|
||||||
| Updated: Tuesday, June 15, 2004 03:53 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
مدخل إلى الرواية العربية الفلسطينية لم تكن الطباعة في الوطن العربي فعلاً ثورياً يكسر احتكار الثقافة التي كانت وقفاً على أبناء الفئات الميسورة فحسب، بل كان في الوقت نفسه إيذاناً بظهور فن تثقيفي جديد لم يعرفه العرب من قبل، أي: الصحافة، التي نهضت، مع بواكيرها الأولى، بدور مهم على المستويين السياسي والثقافي، في مرحلة من أشد مراحل التاريخ العربي الحديث غلياناً. فعلى المستوى السياسي بنت جسراً معرفياً بين العربي وواقع أمته السياسي، واستطاعت، على المستوى الثقافي، أن تعرفه إلى فنون أدبية جديدة. وقد احتضنت الصحافة العربية، الصادرة أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، البذور الأولى لفني القصة القصيرة والرواية، اللذين تعرف القارئ العربي إليهما عن طريق الترجمة من آثار الغرب الأدبية. ومع أن تلك الترجمات كانت تعاني، ولا سيما في المرحلة الأولى منها، مجموعة من العيوب والأخطاء، إلا أنها سرعان ما لقيت قبولاً وانتشاراً واسعين بين جماهير القراء، ومهدت، في الوقت نفسه، لظهور قصة قصيرة ورواية موضوعتين. نشأت الرواية العربية الفلسطينية، شأن مثيلاتها في أقطار الوطن العربي الأخرى، في أحضان الصحافة، وعبر الترجمة التي كانت مزدهرة إلى حد كبير في ذلك الجزء من الجغرافية العربية، فلسطين. بسبب تعرضه للغزو الأجنبي المتعدد الأشكال والجنسيات، وبسبب الإرساليات التبشيرية الكثيرة التي عرفت الأدباء الفلسطينيين إلى ثقافات شعوبها، وفتحت أعينهم على روافد جديدة لأدبهم آنذاك. وعلى الرغم من أن ترجمات خليل بيدس، الذي يعد من أوائل الرواد في هذا المجال، لم تكن وفية للنصوص الروائية كما هي في الأصل، فإنها نهضت بمهمّة الكشف المبكّر عن الدور الذي يؤدّيه فنّ الرواية في الحياة والمجتمع. وتجدر الإشارة هنا إلى جهود: أحمد شاكر الكرمي، وجميل البحري، ونجاتي صدقي، التي اتسمت جميعاً، كترجمات بيدس، بتصرّف أصحابها "في النصوص المترجمة على هواهم، بالزّيادة والنقصان، والحذف والتغيير، وأحياناً إدخال الأبيات الشعرية"(1)، وبحفاوتهم الواضحة برواية المغامرات العاطفية والبوليسية خاصة. ومهما يكن من أمر الخلاف بين مؤرّخي الأدب الفلسطيني الحديث حول أوّل رواية عربية فلسطينية موضوعة، أي أنّ رواية يوحنا دكرت: "ظلم الوالدين: (1920) هي "أول رواية عربية فلسطينية"(2)، أو أنّ رواية خليل بيدس: "الوارث" (1920) هي "أوّل رواية فلسطينية أيّاً كان الخلاف حول مستواها الفنّي"(3)، فإنَّ هاتين الروايتين لم تكونا الوحيدتين اللتين صدرتا سنة 1920، بل ثمّة رواية ثالثة لاسكندر الخوري بعنوان: "الحياة بعد الموت"، وتلك الروايات الثلاث لم يتيسّر لأحدٍ من الدارسين الاطلاع عليها سوى ما عَلِق بذاكرة قرّائها الأوائل. وغيرُ خافٍ أنّ الذاكرة لا تكفي وحدها للجزم بأوليّة إحداها على الأخريين، زمناً ومستوى فنياً. وعامة، فإنّ المحاولات الروائية التي صدرت بين عامي 1920 و1943، التي لم تلق خطّتها من الدرس النقدي، بسبب عدم توفرها في المكتبة العربية من جهة، وبسبب عدم وجود كتابات نقدية عنها في مرحلة صدورها أو ما بعدها من جهة ثانية. وباستثناء رواية محمّد عزة دروزة: "الملاك والسمسار" الصادرة سنة 1934، "تصف وسائل الصهيونية لإغراء الفلاّحين الفلسطينيين، الملاّك منهم، لبيع أراضيهم للمنظمات الصهيونية"(4)، فإنّ الدراسات التي تناولت بواكير النتاج الروائي الفلسطيني اكتفت بالإشارة إلى عناوين تلك المحاولات، وإلى أسماء مؤلّفيها، وسنيّ صدورها من غير أن تتعرض لموضوعاتها، أو لمستواها الفني. وتشكل "مذكرات دجاجة" (1943)، للدكتور إسحق موسى الحسيني، منعطفاً مهماً في تاريخ الرواية الفلسطينية، حسب فاروق وادي، بوصفها "النص الروائي الوحيد، من أعمال تلك المرحلة، الذي حقق رواجاً استثنائياً وقت صدوره"(5). ولعل من أبرز ما ميز تلك الرواية معالجتها، بأسلوب رمزي، الواقع الفلسطيني في المرحلة التي شهدت فيها البلاد تدفق الهجرات الصهيونية، فهي تسرد يوميات دجاجة تتعرض، مع أترابها، بعد موت مالكهن الجديد لمتاعب كثيرة، تبدأ برؤيتهن وجهاً غريباً يقترب من المأوى الذي يقمن فيه، ثم يختفي بعد أن لحقت به الدجاجة التي تروي المذكرات وهي تردد: "لا أطيق أن أرى غريباً في هذه الديار"، وتشتد المتاعب أكثر صبيحة اليوم التالي، عندما يقتحم المأوى كائن عملاق في وجهه شر مروع، ثم تفجأ الدجاجة وأترابها بحركة غير مألوفة فإذا بمخلوقات غريبة تحتل مجالسهن في المأوى: "ففزعت وصحت: من هنا؟، فردت علي أنثى قائلة: لا تجزعي أيتها الأخت، نحن مخلوقات مثلكم حملنا إلى هذا المأوى". وأمام ذلك الخطر الداهم تجتمع الدجاجة بأترابها فيتخذ الجميع قراراً بمقاومة الدخلاء، باستثناء الدجاجة العاقلة جداً، كما وصفها طه حسين في مقدمة الرواية، التي ترفض قرار المقاومة بدعوى أنه "لا يحل الخلاف، ولا يلتئم مع المثل العليا". أما ما ينسجم مع المثل، في رأيها، فهو "أن تنتشروا في الأرض، وتبشروا الخلق بالخضوع للحق وحده، وتقنعوا الباغي بأن بغيه يرديه". ومهما يكن صحيحاً أن الحسيني "لجأ.. إلى هذا الأسلوب لعدم تمكنه من إيضاح الحقائق التي يعيشها وطنه"(6)، فإن الأكثر صحة أن مقولات دجاجته تلك لم تكن تمثل أي تنظيم، أو فئة، أو جماعة، في الأربعينات التي كانت تشهد مداً ملحوظاً ومتعاظماً في مقاومة الأطماع الصهيونية في أرض فلسطين. وبهذا المعنى، فإن المذكرات تمثل وعياً شائهاً بالمرحلة التاريخية التي ترصدها، وهي، بالإضافة إلى ذلك، تعاني ترهلاً في بنائها، ليس بسبب افتقارها إلى بنية ترتقي بالمذكّرات من حقل المرويّة إلى حقل الفنّ فحسب، بل بسبب إلحاحها أيضاً على "الجوانب النظرية ـ الروحيّة لحياة الإنسان، بشكل يجعلها في مجملها مجموعة تنظيرات"(7) تبدو الدجاجة من خلالها "مفلسفة تدرس شؤون الاجتماع في كثير من التعمق وتدبّر الرأي"(8)، من دون أن تفلح في تدبّر ما يحدق بها وبأترابها من أخطار. وفيما بعد رواية الحسيني شهدت سنوات ما قبل النكبة صدور ثلاث روايات فلسطينية. ففي سنة 1946، أصدر محمّد العدناني رواية بعنوان: "في السرير"، عرض فيها لمسيرة المرض الذي لازم صدره لسنوات عشر. ولعلّ من أهمّ ما اتّسمت به تلك الرواية امتلاءها بالمصادفات، وبمفردات غريبة، واصطناعها أبياتاً شعريّة تناسب الحدث، ثمّ غلبة المعلومات التي كانت تشغل الكاتب عن الاهتمام بالبناء الفنّي لعمله(9)، الذي يمكن وصفه بأنّه مذكّرات شخصيّة أكثر منه رواية. وفي سنة 1947 أصدر اسكندر الخوري رواية بعنوان: "في الصميم"، عالج فيها موضوعاً أثيراً لدى جماهير القرّاء في تلك المرحلة. وقد اتّسمت تلك الرواية بعدم تمكّن كاتبها من تحرير نصّه من الإطار التقليديّ الذي تناول تلك الموضوعات، بالإضافة إلى استرساله في الحديث عن عاطفة الحبّ، ليس بين الشابّ والفتاة فحسب، بل بين عددٍ من الشخصيات التاريخيّة المعروفة أيضاً، وفي استرساله في النّقل عن كتب علم الاجتماع، وفي الاتّكاء على أقوال عددٍ من المشاهير، دون أيّ مسوّغ فنّي، ولذلك كلّه بَدا عمله "بحثاً لـه ملامح روائية، وليس رواية فنيّة خالصة"(10). وفي السنة نفسها صدر للمؤرّخ عارف العارف رواية بعنوان: "مَرْقص العميان" عرض فيها لسيرة شابّ كفيف استطاع على الرّغم مما كان يضطرم في حياته من شدائد ومشاق أن يحقق عدداً كبيراً من النجاحات، وأن يتغلب على عاهته الخلقية، وعلى الرغم من أن الرواية حملت بعضاً من خصائص التجارب التي سبقتها، فإنها أنجزت "تقدماً نسبياً في مجال تحقيق بلورة واضحة للبناء الفني في الرواية"(11)، إذ استطاع الروائي تحرير محكيها من النوافل السردية من جهة، كما تمكن من تشييد بناء روائي لـه خصائصه المميزة من جهة ثانية. وباستجلاء الروايات السابقة، وسواها مما صدر قبل النكبة، يمكن القول إن المشهد الروائي الفلسطيني حتى سنة 1947 لم يكن سوى محاولات سردية مبعثرة لم تستطع "أن تشكل إرثاً وجذراً تتنامى منهما المحاولات الروائية الفلسطينية في السنوات اللاحقة"(12)، بسبب عدم قدرة كتابها على الإمساك بأدوات الكتابة الروائية، وبسبب ابتعادهم عن معالجة الواقع الذي كان يواجه محاولات مسعورة لنفي الفلسطينيين خارج أرضهم، ولتشويه حقائق وجودهم التاريخي على هذه الأرض. في التاسع والعشرين من تشرين الأول سنة 1947، وبضغط من الصهيونية العالمية والقوى الاستعمارية، أصدرت هيئة الأمم المتحدة قراراً بتقسيم فلسطين إلى دولتين: عربية ويهودية(13)، ولم تمض ستة أشهر على ذلك القرار حتى تم الإعلان عن قيام دولة "إسرائيل" على أرض فلسطين، وعلى الرغم من فورة جيوش الإنقاذ العربية والحركة الوطنية الفلسطينية آنذاك، فإن الشعب الفلسطيني وجد نفسه في مواجهة قرارين: التقسيم وإعلان الدولة، مكنا المنظمات الصهيونية من متابعة ابتلاعها للأرض الفلسطينية، وغطيا في الوقت نفسه جرائمها الوحشية التي كانت تمارسها ضد سكان هذه الأرض الشرعيين. أما على المستوى الثقافي فقد "أدت ظروف النكبة وما أعقبها من تشتت الشعب العربي الفلسطيني وكتابه خارج أرض وطنهم.. إلى ضياع المكتبة الفلسطينية بشقيها العامّ والخاصّ"(14)، إذ تعرّضت المكتبات العامّة لعبث المستوطنين الصهاينة الذين قاموا بسرقة الثمين من تلك المكتبات، وأتلفت سلطات الاحتلال ما رأت أنّه يتضادّ وادّعاءاتها "التاريخية" في أرض فلسطين، ونهبت المكتبات الخاصّة للفلسطينيين الذين نزحوا عن بيوتهم إثر النكبة(15). وعلى الرغم من صواب ما انتهى غسّان كنفاني إليه من أنّ البنية الاجتماعية للعرب الفلسطينيين الذين لم يغادروا أرضهم رغم ظروف الاحتلال مارست دوراً في نحول الحركة الثقافيّة الفلسطينية في المرحلة التي تلت النكبة، لأنّ أكثر "من ثلاثة أرباع الـ 200 ألف عربي الذين بقوا يومذاك.. كانوا من سكّان القرى"(16)، فإنّ ذلك لم يكن وحده ما يعلّل حال العطالة التي اتسمت بها تلك الحركة آنذاك، ومن أبرز العوامل المؤثرة في هذا المجال: مواجهات الفلسطينيين الدائمة مع العصابات الصهيونية التي كانت تحاول سلب أراضيهم بالقوّة أحياناً، وبالإغراء والدّهاء أحياناً أخرى، ثمّ قسوة الواقع التي عاناها المثقّف الفلسطيني، داخل الأرض المحتلّة وخارجها، والتي أتت، أو كادت تأتي، على أيّ رغبة لديه في الإنتاج الثقافي. ويمكن عدّ رواية جبرا إبراهيم جبرا الأولى "صراخ في ليل طويل" (1955) منعطفاً واضحاً بين ما كان محاولات روائية ورواية بالمعنى الدقيق للجنس الروائي، كما يمكن عدّها أوّل رواية عربية فلسطينية، بسبب استيفائها شروط الفنّ الرّوائي وامتلاكها لموضوعها من جهة، ومقاربتها لهذا الموضوع بأدوات متقدّمة جمالياً من جهة ثانية. وليس دقيقاً أنّ خطاب الرواية "لا يدخل في إطار الاتجاه السائد في روايات الروائيين العرب الفلسطينيين، ولا يعبّر إلاّ عن ذوات خاصة مشغولة بمسائل ذاتية"(17)، ليس لأنّه "ما مِنْ عمل فنّي يمكن أن يظلّ كتيماً تجاه البيئة التاريخية والسياسية التي كُتب فيها"(18) فحسب، بل لأنّ الموضوع الفلسطيني فيها أيضاً يتطلّب غوصاً على ظلال النص، التي تؤكد أن الماضي الذي تتمرد عليه شخصيات الرواية هو ماضي فلسطين المقنع بماضي هذه الشخصيات التي تحيل، في علاقتها بهذا الماضي نفسه، إلى نموذجين: الأول سكوني يرى في الماضي كل شيء ويتعلق لذلك به، والثاني متحرك يثور عليه ويطمح إلى تجاوزه. وبين تناقض هذين النموذجين يقف "أمين"، الشخصية الرئيسة في الرواية، بوصفه حاملاً جمالياً لتصوير حركة هذا التناقض وتصاعده. ومن القرائن الدالة على أن الرواية هي أول رواية عربية فلسطينية توفر لنفسها شروط الجنس الروائي بالمعنى الذي أرسته تقاليد الكتابة الروائية في الغرب تحررها من السمات التي ميزت المحاولات السابقة لها، وتجاوزها ذلك إلى بنية سردية تقوض المفهوم الخطي للزمن، وتستثمر ضمير المتكلم على نحو معبر عن وعي الروائي بأن هذا النوع من ضمائر الخطاب هو الأكثر ملائمة للغوص على الأعماق النفسية للشخصيات، ودال أيضاً على تمكنه، أي الروائي، من قول ما يخص بطله "على نحو يسمح بأن يكون ذلك خاصاً بالآخرين أيضاً"(19). وفيما بين رواية جبرا السابقة وانطلاقة الكفاح المسلح شهدت الحركة الثقافية الفلسطينية نقلة واضحة في النتاج الروائي على المستوى الكمي، وكان من أبرز ما ميز ذلك النتاج أن عدداً غير قليل منه كتبه روائيون يقيمون داخل الأرض المحتلة، لكنه بقي أسير الحصار الذي فرضته سلطات الاحتلال على الكتاب العربي، ولذلك لم يتيسر لأحد، خارج فلسطين، الاطلاع عليه. وإذا كان ثمة دراسات كتبت حوله، فإنها هي الأخرى لم تستطع القفز فوق الحواجز لتمكن الباحث من الوقوف على موضوعاته، أو مستواه الفني. وباستثناء رواية غسان كنفاني الأولى "رجال في الشمس" (1963)، فإن النتاج الروائي الفلسطيني الذي كتبه فلسطينيون يقيمون في الشتات لم يكن يعكس تطور أدوات الرواية الفلسطينية السّابقة لانطلاقة الكفاح المسلّح، ويشير في الوقت نفسه إلى تخلّف الكثير منه عن قضية الصّراع مع مغتصبي الأرض، وإلى حفاوته بقضايا اجتماعيّة منبتة الصلة بالواقع الفلسطيني ومثيراته السياسيّة والاقتصادية، ثمّ إلى غلبة الاتجاه الرّومانسي عليه. فرواية عوني مصطفى: "شقاء إلى الأبد" (1962)، على سبيل المثال، تتحدّث عن رجل فقير يتعلّق بامرأة لعوب، تدفعه إلى طلاق زوجته والارتباط بها اتّقاء للفضيحة وطمعاً بالمال الذي تملكه، ثمّ عن علاقته بأخيه الذي يتزوّج امرأته بعد طلاقها منه، والذي يطلّقها هو الآخر، ثمّ يتزوّجها من جديد ليعقد صفقة غير أخلاقية مع مدير الشركة التي يعمل فيها، إلى أن ينتهي الأمر بالكثير من هذه الشخصيات إلى الانتحار، دون أن يكون ثمة بناء فنيّ يحاول تحرير تلك الحكاية من كونها حكاية إلى كونها أدباً يوفّر لنفسه أبسط عناصر الفنّ الروائي. "رجال في الشمس"(20): تُعدّ رواية غسّان كنفاني الأولى "رجال في الشّمس" منعطفاً مهمّاً في مسار التجربة الروائية الفلسطينية، لأنها أول رواية فلسطينية استطاعت أن "تستوعب شروط تاريخها، محاولة رصد حركة جوهره والإجابة عن أسئلته"(21) من جهة، ولأنها تمثّل بداية رؤية متطورة للشخصية الفلسطينية التي أصرّت الروايات السّابقة لها على رثائها والتعاطف معها من غير أن توضح معنى ضياعها، أو الأسباب التي دفعتها إلى جحيم موت جديد كانت تسوق نفسها إليه راضية، من جهة ثانية. يتوزّع محكيّ الرواية بين سبع لوحات: (أبو قيس، أسعد، مروان، الصّفقة، الطريق، الشّمس والظلّ، القبر) ينتظمها حدث واحد هو هجرة الشخصيات الثلاث الأولى فيها إلى الكويت بحثاً عن عمل بعد عشر سنوات من النكبة، ثمّ موتهم في خزّان الشّاحنة التي يقودها أبو الخيزران عند الحدود. ولئن كان "من الطبيعي افتراض أن المشهد الأول في كل عمل ينطوي على غزارة ومعنى خاصين"(22)، فإن هذه الرواية تفصح عن مقولتها منذ اللوحة الأولى فيها: "أراح أبو قيس صدره فوق التراب الندي، فبدأت الأرض تخفق من تحته. ضربات قلب متعب تطوف في ذرات الرمل مرتجة ثم تعبر إلى خلاياه. في كل مرة يرمي بصدره فوق التراب يحس ذلك الوجيب كأنما قلب الأرض ما زال، منذ أن استلقى هناك أول مرة يشق طريقاً قاسياً إلى النور قادماً من أعمق أعماق الجحيم". إن الأرض التي يتوحد أبو قيس بها إلى حد التداخل، أو إلى ما يشبه حال الوجد التي تذيب الفرع في الأصل، وتدغمهما في ذات واحدة، تشكل المقولة الرئيسة للرواية، التي ترى أن ابتعاد الفلسطيني عن أرضه يعني تهديداً لـه بالعجز والضياع، وضرباً من الوهم والخداع، أو بداية الطريق إلى موت مجاني. فاندغام أبي قيس بالأرض وولهه بها، جعله ينتظر عشر سنوات، بعد النكبة، محتملاً الفقر والمذلة دون أن يفكر في الابتعاد عنها أكثر من المسافة التي كانت تفصل بين قريته ومستقره الجديد في فلسطين نفسها، لأن حلم العودة إلى تلك الأرض ظل هاجسه الدائم، والمتجذر في دمه، وهو نفسه الذي جعل مفردات حياته اليومية تتصل بها: "كلما تنفس رائحة الأرض وهو مستلق فوقها خيل إليه أنه يتنسم شعر زوجه حين تخرج من الحمام وقد اغتسلت بالماء البارد"، وهو نفسه أيضاً الذي جعله يحسد الأستاذ "سليم"، لأنه قضى فوق ترابها قبل أن يطأها المستوطنون الصهاينة: "أتوجد ثمة نعمة إلهية أكبر من هذه؟ صحيح أن الرجال كانوا في شغل عن دفنك وعن إكرام موتك، ولكنك على أي حال بقيت هناك". وعلى الرغم من أن الرواية لا تقدم مادة ما عن علاقة أسعد ومروان بالأرض، فإن النهاية الفاجعة التي تودي بهما إليها، تعني إدانتهما بسبب اختيارهما طريقاً معلقاً في الفراغ، منقطعاً عن الأرض، توهّما السعادة في نهايته. وتجعل، من بعدُ، حتفهما مع أبي قيس ينتهي في خزّان الشاحنة، الذي يمثّل هو الآخر "انقطاعاً كاملاً عن الأرض، عن نبضها ورائحتها"(23). أمّا أبو الخيزران الذي كان يؤمن بأنّ القرش يأتي أولاً ثمّ الأخلاق، فإنّ ما يقوم به من فعل في خاتمة الرواية، أي عندما يرمي جثث الرجال الثلاثة فوق أكوام الزبالة ويسرق نقودهم، لا يستمدّ مسوّغه من جنونه بالمال كيفما كانت الوسيلة إليه، بل لأنّ الرواية تطمح إلى التأكيد بأنّ "مَنْ يتقن الكذب والخداع حدّ الخيانة هو ذاك الذي أمعن في القطيعة مع الأرض مكانياً وزمانياً"(24). وغير خافٍ أنّ التباين بين هذه الشخصيات على المستوى الجيلي يُضمر، فيما يضمره، القول إنّ حال العطالة التي ميّزت الواقع الفلسطيني في المرحلة التي تلت النكبة لم تكن سمة جيل بعينه، بل سمة الأجيال الثلاثة التي مثّلتها تلك الشخصيات، والتي كان لا بدّ من أن يفضي بها انقطاعها عن الأرض إلى ذلك الموت المجانيّ، وهي تمشي على "الصراط" الذي مثّله أبو الخيزران لها. ومهما يكن من أمر النتائج النقدية التي انتهى إليها دارسو الرواية، اتفاقها أو اختلافها أو إضافات بعضها، ولا سيّما الرموز فيها(25)، فإنّ عدداً منها حمّل الرواية في تقديرنا ما لم تقله. وإذا سلّم المرء ببعضٍ من تلك النتائج، فإنّ أيّة رواية، مهما كانت درجة اتصالها بالواقع ومطابقتها له، تتخيّر ما هو جوهريّ فيه، من غير أن يعني ذلك إحالة كلّ شيء فيها إلى رمز أو أكثر. وتأسيساً على ذلك يبدو تفسير سامي سويدان للرقم (8) في الرواية، الذي يلعب، في رأيه، "لعبة الموت الفلسطيني بامتياز"(26)، ولعاً بالمنهج البنيوي الذي يلوي عنق النصّ، أحياناً، لقول ما لم يقله أحد من قبل. ويمكن وصف الرواية بأنّها مزيج من ثلاثة اتجاهات فنيّة، يقف الاتجاه الواقعيّ على رأسها، وتتوزّع بنيتها العامّة بين الاتجاهين: الرّمزي والرّومانسي، ويتجلّى حضور الأخير من خلال علاقة شخصياتها بعنصرين رئيسين: الأرض من جهة، والحلم بالخلاص الفردي من جهة ثانية. فعلاقة أبي قيس، على سبيل المثال، بالأرض لا تتجاوز حنين الشخصية الرومانسية التي يدفعها عجزها عن التكيف مع الواقع إلى التفكير بالأرض بقصد السلوى، وليس بسبب وعيها لمعنى الارتباط بهذه الأرض. أما العنصر الثاني فيتطابق تماماً مع حرص الرومانسية على تصوير "تجربة الفرد الذي يقف وحيداً في مواجهة العالم"(27)، أو على تغني هذا الفرد بالماضي المجيد للوطن بوصفه عزاء عن الحاضر ليس غير. ولعل كنفاني تعمد ذلك رغبة منه في إدانة شخصياته أكثر، وفي القول إن حلم هذه الشخصيات بالخلاص من واقعها لم يتجاوز أنواتها الفردية، ولذلك فهو "محكوم بالفشل، محاصر داخل أسوار غربة الذات"(28). وبهذا المعنى الذي قصد كنفاني إليه، فإن الاتجاه الرومانسي، في الرواية، لا يبدو بمعطاه السلبي لأن الكاتب يتخير منه ما يحقق رغبته في كتابة "قصة تغير من شعور كل قارئ. قصة إنسان فلسطيني بسيط عادي يتملكه فجأة إحساس لا يقهر هو إحساس العودة"(29) إلى الأرض، وبه أيضاً يمكن اعتبار "مضمون الرواية ثورياً بالمعنى التاريخي للكلمة، لأنه يكشف أن الهرب حل خاطئ يؤدي إلى الطريق المسدود"(30). ولئن كانت الحكاية في الرواية المغلقة تكتفي بنفسها، ويشرح فيها كل شيء(31)، فإن غسان كنفاني تجنب ذلك تماماً، إذ جعل روايته "مشرعة، مفتوحة، غير مكتملة، وأبعد من أن تستدعي جواباً"(32). وإذا كان ثمة من جواب قد حرضت على التفكير فيه، فليس سوى ذلك الطريق الذي يعيد الفلسطيني إلى أرضه، طريق المقاومة الذي يخلصه من الانشغال بـ "أناه" إلى الوطن: الرحم، والأصل، والجذور. هوامش وإحالات: (1)ـ أبو مطر، د. أحمد. "الرواية في الأدب الفلسطيني". ص (27). (2)ـ ياغي، عبد الرحمن. "في الأدب الفلسطيني الحديث". ص (63). (3)ـ أبو مطر، أحمد. "الرواية في الأدب الفلسطيني". ص 49). وتجدر الإشارة إلى أنّ رأي أبي مطر ومؤيديه لا يسلم من الطّعن، فالكثيرون ممّن تناولوا نشأة هذا الفنّ في فلسطين، يَرَوْنَ أنَّ رواية بيدس من ترجماته، وليست من إبداعه. (4)ـ أبو مطر، أحمد. "الرّواية في الأدب الفلسطيني". ص (51). (5)ـ وادي، فاروق. "ثلاث علامات في الرواية الفلسطينية". ص ( ). (6)ـ أبو مطر، أحمد. "الرّواية في الأدب الفلسطيني". ص (43). (7)ـ المرجع السابق. ص (36). (8)ـ مقدّمة د. طه حسين للرواية. (9)ـ انظر: أبو مطر، أحمد. "الرّواية في الأدب الفلسطيني". ص (42). (10)ـ المرجع السابق، الصفحة نفسها. (11)ـ المرجع السابق. ص (46). (12)ـ وادي، فاروق. "ثلاث علامات في الرّواية الفلسطينية". ص (33). (13)ـ اتُخِذ القرار بأغلبية 33 صوتاً مقابل 13 وامتناع 10 دول عن التّصويت. ونصّ، بالإضافة إلى قرار التقسيم، على قيام اتحاد اقتصادي بين الدّولتين، وخضوع القدس لنظام دوليّ خاصّ. (14)ـ أبو مطر، أحمد. "الرّواية في الأدب الفلسطيني". ص (48). (15)ـ روى لي القاصّ الفلسطيني محمّد البطراوي، الذي كان معتقلاً في سجون الاحتلال إبان قيام "الدولة"، قائلاً إنّ سلطات السجون الإسرائيلية كانت تستخدم المعتقلين الفلسطينيين في إحراق المكتبات الخاصّة للفلسطينيين الذين غادروا أرضهم بعد النكبة. (16)ـ كنفاني، غسّان. "أدب المقاومة في فلسطين المحتلّة". ص (9). (17)ـ النسّاج، سيّد حامد. "بانوراما الرّواية العربيّة الحديثة". ص (141). (18)ـ هالبرين، جون. وآخرون. "نظريّة الرّواية". ص (514). (19)ـ ريديكر، هورست. "الانعكاس والفعل، ديالكتيك الواقعيّة في الإبداع الفنّي". ص (88). (20)ـ آثرت مقاربة هذه الرّواية بشيء من التفصيل لاتصالها بموضوع الدراسة. (21)ـ وادي، فاروق. "ثلاث علامات في الرواية الفلسطينية". ص (36). (22)ـ هالبرين، جون. وآخرون. "نظرية الرواية". ص (72). (23) سويدان، سامي. "أبحاث في النص الروائي العربي". ص (78). (24)ـ المرجع السابق. ص (73). (25)ـ للتوسع في هذا المجال، أي فيما يعني الرمز خاصة، يمكن العودة إلى: ـ مقدمة د. إحسان عباس للأعمال الكاملة لغسان كنفاني، المجلد الأول. ـ زين الدين، أمل. باسيل، جوزيف. "تطور الوعي في نماذج قصصية فلسطينية". ص (222). ـ البحوري، رفيقة. "الأدب الروائي عند غسان كنفاني". ص (37)، (39). ـ سويدان، سامي. "أبحاث في النص الروائي العربي". ص (103). ـ أبو مطر، أحمد. "الرواية في الأدب الفلسطيني". ص (235). ـ صالح، فخري. "في الرواية الفلسطينية". ص (19). ـ خليل، إبراهيم. "في القصة والرواية الفلسطينية". ص (112). (26)ـ سويدان، سامي. "أبحاث في النص الروائي العربي". ص (79). (27) فيشر، إرنست. "الاشتراكية والفن". ص (83). (28)ـ عاشور، رضوى. "الطريق إلى الخيمة الأخرى". ص (63). (29)ـ البحوري، رفيقة. "الأدب الروائي عند غسان كنفاني". ص (7). (30)ـ القاسم، أفنان. "غسان كنفاني، البنية الروائية لمسار الشعب الفلسطيني". ص (114). (31)ـ انظر: البيريس، ر. م. "تاريخ الرواية الحديثة". ص (255). (32)ـ سويدان، سامي. "أبحاث في النص الروائي العربي". ص (110). |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |