا لحاله ولمست يديه بلطف, ثم قالت بصوت خافت: - لم يعرضك أحد للعذاب, أنت ذاتك تعذب نفسك. ومن أجل ماذا؟ لكن افهم يا أوتو أن شيئاً لم يتغير في علاقاتنا, وأنا لا أفهم عن أي جدار تتحدث. - كيف لم يتغير شيء؟ وملايين, ومليارات غوتليب! أنت واحدة من أغنى نساء البلاد, أما أنا … فأملك كبريائي الذكورية. أنا فقير ولا أريد أن يقال عني إنني قد تزوجت النقود. النقود! أليس هذا حائطاً؟ - ومن الذي أقنعك بأن هذا الحائط المؤلف من أكياس من الذهب سينتصب بيننا؟ لا يوجد أي جدار ولن يوجد! نظر أوتو زاوير إلى إلزا دون أن يفهم ولكنه شعر بالراحة. - ما الذي تريدين قوله يا إلزا؟ - إنه لا ينبغي نهائياً أن تكون المستشار القانوني أوتو زاوير, وأن تسهر الليالي, وأن توصل نفسك إلى الخبل, كي تفهم كل الارتباك الناجم عن الحصول على هذه التركة. وأنا لا أفكر بقبول هبة كارل غوتليب. سأتخلى عن الحقوق في الإرث. وهذا كل شيء. صرخ زاوير بصوت مرتفع, بحيث أن إيما فيت التي عملت في الطرف الآخر من الغرفة أوقفت قرقعتها على الآلة. - ماذا بك يا زاوير؟ لقد أخفتني. - لا شيء يا آنسة, فهذا من السعادة. بسبب أنني أصبحت غنياً فجأة! غنياً للغاية!. فهمت إيما على طريقتها واندفعت تقبل صديقتها الضاحكة وتهنئ زاوير المتألق. - يعني أنك ستتزوج إلزا. وفجأة سمعوا صوت شتيرنر الذي دخل الغرفة: - ما هذا المشهد العائلي! بماذا تهنئان؟ صاحت إيما متوجهة إلى شتيرنر: - يا لها من سعادة. ستقترن إلزا بزاوير, وسيكونان غنيين للغاية. سأل شتيرنر: - هل هذا صحيح؟ تبادلت إلزا وزاوير النظرات. وتمهلت عدة لحظات ثم قالت بحزم: - نعم هذا صحيح. يمكنك تهنئتنا. كان زاوير سعيداً إلى درجة صافح فيها بقوة يد شتيرنر الممدودة. - فليكن إذاً. أهنئكما يا ربّي عملي المستقبليين. إذا كنتما, على أي حال, راغبين في الانتفاع من خدماتي. وإذا لم تكونا, فمع السلامة! حقيبتي على كتفي. سأجمع كلابي وأنطلق مع السيرك الجوال ... ليس باليد حيلة, يجب البحث عن أمينة صندوق أخرى ... أ يمكن أن توافق الدمية؟ إيما هل أنت موافقة؟ ماذا بك أيتها الصغيرة؟ أ أنت تبكين؟ قالت إيما: - هذا ... من ... السعادة. ضحك شتيرنر ثم قال وهو يهددها بإصبعه: - هكذا إذاً؟ على الدُمى أيضاً أن يخفين مشاعرهن. اعترفي أنك تشفقين قليلاً على لودفيغ, آ؟ لقد أحببته قليلاً جداً, آ؟ دخل الخادم. - السيد غوتليب - الأب يلتمس من السيد أوتو زاوير القدوم إلى المكتب. هز زاوير رأسه لإلزا وخرج من الغرفة بلا رغبة. فأصبح لودفيغ شتيرنر جدياً فجأة بعد أن بقي وحده مع إلزا. - هل هذا محسوم يا آنسة غليوك؟ - نعم هذا محسوم. استغرق شتيرنر في التفكير ثم قال: - وأنا؟ ألا أملك أي حظوظ صغيرة في النجاح؟ - الآن, أقل من أي وقت مضى ... اسمع يا شتيرنر: أنت , كما يبدو لي, الشخص الوحيد القادر على إزالة الغموض عن كل هذه القضية. أجبني على عدة أسئلة. - أنا أسمعك. - أ يمكنك أن تشرح لي سر الوصية؟ - لقد مات سوية مع كارل غوتليب. - هذا الجواب لا يرضيني تماماً. سؤال آخر أيضاً, أكثر الأسئلة صعوبة: هل توجد صلة ... بين تحرير الوصية والموت المفاجئ لكارل غوتليب. - أوثق صلة: فما أن مات غوتليب حتى أصبح ممكناً إظهار الوصية لاعتمادها ومباشرة حقوق الورثة. سيقول لك ذلك كل حقوقي. - إما أنك لا تريد أن تفهمني ... - أو أنك بسبب الوداعة تعبرين بضبابية شديدة. قولي بصراحة: هل أنا المذنب في موت العجوز؟ احمرت إلزا: - أنت ذاتك المذنب يا شتيرنر, هل تذكر؟ لقد دعوت النزاهة رذيلة … ومن الصعب عليَّ التهادن مع فكرة أن بين المعارف الذين تصافحهم ... - توجد يد مضرجة بدم رضيع بريء في الستين من عمره؟ وبمثل هاتين اليدين تجرأت وطلبت يدك ... قال أوسكار غوتليب وقد ظهر عند باب الغرفة: - اسمع يا شتيرنر, أين أنت ؟ هكذا لا يجوز. نحن ننتظرك منذ وقت طويل. نهض شتيرنر وخرج مكرهاً. فأسرعت إيما الفضولية نحو إلزا: - عن ماذا تحدث معك هكذا مطولاً؟ - لقد عرض علي يده وقلبه والكرة الأرضية على شكل هدية زواج. - وماذا بك أنت؟ عرضان في يوم واحد! محظوظة! قالت إلزا: - إيما, أنت تعرفين, لقد رفضت التركة. فتحت إيما عينيها كل الفتح. - إيه, وأنت لست أذكى من شتيرنر. 5 - حادثة ملتبسة لم يمت أوسكار غوتليب, لكن الفقدان الفجائي للإرث الذي طار من بين يديه هز كيانه العجوز. فقد جلس في مكتب المحامي المعروف لوديرس بوجه مدبب ومسود ومتورم, وقال وهو يحني رأسه جانباً ويفتل في يديه قلم رصاص بعصبية. - قضية التركة هذه, هي قضية شيطنة ما شاملة, وسخافة. من الجائز أن ابني رودولف محق في تأكيده وجود عصابة هنا. عصابة مجرمين أو مجانين. احكم بنفسك. في اليوم التالي ليوم فض الوصية دعوت إلي أوتو زاوير المستشار القانوني لأخي المرحوم كي أتبادل الحديث معه حول القضية, وكما بدا لي, فإن زاوير بوصفه شخصاً مقرباً للمرحوم كارل وموثوقاً, كان باستطاعته إلقاء الضوء على هذه القصة غير المحتملة للوصية. لكن زاوير إما أنه فعلاً لم يكن يعرف شيئاً عن تغيير الوصية, أو أنه لم يرد قول الحقيقة لي. وعوضاً عن هذا أبلغني زاوير فجأة بخبر آخر, وهو أن إلزا غليوك ترفض التركة. دعوت إلي غليوك فأكدت هذا. وكأن حجراً انزاح عن قلبي. ومع ذلك, لم تمض عدة أيام حتى أبرزت الوصية أمام المحكمة لاعتمادها. وقد أبرزها زاوير ذاته بتوكيل من إلزا غليوك. سألته أنا: - ما الذي تفعله؟ ضغط زاوير كتفيه. - لقد غيرت الوريثة نيتها. سأل المحامي وهو ينفخ الدخان من سيجاره: - وإلزا غليوك؟ هل تحدثت إليها مرة أخرى؟ - تحدثت. لقد تركت لدي انطباعاً غريباً. هناك هدوء ما حجري على وجهها, نظرة باهتة وحركات ذابلة, كما لو أنها لم تنم نوماً كافياً. قلت لها: " يا آنسة غليوك, ولكنك رفضت التركة؟" أجابتني بخمول: " لا أعرف, لا أذكر ... يمكن". "إذاً لماذا قدمت الوصية للاعتماد؟". نظرت إلي متعجبة وصمتت مثل القتيلة. وهكذا تعذبت معها نحو الساعة, ثم نهضت فجأة وخرجت دون أن تقول كلمة. سأل المحامي: - من الممكن أنها غيرت قرارها تحت تأثير الخطيب, إذ إن زاوير خطيبها؟ - أنا أيضاً أظن ذلك. لكن العجيب أن هذا الخطيب يبدو منزعجاً من شيء ما أيضاً. فهو كئيب مثل غيمة, كما لو أن حصول خطيبته على تركة طائلة هو تعاسة رهيبة. زاوير متجهم وغاضب ومهتاج. إما أنه ممثل جيد, أو أنهم قد جنوا جميعاً هناك. تابع أوسكار غوتليب بعد أن وضع قلم الرصاص في جيبه ثم عاد واستله تواً: - لكن مهما كان الأمر, فإن الوصية قد أظهرت ويجب النضال. ما رأيك يا سيدي المحامي؟ أرخى لوديرس رأسه الخالي من الشعر وذا الجمجمة الوردية على ظهر المقعد, وتابع حلقة الدخان المتبددة, ثم ابتدأ الحديث كما لو أنه يتناقش مع ذاته: - لا يجوز دحض الوصية من خلال نظام الدعاوى لأسباب صورية: فالوصية حررها الكاتب بالعدل مع مراعاة جميع المتطلبات القانونية. ويثبت محضر تحقيق القضاء والشرطة أن موت كارل غوتليب كان نتيجة لحادثة مؤسفة تستبعد سوء القصد. ما الذي يبقى لنا؟ البرهنة على جنون الموصي لحظة كتابة الوصية. هذه هي السبيل الوحيدة, لكن المقلقلة كثيراً ... التفت لوديرس نحو أوسكار غوتليب بعد أن نفث حلقة جديدة من الدخان: - قل لي بذمة طاهرة, كيف كانت علاقتك مع أخيك المرحوم؟ ألم توجد بينكما ... آ ... آ ... خلافات, نزاعات؟ أجاب أوسكار غوتليب بحزم: - لم توجد! - لكن هذه الإشارة في الوصية الثانية؟ احمر أوسكار غوتليب وأخذ يتململ على الكرسي. - هذه الإشارة! افهموني, إن هذه الإشارة هي السبب الرئيس لرغبتي في رفع دعوى حول بطلان الوصية الثانية, هذه الإشارة تصمني بالعار. إذا كان الاستسلام للحرمان من الحق في الإرث صعباً, فإن الأصعب هو الاستسلام لهذا الافتراء من المرحوم ... أنا لا أعلم ما الداعي له, لكن يوجد هنا سوء فهم ما. من الجائز أن أحداً ما قد سود صفحتي في عيني شقيقي عن سوء نية. - نعم, حادثة ملتبسة ... سأسعى لفعل كل شيء ممكن, لكن من الصعب ضمان النجاح. وبعد أن أطلق المحامي المعروف حلقة ثالثة من الدخان, انتقل إلى موضوع الأتعاب, وهو الأكثر سهولة ولذة بالنسبة إليه. 6- مرافعة قضائية أثارت دعوى أوسكار غوتليب القضائية ضد إلزا غليوك ضجة كبيرة. فالأجر الخارق الذي ينبغي أن يتسلمه المحامي الشهير لوديرس في حال ربح القضية, والمبلغ الهائل الذي خلفه غوتليب وفقاً للوصية, ومفاجأة مشيئته لما بعد الموت, وجمال الوريثة الحديثة العهد, والموت الفجائي لغوتليب بعد شهر من كتابة الوصية, كل هذا كان مادة لا تنضب لتعليقات الصحف, وبدرجة أكبر أيضاً لأحاديث الناس اليومية. أبديت أكثر الاقتراحات استحالة, وجرت نقاشات حارة, وتمت الرهانات. واهتموا أكثر من كل شيء بالعلاقة المتبادلة بين الأخوين غوتليب, وكذلك بالعلاقة بين إلزا غليوك وكارل غوتليب وزاوير. أي خيوط ربطت بين هؤلاء الناس؟ ما الذي حدث بين أوسكار وكارل غوتليب؟ لماذا حرم المرحوم أخاه من التركة؟ اهتمت المحكمة أيضاً بهذا السؤال. قامت دعوى أوسكار غوتليب, التي صاغتها يد المحامي لوديرس الماهرة, على أساس أن الموصي في لحظة التوصية لم يكن "بكامل العقل والذاكرة". وقد بذلت كل الجهود للبرهنة على ذلك. أزعجوا جثة كارل غوتليب. وشرَّح أفضل البروفيسورات الدماغ, فاحتوى المحضر المقدم إلى المحكمة لهذا الغرض على وصف مفصل جداً لوزن الدماغ ولونه, وعدد التلافيف الدماغية, وبدايات التصلب, لكن المسألة الأساسية لم تحل. لم يتجاسر الخبراء على القيام باستنتاجات مباشرة عن الانحراف النفسي لكارل غوتليب, رغم أنهم وجدوا بتأثير من لوديرس "بعض الشذوذ". لكن لوديرس امتلك أيضاً احتياطياً من الشهود المعدين جيداً. إذ تبين أنه يمكن تدبير أموره معهم تدبيراً أسهل مما كان مع الخبراء. لقد أحاط بكارل غوتليب ناس كثيرون عندما كان يرأس عملاً ضخماً, ولم يكن من الصعب تجنيد شهود من بينهم جاهزين للإدلاء بأي شهادة مقابل عمولة مناسبة. وقد قدَّم الشهود, الذين تقودهم يد خبيرة, كثيراً من الوقائع الدقيقة من حياة المرحوم, والتي أكدت جواز فكرة أن كارل غوتليب لم يكن طبيعياً. أضحك المحاسب الرئيسي الجمهور عندما وصف إحدى غرائب المرحوم: ولعه الشديد بالتنظيم الذي يصل إلى الهوس. على سبيل المثال: بنى مصعداً خاصاً, ثبت على أرضه مقعداً ينتصب أمام طاولة مكتبه, ويصل هذا المصعد بين ثلاث طبقات. كان غوتليب يضغط الزر, كي يهبط من شقته الموجودة في الطبقة الثانية إلى الطبقة الأولى, حيث يوجد المصرف. وبعد أن يوقع الأوراق, أو يلتقي شخصياً مع الزبائن المطلوبين, كان يرتفع على مقعده مثل إله مسرحي إلى الطبقة الثانية مباشرة نحو الطاولة, كي يتابع عملاً كان قد شرع به. لم يحب غوتليب ظهور الخدم والموظفين أمامه أثناء عمله. كان يقول: "هذا يشوش عمل الأفكار". لهذا فقد مُدَّت في كل البيت نواقل من أشرطة خاصة متحركة لا نهاية لها. وإذا أعوز غوتليب كتاب من المكتبة ,أو فنجان قهوة, فإنه كان يطلبه هاتفيا. وكان فنجان القهوة والكتاب وعلبة السيجار تصل إلى طاولته على صينية محمولة على شريط الناقل المتحرك دون ضجيج قال أحد الشهود: - شغفه بالصحة أيضاً قارب الهوس, فقد وُضِعَت في جميع الغرف موازين حرارة, ومقاييس لنسبة الرطوبة, وأجهزة دقيقة لتحديد تركيب الهواء وتنقيته. لم يعترف غوتليب بالتهوية العادية وقال: "لا يمكنك تنقية الهواء في المنزل, بهواء خارجي مسمم بالغبار والبنزين المحروق". لذا نقي الهواء كيميائياً. وراقب شخص معين خصيصاً ثبات الحرارة عند اثنتي عشرة درجة مئوية, فقد بُرِّدت صنعياً في الصيف لتصل إلى هذا الحد, كي لا يكون الهواء جافاً أو رطباً. كما أشبع الهواء بالأوزون صناعياً, كي لا ينقص محتواه من الأوكسجين ويظهر أكسيد الكربون. الخبراء النفسانيون الجدد من ذوي العريكة اللينة, أو ممن دفع لهم لوديرس أكثر, أعطوا استنتاجهم على أساس هذه الشهادات, مع تسمية حكيمة هي ذهان المرحوم غوتليب. وأخذت القضية تميل بوضوح لصالح أوسكار غوتليب. بقيت مسألة واحدة فقط عقَّدت قرار المحكمة, وهي علاقة كارل وأوسكار. الحقيقة أن عدداً من الشهود قدم إفادات ملائمة بخصوص هذه المسألة أيضاً, بتأكيدهم وجود "عواطف الأخوة" بين كارل وأوسكار. ولكن القطيعة بين الأخوين يمكن أن تحدث على أرضية ما غرامية غير مفهومة حتى لأقرب الناس. ومن حسن حظ أوسكار, لم يستطع أحد البرهنة على حدوث مشاجرة بين الأخوين. حتى إن لوديرس كان ينتظر النصر بلذة ويتصرف ذهنياً بالأجر الضخم. فيللا في نيس ... سيارة جديدة ... مارييت ... ابتسم لوديرس وضيق عينيه مثل الهر. من أجل هذا ينبغي التعامل مع الخبراء والشهود!.. لقد سعى لوديرس بكل جهده, مقحماً في القضية مقدرته الفذة وعبقريته الخطابية. وفي ذلك اليوم الذي توجب فيه على المحكمة إصدار القرار, لم تستطع قاعة المحكمة الضخمة استيعاب جميع الراغبين في سماع الحكم. وبحث الفضوليون بأعينهم عن إلزا غليوك, لكنها لم تكن موجودة, فقد دافع زاوير عن مصالحها. تفوق لوديرس على نفسه وألقى مرافعة رائعة. لقد حلل بدقة إفادات الشهود والخبراء, فعمل مقارنات غير متوقعة واستنتاجات, وصدَّ بمهارة مداخلة زاوير المتجهم. كما قوطعت ملاحظاته الظريفة عدة مرات بتصفيق الجمهور, الذي كانت أغلبيته على ما يبدو, تقف إلى جانب "الورثة القانونيين", أي إلى جانب أوسكار غوتليب. ورغم كل التجرد الظاهري للقضاة, كان واضحاً أنهم يميلون لصالح غوتليب. قال لوديرس في نهاية مرافعته: - أما فيما يخص علاقة المرحوم كارل غوتليب بموكلي, مهما كانت, فأي معنى يمكن أن يكون لعطف أو كراهية مريض نفسي؟ يقول زاوير إن كارل غوتليب كان يدير عملاً ضخماً. هز لوديرس كتفيه: - يعرف التاريخ أمثلة عندما حكم ملوك مجانين دولاً ضخمة, ولم يُخَمِّن الشعب حتى ذلك ... صفق قسم من الجمهور فقرع رئيس المحكمة الجرس. في هذه اللحظة نهض أوسكار غوتليب من كرسيه. كان يملك شكلاً ناعساً إلى حد ما. واقترب دون مبالاة من الطاولة التي يجلس خلفها القضاة, بوجه خال من الحياة وهو يسحب رجليه, ثم قال بفتور: - اسمحوا لي بالكلام. حل صمت عميق. نطق أوسكار غوتليب وهو يختار الكلمات بصعوبة, كما لو أنه يتذكر شيئاً ما: - خطأ ... ليس صحيحاً ما قاله لوديرس. كان كارل طبيعياً وسليماً. لقد حرمني كارل من التركة عن حق. أنا المذنب تجاهه. سكنت القاعة سكوناً متوتراً. وذهل لوديرس, ثم انقض على أوسكار غوتليب وشده من كمه بهياج. - ما الذي تقوله؟ ثُب إلى رشدك! أنت تتلف كل القضية! وهمس في أذن العجوز لاهثاً: - أنت جننت. سحب أوسكار يده بسرعة وصرخ بهياج غير متوقع: - ما الذي تهمس به هنا؟ لا تضايقني! انصرف! أنا مذنب تجاه كارل … أنا لا أستطيع التحدث فيم يكمن ذنبي … هذه قضية عائلية … لكن ليس هذا مهماً... حتى القضاة صُعقوا. سأل رئيس المحكمة: - ولماذا لم تتكلم عن هذا إلا الآن؟ - لأنه الآن ...لأنه ... تروَّى غوتليب, كما لو أنه أضاع الفكرة, ثم تابع: - لأنني لم أعرف أن بعض القرائن قد أصبحت معروفة لأخي المرحوم. لقد علمت بذلك اليوم فقط. ليس أنا من يستحق هذه الوصية, وإنما إلزا غليوك. ضجت المحكمة مثل سد مخروق, وغلب الصراخ المتعالي على رنين جرس الرئيس. شحب لوديرس فاقترب من منضدة الكتابة متمايلاً, وسكب الماء بيد مرتجفة. طنت الكأس على أسنانه, وانسكب الماء على صدره. عجب زاوير لم يبد أقل من عجب الآخرين. أما رودولف غوتليب الأحمر المحتدم غيظاً, فقد انقض على أبيه, وأخذ يهزه من كتفيه وهو يصرخ بشيء ما. لكن أوسكار كان غير مبال بكل شيء. عندئذ هرع رودولف نحو طاولة القضاة هازاً قبضتيه, وصرخ صراخاً غلب على ضجيج القاعة: - هل يعقل أنكم لا ترون أنه جُنَّ؟ الجميع هنا إما مجانين أو مجرمون ... لن أترك الأمر هكذا. أوقفت المحكمة الجلسة, وأمر الرئيس بإخلاء القاعة. (1) "غليوك" تعني السعادة في اللغة الألمانية. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |