سلطان العالم ـــ تأليف: ألكسندر بليايف ـ ترجمة : خالد داود

رواية مترجمة من الخيال العلمي ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2004

Updated: Sunday, February 27, 2005 10:25 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

7 - الوريث المفقود

رفضت الدعوى وثبتت الوصية, وأصبحت إلزا غليوك وريثة.‏

لم يرد رودولف الاستسلام لذلك, ولا لوديرس الذي أفلت منه الأجر الضخم. لكن ما العمل؟ هل يكشفان على أوسكار غوتليب ويعلنانه مجنوناً, ويقيمان عليه وصاية في شخص رودولف, كي يمكنهما استئناف الدعوى؟‏

تعقدت القضية بسبب اختفاء أوسكار دون أثر بعد المرافعة فوراً. ولم يكن ممكناً إعلانه عديم أهلية التصرف غيابياً. تورط رودولف في الديون, وهو يبذر الأموال بحثاً عن والده المفقود. وعد بمكافأة ضخمة, لكن لم يجدوه. واقترب موعد الطعن من نهايته.‏

وفي غمرة يأسه هرول إلى إلزا غليوك, التي لم تكن قد انتقلت بعد إلى منزل كارل غوتليب, الذي تحول لملكيتها وفقاً للوصية, وإنما كانت تأتي إليه بانتظام دون انقطاع عن العمل. وفي غرفة السكريتاريا الخاصة كان شتيرنر يتلو عليها شيئاً ما وهي تسجل. كان يمكن أن تبدو ممارستها لعملها السابق غريبة, لكن رودولف كان في حال لم تسمح لـه بإعارة انتباه لأي شيء.‏

سأله شتيرنر وهو يبتسم:‏

- آ, كيف أحوالكم أيها الشاب؟‏

أجابه رودولف بزعل:‏

- هذا لا يخصك أيها الشاب. علي أن أتحدث مع الآنسة غليوك.‏

ثم نظر رودولف نحو شتيرنر مستفهماً, كما لو أنه يدعوه للخروج, فضيق شتيرنر إحدى عينيه.‏

- سرياً؟ تفضل!‏

وخرج.‏

أخذ رودولف يركض في المكتب بشعر منكوش. ثم قال:‏

- يا آنسة!.. يا آنسة!..‏

وفجأة أخفى وجهه بيديه وبكى بكاء مراً.‏

سألته إلزا وقد ارتبكت من المفاجأة:‏

- ماذا بك؟‏

هرع رودولف نحوها. جثا على ركبتيه وثنى ذراعيه, وأخذ يطلب بصوت قطعته الدموع:‏

- أتضرع إليك!.. لا تهلكيني. ارفضي التركة! بماذا تلزمك؟ أقصد أنها ضخمة, من الذي يرفض الثروة؟ لكنها ليست لك. أريد القول إنه لا علاقة لك فهي التي أتتك فجأة ... أخ أفكاري تتشوش ... وأنا؟.. بيد أنني عشت مفكراً بهذا فقط ... الوالد مقتصد غاية الاقتصاد, يخاف على كل قرش. تراكم علي الكثير من الديون ... أنت! لماذا أنت؟ لأي سبب أنت؟ لكن هذا غير معقول, لا يمكن أن يتفق مع شيء, فظاعة! بيد أن هذا ... أنا لا أعرف ماذا أقول, لكن افهميني, افهميني وارحميني ... ارفضي التركة, وإلا ... سوف أقتل نفسي.‏

أجابته إلزا بهدوء:‏

- أنا لا أستطيع فعل ذلك.‏

- كيف لا تستطيعين؟ من الذي يستطيع منعك؟ ألم ترفضيها؟‏

- لا أذكر ...‏

- أشفقي علي, ارحميني, أتوسل إليك! وإلا فإنني ... سأنتحـ ... نعم لقد تحدثت عن ذلك...‏

وثب رودولف هازاً بيده فروة شعره الحمراء, وأخذ يركض في الغرفة مجدداً فبدا مجنوناً. ثم توقف فجأة, ووجه نظره إلى نقطة واحدة, وقبض على ذقنه بيده اليسرى.‏

- اللعنة! اللعنة على هذه الشعرات الحمر وعلى هذا الوجه الأنمش.‏

ثم نتف شعره وضرب خديه .‏

- لو كنت جميلاً على الأقل ... أما أنت, أنت رائعة ... لو أنك كنت, لو أنني كنت ..., وإذا تقدمت طالباً يدك؟‏

ابتسمت إلزا, فقد بدا مضحكاً على نحو خارق للعادة في هذه الدقيقة ووجهه مضرج وشعره الأحمر منفوش.‏

- أشكرك, لكن عندي خطيب.‏

- هراء, طبعاً. أنا ببساطة سوف أجن وأبوح بأفكاري. أنت رائعة. لكن ما يلزمني هو ثروتك وليس أنت.‏

وأضاف بخبث بعد توقف قصير:‏

- غير أنني لم أستطع التفكير بأن مثل هذا الجمال يمكن أن يكون قاسياً هكذا, و ... طماعاً.‏

عبست إلزا.‏

- أنا لست طماعة.‏

- إذا ما الذي يعيقك عن رفض الإرث, وعن جعلي وشقيقاتي أسعد الناس؟‏

وفجأة قبض على يدها بعد أن هرع إليها, ونظر مباشرة نحو عينيها بكل قوة الرغبة غير المشبعة, وقال لاهثاً:‏

- ارفضيها! ارفضيها! ارفضيها!..‏

مر طيف على وجه إلزا الهادئ, فقطبت حاجبيها كما لو أن صراعاً دار في داخلها. وعلى الرغم من كل قلق رودولف, فإنه لاحظ ذلك وأخذ يطلب بقوة مضاعفة, لكن في هذه اللحظة اتخذ وجه إلزا تعبيراً هادئاً من جديد, وأغمضت جفنيها نصف إغماضة, ثم قالت بهدوء لكن بحزم:‏

- اتركني.‏

وحررت يدها واتجهت نحو الباب دون أن تقول كلمة أكثر.‏

- إلى أين أنت ذاهبة؟ انتظري!‏

انقض رودولف خلفها محاولاً إمساكها من يدها, لكن باب الغرفة انفتح في هذه اللحظة. ودخل كلب راكضاً ومصدراً زمجرة تحذيرية, ووقف بين رودولف وإلزا. ثم ظهر شتيرنر في إثر الكلب وقال:‏

- إي , هذا ليس جيداً, من ذا الذي يقبض على أيدي الخطيبات الغريبات؟‏

توقف رودولف وارتعش كما لو أنه مصاب بالحمى, وقاس شتيرنر بنظرة عدائية, فنظر شتيرنر إليه بهدوء وازدراء.‏

ضرب رودولف الأرض بقدمه واستدار بسرعة على عقبيه, وخرج من الغرفة راكضاً. وبعد أن قفز إلى داخل السيارة أخذ يتمتم كما في الهذيان:‏

- تلف كل شيء! تلف كل شيء!‏

سأله السائق:‏

- إلى أين ستذهب؟‏

- تلف كل شيء! تلف كل شيء! إلى لوديرس ...‏

ثم دخل راكضاً إلى غرفة لوديرس, متمتماً بهذه الكلمات ذاتها "تلف كل شيء", دون أن يعير انتباهاً إلى الزبونة التي كانت تجلس عند المحامي.‏

- لوديرس! تلف كل شيء ... لقد رفضت ... رفضت إلزا جميع النقاط, هذا ما كان ينبغي انتظاره ... غداً ستنتهي مدة تقديم الاستئناف. الوالد مفقود ... لو كنا نعرف على الأقل أنه مات ... لكن لا, وعندئذ سيكون الوقت متأخراً! لا يمكنك إقامة الوصاية خلال عدة ساعات ... تلف كل شيء ... بقي شيء واحد: تقديم الاستئناف ... وكالة والدي الموجودة باسمك لم تلغ ...‏

- لكن هذا لا أمل منه بوجود تصريح أوسكار غوتليب في القضية.‏

- مهما يكن , قدمه!.. من الممكن أن نجد الوالد حتى ذلك الوقت عندما سيعيدون النظر في القضية.‏

هز لوديرس كتفيه, لكنه فكر أنه ربما كان هذا صحيحاً. المهم ألا يفوت الموعد وهناك يمكن للظروف أن تأخذ منحى آخر.‏

قُدِمَ الاستئناف. لكن, كما في السابق, لم ترشح أخبار عن أوسكار غوتليب إطلاقاً. واستنفدت كل طرق المماطلة, فخسر آل غوتليب القضية في كل المراجع. وحازت إلزا غليوك حقوق الورثة.‏

8 - المبنى الزجاجي‏

انعكس ولع الصيرفي المرحوم بالتنظيم على معمارية بـيته, المبني وفقاً لآخر ما توصلت إليه تقـنية البناء المؤمركة. فقد عُرِّف جمال هذه المعمارية الجديدة بقاعدة جديدة هي قابلية الاستخدام. كان مبنى غوتليب الضخم الثلاثي الطبقات والممتد طولاً, مصنوعاً كله من الحديد والزجاج والبـيتون. وكان مظهره الخارجي مستقيماً بصورة مملة, مثل ورقة مسطرة في دفتر حسابات جارية. لم يحتو على خط منحن واحد يسر العيون, ولا على زخرفة. وأعطت ألواحُ الزجاج الضخمة المثبتة على كل الحائط المبنى هيئة حوض سمك عملاق. تهيأ أن الزجاج يمثل حماية هشة جداً للملايين التي أدارها مصرف غوتليب, لكن "السمكات الذهبية" الخاصة بهذه المسمكة حفظت عميقاً في قاعها, في طبقة تحت الأرض. وكان الفولاذ والبـيتون المستخدم في مستودع المال هذا قادراً على تحمل ليس غارات القراصنة الأرضيين فقط, وإنما الغارات الجوية أيضاً. كانت هناك مئات الأجراس الآلية والإشارات الضوئية والبيريسكوبات الخاصة, التي تعطي الحراس القابعين في الطبقة الأولى إمكانية أن يروا ما الذي يحدث في القبو. وحكمت الأبواب التي تغلق آلياً, والحواجز الكهربائية, وأجهزة التصوير السينمائي بالفشل على كل محاولة للتسلل إلى هنا بالقوة أو بالحيلة. وأنفق غوتليب في حينه كثيراً من النقود كي يعلن لكل العالم من خلال مندوبي الإعلام, الذين يصفون كل عجائب تقـنيات الحماية هذه, عن مناعة حصنه المصرفي, وليصد رغبة هواة الربح السهل في التسلل إلى الأقبية. وللحقيقة, فقد جرت محاولة واحدة فقط للاعتداء خلال عشر سنوات. وانتهت نهاية محزنة جداً للمقتحمين: فقد انصفق الباب الآلي بشدة على اثنين من السارقين الأكثر مهارة في مجال السرقة, كما تفعل المصيدة بالفئران.‏

التقطت آلة التصوير السينمائي التي عملت آلياً هذه الحادثة. وعرض هذا المشهد في جميع دور السينما كمثل عن الرذيلة المعاقبة. وللحقيقة فقد أكدت الألسنة الشريرة أن كل هذه السرقة كانت ممسرحة من غوتليب ذاته, الذي دعا مقابل مكافأة مجزية "ممثلين" معروفين في عالم الجريمة, ووعدهم بإطلاق سراحهم عندما تهدأ الضجة حول القضية. ومع ذلك فقد سرى مفعول المشهد, إذ نام الصيرفي والمودعون لديه باطمئنان.‏

توضع البنك بكل أقسامه في الطبقة الأولى الأرضية. كما وُجد هنا الحراس المسلحون, الذين لم تكن هناك حاجة لهم في الحقيقة, لكن الصيرفي حافظ على ملاك كبير جداً منهم "من أجل الزينة".‏

توضعت شقة غوتليب في الطبقة الثانية, حيث شغل الوسط منها المضافة وغرفة استقبال والسكريتاريا الخاصة والمكتب. الطرف الأيمن من المبنى كان مقسوماً إلى غرفتين موصولتين بغرفة المكتب, كان في إحداها منامة غوتليب, وعاش شتيرنر في الأخرى. حافظ شتيرنر على إغلاق هاتين الغرفتين دائماً, ولم يسمح للخدم بالدخول إلى هناك حتى من أجل التنظيف. وجد في الطرف الأيسر من الطبقة "معرض وحوش" شتيرنر: كلابه المروضة وذئاب وخنازير وقطط ودب. عاشوا جميعهم عيشة مشتركة في وحدة مؤثرة. فبعد أن تخلى عن منصبه العلمي تابع شتيرنر "عن هواية", كما قال, دراسة سيكولوجيا الحيوانات.‏

شغل ثلثا الطبقة الثالثة العلوية تقريباً ووسطها بمتحف للصور الفنية, الذي كان مدعاة لفخر غوتليب ومادة لمزحات الخبراء ونكاتهم. فلقد تواءم هنا في ذلك الاتحاد المؤثر, وجنباً إلى جنب مثلما فعلت حيوانات شتيرنر, كل من أندريه ديل كارتو الأصلي, مع كوريجيو المزيف بفظاظة, ولوحة زيتية لهاو غير معروف, مع رسم بالرصاص لليوناردو دافينشي. كانت اللوحات جميعها مرتبة في حوامل متوضعة في صف متعامد مع الحيطان الزجاجية. سمى غوتليب هذا "تنظيم الإضاءة". كان وسط القاعة خالياً, إذا لم يحتسب البيانو الواقف على منصة خشبـية. ومن أجل حفلات الغداء الاحتفالية جلبت من المستودعات طاولات مبتكرة قابلة للطي من تصميم غوتليب. وقد شغلت مكاناً قليلاً جداً في هيئتها المطوية, لكن جمعها كان عذاباً حقيقياً: خرج الخدم عن أطوارهم عندما كان عليهم تجميع قطع لا نهاية لها وألواح وعوارض… لقد ذكر هذا العمل بأحجية صينية. فالأقسام المنفصلة المركبة تركيـباً خاطئاً كانت تتناثر ولا تنصاع أو تدخل في الشقوق. كان الخدم يضطربون ويضطرب غوتليب أكثر.‏

- لكن, كيف لا تفهمون؟ هذا سهل جداً!‏

وكان يهرع من ذات نفسه ويجمع ويقتلع ويسند ويسقط وينكدم ويغضب أكثر من الجميع.‏

انتهى هذا الأمر الآن, إذ تهجع الطاولات بسلام في هيئة مفككة مثل صاحبها التعِس المقطع الأوصال. كانت القاعة خالية, لهذا كان يطيب الدخول من هنا إلى الحديقة الشتوية المجاورة. كانت أوراق النخيل العريضة تغطي حوض السمك الكبير. وضفرت النباتات المتسلقة مغارة صنعية. وأبهجت الأوركيديا الزاهية باختلاط ألوانها العيون.‏

أعطت الأرائك المريحة الموجودة بين شجرات الغار والدفلات المزهرات إمكانية الاستراحة وسماع الطيور المغردة الطائرة بحرية.‏

جاور الطرف الآخر من القاعة مكتبة تقع فوق غرفتي مكتب غوتليب المتوضعتين في الطبقتين الثانية والأولى. اتصلت الغرف الثلاث هذه جميعها بمصعد ثبت عليه مقعد. أحب غوتليب "الصعود" بعد العمل على مقعده المتحرك إلى المكتبة, المؤلفة استثنائياً من إصدارات فخمة في أغلفة غالية مشكلة بالختم بالذهب, كي يدخن سيجاراً هنا, لكنه لم يقرأ كتباً. وقلما استل كتاباً ما منها ففتحه وتأمل الصور.‏

- خشخاش منزلي , طيف رسغ القدم ... توجد مثل هذه الحيوانات السخيفة! تماماً بنظارات! تفو, شيء قبيح, سأراه في الحلم أيضاً.‏

وأغلق الكتاب بشدة ثم تمطى في تلذذ بعد يوم عمل.‏

خلت الغرفتان القاصيتان. إحداهما وجدت فوق غرفة نوم المرحوم غوتليب, والأخرى فوق غرفة شتيرنر.‏

قاد شتيرنر إلزا إلى هذه الغرفة الأخيرة عندما انتهت معاينة المبنى.‏

- هذه هي جميع ممتلكاتك. أعتقد أن إقامتك هنا ستكون جيدة. فهنا يوجد كثير من الضوء والهواء, مثلما هو في كل المبنى على أية حال. وليس دون أساس أن الموصي لك كان يملك تلك الهيئة الرائعة النضرة والخدين المتوردين.‏

ارتجفت إلزا عند التذكير بالموصي, وجرى ظل خفيف على وجهها.‏

عبس شتيرنر وقال بجد:‏

- إلزا, هل يعقل أن كل هذا لا يسرك؟ فأنت الآن واحدة من أغنى النساء في العالم. يمكنك أن تنفذي كل أهوائك. إذا كان هذا المبنى لا يعجبك, يمكنك النزول في واحد من المنازل الستة والعشرين التي تعود لك الآن في المدينة. يمكنك العيش في فيلاتك في نيس ومينتون وأوسبيداليتي وفي مايوركا والجزائر. ولم أعد أذكر أين ...‏

ثم تابع بعد أن فكر بشيء ما:‏

- لكن يجب أن يعجبك المكان هنا.‏

دوت إجابة إلزا مثل الصدى:‏

- نعم ينبغي أن يعجبني المكان هنا.‏

- ستقيم خادمتك في الغرفة المجاورة. في هذه الغرفة, مثلما هو في كل مكان, الأجراس الكهربائية أكثر من مسامير التنجيد في الأثاث. والهواتف أكثر من الأجراس أيضاً ... يمكنك طلب كل ما يطيب لك دون ترك المقعد. فنجان القهوة سيأتيك بنفسه على الناقل ... إلى لقاء قريب!‏

غطست إلزا في المقعد بتعب عندما خرج, وغطت وجهها بيديها وقد حنت رأسها. دقت الساعة بعيداً في مكان ما فانتشر رنينها انتشاراً مدوياً في القاعة الفارغة.‏

جلست إلزا طويلاً دون حراك.‏

فكرت بحياتها التي سارت بهذا الشكل الغريب. لقد عرفت الفقر باكراً, لأنها ابنة أهل فقراء ويتيمة الأبوين. كانت جميلة جمالاً غير طبيعي منذ طفولتها. وقد جلب هذا الجمال كثيراً من السعادة والكثير من المصائب إلى حياتها. إحدى العجائز الميسورات, وهي السيدة بـيكر الأرملة الوحيدة, قامت بضم البنت إليها بعد أن رأتها طفلة جميلة في الملجأ. كان عمر إلزا في ذلك الحين اثني عشر عاماً. وعاشت حتى السابعة عشرة في كنف السيدة بـيكر. كانت هذه السنوات الخمس الأفضل في حياتها. أحبتها العجوز, لا بل دللتها, علمتها تعليماً جيداً فتعلقت إلزا بها مثل التعلق بأم. لكن العجوز ماتت فجأة دون أن تترك وصية. رمى الأقرباء الصدقة لإلزا على نحو مهين جعلها ترفض مساعدتهم وتشرع في العمل. مرَّ عامان صعبان اضطرت خلالهما للتعرف على العالم من جوانب حقيرة. بمثل جمالها لم يكن صعباً عليها الحصول على مكان في مخزن. فقد وجدت هذه الأماكن, لكنها تركتها سريعاً بسبب الاعترافات السافرة جداً بشأن جمالها من جانب أرباب العمل. وقررت الانتقال إلى عمل آخر. درست الاختزال ليلاً. وعندما أنهت دراستها, تيسَّر لها الالتحاق بغوتليب. وهنا تعرفت إلى زاوير, وأحبته بسبب تعامله معها باحترام, فقد كان متأدباً دائماً وضابطاً لنفسه.‏

حصولها على التركة غيَّر مسار حياتها.‏

لم تستطع بحال من الأحوال أن تفهم كيف ولماذا قبلت التركة بعد أن كانت قد قررت رفضها.‏

سألت نفسها:‏

- لماذا؟ لماذا؟‏

وفجأة أصبح وجهها هادئاً. واغتمضت عيناها نصف إغماضة. وبقيت كذلك عدة دقائق. وفي النهاية تنفست بملء صدرها, مثل شخص خرج من مكان خانق إلى الهواء العليل. وعجبتْ لأنه لم يبق أثر من قلقها الغامض وكآبتها. نهضت وتمطت بلذة, كما لو أنها تمرن الأعضاء المتخدرة, ثم عاينت الغرفة بفضول.‏

- حقاً, المكان هنا مسل جداً. يا لها من رسمة خلابة على السجادة! كم هناك من الضوء! كم هو سهل التنفس!‏

ثم تنفست بعمق وأخذت تعاين مكانها الجديد بشعور جديد من فضول ما مشتد. تعاين المكتبة ومتحف اللوحات والحديقة الشتوية البديعة.‏

- وكل هذا ملكي!‏

وفكرت لأول مرة : "لكن شتيرنر محق من كل بد! يا لي من محظوظة!".‏

9 - خمسون بالمئة علاوة‏

هبط شتيرنر بسرعة إلى الطبقة الثانية بعد أن ترك إلزا, فوجد في غرفة السكرتاريا الخاصة زاوير وإيما فيت والقهرمانة العجوز شميتغوف.‏

نظر إليه زاوير بعداوة وفيت وشميتغوف بقلق.‏

جميعهم لم يعودوا يعرفون كيف ستصاغ علاقاتهم اللاحقة بعد أن أصبحت إلزا غليوك مالكة كاملة الحقوق.‏

قال شتيرنر بحيوية:‏

- مرحباً أيها السادة! أنا من طرف المالكة الجديدة! لا تقلقوا على شيء, جميعكم ستبقون, لقد تحدثت مع إلزا ... الآنسة غليوك ... سيكون لدينا عمل كثير الآن ... ربة عملنا الجميلة غير مطلعة على العمل المصرفي. وعلينا , أنا وأنت بشكل رئيسي يا زاوير, يقع عبء إدارة أعمال مصرف إلزا غليوك.‏

قال زاوير بغيظ:‏

- أرجو ألا تقرر عني وألا تحدد واجباتي.‏

- نعم ... لكن كيف يمكن غير ذلك؟ على كل سنتحدث أيضاً. ينتظرني عمل مستعجل.‏

دخل شتيرنر إلى المكتب بسرعة وكتب شيئاً ما على طاولة مكتب غوتليب, وخبأ ما كتبه في درج الطاولة, ثم أغلق الباب بالمفتاح ودخل إلى غرفته. ثم خرج عائداً بسرعة وجلس مجدداً خلف طاولة مكتب غوتليب.‏

دخلت إلزا إلى غرفة المكتب, وظهر في إثرها زاوير وفيت وشميتغوف.‏

شكرت إيما والقهرمانة إلزا لأنها ستبقيهما عندها.‏

قال شتيرنر:‏

- آ! الآنسة غليوك, سعيد جداً بتفضلك بالمجيء إليَّ. كيف تشعرين بنفسك؟‏

- حسناً, أشكرك.‏

- هل أعجبك البيت؟‏

أجابت بحيوية:‏

- جداً! الطبقة العلوية مغمورة كلها بالشمس. تبدو وكأنك تسبح في محيط شمسي. أما هذه الحديقة الشتوية فهي زاوية خلابة. حقاً, لا حاجة للسفر إلى نيس مع امتلاك هذا الملجأ الأخضر بالقرب منك!‏

ابتسم شتيرنر بمرح:‏

- ممتاز! يعني أن كل شيء على ما يرام؟‏

ولدت حيوية إلزا المفاجئة وابتهاجها انطباعاً معاكساً لدى زاوير. فقد تيقظ ونظر إليها بارتياب, ثم أخذ يقضم شفتيه.‏

قال شتيرنر:‏

- تفضلي الآن وانزعي عن كاهليك عبء العمل, لقد حضَّرت وكالة عامة على اسمي وفقاً لرغبتك. تفضلي وقعيها.‏

تعجب زاوير وشميتغوف وحتى فيت الساذجة. كان يبدو طبيعياً للجميع أن الوكالة ستعطى لزاوير خطيب إلزا, أو في أقصى الأحوال ستقسم إدارة الأعمال بينه وبين شتيرنر.‏

أجابت إلزا برضا:‏

- نعم, نعم.‏

وأخذت الريشة.‏

- دقيقة واحدة!‏

قرع شتيرنر الجرس, فدخل إلى الغرفة الكاتب بالعدل العجوز مع شاهدين.‏

لاقاه شتيرنر:‏

- المعذرة لأننا نتعبك بدعوتك إلى المنزل على أساس المعرفة القديمة...‏

هز العجوز رأسه بمجاملة.‏

وقعت إلزا الوكالة, وانتهت الشكليات خلال عدة دقائق.‏

قال شتيرنر:‏

- ينبغي أن يكون كل شيء وفق الأصول. أشكركم! أنتم أحرار.‏

خرج الكاتب بالعدل وفيت وشميتغوف.‏

- ستبقى أنت يا زاوير مستشاراً قانونياً. لكن صيرفينا الجديد أطيب من القديم, وسوف يزيد أجرك بمقدار خمسين بالمئة. يلوح لي أنك أوصيت بذلك؟‏

أجابت إلزا:‏

- نعم, نعم!‏

أجاب زاوير الذي اخضر:‏

- أشكرك على هذا الشرف, لكني أرفض زيادتك والمنصب.‏

سألت إلزا وهي ترنو إلى خطيبها:‏

- لكن لماذا, يا أوتو؟ هل أنت تمزح؟‏

- تفاهم أنت هنا مع ربة العمل, أما أنا فلا وقت لدي. ينبغي النزول إلى المصرف بما أن العجوز كارل قد اخترع تلك الوسيلة الجديدة للمواصلات.‏

وتوارى شتيرنر في الباب الأرضي بعد أن ضغط الزر.‏

كررت إلزا بعد أن بقيت وحدها مع زاوير:‏

- هل أنت تمزح, يا أوتو؟‏

ولمست ذراعه برقة.‏

سحب زاوير يده بتقزز وصعَّر خده.‏

- لا أعرف من منا يمزح ... يبدو لي, أنك أنت يا آنسة غليوك ...‏

- أوتو!‏

- لكن مزحاتك تشبه التهكم فقط ... التهكم على الكرامة الإنسانية والحب والثقة والصداقة.‏

أخذ زاوير يتكلم والاستياء في صوته:‏

- إلزا! ماذا بك يا إلزا؟ لقد أكدت لي بأنك سترفضين التركة ثم خدعتني ... لماذا؟‏

- أوتو, لكن ألا تفهم أنه كان ينبغي ذلك؟ أو لست أنت ذاتك من رافع باسمي أمام المحكمة؟‏

- نعم, أنا رافعت … لا أعلم لماذا رافعت … إنها وسوسة ما شيطانية … مهما يكن, أنت طلبت مني وأنا فعلت … فأنا لا أستطيع أن أرفض لك طلباً … لكن أنت؟ أنت خدعتني! لقد أصبحت مليونيرة, وأيقظت مجدداً في داخلي كل شياطين الشكوك التي تعذبني. هذه التركة ستعيبك وتلطخ حبنا. وهذا ليس كل شيء: أنت تعطين الوكالة لشتيرنر فجأة!.. أي شكوك سوداء جديدة سوف توقظين أنت؟.. أنت معه في وفاق, أنت ... قريبة منه! أنت شريكة في جريمته. لقد استغفلتني مثل طفل.‏

- أوتو!‏

- اصمتي! هل يعقل أنك لا تفهمين ما يحاك حول اسمك من أساطير. لقد دنسوا اسمك, وستطير هذه الدناءة من الشوارع إلى هنا, إلى هذه المخادع الذهبية, فهي لن تحميك. أنت تعيشين معها في بيت واحد, أنت ...‏

- اهدأ يا أوتو, أتضرع إليك!‏

- كلا, لن أهدأ!.. لقد وجدت كل هذا قليلاً عليك. أنت تريدين إذلالي بعرضك زيادة خمسين بالمئة. ها - ها - ها!.. الحب والكرامة بخمسين بالمئة!‏

انفجر زاوير بضحك هستيري, ولم يستطع ضبط نفسه.‏

نظرت إلزا المصدومة إليه بعجز, وجرى في داخلها صراع رهيب. وفي النهاية لم تحتمل أعصابها فانفجرت باكية.‏

هدأ زاوير. نشج بعصبية, وتنفس بصعوبة من حين لآخر, ثم قال بهدوء بعد أن جلس في المقعد ووضع رأسه على يديه:‏

- كم أنا تعِس ... كم أنا تعِس!‏

اقتربت إلزا وعانقته.‏

- أوتو, هل يعقل أنك تظنني بمثل هذه الغباوة؟ فأنا أحبك! هيا اهدأ, يا حبيبي العزيز ... سأفعل كل شيء تقوله ...‏

- حقاً؟‏

أجابت إلزا بحزم:‏

- حقاً. لا تتهمني فأنا ذاتي لا أعرف كيف حصل كل هذا ...‏

نهض زاوير فنهضت إلزا في إثره, ثم قال وهو يشد على يديها:‏

- لا تلزمني الثروة, أنا أحبك أنت فقط, ومن أجل حبي أطلب الزواج منك غداً, هل تسمعين؟ غداً تحديداً وليس بعد ذلك, وغداً بالذات ستطردين من المنزل شتيرنر اللعين مع جميع كلابه!‏

- أنا موافقة.‏

- إلزا!‏

- أوتو!‏

ارتفعت أرضية المصعد دون ضجيج, ثم سمعا خلفهما فجأة صوت شتيرنر الساخر:‏

- أوهو! يتبادلان القبل! يا لـه من مشهد مؤثر!‏

انفصل أحدهما عن الآخر وحدقا.‏

جلس شتيرنر خلف طاولة المكتب ودخن سيجاراً.‏

صاح زاوير ممتعضاً:‏

- لماذا أنت هنا؟‏

أجابه شتيرنر بسخرية:‏

- بسبب الواجب الوظيفي والثقة التي أولتني إياها ربة العمل...‏

قاطعه زاوير:‏

- ربة عملنا غيَّرت قرارها. ستعطيك الحساب كاملاً. ستُلغى الوكالة الموجودة على اسمك. ومكافأة لك على خدماتك ستعطى أجر شهرين كاملين مع زيادة خمسين بالمئة.‏

قال شتيرنر وهو يحك جبينه:‏

- عليَّ إذاً أن أفتح سيركاً جوالاً.‏

لكنه تجهم بعد أن بقي وحيداً, وأخرج من درج الطاولة مخططاً ما وعاينه, ثم تمتم شيئاً ما بغضب, ودخل بسرعة إلى غرفته, وحبس نفسه فيها طويلاً.‏

10 - الفتاة ذات الإبريق المكسور‏

انقضى شهر.‏

جلست إيما فيت في مكانها المعتاد وكتبت على آلة الريمنغتون. سار زاوير بخطوات كبيرة في غرفة المكتب مدة طويلة, وهو ممتقع وغير حليق وتسريحته غير معتنى بها, ونظر إلى إيما شذراً. ثم اقترب منها متمايلاً من جانب إلى آخر, وأخذ ينظر إلى وجهها بتركيز.‏

ابتدأت أصابع إيما الرشيقة تعمل دون انتظام فوق ملامس الريمنغتون, واحمرت بتأثير من نظرة زاوير الثاقبة, ثم سألت دون أن تتوقف عن العمل:‏

- لماذا تنظر إلي هكذا, أيها السيد زاوير. كما لو أنك لم ترني قبلاً؟ أنت تعيقني عن العمل ...‏

- ولكنك يا آنسة إيما ذات جمال فائق!‏

ازدادت حمرة إيما, ولكنها لم تسعَ لاتخاذ هيئة من لم يسمع كلماته.‏

تابع زاوير:‏

- أمر غريب. أنت تعملين هنا منذ أكثر من عام, وأنا ألتقيك كل يوم. لكن كما لو أن عينيَّ تفتحتا خلال الشهر الأخير فقط: وجه بـيضاوي وديع, شعر ناعم يرغب المرء في لمسه وتمسيده, عينان بديعتان! فيهما بساطة طفولية ومكر شيطان صغير. أنت "الفتاة ذات الإبريق المكسور" حية.‏

- أنا لم أكسر أباريق قط.‏

- إنها لوحة غريوز. وأنت ...‏

- كفاك يا زاوير.‏

كان يطيب لإيما سماع زاوير, لكنها أخفت مشاعرها خوفاً من غضب إلزا, التي داهمتهما أكثر من مرة يتبادلان مثل هذا الحديث. كانت إلزا تمر قربهما بوقار, لكن إيما كانت تشعر أن "ربة عملها", مثلما نادتها الآن مازحة, كانت ترى وتفهم كل شيء.‏

- أنا لا أتعرف عليك يا سيد زاوير!‏

- أنا ذاتي لا أعرف نفسي يا صغيرتي. يؤكد الفلاسفة أن معرفة الذات هي أصعب المسائل في العالم ...‏

وحقيقة أنه ما كان ممكناً التعرف على زاوير. لقد توقف زاوير اللبق والمتأنق والمدقق عن الاهتمام بمظهره الخارجي, وهذا شيء لم يحدث سابقاً إطلاقاً. وبدأ بالتردد على المطاعم, والالتقاء بجماعة مشبوهة, واتخذ موقفاً مهملاً من العمل.‏

- هاك, أيتها الآنسة العزيزة فيت, كفاك قرقعة على هذه الآلة الموسيقية الخسيسة. حان وقت الانتهاء. لنذهب للأعلى, سأريك أسماكاً ذهبية جديدة في الحوض الموجود في الحديقة الشتوية. لقد استجلبها شتيرنر مؤخراً ليقدمها هدية إلى ربة عملنا‏

ترددت إيما, فنظر زاوير إلى باب غرفة المكتب نظرة ذات معنى وهو يبتسم.‏

- أتخافين ربة العمل؟‏

توردت إيما ونهضت.‏

- دقيقة واحدة فقط! فأنا أتعجل الذهاب إلى البيت.‏

لكن هذه الدقيقة امتدت أكثر من نصف ساعة.‏

ثرثر زاوير ولاطف دون انقطاع. احمرت إيما نتيجة خوف خفي من أن تباغت, ثم نهضت فجأة بعد أن نظرت إلى الساعة.‏

- يا إلهي, لقد تأخرت!‏

ثم خرجت من الحديقة الشتوية ودخلت إلى القاعة المقفرة بعد أن أصلحت تسريحتها.‏

- اسمعي يا إيما, لنذهب اليوم إلى المسرح سوية. وفي المساء نتعشى في الكونتيننتال ونستمع إلى فرقة الجاز.‏

لم تستطع إيما منع نفسها من الضحك, وهي التي اعتادت أن ترى زاوير جدياً.‏

تأبط زاوير ذراعها وسحبها نحو المخرج وهو ينزلق فوق الأرضية الخشبية.‏

راقبت إلزا هذا المشهد وهي تقف بين حيطان اللوحات, إذ غالباً ما تسكعت في الرواق.‏

عندما ابتعد زاوير وإيما خرجت إلزا الممتقعة من زاويتها, ومشت إلى الحديقة الشتوية, وجلست بتعب على المقعد قُبالة الحوض. خرت النافورة وتحركت السمكات الذهبيات ببطء خلف خضار الزجاج. عامت نحو السطح وأطلقت فقاعات هواء. ساد الهدوء. قبعت الطيور على الأغصان, وقد انتفش ريشها كما لو أنها تحت المطر.‏

خفضت إلزا رأسها فشاهدت حقيبة من الجلد الأصفر مرمية على الأرض وعليها حرفان فضيان استهلاليان "أ. ز.".‏

سمعت في تلك الأثناء صوت خطوات مقتربة فخطرت في بالها فكرة:‏

"نسي أوتو زاوير حقيبته وهو آت لأخذها".‏

أرادت الاختباء في المغارة كي لا تلتقي به, لكنها بقيت في مكانها بعد تفكير.‏

دخل زاوير وهو يدندن أغنية من أغاني الكاباريه, وعندما رأى إلزا ارتسم التعجب على وجهه واضطرب قليلاً, لكنه ما لبث أن اتخذ مظهراً غير متكلف.‏

- آ! هل تسمحين بالتنزه في الحدائق؟ هل تعجبك السمكات الذهبيات؟ أعتقد أنها فاتنة مع صلصة جيدة.‏

لكن المزحة لم تضحك إلزا.‏

- اسمع يا زاوير, ما الذي يعنيه كل ذلك؟‏

- عن ماذا تتحدثين يا آمرتي؟‏

- عن الذي حدث هنا الآن. وعموماً عن كل تصرفاتك خلال الشهر الأخير.‏

احمر زاوير.‏

- يمكنني يا آنسة غليوك أن أسألك السؤال ذاته. ما الذي يعنيه تصرفك؟ هل نفذت وعدك؟ هل أصبحت زوجتي, وهل طرد شتيرنر؟ إلام يستند حقك في مناقشة حرية تصرفاتي؟‏

- أنا لا أطالب بأي حقوق. أنا لا أتراجع عن وعودي رغم أنني لم أنفذها.‏

- لماذا؟‏

تكدرت إلزا بدورها. لماذا؟ هي ذاتها لا تعرف. لقد حدثت هنا مجدداً فجوة في وعيها. وعانت إحساساً كريهاً بفقدان الذاكرة, معروف لديها مسبقاً. واصطدم فكرها بحاجز غير مرئي مثل اصطدام ذبابة بزجاج شفاف.‏

خفضت إلزا رأسها وصمتت, في حين عاين زاوير ملامح وجهها وقوامها مستطلعاً, وفكر متعجباً.‏

"كيف استطعت أن أحبها؟ لا شيء مميز فيها! يوجد مقدار ما تريد من هذه التماثيل الحية الجميلة في كل مخزن من مخازن أزياء الموضة . رقبتها جميلة لكنها طويلة إلى حد ما. الغريب أنني لم ألاحظ ذلك سابقاً. وتانك الكتفان الضيقتان … والشامة الموجودة عند عينها اليسرى, إنها ليست في مكانها أبداً. هذه الشامة تشوهها حتماً!.."‏

- أنت لا تجيـبـين!.. ألا يوجد لديك ما تقولينه؟‏

أجابت إلزا أخيراً:‏

- لكنك أنت لم تترك العمل أيضاً. لماذا؟‏

أصابت المكان الموجع لدى زاوير. فهو حقيقة لم يترك العمل لسبب غير مفهوم لـه ذاته. فقبل شهر من الآن بردت عواطف زاوير نحو إلزا بروداً ما فاجأه هو ذاته, والتهب حباً تجاه إيما. كان يشعر من حين لآخر بوزر هذا, ووزر تصرفاته الأخرى: لقد أخرجه ذلك التنافر مع ذاته عن مسار حياته. كما لو أنه عانى فصاماً في الشخصية, وهذا ما عذبه. لذا عكف على اللهو كي ينسى, وسلك نمطاً مشتتاً من الحياة. لكنه لم يرغب في الاعتراف بعجزه عن إجابة نفسه على سؤال: لماذا لم يترك هذا المنزل؟ لقد أهاجه هذا فحوَّل السؤال إلى وجهة أخرى.‏

- آ. إذاً أنت ترغبين في التخلص مني بسرعة. كل شيء واضح الآن.‏

نظرت إلزا إليه بعتاب:‏

- أوتو, هل ستهـينني ثانية؟‏

- ارتاحي تماماً! لقد أتعب أحدنا الآخر إلى درجة كافية, وحان لنا أن ننهي هذه اللعبة. إذا أردت أن تعرفي, فأنا لا أذهب من هنا لأنني أحب إيما فيت. نعم أحبها, وسأطلب يدها اليوم بالذات!‏

بدا لـه هذا التعليل أكثر مطابقة للحقيقة, على الرغم من أنه شعر في مكان ما من وعيه الباطني بأنه يخدع نفسه: ألم يكن يستطيع المغادرة مع إيما سوية؟‏

استلقت إلزا على ظهر المقعد وقالت بهدوء فقط:‏

- أوتو!‏

حل الصمت . وتحرك في داخل زاوير شيء ما شبـيه بالشفـقـة. لكن ما لبثت أن لمعت فكرة: إنها تكذب وتتصنع, كما تفعل دائماً. لذا أخذ يتكلم بـهياج:‏

- وما الذي انتظرته مني؟ ألا يكفي أنني وافقت على لعب دور تشيتشيسبيه كما كان مألوفاً في وقت ما في البندقية!.. صديق البيت الرسمي! أنا أعتذر عن هذه الوظيفة الفخرية. بوجود ثروتك يمكن إيجاد راغبين آخرين. أما أنا فلتطرديني. إيما فيت لا تلتقط النجوم من السماء, ولا تدير المليارات. تتألف كل روحها من لولب واحد بسيط, لكن يمكن لهذه الفتاة أن تصبح زوجة شريفة.‏

لم تعترض إلزا وخفضت رأسها أكثر فأكثر, كما لو أنها تتلقى ضربات سوط.‏

رفع زاوير الحقيبة.‏

- زاوير فقير, لكن لا يمكن شراؤه بعلاوة خمسين بالمئة فوق أجره! اعذريني, إنهم ينتظرونني.‏

ثم خرج بعد أن انحنى بلطف مبالغ فيه, فتردد وقع خطواته بوضوح في القاعة الضخمة.‏

جلست إلزا مثل الذليلة, ثم أعادتها دقات الساعة إلى وعيها فارتعشت.‏

- الساعة الخامسة. شد ما تأخر الوقت!‏

تكاثفت عتمة الشتاء. خرجت إلزا من القاعة ونظرت حواليها فوقعت نظرتها بالمصادفة على البيانو. اعترتها رغبة مفاجئة بالعزف, فرفعت غطاء الآلة, ثم جلست وعزفت.‏

بدا لها أنها لم تعزف قط بمثل هذه الرغبة...‏

ارتعشت فجأة إذ شاهدت وجه شتيرنر أمامها. متى دخل؟.. وقف مستنداً إلى البيانو ونظر إليها. كان وجهه أكثر امتقاعاً من المعتاد وجدياً وحزيناً. كما ارتعشت شفتاه الدقيقتان بعصبية.‏

أطلقت إلزا صرخة وتوقفت عن العزف.‏

قال لها بصدق وبساطة:‏

- اعزفي, أرجوك!‏

تابعت إلزا بعد أن تمالكت روعها. فاستمع إلى العزف بانتباه فترة من الزمن, ثم أخذ يتحدث ببطء وهدوء:‏

- كم هو رائع عزفك! هل هذه "تمة"؟ "تمة" سان – سانس … يقولون أن التم يغني قبل الموت … لكن التم يعيش طويلاً, طويلاً جداً. فقط تلك الطيور المجروحة جروحاً مميتة تموت قبل وقتها. هل يعقل أنك مجروحة؟ من جرحك؟ وهل هو يستحق أن تموتي من أجله؟‏

سألته إلزا وقد توقفت عن العزف وأرخت يديها على ركبتيها:‏

- عمن تتحدث؟‏

- عنه, عن زاوير! هل هذا سر؟‏

تحرك في إلزا كبرياء المرأة, فقالت بجفاف وقد نهضت من وراء البيانو:‏

- أرجوك يا سيد شتيرنر ألا تتدخل في شؤوني الخاصة!‏

- نعم ولكنها شؤوني الخاصة أيضاً يا آنسة إلزا, فأنت تعلمين أنني أحبك!‏

- لكنك تعرف أنني لا أحبك.‏

- واأسفاه , في هذا تكمن كل التعاسة ... تعاستي وتعاستك. نعم, نعم, وتعاستك رغم أنك لا تفهمين هذا. كم كان كل شيء سيكون رائعاً لو أنك أحبـبتني! لو أنك أحبـبتني بنفسك.‏

قالها شتيرنر بمعنى خفي.‏

- وكيف يمكن أن تحب على نحو آخر؟‏

لم يجب شتيرنر.‏

- اسمعي يا إلزا, تعالي نتحدث بجدية. في هذه القاعة المنظمة لا يوجد حتى مكان للجلوس عليه ... لنذهب إلى الحديقة الشتوية, أرجوك!‏

جلسا على ذلك المقعد ذاته الذي كانت تجلس عليه إلزا تواً.‏

بدأ شتيرنر الحديث:‏

- لقد اجتزت مدرسة صعبة وتعرفين الحياة. أنت تعرفين كم هو صعب على الفتاة الجميلة والفقيرة أن تحصل على لقمة الخبز بشرف. أنت غنية الآن, ولكن للثروة ورطاتها. أنت تصبحين طعماً مضاعفاً بالنسبة للرجال. إذ غالباً جداً ما يهرع الدونجوانات والباحثون عن المتعة خلف الجمال, ويجري السفلة والأنذال خلف الثروة. ولا ضمانة عندك الآن بأن من ستختارينه سوف يحبك أنت وليس ثروتك. ما الذي سوف يكون بانتظارك عندئذ؟ لقد انتهى الأمر مع زاوير. وأنت وحيدة. انظري إلى الأشياء نظرة سليمة. لماذا لا يمكنني أن أصبح زوجك؟ أنت لا تحبـينني. لكنهم يقولون إن أكثر الزيجات سعادة هي تلك التي يكون العقل هو الواسطة فيها وليس الحب. يمكنك أن تحبـيني لاحقاً. هذه الحالات ليست نادرة ... ومن ثم ... لدي عمل ضخم وخطط عظيمة. وعلاقتك تجاهي تكبلني ولا تمكنني من التوسع إلى أقصى مدى ومن التفرغ كلياً للعمل ... أقول لك للمرة الأخيرة: احسميها!‏

هزت إلزا رأسها بالنفي.‏

قال شتيرنر مستعجلاً:‏

- كلا, كلا! لا تقولي لي الآن أي شيء. فكري بكل شيء بهدوء, زني اقتراحي ثم أعطني الإجابة ... اليوم هو الخميس ... الساعة السادسة من مساء الأحد هي آخر موعد!‏

انحنى شتيرنر ثم خرج.‏

دقت الساعة دقاً مدوياً معلنة السادسة.‏

11 - رحلة زواج لم تتم‏

أفاقت إلزا في الصباح وقد غاب عنها وضوح التفكير منذ فترة طويلة. كان عليها أن تقرر: هل تقبل عرض شتيرنر, أم ترفضه؟ لم تهتم لماذا كان عليها أن تقرر ذلك من كل بد. جلست إلزا بعد الإفطار الصباحي في ركنها المحبوب في الحديقة الشتوية مقابل الحوض, كي تتخذ قراراً نهائياً. ومع ذلك أعاقوها, إذ دخل خادم وأخبرها أن أوسكار غوتليب ينتظرها في غرفة الاستقبال, ويلتمس بشدة أن تقابله.‏

فكرت إلزا: "أوسكار غوتليب؟ من أين ظهر؟"‏

ومر في ذاكرتها حشد كامل من الذكريات العابرة عن المحاكمة القضائية.‏

هبطت إلزا إلى غرفة استقبال الطبقة الثانية.‏

مشى العجوز لملاقاتها وهو ينحني انحناءة خفيفة, فلم تعرف فوراً أنه شقيق الصيرفي المرحوم. لقد نحل أوسكار غوتليب, وأرخى لحية عريضة وكثيفة وشيباء عوضاً عن السكسوكة الصغيرة. أصبح وجهه أطول, وغار خداه, وازداد الانتفاخ تحت عينيه. لكن التغيير لم يمس المظهر فقط, إذ شعرت بالذل والمهانة في جميع وضعياته وحركاته, وتراكضت عيناه بقلق.‏

قال وهو يقبل يد إلزا:‏

- أقدم اعتذاراتي بسبب إقلاقك. لكن الحاجة القصوى تجبرني على هذا...‏

أشارت إلزا إلى المقعد.‏

- تفضل.‏

جلسا, فتنهد أوسكار غوتليب, ثم فتل القبعة في يده وصمت. وبعد أن تمالك نفسه تحدث بصوت مرتجف:‏

- أنا, في الحقيقة, لا أعرف كيف أبدأ ... اسمحي لي قبل كل شيء بأن أؤكد لك أنني استسلمت تماماً للواقعة الحاصلة ... تماماً ... لكن الحدث ذاته, الذي أدى إلى حرماني المفاجئ من التركة, وضعني في موقف صعب للغاية. تكمن القضية في أنه بعد وفاة أخي و ... بعد رفضك للإرث قمت ... بـِرَهْنِ ممتلكاتي ... ما العمل؟ فالشبـيبة تطمع كثيراً بالتسلية ... المدينة الكبيرة ... الثياب ... الكثير من الإغراءات ... نعم وكان ينبغي أن أصلح المزرعة. كانت الالتزامات قصيرة الأجل. لم أفكر بأنك ستغيرين قرارك, وأن كل شيء سيجري هكذا! أنا لا أقول هذا كي ألومك, ولكن كي أشرح لك. والآن, بعد أسبوع, ستباع ممتلكاتي في المزاد العلني لعدم سداد الدين. وأنا مفلس ... مفلس نهائياً في شيخوختي, وبين يدي كومة أطفال ... عندي خمسة منهم إضافة إلى زوجتي العجوز.‏

- ما هو مجموع دينك؟‏

ارتبك أوسكار غوتليب.‏

- مبلغ كبير, لا بأس به, بالنسبة لمواردي طبعاً. مئتا ألف ...‏

فكرت إلزا.‏

- تفضل انتظر وسأعطيك الجواب الآن.‏

لم يتوقع غوتليب أن يجري كل شيء بتلك البساطة, فأخذ يشكرها مقدماً بحرارة وذل.‏

مرت إلزا عبر غرفة السكرتاريا الخاصة, التي لم يكن فيها أحد بعد على الرغم من أن العمل كان قد ابتدأ في هذه الساعة.‏

فكرت إلزا: "غريب ما الذي يعنيه هذا؟"‏

ودخلت إلى غرفة كارل غوتليب حيث عمل شتيرنر على نحو دائم فوجدته هنا.‏

- شتيرنر, لقد أتى أوسكار غوتليب إلى هنا ...‏

رفع شتيرنر حاجبيه.‏

- وجدوه؟ أم أنه قام من بـين الأموات؟ وماذا في ذلك, الأفضل أن يأتي متأخراً من أن يأتي في غير وقته. ماذا يريد؟‏

- يلتمس نقوداً ... ستباع ممتلكاته في المزاد العلني.‏

- كم؟‏

- يقول إن ممتلكاته مرهونة بمئتي ألف.‏

صعر شتيرنر وجهه.‏

- يكذب! ممتلكاته بكل موجوداتها لا تساوي مئة ألف. رمل ونتآت ... سنعطيه مائة ألف وليتوارَ!‏

- اسمع يا شتيرنر, رغم ذلك أنا أشعر أنني مذنبة بغير إرادتي في تعاسته, ثم ... إنه مسكين جداً ... لم يكن من السهل عليه أن يأتي إلى هنا. أعطه مئتي ألف من فضلك!‏

انفجر شتيرنر ضاحكاً.‏

- من فضلك! هذا رائع! رئيسة بيت الصيارفة تطلب من مرؤوسها باحترام شديد! كل شيء ملكك, يا آنسة غليوك, وكلمتك قانون. عملي بسيط: أن أدير الدولاب وأنفذ أوامر المسؤولين.‏

وقع شيكاً بمبلغ مئتي ألف بسرعة, ثم وضع دفتر الشيكات في الطاولة وأغلقها بالمفتاح.‏

- هاك الشيك.‏

- أشكرك.‏

- ثانية! متى ستتعلمين أن تكوني ربة عمل؟‏

خرجت إلزا من غرفة المكتب وقدمت الورقة إلى غوتليب.‏

- تناول شيكاً بمبلغ مئتي ألف ...‏

أخذ أوسكار غوتليب الشيك بيد تهتز من الاضطراب, وعاد يشكرها مجدداً ويعتذر.‏

أجابته إلزا بحيرة:‏

- من فضلك, لا تشكرني, من الأفضل أن تحدثني ما الذي حصل معك؟ أين اختفيت بعد جلسة المحاكمة؟!‏

جلسا مجدداً.‏

- مرضت ... مرضت, وكان مرضي غريباً جداً. عندما خرجت من المحكمة اعتراني فجأة خوف من الناس وخجل ... كنت أخجل من الظهور أمام أعينهم. أنت تعلمين أن صور جميع المشاركين في المحاكمة القضائية قد طبعت في جرائد كثيرة. وتهيأ لي أن كل عابر سبـيل, وكل سائق عربة اجتازني, وحتى الأطفال يشيرون إلي بأصابعهم ويقولون: "ها هو ذا الشخص الذي حرمه أخوه من التركة بسبب تصرفه غير اللائق!" وهكذا, بما أن أحداً لم يعرف ماهية هذا التصرف غير اللائق, فإن كل واحد كان يستطيع التفكير كما يحلو له: من الممكن أنني قمت بالتزوير – قلدت توقيع أخي على الحوالات. ومن الجائز أنني اعتديت عليه محاولاً تسميمه. لذا هربت ...‏

تنهد العجوز.‏

- نعم لقد عشت كثيراً من الدقائق المرة يا آنسة ... هربت إلى مكان قريب جداً. لقد بحثوا عني في كل العالم, أما أنا فعشت في هذه المدينة ذاتها. اختبأت في مكان أمين عند صديقي العجوز الوحيد. وقلت له: "سأقتل نفسي إذا أفشيت سر وجودي حتى لشخص ‎واحد". لكن لم يكن هناك داع للحديث عن ذلك, فهو لم يكن سيفشيه حتى دون تحذير.‏

ابتسمت إلزا:‏

- لكن, اعذرني, ألم تخجل من هذا الصديق؟‏

- لا! والمدهش في الأمر, أنني لم أكن أعرف عنوانه, لكنني وجدت شقته بحدس غير مفهوم … وهكذا مضيت ووصلت … وما لا يقل إدهاشاً أيضاً أن صديقي استقبلني بطريقة وكأنه كان ينتظر هذا اللقاء, على الرغم من أننا لم نر بعضنا بعضاً عدة سنوات, كما أننا لم نتراسل. لم أتفرغ للبحث عنه وزيارته مدة طويلة. قال لي ببساطة: "ها أنت ذا قدمت".‏

عشت عنده وكنت أعاني طوال الوقت من شعور الخوف والخجل. كنت في أمسيات بعض الأحيان, كما لو أنني أثوب إلى رشدي. حتى إنني كنت أفكر بالخروج في اليوم التالي لاستنشاق الهواء النقي. لكن في الليل, كنت أشعر فجأة بالخوف والخجل المحرق يملآن نفسي ثانية, وبجذور شعري تتحرك على رأسي ... وسوسة ما تماماً! كنت أخبئ رأسي بإحكام بالملحفة, وأستلقي متوارياً خائفاً من أن أتحرك. وفي الصباح لم أكن أذهب إلى المطعم متذرعاً بألم في الرأس. كانت الستائر مسدلة بإحكام على نوافذ غرفتي.‏

قالت إلزا متأملة:‏

- كم هذا غريب!‏

- قرأت الجرائد, وتتبعت أعمال البحث عني وقد تجمدت من الخوف. لقد سارت في طريق خاطئة. وخلال كل تلك الفترة ابتسمت مرة واحدة فقط عندما قرأت في الجرائد أنهم "وجدوني" في مكان ما من الأرجنتين. لقد نسيت الآن في أي مدينة. طبعاً, تبـين أن ذلك خطأ. كان "شبـيهي" مزارعاً قدم إلى تلك المدينة في عمل خاص. وبالحكم على الصورة في الجريدة فقد كان يشبهني حقاً.‏

- وهل دامت طويلاً هذه الحالة لديك؟‏

- تماماً إلى ذلك اليوم الذي أصدر فيه آخر مرجع قضائي قراراً قطعياً ونهائياً لصالحك في القضية. عندئذ هان علي كل شيء فوراً, فعدت إلى المنزل حيث أقمت إلى أن استلمت إشعاراً بالمزاد الذي سيجري. فقررت أن الشخص الوحيد الذي يمكنه إنقاذي...‏

لم يكمل كلامه لأن زاوير وإيما فيت دخلا إلى الغرفة, فنهض غوتليب وأسرع خارجاً.‏

أذهل مظهر زاوير وإيما إلزا. كان زاوير يرتدي ثوباً رسمياً, وارتدت إيما فستاناً أبـيض مع باقة من الأزهار البـيضاء على صدرها. كان وجهاهما متهللين, وتأبط زاوير ذراع إيما.‏

- اسمحي لي يا آنسة غليوك أن أقدم زوجتي إيما زاوير. باركي لنا فقد تكللنا.‏

امتقعت إلزا ونهضت, فاندفعت إيما لتقبلها. لكنها توقفت مترددة وقد شاهدت حيرة إلزا.‏

تغلبت إلزا على اضطرابها وقبلت إيما ببرود, ومدت يدها لزاوير.‏

كانت إيما سعيدة جداً لدرجة لم تلحظ معها هذه البرودة. وأخذت تتمتم وقد شبكت ذراعيها على صدرها مثل الأطفال.‏

- أوتو هذا مضحك جداً.‏

وألقت نظرة مشرقة على زوجها.‏

- كنت وإياه في المسرح بالأمس فقال فجأة: "ينبغي أن نتكلل أنا وأنت الآن. لنذهب"‏

سألت إلزا:‏

- وهل عزمت على ذلك فوراً؟‏

صعرت إيما وجهها تصعيرة مضحكة جداً قالت فيها: "ومن يرفض السعادة".‏

- حدث كل شيء تلقائياً, بطريقة ما, فلم ننتظر نهاية المسرحية رغم أنها كانت ممتعة جداً ... عرضت تمثيلية ... يا إلهي, لقد نسيت!.. لكن أيها؟ هذا كله يستوي … ذهبنا نبحث عن الكاهن. لحق أوتو بذلك العجوز المضحك النعسان قبل أن يأوي إلى الفراش! فقرأ شيئاً ما. مرة وأخرى وكله جاهز! هل ستغضبين مني يا إلزا؟.‏

سألتها فجأة بوجل غير متوقع.‏

ارتسمت ابتسامة عفوية على وجه إلزا وهي تشاهد هذه السذاجة الطفولية, ثم عانقت صديقتها بشعور صادق وقبلتها.‏

- هل يمكن أن أغضب من الدمية؟ هل أنت سعيدة؟‏

أجابت إيما وقد قطبت حاجبـيها:‏

- للغاية!‏

لكن بسمة إلزا اختفت من وجهها عندما وقع نظرها على زاوير, الذي كان ينظر إلى إيما بعينين ولهانتين. وفكرت: "كلا , هذا الزواج ليس انتقاماً من جانب زاوير. فهو يحب إيما حقاً ... إنها وسوسة ما, وسوسة! من قال هذه الكلمة؟ نعم, أوسكار غوتليب … لقد تحدث عن الوسوسة . ما الذي يعنيه كل هذا؟ أنا أشعر مجدداً بأن أفكاري بدأت تتبلبل ..."‏

- آ - آ, زوجان حديثا القران!‏

قطع صوت شتيرنر الواقف عند باب غرفة المكتب سلسلة أفكارها.‏

فكرت إلزا بتعجب: "هل عرف؟"‏

كان من الصعب عليها احتمال مشهد المباركة مرة أخرى, خصوصاً بوجود شتيرنر. فخرجت خلسة.‏

قال شتيرنر بمرح:‏

- أهنئكما, أهنئكما.‏

صافح زاوير يد شتيرنر بقوة وبأكثر الأشكال حفاوة. وبدا كما لو أنه لم يتبق أثر من العداوة السابقة.‏

قالت إيما:‏

- نحن نفكر أن نسافر اليوم مساء لقضاء شهر العسل. هل ستعارضان أنت وإلزا؟‏

ارتسمت على وجه شتيرنر تعابـير التبرم, لكنه ابتسم لإيما بلطف فوراً.‏

- طبعاً, مفهوم, أيتها الدمية الرائعة!.. إلى أين تفكران بالسفر؟‏

- إلى نيس أو إلى النرويج. لم نقرر بعد. أوتو يريد النرويج وأنا أريد نيس ...‏

قال شتيرنر وهو يبتسم:‏

- هل يعني هذا أنكما ستقومان برحلة الزواج منفصلين؟‏

ثم تابع:‏

- سيتجمد أنفك الصغير في النرويج الآن. ينبغي أن تعتني بها يا زاوير. سوف تذهب إلى نيس, طبعاً!‏

- إذاً, الوداع. علينا أن نستعد للسفر!‏

وأمسكت زوجها من يده وشدته نحو المخرج.‏

- أسرع, أسرع يا أوتو, أنت أخرق جداً! أنا متأكدة أنني سأتأخر وإياك عن موعد القطار في كل الأمكنة!‏

عاش زاوير في فليغيل في شقة صغيرة مريحة.‏

هرع الشابان بانتعاش ومرح, وأخذا يرتبان الحقائب باستعجال ويتحدثان دون توقف.‏

- وهكذا, أ إلى نيس؟‏

- وما العمل؟ إلى نيس إذاً إلى نيس.‏

- يا إلهي, يجري كل هذا بتلك السرعة كما لو أننا نعاني حريقاً!.. يا لها من حقيـبة ثقيلة.‏

- يمكننا ألا نسافر ... ينبغي أن نرمي الكتب منها ... أعطني أدوات الزينة ...‏

- لن نسافر؟ إذاً أنت جننت! طبعاً سوف نذهب! لكن ثوب السفر؟‏

- سنشتريه بطريقنا. فستانك الرمادي مناسب جداً من أجل البداية.‏

جلسا على الأرض أمام الحقيـبة الكبـيرة, وأخذا يرميان الكتب. وفجأة تسمرا لمدة دقيقة, كما لو أنهما يستمعان لفكرة ما, ثم نظر أحدهما إلى الآخر بتعجب. وأخيراً سألت إيما:‏

- ما لنا نجلس على الأرض مثل البلهاء الصينيـين؟ لماذا جررت هذه الحقيـبة؟ هل عليك أن تذهب لقضاء عمل؟‏

أجاب زاوير:‏

- أنا لم أعتزم الذهاب إلى أي مكان. لا أعرف لماذا سحبت الحقيـبة. من الجائز أنك رغبت في مشاهدة هذه الكتب؟‏

- كتب؟ هذه الكتب المملة؟ يا لنا من غبـيـين! لقد جننا من السعادة!‏

ثم نهضت بعد أن ضحكا ضحكاً رناناً, وقفزت فوق الحقيـبة وقبلت زاوير.‏

عبس زاوير. فلسبب ما, أجبرته حادثة الحقيـبة المسحوبة على الاستغراق في التفكير.‏

- ما لك تجهمت؟ هل أنت مستاء مني؟‏

وأحنت رأسها بذلك المكر, بحيث عاد زاوير إلى مرحه من جديد وقال مبتسماً:‏

- مستاء طبعاً, إذ لم تكادي تسكنين معي حتى نشرت الفوضى!‏

- كلمة شرف, لست أنا وإنما هي وحدها!‏

وأشارت بقدمها إلى الحقيـبة.‏

- عودي إلى مكانك! عودي! هيا ساعدني أيها الثقيل.‏

دفعت إيما وزاوير الحقيـبة إلى ما تحت السرير. ولم يعد أي منهما يتذكر شيئاً عن السفرة قط.‏

12 - الساعة السادسة مساء‏

- لا تنسي يا إلزا, أن غداً هو الأحد. سأتسلم جوابك في الساعة السادسة مساء. أما الآن فأنا مغادر المدينة في عمل مستعجل. سأعود في المساء أو صباحاً. مع السلامة!‏

خرج شتيرنر من الحديقة الشتوية. بقيت إلزا وحدها, لكنها لم تفكر بجوابها لشتيرنر. كانت أفكارها متجهة إلى ناحية أخرى. لم تستطع أن تتعافى من الضربة, التي سببها لها زاوير بزواجه المفاجئ من إيما فيت. أحست بوحدتها إحساساً لم يسبق لـه مثيل.‏

تحركت السمكات الذهبـيات ببطء في الحوض, وهي تلتمع عند انعطافها هازة أذيالها الطرية بسلاسة.‏

حسدتهن إلزا. لقد عاشت السمكات في الأسر ضمن صندوق زجاجي مثلها هي, لكن كان لديهن مجتمعهن الصغير اللعوب, كما أنهن لم يعرفن الشكوك المضنية. لقد شعرت بنفسها أكثر تعاسة مما في أصعب أيامها في الحياة العملية. ما الذي أعطتها الثروة إياه؟‏

فالمحاكمة القضائية التي احتوت على سر ما والثروة فصلاها عن الحشد الصاخب للناس البسطاء الذين يعيشون كما يحلو لهم, فيتنزهون في الطرقات, ويذهبون إلى السينما. لقد استدعى الاهتمام كل خروج لها, ولاقتها آلاف النظرات الفضولية, لذا أعرضت عن الخروج. لم توجد لذات لا تستطيع أن تسمح بها لنفسها, ومع ذلك حرمت منها جميعها. فقط الحائط الزجاجي هو ما يفصل بـينها وبـين العالم الواسع المتلون بجميع الألوان. لكن هذا الحائط كان لا يقهر بالنسبة إليها, فهمست والحسرة في صوتها.‏

- ما أكثر تعاستي! ما أشد تعاستي!‏

وهكذا دقت الساعة دقاً مدوياً تردد في الغرف الفارغة مثلما حصل بالأمس ومثلما حصل في اليوم الثالث, وكما حصل في أيام كثيرة سابقة. زأرت سيارة في مكان ما بالأسفل, كان المغادر هو شتيرنر ... شتيرنر! علي أن أعطيه الجواب غداً. وشعرت أنه الموعد الأخير.‏

- لماذا ينبغي علي؟‏

مر الوقت. ومن الغريب أن أفكارها اتضحت أكثر فأكثر بعد رحيل شتيرنر, كما لو أن غشاوة قد انقشعت عن عينيها. أوسكار غوتليب ومرضه الشبـيه "بوسوسة ما". حب زاوير الغريب والمفاجئ لإيما والشبـيه بوسوسة…‏

وكل هذه السلسلة من التصرفات غير المنطقية والخرقاء والمتناقضة لدى الناس المحيطين بها منذ لحظة وفاة كارل غوتليب؟ أليس كل هذا شبـيهاً "بالوسوسة"؟ ها هي ذي الكلمة التي تعطي مفتاح السر! لكن من أين تأتي هذه الوسوسة؟ من يقف وراءها؟ شتيرنر! وحده. شتيرنر!‏

وماذا لو كان سبب كل هذا؟ حديثه الغريب في القارب, وتلميحاته إلى وجود سلاح ما جبار يستطيع بمساعدته إخضاع العالم. هل يعقل أن ذلك ليس ثرثرة فارغة؟ هل يعقل أنه يمتلك الوسيلة, وأنه يلعب بالناس مثلما تفعل الهرة بالفئران نصف المخنوقة؟ لكن من أين لـه هذه القوة؟ ما هو كنهها؟ من هو, قارئ غيب, كاليوسترو جديد؟ أم سفينغالي؟‏

وفجأة شعرت إلزا بتلك البرودة التي جعلتها ترتجف.‏

تمثل شتيرنر لها حدأة تنقض على طائر في البرية, وأنها هي هذا الطائر. ألا تهرب؟ كلا, لا مكان تهرب إليه من هذا الشخص. لن يفلتها من براثنه القابضة عليها.‏

نهضت إلزا وهي تتنفس بصعوبة, ثم هوت مجدداً على الأريكة وتملكها الرعب. ثم صرخت فجأة بطريقة جعلت الطيور تطير من الأغصان مرفرفة وخائفة.‏

ردد الصدى كلماتها بوضوح في القاعة.‏

- لا, لا, لا!‏

ومن الغريب أن الصدى المفاجئ نشطها على نحو ما, كما لو أن شخصاً ما قد ساندها, وكما لو أن صديقاً خفياً كرر لها "طبعاً , لا!". لا يجوز أن تستسلم دون مقاومة, لا يجوز أن تصبح لعبة معدومة الإرادة بيد شخص آخر, أو أن تسلم نفسها لإنسان تكرهه.‏

دخلت إلى القاعة كي تهدأ, وفكرت وهي تطوف في القاعة: "ما العمل؟ ما العمل؟". وبالمصادفة وقع نظرها على لوحة يظهر فيها فارس ما بدوي على حصان عربي, يلبس رداء أبـيض خفاقاً مع قلنسوة, وينطلق مندفعاً في الصحراء هارباً من متعقبـيه الذين أدركوه.‏

"هكذا تنبغي مقابلة خطر الموت! من الممكن أنه مات, لكنه ناضل حتى النهاية ... الهروب! الهروب مهما حدث !".‏

اقتربت إلزا من البـيانو وجلست على الصندلية(1). وفجأة جال أمامها مشهد غير قديم, عندما وقف شتيرنر واستمع إلى موسيقاها. لم يسبق قط أن أثار لديها وجهه الطويل والشاحب مع ابتسامته الهازئة مثل هذا الارتعاد والقرف.‏

"الهرب دون إبطاء! لكن كيف؟ حتى النقود لا توجد لدي!"‏

وهمست بحرقة:‏

- مليارديرة! مليارديرة - شحاذة!.. بالأمس فقط أهدت غوتليب مئتي ألف, لكنها لم تأخذ لنفسها نقوداً من شتيرنر قط. شيء ما أمسكها عن ذلك, قد تكون الكرامة.‏

نعم ولماذا كانت تلزمها النقود؟ فهي تقريباً لم تذهب إلى المدينة قط. ولو حصل أنها اشترت شيئاً ما, فإنهم كانوا يوصلونه إلى البـيت, وكان شتيرنر يدفع لهم.‏

تذكرت فجأة أنه ينبغي أن تكون قد بقيت نقود في حقيبتها النسائية من آخر أجر استلمته. فذهبت بسرعة إلى غرفتها وفتحت الحقيبة باضطراب. كانت النقود في مكانها. لم تكن كثيرة, ولكنها تكفي للمغادرة. وبعد ذلك؟ يمكن لأي مصرف في كل مدينة أن يفتح لها اعتماداً غير محدود, ولكنهم سيرسلون الحوالة إلى مصرفها من أجل الدفع, وعند ذلك سيعرف شتيرنر إلى أين غادرت.‏

فكرت إلزا :‏

- أخ, كله سواء! من الأفضل أن تكون معدمة, على أن تذعن لما ينتظرها هنا ...‏

ارتدت ثيابها على جناح السرعة وهبطت إلى الطبقة الثانية. استلقى كلب كبـير مبقع عند باب المدخل وهز ذنبه بلطف عندما رآها. مسدته إلزا وأرادت تحريكه من مكانه, لكن الكلب الكبـير لم يتحرك. قامت بمحاولة لتجاوزه وفتح الباب, فوثب الكلب فجأة وشب ووضع قائمتيه الأماميتين على كتفيها, وهو يزمجر مهدداً ودافعاً إياها إلى الوراء. كانت خائفة من هذه النزوة المفاجئة للكلب فتراجعت, وقالت بلطف:‏

ما بك يا بوتسيفال؟‏

هز الكلب ذنبه, ولكنه زمجر زمجرة أكثر تهديداً لدى محاولة إلزا الثانية. لقد ترك شتيرنر حرساً مخلصين! هل تنادي طالبة المساعدة؟ لم ترد أن تثير ضجة. وفجأة دارت في خلدها فكرة. مضت بسرعة إلى غرفة مكتب غوتليب فوجدت الباب مفتوحاً.‏

الجلوس في المقعد المنتصب على أرضية المصعد وضغط الزر يتطلب دقيقة واحدة.‏

وهبطت إلى قسم المصرف فرحة بنجاحها.‏

"لقد فقتك في الدهاء يا شتيرنر!"‏

نظر الحراس بتعجب إلى ظهورها غير المعتاد, فخافت أن يكونوا قد حصلوا على أمر من شتيرنر بألا يدعوا أحداً يخرج. ولكنهم سمحوا لها بالمرور باحترام. اجتازت إلزا عتبة المبنى الذي أصبح بغيضاً بالنسبة إليها وقلبها ينبض بقوة.‏

تنشقت ملء صدرها هواء الربـيع, واختلطت بجمهور الشارع. يا لها من سعادة! لقد كانت حرة. انعطفت عند الزاوية ,واستقلت سيارة أجرة, وأمرت سائقها بالذهاب إلى أقرب محطة قطارات. فقط لتبتعد من هنا بأسرع ما يمكن!‏

شاهدت في المحطة حمالاً سألها إلى أين تريد أن تحجز البطاقة.‏

- كله سواء ... كم يمكنني أن أقطع بهذه النقود ...‏

ارتكبت إلزا عملاً طائشاً بإبهارها للحمال, إذ تركت أثراً في ذاكرة هذا الشخص, وبذلك قدمت خيطاً للبحث عنها. لكنها كانت مثل المحمومة, ولم تتبصر في كلماتها.‏

هدأ توترها العصبي فقط بعد أن أطلقت القاطرة البخارية صافرتها لآخر مرة واهتزت العربة بسلاسة. كانت حتى الدقيقة الأخيرة خائفة من مطاردة شتيرنر, على الرغم من معرفتها بعدم وجوده في المدينة.‏

كانت جاهزة لتبكي من الفرح عندما مرت ضواحي المدينة بسرعة وتكشفت الحقول. أكسبت شمس المساء أبنية المزارع لوناً ذهبـياً. ورعت القطعان وهي تتسكع ببطء فوق العشب الربـيعي الأخضر الزمردي. قادها كل شيء إلى الابتهاج. لم تتوقف عن النظر من النافذة والغناء بمرح:‏

أنا طائر حر وأريد أن أطير!‏

لم تفكر بالمستقبل. لقد ثملت من الحرية. واستغرقت في التفكير فقط عندما غابت الشمس وغطى الظلام سطح الأرض فأشعلوا النور في العربة.‏

- إي, لن يحدث أسوأ مما كان!‏

ثم خلعت ثيابها بسرعة وغفت بقوة وقد أنهكها القلق الذي عاشته, لكنها أفاقت فجأة كما لو أنها تعرضت لصدمة, وتطلعت حولها بحيرة. عربة ... كيف وصلت إلى العربة؟ تنامى الاضطراب في نفسها بسرعة, وكذلك شعور ما لم يكتمل بعد. نما هذا الشعور وتقوى وتوضح.‏

إلى الوراء! يجب أن تعود الآن دونما إبطاء إلى موضعها السابق! شتيرنر! شتيرنر الحبـيب! إنه ينتظرها! ومثل أمامها الوجه الحزين والعزيز دائماً, كما رأته عندما عزفت على البـيانو.‏

لبست بسرعة وخرجت إلى الممشى. توجه المسافرون النعسون كي يغتسلوا حاملين مناشفهم بأيديهم. كانت ساعة باكرة من الصباح.‏

- قل لي أيها المرافق, هل سنصل المحطة قريباً؟‏

أخرج المرافق السمين ساعة فضية كبـيرة ببطء يثير الاستياء, وفتح الغطاء دون استعجال ثم أجاب:‏

- بعد عشرين دقيقة يا آنسة.‏

ضربت إلزا الأرض بكعبها.‏

- شيء فاضح, كم هو طويل الانتظار! ومتى سينطلق قطار العودة.‏

- القطار المعاكس سينطلق في الوقت ذاته.‏

عضت إلزا شفتيها بسبب اللهفة. وفي النهاية عندما اقترب القطار من المحطة خرجت منه راكضة وهو يسير تقريباً, ودخلت إلى عربة القطار المقابل الذي سيقفل عائداً .‏

لم تكن تملك بطاقة فكتب المراقب محضراً, لكن إلزا لم تلاحظ حتى ذلك وهي تجيب تلقائياً على جميع الأسئلة. وقد نظر المراقب إليها باحترام وفضول عندما ذكرت كنيتها.‏

لم تجد إلزا مكاناً لها بسبب نفاد صبرها. خرجت من حجرتها وانتقلت من نافذة إلى نافذة مثيرة انتباه المسافرين بشكلها الغريب وحركاتها المضطربة. كانت جاهزة لتبكي بسبب الكدر الناجم عن أن القطار السريع يسير بذلك البطء. وسألت في كل دقيقة:‏

- هل سنصل قريباً؟‏

أخذ المسافرون الذين ملوا من الإجابة على استفساراتها يتحاشونها. عندئذ ذهبت إلى حجرتها, انبطحت على الأريكة, ضغطت صدغيها إلى حدود الألم, وكررت كما لو أنها تهلوس:‏

- لودفيغ! لودفيغ! لودفيغ!.. متى سأراك؟‏

توقف القطار أخيراً. فانطلقت إلزا عبر الرصيف وعبر القاعة وهي تدفع المسافرين, ثم ركضت من محطة القطارات ووثبت إلى داخل سيارة.‏

- إلى مصرف إلزا غليوك! أسرع, أسرع, أسرع! بأقصى سرعة ممكنة.‏

وقف شتيرنر وسط غرفة المكتب منتظراً إلزا, التي اقتحمت الغرفة بشعر أشعث وارتمت نحوه وعانقته بقوة وهي تنشج.‏

- لودفيغ, عزيزي, وأخيراً!‏

انعكست السعادة والحزن على وجه شتيرنر, وقال بصوت خافت وهو يقبل إلزا على عينيها المغلقتين:‏

- أنت لي!‏

ودقت الساعة السادسة.‏

(1) الصندلية: كرسي دون مسند.‏

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244