سلطان العالم ـــ تأليف: ألكسندر بليايف ـ ترجمة : خالد داود

رواية مترجمة من الخيال العلمي ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2004

Updated: Sunday, February 27, 2005 10:26 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

القسم الثالث

1 - بـيت صغير عند البحر‏

تأرجحت أوراق النخيل التي حركها هواء ساحلي معتدل تأرجحاً رتيباً, مثل مروحة ضخمة حركتها يد خفية. لفحت الشمس دون رحمة رغم أنها كانت في ساعة مبكرة. وسقطت من النخيل على الأرض ظلال سوداء ضاربة إلى الزرقة.‏

انتصب على سفح الجبل بـيت صغير ذو سقف مستو وشرفة واسعة تطل على ساحل المحيط. وامتدّت غابة استوائية خلف المنزل. احتشدت النخلات بكثافة حول البـيت وأخفينه عن القيظ بأوراقهن العريضة. وزنَّر سور حي من نباتات شوكية قطعة الأرض حول الدار. انتصب المنزل منفرداً. ووُجِدَت مدينة صغيرة خلف سلسلة جبلية غير عالية.‏

جلست امرأة شابة شقراء على الشرفة لتناول قهوة الصباح, وقد ارتدت بذلة صيفية بـيضاء, وانتعلت بقدميها العاريتين حذاء مضفوراً من منتجات محلية.‏

سأل الخادم العجوز الذي يرتدي قميصاً فضفاضاً وسروالاً أبـيضين, وينتعل مثل ذلك الحذاء المضفور:‏

- هل تريدين فنجاناً آخر؟‏

- كلا, يا هانس, أشكرك. يمكنك إبعاد القهوة. كيف حال قدميك يا هانس؟‏

- أشكرك, ممتاز. لقد شفتني هذه الشمس شفاء رائعاً. قليلاً جداً أيضاً وسوف أرقص!‏

- هل السيدة شميتغوف في المنزل؟‏

- ذهبت لجلب المؤونة. ينبغي أن تعود قريباً. هل تحتاجين لأي شيء يا سيدتي؟‏

- كلا, أشكرك, لا بأس.‏

خرج هانس. تنهدت إلزا وتناولت المروحة المصنوعة من أوراق النخيل, وأدارت الكرسي الخفيف المضفور نحو المحيط, ثم أخذت تنظر إلى أشعة الشمس الصباحية المتلألئة على سطح الماء وهي تلوح بالمروحة بهدوء.‏

انقضت سنوات ثلاث منذ ذلك الزمان الذي انتقلت فيه للإقامة هنا مع إيما وطفلها الصغير والسيدة شميتغوف التي توسلت كي تأخذها معها.‏

كان هانس خادم كارل غوتليب العجوز أول شخص التقته هنا. لقد كان ذلك الشخص المؤتمن الذي كلفه شتيرنر قبل انسحابه أن يهتم بإلزا. سعى شتيرنر"لتثبـيت" وفاء هانس بإشعاع فكري ذي قوة كبـيرة. حقق شتيرنر آنذاك نجاحاً كبـيراً في الإيحاء الفكري لمدة طويلة. فلقد حضَّر نفسه كي يوحي لذاته بأن "يتقمص شخصية" مدى الحياة. كان هانس التجربة الأولى في هذا الاتجاه. وابتسم شتيرنر مسروراً بعمله عندما انتهت التجربة على هانس وأعطت نتائج مستقرة تماماً وفقاً للاختبار. وفكر وهو يطلق هانس: "كم هو سهل الآن أن تجعل من الناس أوفياء ومخلصين!".‏

لكن هذا الوفاء المثبَّت صنعياً بالإيحاء كان للحيطة فقط. فهانس وفقاً لكل الاحتمالات كان سيبقى مخلصاً من دون إيحاء, وكان سينفذ كل أوامر شتيرنر بدقة. وقد وضع باسم هانس مبلغاً ضخماً في مصرف المدينة المجاورة, لكن المالكة المطلقة للنقود والمنزل كانت إلزا.‏

لقد أعجبتها جداً هذه الزاوية المعزولة الهادئة والبعيدة عن المراكز الصاخبة وعن كل ما يمكن أن يُذكِّرها بالماضي. أرادت شيئاً واحداً: أن ينسوها بسرعة.‏

كان انتقالهم إلى هنا شبـيهاً بالهروب. لم يقولوا لأحد إلى أين يذهبون, وغادروا فجأة دون إنذار, لا بل إنهم غيَّروا كُناهم هنا. أخذت إلزا تُسمّي نفسها بـيكر على كنية العجوز الطيبة التي آوتها وربتها في طفولتها. واتخذت إيما كنية أمها المرحومة قبل الزواج - شبـيلمان. فقط شميتغوف هي من استبقى الكنية السابقة وقالت:‏

- لقد تعودت كثيراً جداً على كنيتي, وسوف أتبلبل إذا استبدلتها. ثم ... من المحتمل ألا يكون هذا قانونياً, وأنا أخاف من المسؤولية.‏

عاشت المستعمرة حياة هادئة ومسالمة. وخوفاً من الانكشاف لم يتبادلوا الرسائل مع أحد, حتى إنهم لم يحصلوا على جرائد. وأدارت شميتغوف مع هانس الاقتصاد الصغير. المربـية ذات البشرة السوداء ساعدت إيما في الاعتناء بالطفل. وعمل زنجيان في الحديقة وببستان الخضار, كما اعتنيا بزوج من الأحصنة وحمار. لم تكن هناك حاجة إلى الأحصنة تقريباً. فنادراً ما كانت إيما تمتطيها مع ابنها للقيام بنزهة, إذ كانا يكتفيان عادة بالتنزه مشياً على شاطئ المحيط.‏

اسمرَّ الجميع إلى درجة جعلت من الصعب التعرف إليهم, وخصوصاً أوتو الصغير أو كريبـيش كما كانوا ينادونه. كان سيشبه تماماً طفلاً من تلك المنطقة بشعره الأسود والأجعد, وبلونه البرونزي الناجم عن تلويح بشرته العارية دائماً تقريباً, لولا ملامح وجهه الأوربـية.‏

ملَّت إيما قليلاً في بداية الوقت دون جو المدينة الكبـيرة المعتاد, لكنها سرعان ما اعتادت الحياة الجديدة. تركت هموم الطفل قليلاً من أوقات الفراغ, وبرزت الحمرة السابقة على وجنتيها من خلال تلويح البشرة, كما تشابك ضحكها مع ضحك طفلها غالباً الآن, مثل جرسين رنانين ملأا برنينهما أنحاء البـيت الصغير.‏

عزفت إلزا على البـيانو أحياناً في الأمسيات, فهي لم تستطع الاستغناء عن هذه العادة الثقافية. كان الطفل ينام. وتستوي إيما عند قدمي إلزا على الحصيرة وتصمت.‏

فكَّرت كل واحدة منهما بأمورها.‏

كانت إلزا تنهض متأخرة, وتصغي إلى الأصوات المرحة التي كانت ترن عند ساحل المحيط وهي تتناول قهوة الصباح وترسم ابتسامة خرساء.‏

كان كريبـيش يختفي على الشاطئ كل الأيام, إذ كان يجمع القواقع والأحجار ويصيد السراطين ويعيد إلى الماء الأسماك الصغيرة التي ترميها أمواج المحيط إلى الشاطئ.‏

خافت إيما الجبانة من كل شيء أول الوقت. خافت أن يجرف المحيط الهائج منزلهم, خافت من العقارب والأفاعي التي يمكن أن تزحف إلى المنزل, خافت من الأسود. وُجِدَت الأسود هنا في الحقيقة, لكن بعيداً في عمق الغابة, ولم تقترب قط من المنزل. سمع قاطنو البـيت مرة أو مرتين فقط زئيرها البعيد, فأيقظت إيما المرعوبة إلزا ... لكنها اعتادت كل شيء فيما بعد.‏

لوَّحت إلزا بالمروحة تلويحاً بطيئاً وهي تتابع اليخت الأبـيض الذي بان في المحيط عند مدخل الخليج. لم يكن نادراً أن تتحرك قوارب صيادي الأسماك المحليين عبر الخليج. وكان ظهور مركب أوربي حدثاً بالنسبة لقاطني هذه البقعة الهادئة فقد جانبت الطرق البحرية المكان. كانت المراكب الصغيرة تظهر في الأفق أحياناً, لكنها كانت تمرُّ دون توقف أو تَدخلُ إلى مرفأ المدينة المجاورة. في هذه المرة انعطف اليخت الأبـيض نحو الخليج.‏

أحسَّت إلزا بشعور كريه لدى إنسان يخاف أن راحته وترتيب حياته المعتاد يمكن أن يختلا.‏

تهادى اليخت باتزان وهو يقترب من الشاطئ. ورفرف علم أحمر على اليخت.‏

فكّرت إلزا: "غريب".‏

وفي هذه الأثناء رسا اليخت على الشاطئ.‏

كان مسموعاً كيف شرعت سلسلة الياطر تدمدم.‏

طُويت الأشرعة فبدأ اليخت يتهادى في مكانه, ونزل إلى القارب بحاران وثلاثة أشخاص في بذلات بـيضاء, وهم يعتمرون خوذات فلينية على رؤوسهم. أقلع القارب. ثم نزل أولئك الثلاثة الذين يلبسون الأبـيض إلى الشاطئ عند ذلك المكان حيث وجدت إيما مع الطفل والمربـية السوداء. صمتت أصوات الأجراس. التصق كريبـيش بأمه ونظر بخوف إلى الناس الغرباء. أخرج البحارة حزماً من القارب, ونقلوها وهم يغطسون في الماء حتى أحزمتهم, ثم رتبوها على الشاطئ. اقترب رجل يلبس الأبـيض من إيما وانحنى, ثم نزع الخوذة الفلينية وقال شيئاً ما وهو يشير إلى الحزم. هزَّت إيما رأسها. فكَّ البحاران والثلاثة الذين يلبسون الأبـيض الرزم, وأخرجوا أطواقاً ومشمعاً وحبلاً. وأخذوا ينصبون خيمة. هذا ما كان ينقص أيضاً! لماذا هنا بالضبط؟‏

قالت إيما شيئاً ما للمربـية التي حملت الطفل بـيديها, وصعد الثلاثة بسرعة على الطريق الحجرية نحو البـيت. أخذت إلزا تُلوِّح بالمروحة بسرعة متزايدة وهي تنتظرهم بفارغ الصبر. سبقت إيما المربـية والطفل, وكادت تركض نحو الشرفة. شاهدت إلزا وجه إيما المضطرب والممتقع, ومن غير المعروف لماذا أخذت تقلق هي نفسها.‏

سألت إلزا صديقتها التي صعدت درجات السلم الخفيفة راكضة إلى ظل الشرفة الكثيف:‏

- من هؤلاء؟ ماذا يريدون من هنا؟‏

لم تستطع إيما التقاط أنفاسها بسبب الصعود السريع للجبل وبسبب التعب والقلق. والتصقت خصلات شعرها بجبـينها الرطب.‏

وسمعت إلزا خلفها صوت شميتغوف التي عادت مع المؤونة:‏

- لم أجد طيوراً اليوم, لكني اشتريت سمكاً جيداً.‏

كررت إلزا سؤالها دون أن تجيب شميتغوف:‏

- من هؤلاء الناس؟‏

أجابت إيما وهي تنظر بخوف إلى صديقتها:‏

- وصل شتيرنر ومعه أيضاً اثنان من الـ ...‏

امتقعت إلزا وأسقطت المروحة من يدها, ثم تهاوت على ظهرها.‏

- هذا غير ممكن! لقد أخطأت يا إيما.‏

- هو, هو! أؤكد لك أنه هو! الحقيقة أن وجهه قد تغير كثيراً, لكنه هو ذاته. لا يمكن نسيان عينيه! ومعه اثنان من الغرباء. أحدهما أكثر شباباً, أما الآخر فكهل وله شاربان.‏

حلَّ الصمت. كانت إلزا مضطربة اضطراباً عميقاً. وأخذت تتنفس بتلك الكثرة, كما لو أنها هي من صعد الجبل راكضاً لتوه وليست إيما, ثم سألت:‏

- عمَّ تحدث معك؟‏

- لقد جاؤوا من أجل الصيد, وطلبوا الإذن بنصب الخيمة. ولسبب ما دعا شتيرنر نفسه شتيرن.‏

صرخت إلزا:‏

- شتيرن! نعم, هذا هو, لا يوجد شك.‏

سألت إيما:‏

- ولماذا هو شتيرن؟‏

فكرت إلزا دقيقة ثم قالت:‏

- لقد غيَّر اسمه مثلما فعلنا نحن ...‏

قالت إيما بعتاب:‏

- هل عرفت هذا وصمت؟‏

- أنا لم أظن أننا سنلتقيه في وقت ما. لديه أساس أكبر مما هو لدينا كي ينسى ماضيه وكي لا يكشفه. ولهذا فأنا أرجوك يا إيما وأنت يا سيدة شميتغوف, ونبِّها هانس أيضاً أنه لا ينبغي لأحد منا أن يدعو شتيرنر باسمه السابق إذا ظهر هنا, وينبغي ألا نتخذ مظهر من عرفه. ومهما كان مذنباً فإنه لم يعد كذلك. لقد تخلص من ماضيه, وعلينا المحافظة على سره.‏

- وإذا كان هذا السر معروفاً لتابعيه؟‏

- لا أظن ...‏

- وإذا كشف شتيرنر نفسه بنفسه في حال تعرف إلينا؟ أعتقد يا إلزا أنه لن يحافظ على هدوئه حالما يراك.‏

ثم صفقت بـيديها وهتفت مثل الأطفال:‏

- يا لـه من أمر رائع!‏

وهنا أضافت بانشغال:‏

- فقط لو أنه لن يصنع أي مصائب مجدداً ...‏

- لا تقلقي. لن يصنع المصائب. ولن يتعرف إلى أي واحد منا. يمكنك أن تكوني واثقة تماماً من هذا. إذ إنه لم يتعرف إليك. ربما عليَّ فقط ... قليلاً ... بصفتي إحدى معارفه العارضين.‏

ثم أضافت كما لو أنها تذكرت شيئاً ما:‏

- لكن من المحتمل ألا يأتوا إلى هنا؟‏

قالت إيما:‏

- سيأتون. من المؤكد أنهم سيأتون وهاك لماذا. لقد قال لي شتيرنر: "آمل أننا لن نقلقكم بشيء, لكن إذا كان بــين خدمكم ساكن أصلي يعرف المكان, فإننا سنرجوكم بشدة أن تسمحوا لنا بأخذه بصفة دليل مدة يوم أو اثنين".‏

وفجأة صرخت:‏

- قادمون. إنهم قادمون إلى هنا! الأمر سيَّان بالنسبة إليَّ فهم شاهدوا تلك المتوحشة الشعثاء.‏

لوَّحت إيما بـيدها بـيأس.‏

- أما أنت فاذهبي وانتعلي حذاءك على الأقل وشدّي جوربـيك الطويلين! لا يجوز هكذا. فإن شتيرنر, تفو, شتيرن, شتيرن, شتيرن في حال من الأحوال كان لك ...‏

لم تكمل إلزا الإصغاء, فقد نهضت بسرعة وذهبت إلى غرفتها. ليس انشغالها بهندامها هو ما أرغمها على الذهاب, وإنما رغبتها في أن تتغلب على قلقها منفردة.‏

الآن سوف تلتقي مجدداً ووجهاً لوجه مع شتيرنر, مع هذا الشخص الغامض الذي صنع لها الكثير من الشرور, لكن الذي أحبها بإخلاص.‏

تنقلت إلزا من زاوية إلى أخرى بسرعة. أدار سيل من الذكريات رأسها. وقد تعجبت هي نفسها من شدة قلقها. تهيأ لها أنها نسيت كل شيء, وأن كل شيء قد أصبح ماضياً لا عودة له. سرٌ واحد بقي غير مكتشف, ونادراً ما عذبها. هل شتيرنر مذنب في موت كارل غوتليب؟ لقد أخذ شتيرنر هذا السر معه. اقتربت إلزا من المرآة, وبدأت بترتيب شعرها دون وعي.‏

وفكَّرت وهي تنظر إلى وجهها: "كم صرت سوداء!". ثم همست وهي تتنهد:‏

- مع ذلك كله سواء, فهو لن يعرفني.‏

سمعت أصواتاً حول المنزل, فاندفعت فجأة نحو الخزانة وأخذت تقلب الثياب.‏

- لكن ماذا أفعل أنا؟‏

وفكَّرت: "من المحتمل أن يبدو كل هذا قديم الطراز إلى حد مرعب".‏

انتقت أخيراً ثوباً خفيفاً أبـيض وارتدته بسرعة, ثم عاينت نفسها مرة أخرى في المرآة وتنفست بعمق ثم خرجت إلى الشرفة.‏

2 - صيادو الأسود‏

اقترب من إلزا إنسان كهل ذو شاربـين منفوشين وقال وهو ينحني:‏

- اسمحي لي بصفتي الأكبر سناً في جماعتنا أن أقدِّم الآخرين. دوغوف مدير حدائق الحيوانات في موسكو. وهذا هو كاتشينسكي. إنه يرأس كل أعمال إرسال الأفكار عبر المسافات.‏

حيّاها كاتشينسكي.‏

وأشار دوغوف إلى شتيرنر:‏

- هيه, أما هذا, فإنه مساعدي الأقرب شتيرن.‏

مدَّ شتيرنر يده لإلزا فتصافحا مصافحة احتفالية إلى حد ما.‏

جلس الجميع حول الطاولة. قرعت إلزا الجرس وطلبت إحضار الفطور. اهتزت الصينية اهتزازاً ملحوظاً في يدي الخادم العجوز عندما اقترب من الطاولة, واختلس النظر شذراً نحو شتيرنر. ابتسمت إيما فجأة وهي تنظر نحو الباب. التفتت إلزا كي تشاهد ما الذي أضحك إيما, فشاهدت وجه السيدة شميتغوف المرعوب والتي كانت تطل من وراء الباب.‏

شرب دوغوف قدحاً من النبـيذ من أجل صحة ربّات المنزل وقال:‏

- نحن نسألكم بشدة أن تعذرونا لأننا عكرّنا وحدتكم, لكن الحقيقة أن ذلك حصل مصادفة يا سيدة بـيكر. لقد قررنا استخدام إجازاتنا كي نتصيد الأسود في هذه الأمكنة. هناك نقص في حدائق حيواناتنا في عدد من نماذج هذه الحيوانات الرائعة, من ذلك النوع الذي يمكن أن نقابله هنا فقط. وهكذا فقد توجهتُ مع شتيرن إلى هنا, وانضم إلينا كاتشينسكي الذي يريد أن يجرِّب بنفسه على الواقع ذلك السلاح الذي زوَّدنا به.‏

سألت إيما الفضولية:‏

- وما هو هذا السلاح؟ وأين هو؟‏

ضحك دوغوف.‏

- وهكذا اذهبي معنا إلى الصيد وسترينه!‏

صرخت إيما برعب:‏

- صيد الأسود؟ ولا بأي شكل! فأنا أرتجف عندما أسمع زئيرها البعيد ...‏

قال دوغوف وهو يفرك يديه:‏

- أوهو! هذا يعني أنهم لم يخدعونا, ويجب أن يكون تصيدنا موفقاً.‏

ثم تابع:‏

- أما نحن فقد أقلقناكم, لأننا لا نريد أن نثير ضجة زائدة في المدينة بوصولنا. فحشود المشاهدين تعيق دائماً, ولهذا قررنا الانعطاف نحو خليجكم.‏

ومدَّ دوغوف يده نحو الساحل.‏

- نحن سنعيش في الخيمة. وسنسألكم عن شيء واحد فقط: إذا كان بـين خدمكم سكان أصليون, فاسمحوا لنا باستخدامهم بصفة أدلاء.‏

وافقت إلزا على طلب دوغوف برضا. وحاولت ألا تنظر إلى شتيرنر, لكنها لم تستطع ضبط نفسها كي لا تنزلق بنظرتها عدة مرات على وجهه. لم تتمالك نفسها أخيراً فتوجهت إليه:‏

- قل لي يا سيد شتيرن, إذا لم أكن مخطئة, فأنت لست روسياً؟‏

قال شتيرن:‏

- نعم, أنا لست روسياً.‏

- وهل أنت ... تعيش منذ مدة طويلة في روسيا؟‏

- منذ نحو ثلاث سنوات.‏

لم يسمح الأدب بالاستمرار في هذا الحديث الذي يشبه التحقيق. ومع ذلك فقد سألت إلزا على نحو غير متوقع لنفسها:‏

- وأين عشت سابقاً؟‏

ضحك شتيرنر بأكثر الأشكال من دماثة الأخلاق. أدهش هذا الضحك إلزا, إذ لم يشبه قط ضحك شتيرنر السابق والساخر والجاف والشرير. وحقيقة كان أمامها شخص آخر.‏

- أين عشت سابقاً, وعموماً ما الذي حدث معي من قبل هو أحجية بالنسبة إليَّ شخصياً. ألا تصدقين؟ اسألي رفاقي. فأنا لا أذكر شيئاً على الإطلاق مما حصل معي قبل وصولي إلى موسكو. وفي أول الوقت أصابني "النسيان" باكتئاب شديد. لجأت إلى البروفيسورات من أجل النصائح فوجدوا عندي مرضاً نفسياً ما معقداً ذا تسمية عويصة, شيء ما يشبه الفصام. وعند هذا المرض يمكن للإنسان أن يفقد شخصيته وذاكرة الماضي. وها هو ذا الرفيق كاتشينسكي قد عرض عليَّ تجريب طريقـته الخاصة في العلاج.‏

باعد شتيرنر يديه وهو يبتسم:‏

- ورغم كل ثقتي بكاتشينسكي واحترامي لـه فقد رفضت. فهذا العلاج شيء يشبه التنويم المغنطيسي, وأنا أشعر نحوه بكراهية عضوية.‏

نظرت إلزا نحو كاتشينسكي فهز رأسه مؤكداً وقال:‏

- لقد عرضتُ خدماتي على شتيرن لكنه رفضها. طبعاً لن أقوم بإجراء التجارب من دون موافقته.‏

تابع شتيرنر:‏

- خدمتُ في موسكو بصفة عامل في مصنع "دينامو", ثم التحقت بحديقة الحيوانات, فأنا أحبُّ الحيوانات كثيراً. وهناك تعرَّفت إلى المدير دوغوف, الذي كان جميل المعاملة إلى حد أنه سرعان ما جعلني مساعده الأقرب.‏

أجاب دوغوف:‏

- لقد استحققت ذلك يا صديقي.‏

- ومن خلال دوغوف تعرّفتُ أيضاً إلى "مرسل الأفكار" كما يدعون كاتشينسكي عندنا مزاحاً. وهذا كل شيء أستطيع أن أحدثك عنه.‏

سألت إيما:‏

- وهل تنتصب عندكم الآن بهذا النحو الواسع قضية إرسال الأفكار هذه عبر المسافات؟‏

ردَّ دوغوف:‏

- أوهو! شيء ما غير عادي! في الحقيقة لقد نال إرسال الأفكار عبر المسافات استخداماً واسعاً. وبعد عدة عشرات من السنين لن تعرفوا العالم.‏

قال شتيرنر:‏

- وذلك الذي تم الوصول إليه مدهش, هل يعقل أنكم لم تقرؤوا الصحف؟‏

- نحن لا نكتتب على الجرائد.‏

نظر شتيرنر نحو إلزا وتجهم كما لو أنه يحاول أن يتذكر شيئاً ما, ثم قال:‏

- غريب, يتهيأ لي كما لو أنني رأيتك قليلاً في مكان ما وفي وقت ما. أ من الجائز أن يكون لقاء عابراً في الطريق؟‏

أجابت إلزا وقد تكدرت:‏

- ممكن. وهكذا أنتم تقولون إن إرسال الأفكار يجترح المعجزات؟‏

أخذ كاتشينسكي يتكلم بسرعة وقد حلَّ الإلهام عليه فجأة:‏

- نعم, المعجزات. لقد حققنا في الحياة الأعاجيب والتخيلات والآمال الباطلة. إنك لن تعرفي موسكو فيما لو حصل أنك كنت فيها في وقت ما. وأول شيء سوف يدهشك هو أن موسكو قد أصبحت مدينة الصمت العظيم. نحن لا يتحدث تقريباً أحدنا مع الآخر منذ ذلك الحين الذي تعلمنا فيه كيف نتبادل الأفكار مباشرة. إذ كم تبدو لنا الآن طريقة الحديث القديمة ضخمة وبطيئة! من الممكن أننا مع مضي الوقت قد نضيع مقدرتنا على الكلام. وعما قريب سوف نحيل البريد والبرق وكذلك الراديو إلى الأرشيف. لا بل إننا تعلمنا أن يتخاطب أحدنا مع الآخر عن بعد. وهاك الآن, إذا أردت فإنني أستطيع تبادل الأفكار مع صاحبي في موسكو.‏

صمت كاتشينسكي, ثم ركّز تفكيره وقد أطبق عينيه نصف إطباقة ووضع علبة ما على صدغه. تابعت إلزا مع إيما باندهاش تعابـير وجهه التي عكست ذلك الحديث الصامت. ثم فتح كاتشينسكي عينيه وابتسم.‏

- صديقي في عافية, لكنه مشغول جداً فهو في اجتماع. الثلج يهطل في موسكو. إيفين يرسل تحياته لكم جميعاً, ويرجونا أن نحضر ببغاء لزوجته.‏

اندهشت إيما حتى إنها فتحت فمها من الاندهاش. وسألت:‏

- ولكن كيف, ألا تختلط كل هذه الأفكار؟‏

- يوجد اختلاط متبادل, لكن ليس بتلك الدرجة كما في الإرسال اللاسلكي. "فمحطاتنا اللاسلكية" أكثر دقة من القديمة, ونحن نعرف دائماً كيف يتولّف مستقبل مُكالمنا, فننشئ الاتصال اللازم بسرعة.‏

سألت إلزا:‏

- وأين هي محطتك اللاسلكية؟‏

أجاب كاتشينسكي مبتسماً وهو يشير إلى جبهته:‏

- ها هنا! دماغنا هو محطتنا اللاسلكية. وتوجد عندنا الآن أيضاً آلات تقوية حقيقية, لكننا نستخدمها فقط لإرسال الأفكار ذات الإدراك الجماهيري, كما يقال, مثل أخبار اليوم والمحاضرات والحفلات الموسيقية. أما الأشخاص المفردون فيملكون من أجل التخاطب بعضهم مع بعض المقويات التي يمكن وضعها في الجيب.‏

وأراها كاتشينسكي العلبة التي حملها قرب صدغه تواً.‏

- ها هي ذي! لا داعيَ الآن للتقوية ضمن المسافات القريبة. وعمّا قريب سنستغني عن التقوية الاصطناعية. فسنصل إلى استطاعة أكثر قوة "لمحطاتنا اللاسلكية" الطبـيعية عن طريق التمرين المستمر.‏

- وهل تستطيعون إرسال الحفلة الموسيقية كما في الراديو؟‏

- أفضل مما هو عبر الراديو. نحن نسأل أفضل ملحنينا أن يرتجلوا فكرياً, وأن يشعّوا ارتجالهم. يا لها من فرحة أن تستمعي لتحليق الخيال الحر! أو على سبـيل المثال, الشطرنج الذي يتولعون به عندنا. مئات آلاف الناس يتابعون فكرياً لعبة أساتذة الشطرنج. واللعبة "على المكشوف" شديدة المتعة عندما يشعُّ الشطرنجيون كل عملية التمحيص في الخطوات. ولا يمكنني أن أحدثك عن كل شيء!‏

قال شتيرنر وقد التقط نظرة إلزا:‏

- تعالي وشاهدي بعينيك.‏

وافقه كاتشينسكي:‏

- نعم هذا أفضل شيء, نحن نرسل فكرياً ليس الأصوات فقط ولكن الألوان أيضاً والأنماط والمشاهد. وبكلمة, كل ما يستطيع الإنسان تخيله. عندما يصبح إرسال الأفكار ملكاً عاماً فلن تبقى المسارح والسينمات والمدارس والأماكن الخانقة وتجمعات الناس موجودة. وستصبح المعارف والتسالي والمشاهد في متناول كل واحد. وتبـينت فائدة إرسال الأفكار الاستثنائية في حياتنا العملية. توجد لدينا الآن جماعات العمل المثالية التي تنفذُ العمل برشاقة أفضل أوركسترا.‏

القضية تقودنا إلى تنسيق نشاط المنظومات العصبـية بمساعدة إرسال الأفكار. توافق الحركات مهم بحد ذاته إلى درجة استثنائية في تلك الحالات حيث يستخدم العمل الجماعي. لأجل ذلك, وعلى سبـيل المثال, استخدمت الأغاني في كل الأزمنة بدءاً من العصور الموغلة في القدم. وفي وقت ما غُنيت عندنا أغنية "إيه, شدوا الجذوع, هيَّا معاً" وعند مقطع "هيَّا"(1)) كان العاملون وكأنهم يستجمعون القوى المشتركة في نقطة واحدة من الزمان والمكان. لكن هذه الطريقة نفعت وساعدت فقط في تلك الحالات حيث تطلب الأمر استخدام القوة الفيزيائية الخرقاء. وقد سعوا لاستخدام طرق أخرى لتنسيق حركات العمل في العمليات الأكثر تعقيداً. لقد أُعِدت منظومات دعيت خطوط التجميع, عندما تجري كل العمليات "على شريط" بحيث أن أي توقف في أحد الأمكنة سيؤدي إلى توقف كل الشريط. وعليك أردتِ أم لم تريدي أن تنضمي إلى وتيرة العمل العامة. لقد أجبرت هذه المنظومة الناس ذوي التكوينات العصبـية والفيزيائية المختلفة على العمل بوتيرة واحدة. وبديلاً للإجبار الميكانيكي جاءت مرسلاتنا الفكرية التي لا ترغم العمال, وإنما تساعدهم على تنسيق عمل جملتهم العصبـية وعضلاتهم مع عمل الجماعة.‏

في وقت ما أدهش الناس في موسكو ما يدعى بـيرسيمفانس, فهو أول فرقة سيمفونية دون قائد. كان هذا في الحقيقة أول محاولة لتشكيل جماعة مرتبطة بلحام داخلي, بتنسيق عمل المنظومات العصبـية لأناس كثيرين. ومع ذلك فقد كان هناك لحام ميكانيكي أكبر في بـيرسيمفانس. لقد خضع أعضاؤها لوتائر موسيقية محددة مسبقاً أكثر مما فعلوا بالنسبة لوحدة إرادة الجماعة.‏

الأمر مختلف عندما يؤثر "قائد" خفي على مراكز الإرادة مباشرة, إذ ينتج تناسق عمل رائع, وتكون إنتاجية العمل أعظمية بالطبع.‏

- لكن ألا يطمس كل هذا الشخصية وحريتها؟ إذ يمكن أن يوجد أناس يريدون استخدام هذه القوة للإضرار بالآخرين!‏

قال شتيرنر:‏

- وُجِدَ ذلك الشخص الذي دعوه شتيرنر. وقد حصل لي أن سمعت عنه شيئاً ما. هذا الشخص سبّبَ في الحقيقة الكثير من الأضرار باستخدامه لجبروت قوة الفكرة لخدمة أهدافه الخاصة. لكن هو ذا كاتشينسكي قد تمكن من جعل شتيرنر غير مضر.‏

لم تتمالك إلزا نفسها فطرحت سؤالاً مرعباً وجهته لشتيرنر:‏

- وأنت ألا تعلم أين شتيرنر الآن؟‏

- لا أعرف. وليشكر القدر أنني لا أعرف أين هو ... لو أنني قابلت هذا الشخص فلن يفلت من العقاب.‏

ابتسم كاتشينسكي.‏

- لماذا الانتقام من شتيرنر؟ لدينا طرق أكثر نعومة كي ننتـزع الإبرة السامة. والحقيقة أننا نلجأ إليها فقط في الحالات الاستثنائية. ثم إنه ينبغي أن نكون عادلين, فقد ترك لنا شتيرنر إرثاً ضخماً. من دون اختراعاته ما كنا سنحصل على تلك النجاحات في مجال إرسال الأفكار. وأخيراً فقد حافظ على حياتي. كانت في داخله شهامة.‏

تابع شتيرنر:‏

- لا يمكن أن يحصل في روسيا ما قام به شتيرنر. فمنذ تلك اللحظة التي أصبح فيها إرسال الأفكار عبر المسافات ملكية عامة حصل, كما يقال, توازن في القوى. إذا لم ترغبي أنت في استقبال الأفكار الغريبة, فإنه باستطاعتك دائماً "إقفال مستقبلك" وتنتهي القضية.‏

قال كاتشينسكي:‏

- الحق يقال إنه لم ينتف إمكان "الهجوم الفكري" المباغت. لكننا نتابع هذا بصرامة ونعاقب عليه معاقبة خاصة. فبمساعدة مقوياتنا الخارقة الاستطاعة الموجودة بحوزتنا نوجه للمجرم "إيحاء" مناسباً, فيصبح عديم الضرر إلى الأبد, لأن فكرة تكرار الجريمة ذاتها لا يمكن أن تظهر في وعيه. لا حاجة لنا الآن إلى السجون, فنحن نصنع من كل مجرم فرداً نافعاً في المجتمع.‏

فكّرت إلزا بشيء ما. لاحظ دوغوف هذا, ولخوفه من أن تكون أحاديثهم قد أتعبت أصحاب المنزل الذين لم يبقوا معتادين على زيارات الأشخاص الغرباء, فإنه نظر إلى ساعته وقال:‏

- على كل لقد تشعبنا في الكلام. لنذهب يا شتيرن فعلينا أن نُحضِّر أنفسنا للصيد.‏

وهبط دوغوف وشتيرنر من الشرفة بعد أن ودعا السيدتين.‏

سألت إلزا على إثر ذلك:‏

- آمل أنكما ستكونان عندنا على الغداء؟‏

أجاب دوغوف مع انحناءة:‏

- إذا لم يزعجكم هذا كثيراً.‏

بكى أوتو الصغير في مكان ما فاعتذرت إيما وخرجت.‏

3 - شتيرن وشتيرنر‏

بقيت إلزا وحدها مع كاتشينسكي. تملكها القلق. فمن كل ما حدّثها عنه كاتشينسكي أدهشها أكثر ما أدهشها وشغلها شيء واحد, وهو أن كاتشينسكي يمكن أن يعيد لشتيرنر وعيه السابق, أن يصنع شتيرنر السابق من شتيرن مدة عدة دقائق على الأقل. كانت تريد هذا بشدة. لماذا؟ هي ذاتها أدركت معنى هذا بصعوبة. وفكّرت: "أنا أريد معرفة سر موت غوتليب". لكن ليس هذا فقط هو ما أثار لديها رغبة في رؤية شتيرنر السابق. من الجائز أنه تحدث داخلها دون وعي منها شعور الأنثى, التي لم تستطع التهادن مع كون أن الإنسان الذي أحبها وقرر القضاء على نفسه قضاء فريداً, قد قتل مع شخصيته أيضاً شعور الحب تجاهها. من المحتمل ... من المحتمل أنها بدأت تحب هذا الإنسان نتيجة انعطاف غريب في المشاعر. جلست صامتة دون أن تعرف كيف تقبل نحو هدفها. وبدأت من غير حزم:‏

- قل لي أيها السيد كاتشينسكي, ألا تستطيع تجريب طريقتك عندنا هنا كي تعيد وعي شتيرن السابق؟ هل هذا ممكن؟‏

- نعم ولا, وعموماً يقال إن استعادة الذاكرة ممكنة تماماً. الطب يعرف كثيراً من تلك الحالات. يوجد منها الكثير في الحروب عندما يفقد الناس ذاكرتهم عن الماضي تماماً, لا بل ينسون أسماءهم أيضاً بسبب رض شديد, لكن الذاكرة تستعاد لاحقاً. وتُعرف مثل تلك الحالات أثناء التنويم المغنطيسي أيضاً. الفقدان النهائي للذاكرة ممكن فقط عندما تتخرب مراكز الذاكرة ذاتها في المادة الدماغية تخريباً عضوياً. وهذا كما يقال, فقدان صدمي للذاكرة, ولا أمل في علاجه. لكن في الحالة المذكورة فإن تخريب النسيج الدماغي لم يحصل, وإلا لكان انعكس على كل النشاط النفسي. أما شتيرن فإنه طبـيعي تماماً في كل شيء آخر غير تذكر الماضي. أستطيع أن أضرب من نفسي مثلاً. فخلال صراعي ضد شتيرنر أصاب مراكزي الدماغية التي تتحكم بالتوازن, فأصبحتُ عاجزاً تماماً. ومع ذلك فقد تمكنتُ من استعادة الإحساس بالتوازن.‏

تنشطت إلزا:‏

- يعني أنه ممكن؟ لماذا إذاً أجبتَ "بنعم ولا"؟‏

- نعم عموماً يمكن, لكن … أنت سمعتِ أن شتيرن ذاته لا يرغب في التعرض لهذه التجربة؟ هذا أولاً … لكن لماذا يهمك إلى هذا الحد وعي شتيرن السابق؟‏

- القضية تكمن في أنه يبدو لي ... أنني كنت على معرفة مع هذا الإنسان ... لا بل من المؤكد أنني كنت على معرفة جيدة جداً. لكنه نسيني مثلما نسي كل شيء ماض. وقد رغبتُ في إيقاظ إحدى الذكريات في داخله. ثم أيضاً ... معرفة أحد الأسرار. سر مهم جداً كان يريد إخباري به, لكنه لم يملك الإمكانية ...‏

نظر كاتشينسكي إليها باندهاش وفكر: "قصة حب", ثم أجاب:‏

- مع الأسف ليس لدي إمكانية لإشباع فضولك قسراً عن رغبته.‏

تجهمت إلزا وقالت وبعض الاستياء في صوتها:‏

- هذا ليس فضولاً. هذا جدي جداً. جدي إلى درجة أنني سألتك إجراء التجربة دون طلب لإذنه. فقط لمدة عشر دقائق. ومهما كان هو في الماضي فإنه سيعود شتيرن مجدداً, ولن يعرف شيئاً عن التجربة. إذ إنه لا يوجد أي شيء إجرامي في هذا. أنا أرجوك, أرجوك بشدة‏

تجهم كاتشينسكي في هذه المرة وأجاب بصرامة:‏

- إذا بدأت أنا شخصياً بخيانة مبادئنا في حماية حرية الوعي الغريب, فإنه من المستحيل أن يكون هذا محموداً.‏

بدأت إلزا تتهيج وفكرت: "كاتشينسكي لا يفهم أهمية القضية. وهكذا فسأريه أنه يوجد هنا شيء أكثر جدية من الفضول النسائي!", وقالت:‏

- قال شتيرن إنك أزلتَ خطر المدعو شتيرنر. كيف حدث هذا؟ أرجو أن تحدثني.‏

حدثها كاتشينسكي.‏

- يعني أنك شاهدت شتيرنر بوجهه في ذلك المبنى الزجاجي؟‏

- كلا, أنا لم أره بوجهه. فقد كان يضع قناعاً معدنياً كثيفاً.‏

- ما دُمتَ ذلك العنيد الذي لا يريد تحقيق رغبتي فإنني سأضطر لكشف السر: شتيرن هو شتيرنر أيضاً. أما أنا فزوجته المسماة قبل الزواج إلزا غليوك, ثم شتيرنر وفقاً للزوج.‏

بُهِتَ كاتشينسكي ثم قال بعد فترة توقف:‏

- هل يعقل أن كرانتس كان محقاً؟‏

- ومن كرانتس هذا؟‏

- كرانتس التحري. لقد وضع هدفاً لحياته وهو البحث عن شتيرنر. وقد قابل شتيرن في موسكو منذ فترة ليست بعيدة, وأخذ يؤكد لي أن هذا هو شتيرنر. وقد تطلب الأمر مني جهوداً كبـيرة, كي أقنع كرانتس بأنه قد وقع في الضلال نتيجة للشبه الخارجي.‏

سألت إلزا وقد سُرَّت بالأثر الحاصل:‏

- آمل الآن أنك ستعترف بأن طلبي لـه أساس؟‏

استطاع كاتشينسكي أن يتلفظ فقط بـ:‏

- شتيرن هو شتيرنر!‏

وغرق في تفكير عميق.‏

نظرت إلزا إليه بترقب:‏

- هيه, ماذا هناك, نعم أم لا؟‏

- لا!‏

- لكن إذا وافق شتيرن - شتيرنر على التجربة؟‏

- هو لن يوافق.‏

- سنرى! سأتحدث معه بنفسي. انتظر هنا سأعود الآن.‏

بقي كاتشينسكي على الشرفة يراقب إلزا المبتعدة.‏

هبطت إلى الأسفل نحو الخيمة الموجودة على الشاطئ, وأخذت تتحدث عن شيء ما مع شتيرنر الذي استمع إليها بانتباه, ثم هزَّ رأسه.‏

فكر كاتشينسكي: "هل يعقل أنها تمكنت بتلك السرعة من إقناعه؟ فهو كان يرفض برعب دائماً عندما كنت أقترح عليه القيام بتجربة لإعادة ذاكرته عن الماضي".‏

دعت إلزا شتيرنر للذهاب معها, وقالت وهي تصعد إلى الشرفة:‏

- إنه موافق, موافق. لا بل إنه يطلب منك ذلك بنفسه.‏

سأل كاتشينسكي ولمّا يصدق بعد:‏

- هل أنت موافق؟‏

أجاب شتيرنر:‏

- وبغبطة كبـيرة. فأنا لا أملك شيئاً ضد ذلك.‏

فكر كاتشينسكي: "أنا في نهاية الأمر أستطيع في كل دقيقة إطفاء ذاكرة الماضي لدى شتيرنر. سوف أراقبه". ثم قال:‏

- وماذا في ذلك. ليكن الأمر كما تريد.‏

وسحب من جيبه علبة المراكم المقوي وألصقها بصدغه, ثم أمر شتيرنر فكرياً وهو يثبت عينيه:‏

- اجلس ونم!‏

جلس شتيرنر صاغراً, ونام من فوره وقد أغمض عينيه وأرخى رأسه.‏

قال كاتشينسكي متوجهاً لإلزا:‏

- عادة نحن لا نلجأ للتقوية, لكن هذه العملية صعبة, وأنا سأعيد وعيه السابق فقط لمدة عشر ...‏

قالت إلزا:‏

- مدة عشرين!‏

- إذاً, مدة خمس عشرة دقيقة لا أكثر. آمل أنه لن يصنع مصائب كبـيرة خلال هذا الوقت. وتحسباً لأي طارئ سأراقبه من الغرفة, وعليك أن ترتضي بهذا. بعد خمس عشرة دقيقة تماماً سوف يصبح شتيرن مجدداً.‏

صمت كاتشينسكي وأخذ ينظر بتركيز نحو شتيرنر.‏

- سيستيقظ الآن. أنا ذاهب.‏

ذهب كاتشينسكي إلى البـيت, ووقف عند الباب على نحو لم يكن بادياً من الشرفة.‏

تنهد شتيرنر بعمق عدة مرات, ثم فتح عينيه وفجأة أغلقهما من جديد فقد أعمته الشمس الساطعة. كان الانتقال من شبه عتمة القاعة الكبـيرة في منزل غوتليب إلى سطح المحيط المتلألئ حاداً جداً. وأخيراً فتح عينيه وهو يضيقهما.‏

- ما هذا؟ أين أنا؟ إلزا؟ أنت؟‏

ثم اندفع نحوها وأخذ يقبل يديها.‏

- عزيزتي إلزا! لكن ما الذي يعنيه هذا؟ أنا لا أستجمع أفكاري.‏

قالت هي برقة:‏

- اجلس يا لودفيغ. اسمع ولا تقاطعني. لدينا خمس عشرة دقيقة فقط لهذا اللقاء ... سأشرح لك كل شيء. أنت ذهبت في تلك الليلة العاصفة متحولاً إلى شتيرن. وها أنا ذي وأنت التقينا مجدداً. كيف؟ سأقول لك لاحقاً إذا بقي لدينا وقت. والآن أرجوك أن تقول لي بسرعة الشيء الذي عذّبني طوال هذا الوقت, هذه السنوات الثلاث.‏

كرر شتيرنر مندهشاً:‏

- ثلاث سنوات؟‏

- قل لي الحقيقة. هل أنت مذنب في موت كارل غوتليب؟‏

- لقد قلت لك يا إلزا. حدث موت غوتليب في الحقيقة نتيجة لمصادفة مشؤومة.‏

- لكن الوصية الثانية وضعت قبل الموت بشهر واحد فقط. هل هي مصادفة أيضاً؟‏

قال وهو يبتسم ابتسامته الساخرة المعهودة:‏

- كلا, هذه ليست مصادفة. إذا أردت فأنا مذنب في هذا. حقيقة, أنا استعجلت غوتليب كي يضع الوصية الأخيرة, لأن أيامه كانت معدودة. فقد كان مريضاً مرضاً قلبـياً مميتاً بغض النظر عن مظهره المتورد. لم يحدثه الأطباء عن ذلك, لكنهم أخبروني بصفتي الشخص المؤتمن أن أيامه معدودة, وأنه لن يعيش أكثر من شهر. ولهذا أوحيت إليه فكرة الإسراع بوضع الوصية. لماذا باسمك وليس باسمي أظن أنني قلت لك. فهذا "المنحنى" كان أقرب إلى الهدف.‏

- لكن ماذا عن خدمتي لغوتليب التي يذكرها في الوصية؟‏

- لقد حدثت على الأرجح, على الرغم من أنني ضخّمتها قليلاً. بطريقة ما أعطيتك عدة حوالات موقعة من كارل غوتليب, استلمناها كي ندفعها, ومن الجائز أنك لاحظت مصادفة أن الخط لا يشبه الخط المعتاد فلفتِّ نظري إلى ذلك. آنئذ لم أظهر بمظهر المهتم, لكني أجريت فيما بعد تحقيقاً دقيقاً, ووجدت العشرات من تلك الحوالات. وكانت هذه الحوالات مزورة. من أين ظهرت؟ ومن الذي زوَّرها؟ بعد تحريات طويلة وحذرة وصلتُ إلى قناعة بأن هذا من عمل يديّ أوسكار غوتليب, أخي المرحوم كارل. جمعتُ أدلة ساحقة وقدمتها لعجوزنا كارل. وعلى هذا النحو فقد قدمت لـه خدمة, ورغم أنني لم أقل لـه إنك أول من لاحظ التزييف, فإنك فتحت عينيه على سلوك أخيه غير اللائق. غضب كارل غضباً مخيفاً, وقال لي عندئذ إنه سيحرم أوسكار من الميراث. هذه الفكرة لم تكن موحاة مني. وأرسل لأوسكار رسالة حادة. أجاب أوسكار برسالة يرجو فيها السماح بمذلة, واعترف بذنبه لكنه برره بوضعه المادي الصعب. هذه الرسالة يجب أن تكون محفوظة في واحدة من خزائن غوتليب المقاومة للحريق ...‏

هتفت إلزا:‏

- وهي قد وُجِدَت! هذه حقيقة ... الآن أنا أصدقك!‏

- ومن الذي وجدها؟‏

- كانت لدى زاوير مفاتيح. وعندما ذهبت أنت, تزاعل زاوير مع رودولف غوتليب, الذي أعلن مجدداً عن حقه في الميراث. وعلى ما يبدو فإن زاوير أراد أن يحل مكانك في كل شيء, وقرر محاربة غوتليب كي يحافظ على الأملاك في يديّ. وقبل أن تُختَم الخزائن أمكن لزاوير أن يفتح واحدة منها, فوجد هناك حزمة الحوالات المزورة ورسالة أوسكار غوتليب, وقدمها للنائب العام كي يبرهن على صحة وصية كارل غوتليب الذي حرم أخاه من الميراث. أطلق رودولف غوتليب المتهيج النار على زاوير فجرحه في معدته. ثم مات زاوير بسبب التهاب الصفاق. أما رودولف غوتليب فقد حكم بالسجن عشر سنوات, وهو يمضي الآن مدة العقوبة. واقتضى الأمر إغلاق قضية تزوير ‎‎أوسكار للحوالات منذ البداية, لأن أوسكار مات فجأة بسبب داء السكتة لدى أول تحقيق ...‏

قال شتيرنر:‏

- كم هناك من التعاسات! لكني لست مذنباً فيها يا إلزا؟‏

- نعم رغم أنك قد تكون مذنباً على نحو غير مباشر. لكننا لن نتحدث عن هذا. والآن قل لي لماذا ظهرت في موسكو؟‏

زمَّ شتيرنر كتفيه:‏

- عندما فكرت في هربي, فإنني قررت أنه سيخطر في بال أعدائي أقل من كل شيء أن يبحثوا عني في موسكو. إضافة إلى أن شرطة موسكو لا تملك بالطبع اتصالاً مع شرطتنا. لذا قررت "إرسال" شتيرن إلى هناك. ماذا حصل مع شتيرن؟ أنا لا أعرف.‏

- يمكنني أن أحدثك قليلاً عن هذا مما عرفته من شتيرن.‏

وحدثت إلزا شتيرنر عن كل ما حصل مع شتيرن حتى تلك اللحظة التي وصل فيها, دون أن تذكر كنية كاتشينسكي .‏

سأل شتيرنر:‏

- لكن كيف تمكنتِ من إعادة وعيي السابق؟‏

- لقد طلبتُ ذلك من أحد أصدقائك الجدد. أردتُ الحديث مع شتيرنر السابق عدة دقائق على الأقل, كي أعرف الأشياء التي قلتها لي.‏

- وهل وافقتُ أنا على إعادة الوعي إلي؟‏

- نعم, لقد وافقتَ.‏

قال شتيرنر:‏

- غريب, لقد توقعتُ هذه الإمكانية, لذا فعندما أوحيتُ لنفسي بتغيير شخصيتي أمرتُ شتيرن ألا يقبل بتعريض نفسه للإيحاء ولا بأي شكل من الأشكال.‏

أجابت إلزا مبتسمة:‏

- هيه, يعني أن شتيرن لم يطعك وإنما أطاعني.‏

قال شتيرنر بحسرة:‏

- إلزا, إلزا لماذا فعلت هذا؟ كم هو صعب أن أشعر مجدداً بثقل الذي عشته على كاهلي.‏

أجابت إلزا:‏

- سينزاح عنك مجدداً عما قريب.‏

- نعم, لكن فراقك الآن أصعب عليَّ من السابق. نسيانك ثانية ...‏

نهض شتيرنر ومدَّ يده, ثم قال وهو ينظر إليها بحب:‏

- إلزا!..‏

في هذه اللحظة صارت عيناه هادئتين في وجهه فجأة, ثم تجهم قليلاً لأنه أمسك يديها وقال:‏

- وهكذا هل ستذهبـين معنا إلى الصيد يا سيدة بـيكر؟ أنا موافق وأعتقد أن رفاقي لا يعارضون. تَصَيُّدنا سيكون آمنا تماماً.‏

فهمت إلزا أن شتيرن يقف أمامها ثانية. لقد انقضى الوقت.‏

دخل كاتشينسكي إلى الشرفة والساعة بـين يديه ثم سأل شتيرنر:‏

- قل لي يا شتيرن عن ماذا تكلمت مع السيدة بـيكر على الشاطئ. هل عن الصيد فقط؟‏

أجاب شتيرنر وهو ينظر إلى كاتشينسكي بتعجب:‏

- هيه, نعم. وإلا عن ماذا أيضاً؟ لقد اقتربت السيدة بـيكر مني, وطلبت أن نأخذها معنا إلى الصيد. لقد قالت إنك ستوافق أنت ودوغوف إذا وافقت أنا أيضاً. أنا موافق. وها قد أتيت لأقول هذا.‏

ثم التفت نحو إلزا:‏

- أليس كذلك؟‏

أجابت إلزا مبتسمة:‏

- نعم, هكذا.‏

نظر كاتشينسكي نحو إلزا بعتاب ثم هزَّ رأسه.‏

سأل شتيرنر:‏

- لماذا تهزُّ رأسك يا كاتشينسكي؟‏

قالت إلزا لكاتشينسكي:‏

- لكن كل شيء مرَّ بسلام.‏

ارتبك شتيرنر:‏

- ما الذي مرَّ بسلام؟ عن ماذا تتحدثون أيها السادة؟‏

لوَّح كاتشينسكي بـيده ثم قال وهو يحدق بلوم نحو إلزا.‏

- نعم, ترهات. لقد احتالت السيدة بـيكر لرغبتها في المشاركة في الصيد.‏

وسأل كاتشينسكي إلزا:‏

- هل أنت راغبة جدياً في الذهاب؟‏

أجابت إلزا ضاحكة:‏

- طبعاً, جدياً.‏

باعد كاتشينسكي يديه ثانية, فسأل شتيرنر إلزا:‏

- وهكذا هل سنذهب صباح الغد؟‏

4 - "تمة" سان سانس‏

جلس الجميع على الشرفة مساء بعد العشاء وتحدثوا بحيوية.‏

تحدث الضيوف عن موسكو وعن العجائب التي يجترحها إرسال الأفكار عبر المسافات, وعن الإمكانات الاستثنائية التي يفتحها هذا السلاح الجبار عندما ستحوزه البشرية حيازة متقنة.‏

أصغت إيما بحماسة, ثم تنهدت وحدقت إلى إلزا كما لو أنها تقول: "يا للمتعة هناك! أما نحن فنعيش هنا!..".‏

ارتفع قرص القمر الضخم من وراء الأفق ساكباً فضة بقعه عبر كل المحيط وصولاً إلى الشاطئ ذاته. وهزّت الأمواج هذه الهدية السماوية بعناية. تنفس المحيط برودة المساء الرطبة. وفاحت من الزهور على نحو أقوى رائحة توابل حلوة. غنّى السكان الأصليون في مكان ما غير بعيد. كان غناؤهم إيقاعياً كذلك ووحيد النمط مثل اضطراب الأمواج عند الشاطئ. وتحت تأثير هذه الليلة الجنوبـية أصبح الحديث أكثر بطئاً ثم همد أخيراً. فأصبحت تُسمَع خشخشة الحصى التي تصقلها الأمواج على نحو أكثر وضوحاً.‏

وفجأة أنهت إيما أفكارها بحسرة مسموعة:‏

- وها نحن أولاء نعيش هنا!..‏

ردّ دوغوف وقد مرر يده حوله تمريراً واسعاً:‏

- أنت ظالمة يا سيدة. وكل هذا أليس ساحراً؟‏

- نعم, لكن ... اليوم وغداً الشيء ذاته ... أريد شيئاً جديداً! المكان هنا جيد ومع ذلك ينقصه شيء ما.‏

قال دوغوف مبتسماً:‏

- أنا أعرف ما الذي ينقص! الموسيقا! من أجل استكمال الانطباع على الأقل. ألا تعزفين يا سيدة بـيكر؟ لقد شاهدتُ آلة عندك. اعزفي لنا شيئاً ما مثل ذلك ... عاطفياً! سنسمع ونصمت ونتأمل.‏

أيد كاتشينسكي دوغوف:‏

- نرجوك, نرجوك!‏

أجابت إلزا ببساطة:‏

- بكل سرور.‏

ثم دخلت إلى الغرفة وجلست خلف البـيانو. أسندت أصابعها إلى الملامس الباردة والرطبة قليلاً بسبب النداوة المسائية وهي تشعر بحماسة عصبـية, وفكَّرت: "اليوم سأعزف عزفاً جيداً".‏

- ما الذي سأعزفه؟‏

سبقت أصابعها فكرتها ممتثلة لأمر ما غامض قبل أن تتمكن من التفكير, وبدأت تعزف "تمة" سان سانس.‏

تطايرت الأصوات الهادئة والرقيقة في الليل, فوق طريق المحيط الفضي نحو القمر, مازجة سحر الأصوات بسحر الليل.‏

- يا لروعة عزفك!..‏

ارتعشت إلزا, فقد وقف أمامها شتيرنر مستنداً إلى البـيانو ونظر إليها بانتباه. متى دخل؟‏

- عفوك, هل أعقتك؟ لكني لم أستطع ألا أن أقدم إلى هنا ... هذه الأصوات ... تابعي أرجوك!..‏

استمعت إلزا إلى شتيرنر بقلق دون أن توقف الموسيقا وفكّرت بأمورها. "التمة" هي "تمة سان سانس" ... هكذا قال لها في وقت ما هناك منذ زمن بعيد في القاعة الزجاجية. كلا, هو لا يستطيع أن يكون شريراً حتى النهاية. وآنذاك كان صوته حنوناً مثلما هو الآن.‏

قال شتيرنر وهو يحدق بإلزا:‏

- "التمة" ... "تمة" سان سانس! سمعت هذه المقطوعة عشرات المرات بأداء أفضل الموسيقيـين. لكن لماذا تقلقني على هذا النحو هذه الموسيقا. موسيقاك؟ يبدو لي, وكأنني سمعتها في وقت ما, مثلما يبدو لي أحياناً أنني قابلتك في مكان ما ...‏

أخذ صدر إلزا يرتفع ارتفاعاً أعلى بسبب القلق. ثم أجابته بسرعة وهي تتابع العزف:‏

- هذا لا يبدو فقط. فأنا تقابلت معك فعلاً.‏

سألها شتيرنر بسرعة أيضاً:‏

- أين؟ ومتى؟‏

- مساء, أثناء العاصفة, في قاعة كبـيرة ذات حيطان زجاجية وسقف…‏

مسح شتيرنر جبهته بـيده مركِّزاً تذكره على شيء ما.‏

- نعم … فعلاً. أنا أتذكر شيئاً ما مشابهاً ...‏

- كما تقابلت أنا وأنت قبل ذلك أيضاً ... غالباً ... في تلك الحياة التي نسيتها أنت ...‏

تابعت إلزا إلقاء الجمل بسرعة وعصبـية كما في السابق:‏

- لقد نسيتني … وعندما أصبحت شتيرن فإنك أجبت على أحد أسئلتي بـ: "عفواً يا سيدة, لكني لا أعرفك".‏

- كيف؟ هل يعقل؟ وأنا ... كنت على معرفة جيدة جداً بك؟‏

ترددت إلزا. وبدأت أصابعها تخطئ. ثم حزمت أمرها فأوقفت الموسيقا ونظرت مباشرة إلى عيني شتيرنر.‏

- جداً ...‏

وبدأت تواً بعزف "كراكوز" لرحمانينوف كي تخفي قلقها في الموسيقى الحماسية. وكان شتيرنر مضطرباً.‏

- لكن عندئذ ... عندئذ أنت تعرفين من كنت أنا في السابق؟‏

صمتت إلزا. نمت أصوات "كراكوز" وتوسعت وتمتنت.‏

- أرجوك يا سيدة بـيكر قولي لي! يوجد سر ما هنا, وينبغي أن أعرفه!‏

أوقفت إلزا الموسيقا فجأة ونظرت بجد مع خوف تقريباً إلى شتيرنر, ثم قالت:‏

- لا أستطيع أن أقول لك هذا, الآن على أقل تقدير.‏

سُمِع صوت دوغوف:‏

- ما لك لا تعزفين؟‏

بدأت إلزا تعزف مجدداً.‏

صمت شتيرنر وأمال رأسه, ثم قال ثانية بهدوء:‏

- موسيقاك ... أنت ذاتك ... لماذا؟‏

ولم يكمل فكرته كما لو أنه بحث عن عبارة مناسبة.‏

- لماذا تقلقيني هذا القلق؟ اعذريني, لكن عليَّ أن أصرِّح, فأنا لست دونجواناً ينجذب بسهولة إلى كل امرأة جميلة. لكنك … انعطافة رأسك, وترتيب ثوبك, والإيماءة الخفيفة, كل هذا يقلقني قلقاً غير عادي, ويستدعي ليس ذكريات ما مبهمة وحسب, وإنما ... تيارات عصبـية معروفة إذا جاز التعبـير هكذا …‏

وفجأة اقترب شتيرنر من إلزا بحمية لم تتوقعها, ثم أمسك يدها وقال:‏

- يا سيدة بـيكر, أنا لن أصرّ على أن تقولي من كنت أنا سابقاً. لكن إذا كنت أنا وإياك على معرفة, فإنك ملزمة إذاً بأن تحدثيني عن ذلك الزمن … عن صداقتنا … من المحتمل … أكثر من الصداقة … هذا … هذا مهم جداً بالنسبة إليَّ!.. لنذهب إلى هناك نحو شاطئ البحر وهناك ستحدثينني.‏

خرجا إلى الشرفة, فسأل دوغوف:‏

- هل انتهى الفاصل الموسيقي؟ مؤسف جداً. لقد تكيفنا لتونا كي نسمع.‏

أجاب شتيرنر عنها:‏

- رأس السيدة بـيكر يؤلمها. سنذهب إلى شاطئ البحر كي نشم الهواء الرطب.‏

هبط شتيرنر وإلزا نحو البحر.‏

ودعهما كاتشينسكي بنظرة متنبهة ومشغولة البال.‏

ابتسم دوغوف المرح ابتسامة عريضة.‏

لاحظت إيما هذه الابتسامة فغضبت منه, وفكرت: "لا يعرف شيئاً, لا يفهم ويبتسم أيضاً!". وتنهدت وهي تنظر إلى الشخصين الجالسين على الصخور الساحلية ...‏

5 - المُروِّضون‏

انطلق مسير الفصيلة الصغيرة. مشى في المقدمة مرافقان زنجيان, وسار في إثرهما دوغوف وإلزا وشتيرنر وكاتشينسكي.‏

سألت إلزا بحيرة:‏

- أين هي بنادقكم؟‏

أجاب دوغوف وقد نقر على جبهته:‏

- ها هنا!‏

سألت إلزا مازحة:‏

- كيف, مرة ثانية هنا؟ دماغك؟ هذا مرسل لاسلكي وبنادق أيضاً. ومن المحتمل أن يكون مصباحاً كهربائياً ذاتياً؟‏

- ليس محتملاً فقط, ولكنه سوف يكون كذلك, فالفكرة الإنسانية هي القوة الأعظم, أو كيف هي هناك كما قال أرينيوس يا كاتشينسكي؟..‏

- "أعظم مصدر للطاقة هو الفكرة الإنسانية … فالذبذبات الكهرطيسية التي تظهر في خلايا الدماغ البشري هي القوة العظمى التي ستسيطر على العالم".‏

قال دوغوف:‏

- هل ترين أي سلاح جبار يوجد في دماغنا!‏

دخلوا إلى دغلة الغابة الاستوائية. خيَّم هنا ما يشبه العتمة. رفرفت الطيور المرقشة بـين الأغصان والنسيج العنكبوتي للعرائش. أشعة الشمس التي تخترق بعض الأمكنة مثل شعاع المصباح الكاشف, أخرجت مجموعات أوراق متعددة الألوان من شبه العتمة, وأنارت قوس القزح على ريش الطيور الملون. اختفى الطريق, وأصبح السير على الأوراق المتعفنة وجذوع الأشجار الساقطة المنخورة أكثر صعوبة. ساعد شتيرنر إلزا على تجاوز عقبات الطريق.‏

أصبح شتيرنر يعتني بإلزا ويلاطفها على نحو غير معتاد منذ مساء الأمس.‏

سألت إلزا التي بدأت تتعب:‏

- كم سيطول تجوالنا؟ أعتقد أن الحيوانات تعيش بعيداً في عمق الغابة.‏

أجاب دوغوف:‏

- ولماذا علينا أن نبحث عنها؟ على الوحش أن يركض بنفسه نحو الصياد. وهكذا سنجد المرجة ونناديهم.‏

وصلوا سريعاً إلى مرجة في الغابة مضاءة بالشمس إضاءة ساطعة. ضيَّق الجميع أعينهم بعد شبه العتمة في الدغلة. زهور ضخمة مبقعة حمراء وصفراء تشبه الخزامى.غطَّت المرجة بغطاء متصل.‏

صرخت إلزا:‏

- يا لها من فتنة!‏

جلس الجميع يتسامرون دون هموم.‏

قال دوغوف:‏

- هيه, حان الوقت.‏

ومضى إلى منتصف المرجة تماماً وتوقف. رفع رأسه قليلاً إلى الأمام ونحو الأعلى. أصبح وجهه جدياً وأمعن النظر. أخذ يدور ببطء في كل الاتجاهات, كما لو أنه يخترق بنظره دغلة الغابة.‏

ارتعشت إلزا فجأة, فقد سمعت من مكان ما بعيد زئير أسد مثل دويّ ناء للرعد, فأجابه ثان وثالث ...‏

قال كاتشينسكي مبتسماً:‏

- إنه يقع في الصنارة!‏

استمر دوغوف في دورانه ببطء بالوضعية المركزة ذاتها. اقترب الزئير أكثر. تحركت القرود بخوف على الأغصان وصرخت. تملك القلق الطيور أيضاً, فرفرفت بأجنحتها طائرة من الأغصان للأعلى.‏

ها قد خشخشت الأغصان تحت أقدام الوحوش الناعمة لكن الثقيلة.‏

كانوا يأتون من كل النواحي ويحيطون بالناس غير المسلحين وغير المحميين ... أصاب الهلع إلزا. ماذا لو أن السلاح الجديد كان غير فعال؟ سيموت الجميع أشنع ميتة!..‏

لاحظ شتيرنر خوفها فأمسك يدها, وقال وهو ينظر إلى عينيها:‏

- اهدئي!‏

سكن قلقها. وفي هذا الوقت هرع أسد ضخم إلى المرجة وهو يكسر الخمائل, وأغمض عينيه بسبب الضوء الساطع ثم توقف, وبعدئذ اقترب بهدوء من دوغوف وهو يزمجر بلطف, ثم مسح رأسه بقدميه. هرشه دوغوف بـين أذنيه فتمدد الأسد عند قدمي المروض. وسُمِع صوت يشبه المواء, ثم هرعت إلى المرجة لبؤة مع شبلين. وجلست أيضاً عند قدمي دوغوف. وقفز أسد آخر من الغابة قفزة ضخمة.‏

قال دوغوف:‏

- لكن يكفي! لن يحمل يختنا كل هؤلاء الضيوف. إنك زائد على الأرجح.‏

وتوجه إلى الأسد الأول وهو يربت على رأسه:‏

أنت لست بذلك الجمال. ارجع من حيث أتيت, أيها العجوز!‏

لعق الأسد يد دوغوف بلسانه الضخم وركض إلى الدغلة.‏

تابع دوغوف الحديث ممرراً يده على ظهر الأسد الضخم الذي قفز عبر كل المرجة:‏

- أما هذا فجميل. انظروا, ليس وبراً وإنما هو صوف ذهبي حقيقي!.. وأنت لماذا تبكي أيها الصغير؟ تشظّت قائمتك؟ يا للصغير المسكين! أعطنيها كي أسحب الشوكة.‏

سحب دوغوف من قائمة الوحش حسكة كبـيرة تعود لنبتة شوكية.‏

نظرت اللبؤة إلى هذه العملية بهدوء.‏

قال دوغوف وهو يلتفت نحو إلزا:‏

- لديها قوائم ناعمة جداً, وهي غالباً ما تعاني من الأشواك. لكن لماذا لا تقتربـين يا سيدة؟ أنت ترين أنها مسالمة مثل الأطفال!‏

اقتربت إلزا من الأسود, وأخذت تمسِّدها فهمهمت بلطف, ثم حكَّت رؤوسها بيدها وسعت جاهدة كي تلعقها.‏

- هيه, حان وقت العودة إلى البـيت. لقد مالت الشمس نحو المساء. أين أدلتنا؟‏

وجد كاتشينسكي واحداً منهم بـين العشب الكثيف. استلقى الزنجي المسكين مثل الميت الذي شله الخوف. وهرب الثاني لدى الأصوات الأولى لزئير الأسود. لكن ذلك الذي وجدوه كان قليل القدرة على أن يخدم بصفة دليل. كان يرتجف لدرجة أن العقد المصنوع من القواقع والمعلق على رقبته كان يرن دون توقف. خاف أن يهمس عند مشاهدة الأسود. أخذ كاتشينسكي يثبته بنظره, فهدأ الزنجي ومشى قُدماً.‏

سار دوغوف في المؤخرة في هذه المرة فتبعه الأسد واللبؤة والشبلان بطاعة مثل الكلاب. مشى الدليل في المقدمة وخلفه إلزا مع شتيرنر وخلف شتيرنر كاتشينسكي.‏

وفي أكثف دغلة حيث سادت العتمة تقريباً, طقطقت أغصان الأشجار فوقهم. صرخ شتيرنر وحمى إلزا بنفسه. وقع النمر الأمريكي الذي قفز نحوها على شتيرنر فأسقطه أرضاً. صرخت إلزا مرعوبة. ومع ذلك لم يمزِّق النمر شتيرنر مثلما توقعت, وإنما هرب فجأة إلى الدغلة وهو يلوي ذنبه مثل كلب مضروب.‏

سُمِع صوت دوغوف:‏

- ومع ذلك فإن تصيدنا ليس آمناً تماماً! هل أنت جريح يا شتيرن؟‏

أجاب شتيرن وهو ينهض من الأرض:‏

- سليم ومعافى. تمزقت البذلة فقط.‏

قال كاتشينسكي وهو يقترب من إلزا:‏

- يمكنك الآن الاقتناع بقوة سلاحنا يا سيدة بـيكر. لم يتعرض النمر الأمريكي لتأثير الفكرة فحاول الهجوم علينا. لكن قبل أن يقع على شتيرن تمكنتُ من إعطاء الوحش أمراً فكرياً بالانصراف ما دام سالماً. وكما شاهدت فقد ركض ركضاً معيباً. تطير الأمواج الكهرطيسية عند إشعاع الفكرة بسرعة ثلاثمئة ألف كيلومتر في الثانية, أي بسرعة الضوء. وأنت ترين أننا نملك أسرع سلاح في العالم. كان يكفيني جزء من مئة ألف جزء من الثانية كي أزيل خطر العدو.‏

قال شتيرنر وهو يحدق نحو إلزا:‏

- ومع ذلك يجب أن نكون أكثر حذراً.‏

إذ لم يخف على نفسه مقدار ما خاف عليها.‏

أجاب دوغوف:‏

- لم يعد هناك خطر الآن. فالدغلة تقل كثافتها وسنخرج من الغابة عمّا قريب.‏

صرخت إلزا عندما سكن اضطرابها قليلاً:‏

- يا لها من ببغاوات رائعة!‏

هتف كاتشينسكي:‏

- آخ. كدت أنسى! لقد وعدت إيفين أن أجلب ببغاء لزوجته.‏

ثم اختار من الغصن أجمل واحد وأرسل إليه أمراً فكرياً, فجلس الببغاء على كتف كاتشينسكي.‏

نظر الزنجي إلى كاتشينسكي باحترام وسواسي.‏

لاحظ كاتشينسكي هذه النظرة فضحك, ثم أشار إلى الزنجي:‏

- بالنسبة إليه نحن كائنات أرقى وآلهة كلية القدرة قادرة على اجتراح العجائب. هكذا خُلِق الإنسان: فهو إما أن يؤله, أو أن ينفي الشيء الذي لا يستطيع فهمه.‏

أجابت إلزا:‏

- يمكن أن يبدو هذا أعجوبة ليس للزنجي فقط.‏

قال دوغوف:‏

- بـينما لا يوجد هنا أي أعجوبة. يقوم كل ترويض للحيوانات على أننا نستدعي ونُثبِّت لديها ما يدعى بالأفعال المنعكسة الشرطية. نجاحاتنا في إرسال الفكرة عبر المسافات صنعت فقط إمكان التثبـيت الفوري في الوعي لكل ما نرغب فيه.‏

ثم تابع بعد توقف:‏

- نعم, تذكَّر يا كاتشينسكي تجاربنا الأولى. لقد كان هذا لهو أطفال بالمقارنة مع ما نفعله الآن!‏

أجاب كاتشينسكي:‏

- كن عادلاً تجاه تجاربنا الأولى. فمن دونها ما كنا سنملك حديقة حيواناتنا التي فتنت كل العالم.‏

سألت إلزا:‏

- وما هي هذه الحديقة؟‏

- إنها تستحق المشاهدة! ساحة ضخمة في ضواحي موسكو مزججة ومحولة إلى حديقة شتوية ذات أبعاد غير عادية. تنمو النباتات بحرية في هذه الحديقة. وتتبختر الأسود والنمور والتيوس والظباء والفهود والأطفال فيها بحرية بـين الورود والنباتات. مجموعة الأطفال التي تمضي أياماً كاملة هناك تلعب مع الوحوش متنزهة وهي تمتطي النمور وتهارش الأشبال الفتية. لكن ها هي ذي نهاية طوافنا. لقد بان منزلنا ...‏

أقلق ظهور الموكب غير العادي جميع قاطني المنزل. فما إن شاهدت إيما الأسود المقتربة حتى صرخت برعب, ثم أمسكت الطفل واندفعت إلى البـيت وهي تغلق الأبواب والنوافذ. هرعت الزنجية العجوز نحو الشاطئ وهي تصرخ صراخاً يائساً. وسقطت شميتغوف مغمى عليها. ووقف هانس على قدميه بصعوبة. وفي الحظيرة شخرت الأحصنة وتلاطمت وقد شعرت بالحيوانات المتوحشة. أما الحمار فقد نهق بجنون.‏

لكن سكن الجميع تدريجياً. أقنعت إلزا إيما بالخروج إلى الشرفة, وأخذت تتهارش مع الأسود كي تشجع صديقتها. وفي نهاية المطاف حتى أوتو الصغير تجرأ واقترب من الأشبال الفتية دون أن يتجاسر على لمسها بعد.‏

خاطب دوغوف إيما:‏

- ألا ترغبـين يا سيدة شبـيلمان أن أبقي لكم أسداً؟ فهو سيسلي ابنك وسيحمي منزلكم.‏

- أشكرك لكن ... أبعدها من هنا من فضلك!‏

ضحك دوغوف ونظر إلى الأسود, ثم حوَّل نظره إلى البحارة الجالسين في الخيمة. نهض البحارة فوراً لتنفيذ الأمر الفكري, وبدؤوا يطوون الخيمة ويحضِّرون القارب للإقلاع. هبطت الأسود نحو الشاطئ ببطء وحذر وهي تدوس على الطريق الحجرية, ثم تمددت على الرمال. نقلها البحارة واحداً واحداً إلى اليخت.‏

سألت إلزا بحزن:‏

- هل أنتم مغادرون؟‏

- مع الأسف نحن لا نستطيع البقاء طويلاً. ينتظرنا منطاد كبـير. لكننا نأمل أن تعارفنا السار لن ينتهي عند هذا. سوف نزوركم من وقت لآخر, فنحن سنحتاج لكثير من الحيوانات الجديدة لملء فروع حديقتنا, التي سنفـتـتحها في خاركوف وتفليس وغيرها من المدن. ومن الأفضل أن تأتوا إلينا وتشاهدوا عجائبنا.‏

انحنت إلزا.‏

اقترب دوغوف من إيما:‏

- أما أنت يا سيدة فقد خسرتِ كثيراً جداً لأنك لم تأت معنا إلى الصيد. كنت سترين كثيراً من العجائب.‏

وتابع دوغوف بعد أن نظر إلى السماء حيث حامت مجموعة من الطيور فوق الخليج:‏

- بـيد أنني أستطيع أن أريك "أعجوبة" كي أعوضك عمّا لم تشاهديه في الصيد.‏

أخذ دوغوف ينظر إلى الطيور فغيرت طيرانها فوراً, وانتظمت في مثلث, واقتربت من المنزل محلقة بهذا التشكيل. تحوَّل المثلث إلى دائرة, ثم تزايد اتساع الدائرة وتباعدت, كما لو أنها ذابت في الهواء, وامتزجت مع الأبعاد الموغلة في بعدها.‏

صفقت إيما بـيديها مفتـتنة.‏

صرخ الطفل:‏

- أيضاً! أيضاً!‏

وبـينما روَّح دوغوف عن إيما والطفل أثناء الوداع, انعزل شتيرنر مع إلزا جانباً, وتحدث معها بحرارة عن شيء ما. ارتبكت إلزا واحمرت, لكنها كانت راضية عن كلمات شتيرنر على ما يبدو.‏

قال دوغوف:‏

- هيه, حان وقتنا!‏

نزل الجميع نحو الشاطئ. جلس كاتشينسكي ودوغوف وشتيرنر في الزورق, وأمسكوا بالمجاديف.‏

صرخ شتيرنر وهو ينظر إلى إلزا:‏

- إلى اللقاء.‏

ولوَّح بالمجاذيف.‏

سالت قطرات الماء من مجدافه تحت أشعة الشمس الغاربة مثل قطرات نبـيذ هيوسكي الأحمر. وها هو ذا القارب يصل إلى اليخت فيصعد الرحالة إليه. وتمتط الأشرعة بسبب الريح المواتية. وتصلصل سلسلة الياطر ...‏

تناهى إلى مسامع إلزا مرة ثانية:‏

- إلى اللقاء!‏

لوَّحوا على اليخت بالمناديل, فأجابتهم إيما وإلزا والطفل بالتلويح.‏

انتظمت كل الأسود على المتن ذاته بوضع قوائمها على الحاجز. وبدا وبر الوحوش مثل صوف ذهبي تحت أشعة الغروب. وأقلع "الآرغيون"(2)) الجدد ...‏

نظر دوغوف إلى الأسود فهزَّت جميعها رؤوسها فجأة, ولوَّحت بقوائمها كما لو أنها تودع قاطني المنزل الصغير. ضحك الصبي وإيما. ابتسمت إلزا على الرغم من أن وجهها كان حزيناً.‏

اختفت أشرعة اليخت في البعيد. وهبطت الشمس نحو سطح المحيط الزمردي الذي سرعان ما شابته مسحة رمادية. ومع ذلك بقيت المرأتان والطفل واقفين على الشاطئ محدقين إلى تلك الجهة حيث تلوَّن أثر اليخت على سطح المحيط.‏

قالت إلزا أخيراً وهي مستغرقة في التفكير:‏

- نعم, ربما في الحقيقة, علينا أن نذهب إلى هناك كي نشاهد كل تلك العجائب.‏

أجابتها إيما بحيوية:‏

- من البديهي! فلقد جلسنا طويلاً هنا!‏

لم تستطع إلزا خلال مدة طويلة أن تغفو في هذه الليلة. وعندما غفت قبل الصباح, فإنه تهيأ لها أنها سمعت صوت لودفيغ الذي ناداها.‏

وهمست هي عبر الحلم:‏

- نعم, يا حبـيبي لودفيغ!‏

لكن إلزا أخطأت.‏

ليس شتيرنر هو من فكـَّر بها في هذا الوقت, وإنما شتيرن.‏

جلس شتيرن على ظهر اليخت تحت السماء الجنوبـية المليئة بالنجوم وعلى كرسي مضفور صغير, مستنداً بكوعه إلى رأس الأسد النائم. كان القمر قد بان, وجاءت من المياه نسمة منعشة من نسمات ما قبل الصباح. ومع ذلك فإنه لم ينم بعد, وإنما فكَّر بالسيدة بـيكر التي تعيش في بـيت منعزل على شاطئ المحيط.‏

هدهدته موجة رتيبة. أمال شتيرن رأسه نحو لبدة الأسد الكثة وأغفى خلسة.‏

أنارهما أول شعاع من الشمس: إنسان وأسد.‏

ناما بسلام حتى دون أن يشِّكا بخفايا حياتيهما الباطنية, إذ حَشَرَت قوة الفكرة الإنسانية كل ما كان فيهما مرعباً وخطيراً بالنسبة إلى المحيطين بهما.‏

(1) لازمة في أُغنية شعبية روسية شهيرة, كان يُنشدها العمال الذين يسيرون على ضفة النهر وهم يجرّون بحبل جذوع الأشجار المربوطة الطافية على صفحة مياه النهر. وكانت هذه هي الطريقة المستخدمة لنقل الجذوع من مكان إلى آخر.‏

(2) إشارة إلى أبطال الأسطورة الإغريقية, الذين سُمّوا بالآرغيين نسبة إلى السفينة "آرغو", التي أبحروا على متنها بقيادة البطل "جازون" إلى "كولخيدا" (جورجيا حالياً), لإحضار "الفروة الذهبية" التي كانت بحراسة التنين.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244