|
||||||
| Updated: Tuesday, June 15, 2004 03:53 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الأول: مقدمات أولى قضية الأرض في الرواية العربية تمثل "الأرض"، بوصفها فضاء واقعياً ورمزياً، مكوناً أساسياً من مكونات الخطاب في معظم المنجز الروائي العربي، لسببين: بنية المجتمع العربي الذي يشكل الفلاحون الأغلبية وقاع السلم الطبقي فيه أولاً، وانتماء معظم الروائيين العرب إلى أصول فلاحية ثانياً. وغالباً ما يتردد هذا الفضاء في الأعمال الروائية المعنية بالحديث عن الهجرة من الريف إلى المدينة، إما هرباً من جور علاقات الإنتاج التي تحكم مجتمع القرية أحياناً كثيرة، أو طلباً للرفاه الذي يوفره مجتمع المدينة أحياناً أقل. وعلى الرغم من غلبة الاتجاه الرومانسي على بدايات تلك الأعمال، فإن الواقعية سرعان ما "وجدت في الريف العربي وحياة أهله ما يغريها بالتوجه إليه"(1)، ومنطلقاً للكشف عن علل الواقع العربي، ولا سيما بعد هزيمة حزيران التي دفعت المثقفين العرب إلى إعادة استقراء ذلك الواقع، ومن ثم إلى اكتشاف مرجعيات العطب والإهمال التي يعانيها مجتمع الريف خاصة، وتعد الأعمال الروائية الواقعية في هذا المجال "الأكثر نضجاً من الناحية الفنية، و.. الأكثر عدداً من الناحية الكمية"(2). 1ـ في الرواية المصرية: مهما يكن صحيحاً أن رواية محمد حسين هيكل(3): "زينب" (1914) ليست أول رواية عربية فنية فحسب، بل هي أيضاً أول رواية تتناول الريف العربي(4)، فإنها لا تنتمي إلى الرّواية المعنية بالأرض، لسببين رئيسيين: لاكتفاء الروائي بالخارجي فحسب من الريف المصري، ولانشغاله بوصف الطبيعة الأخّاذة للقرية المصرية عن العلاقات الاقتصادية القائمة فيها. فالطبيعة في الرواية "لا تعبّر عن أوضاع اجتماعية واقعية"(5)، ودورها في الأحداث لا يتجاوز "العزاء الذي تقدّمه للشخصيات حينما يلجئون إليها"(6). وعلى الرّغم من أنّ ثمّة إشارات في الرواية تتحدّث عن علاقة الفلاّحين الأجراء وصغار الملاّك بالطبقة الإقطاعية، فإنّ تلك الإشارات تبدو معزولة عن السياق العامّ للخطاب الروائي من جهة، ولا تنهض من استقراء الروائي لحركة الواقع، أو من وعيه بالقوى الفاعلة في هذا الواقع من جهة ثانية. تُعدّ رواية عبد الرحمن الشرقاوي(7): "الأرض" (1970) أوّل رواية مصرية تُعنى بصراع الفلاّح ضدّ مستغلّيه، ولئن كان من أبرز ما ميّز تلك الرواية حفاوة القراء بها وقت صدورها، فإنّ من أبرز ما ميّزها أيضاً رصدها لذلك الصراع دونما ادّعاء بأطروحات أيديولوجية كبرى، ودونما سقوط في شَرَك الخطابة، أو التبشير، أو المقولات الناجزة، أيضاً. تعالج الرّواية مرحلة الثلاثينات من تاريخ مصر الحديث، أي مرحلة الانتداب البريطاني. وتتعرّض على نحو خاص لحكومة إسماعيل صدقي الذي كان يحكم مصر "بالحديد والنار"، بعد أن ألغى الدستور رغبة منه في كسب ودّ سلطات الانتداب. ومن الطبيعي أن يكون الرّيف المصري، في تلك المرحلة، أكثر البنى الاقتصادية ـ الاجتماعية اكتواءً بنار الأحداث التي كانت تعصف بالبلاد، وأكثرها تعرّضاً أيضاً لجحيم حكومة صدقي التي كانت تمارس أسوأ أنواع التنكيل بمعارضيها، والتي كانت من نتائجها، في مجتمع الرّواية، نقل الشيخ حسّونة، ناظر المدرسة، إلى مكان قصيّ عن القرية، وفصل محمد أبو سويلم عن مشيخة الغفر، ونزع نصف فدان من ملكية الشيخ يوسف، لمقاطعة هؤلاء وغيرهم انتخابات حزب الشعب الذي كان صدقي يتزعمه آنذاك. تتحرك أحداث الرواية في قرية غارقة في العوز والاضطهاد، يسوطها جشع الإقطاع من جهة، وقرارات الحكومة الجائرة من جهة ثانية. "فالقطن يباع بالتراب، والفلاحون يسقطون في أيدي المرابين، والذين يملكون أرضاً تحجز عليها الحكومة"، معظم سكانها تقذف بهم الحاجة إلى "المدينة باحثين عن عمل، ليعودوا من بعد صفراً مهزولين"، وآخرون "يشتغلون أنفاراً لحساب مالك الأرض، الذي يملك أحياناً أراضي عدة قرى". والرواية تمجد ارتباط الفلاح بالأرض، ولذلك "تبرز الأرض، أو ملكية الأرض كقيمة ثابتة"(8) فيها. وتتجلى تلك القيمة من خلال المواجهة الضارية التي تنشب بين فلاحي القرية والحكومة، بعد أن أنقصت الأخيرة مدة فتح السواقي التي كانت تروي أراضيهم من عشرة أيام إلى خمسة، ثم من خلال المكانة التي تحوزها الأرض داخل منظومة القيم المكونة لوعي هؤلاء الفلاحين، الذين كانوا يرددون دائماً أن من "لا يملك في القرية أرضاً لا يملك فيها شيئاً على الإطلاق حتى الشرف". والشخصيات في الرواية، وفي هذا المجال، تتوزع بين ثلاثة نماذج: أول يقاوم الحكومة، وثان يعمل لصالحها، وثالث يبدو بمعزل عن الأحداث. ففي اجتماع القرية الأول لمواجهة قرار الحكومة يطلب الشيخ الشناوي، إمام القرية ومفتيها، إلى الناس قراءة "عدية يس" لينتقم الله للفلاحين ممن قصر مواعيد الري، ويقترح الشيخ يوسف، بقال القرية، الاستغاثة بالعمدة. ولكن كيف يثق أهل القرية بهذا العمدة إذا كان قد عرف قرار الحكومة قبل أن يصل الأخير إلى القرية، ولم يقل لأحد؟، وإذا "كان هو الذي ساعد الحكومة في الانتخابات بعد أن قاطعتها الدنيا كلها"(9). وعلى الرغم من أن رأي محمد أفندي، معلم القرية، لم ينل موافقة أحد في البداية، فإن الفلاحين يفوّضونه أخيراً، كما اقترح، بكتابة عريضة إلى وزير الأشغال عن طريق العمدة ومحمود بك نائب القرية، وكانت المفارقة التي قصمت ظهور هؤلاء في استبدال عريضة الزراعية بعريضة الرّي، فالعمدة "ضحك على القرية باتفاق مع محمود بك، وجمع أختامها وأختام القرى المجاورة، ووضع كلّ هذه الأختام على عريضة جاء فيها أنّ الأهالي الموقّعين يحتاجون إلى شقّ سكّة زراعية". وعامّة، فإنّ هذه الشخصيات تبدو، على امتداد الرّواية، نامية، متحرّكة، متمايزة فيما بينها. والصّراع الذي يصوغ الروائي عبره ومن خلاله الأحداث المكوّنة لعالمه التخييلي ليس واحدياً، بمعنى أنه لا ينهض بين فلاحي القرية من جهة والحكومة وذيولها من جهة ثانية فحسب، بل بين الفلاحين أنفسهم أيضاً. وتُعَدّ شخصيتا عبد الهادي ومحمّد أبو سويلم أكثر شخصيات الرّواية تمثيلاً للعلاقة الحميمة التي تربط بين الفلاّح والأرض. فالأوّل يشارك في مواجهة الحكومة على الرغم من أنّه لا يملك أرضاً من حوض الترعة التي سيطولها مشروع السكّة الزراعية، لثقته بأنّهم "حين يعتدون على رجل واحد في القرية فكأنما ضربوا القرية جميعاً.. وإذا سكت هو اليوم وأرض محمّد أبو سويلم ودياب تنتزع، فسيرمونه هو غداً". أمّا الثاني، فيواجه فرقة الهجّانة التي أرسلتها الحكومة لتأديب القرية بالتشبّث بأرضه وبرفضه مغادرتها على الرغم من أنه يلقى من رجال الهجانة ما لا يحتمله رجل في مثل سنّه. وعامّة أيضاً، فإنّ الرواية لم تسلم من أذى المزالق نفسها التي تعرّضت لها رواية "زينب"، والتي غالباً ما كان الرّاوي يوجّه نقداً لاذعاً لها في أكثر من موضع من الرواية، فالروائي يسترسل في وصف الطبيعة من غير أن يكون لذلك الوصف ما يسوّغه فنياً، وعلى الرغم من تلك الواقعيّة الآسرة والنابضة بالبساطة والحياة(10) التي وفّرها لمحكيّه، ومن حرصه على أن يبدو الفلاح عامة لديه رجلاً حقيقياً "بضعفه وقوته، بحبّه الرّومانسي وآلامه المريرة"(11)، فإنّه لم يستطع تحرير ذلك المحكيّ من أذى التفاصيل والجزئيات، ومن الوصف الفائض للملامح الخارجيّة للشخصيات، كما لم يستطع إقناع قارئه بواقعية عدد من تلك الشخصيات، عبد الهادي خاصة، الذي غالباً ما كان يمنحه صفات خارقة تضعه خارج حدود الواقع، وليس على حوافّه فحسب. 2ـ في الرواية السورية: على الرغم من أنّ نشأة الرواية الفنية في سورية ترتدّ إلى ثلاثينيات القرن العشرين، أي إلى رواية شكيب الجابري: "نهم" (1937)، فإنّ اهتمام الروائيين السوريين بالمجتمع القرويّ السّوري جاء متأخراً إلى حدّ ما، ولذلك عرفت الرواية السورية قضية الأرض في أحضان الاتجاه الواقعي فوراً، وانصرف أكثرها إلى الحديث عن القحط وآثاره في علاقات الإنتاج التي كانت تحكم مجتمع القرية السّورية آنذاك. ولئن كان الرّيف ونمط معيشة الفلاحين ومآسيهم قد أتاحت للرواية الأوربية "مناسبة لتقديم لوحات أخّاذة، وسرد عذب مفجع"(12)، فإنّ الرّواية السورية التي تناولت حياة الريف تبدو شديدة الاتصال بهذه السمة، ليس لأنها صوّرت الظلم الذي كان سكّان هذا الريف يعانونه بسبب الإقطاع والمرابين فحسب، بل لتميّزها أيضاً من الرّواية العربية بتصوير قسوة الطبيعة التي كان الفلاّح السّوري يكابد آثارها دائماً. ولعلّ رواية فارس زرزور(13): "المذنبون" (1974) أكثر النتاج الروائي السوري اتصالاً بتلك السمة، بسبب رصدها لقسوة الطبيعة من جهة، ولضراوة الإقطاع الذي كان يلتهم أراضي الفلاّحين بالرّبا والمداهنة في بداية الأمر ثمّ بعقود الرّهن المودعة لديه بعد أن يحلّ الجفاف بالقرية من جهة ثانية. ومع أنها، أي الرّواية، لم تكن تجعل "من علاقة الفلاح بأرضه، وكفاحه في سبيل الاحتفاظ بها.. مرتكزاً لها"(14)، إلا أنها عنيت بتصوير تلك العلاقة من خلال صلتها بغيرها من العلاقات الأخرى التي تسود مجتمع القرية، والتي تستبدّ بجانب كبير وطاغٍ من محكيّ الرواية. تدور أحداث الرواية في قرية "الميرة"، إحدى قرى الجنوب السّوري، التي تخالف القاعدة القائلة "إنّ القرية توجد حيث يوجد الماء والشجر، أو أنّ الشجر والماء يوجدان حيث توجد القرية"، فهي تقع "في منخفض.. من الأراضي الشديدة الوعورة، ذات المرتفعات والأغوار الحجرية البركانية المنخورة ". يعيش سكّانها على رغيف جافّ، مصنوع من الخليط "شعير وحنطة وذرة مجتمعة.. وفي فصل الربيع ربّما تغيّر الحال قليلاً. فإمّا أن يغمسوا لقمتهم بالبرغل، أو بما يفيض من خضخضة اللبن الرّائب عندما يصنعون منه السّمن.. الذي يبيعونه ليكتسوا بثمنه". وَفَد إليها "ذات يوم شخص غريب يرتدي ملابس خاصّة، ونزل بضيافة فلاح ميسور الحال، ولكنه سيئ السمعة.. اسمه (صالح الذياب). وقد استطاع هذا الغريب أن يستولي على أراضي القرية الصالحة للزراعة مستغلاً سذاجة وفقر الساكنين، وبعدها صار ذلك الغريب يسمّى شوكت بك". ويتجلّى موضوع الأرض في الرّواية من خلال شخصيتها المحورية جدعان العبد الله، الفلاّح الشّاب الذي مات أبوه ولم يكن قد تجاوز طفولته بعد، مخلّفاً لـه أختاً جميلة "ممشوقة القوام بيضاء البشرة مورّدة الخدّيْن يحيط جبينها الناصع شعر أنيق لامع السواد. في عينيها سحر نائم أو نعاس ساحر"، اسمها "فرحة"، وأمّاً عمياء "مزنة"، وأرضاً صغيرة ينتفع بزراعتها. كان جدعان "يدّخر أخته إلى يوم سيأتي في حينه"، مؤملاً تزويجها مقابل مبلغ كبير من المال، أو ثلاثة فدادين أرض، أو مئتي رأس ماشية، يمكّنه واحد منها من زواجه أيضاً، ومن سداد ديونه للإقطاعي شوكت بك. غير أنّ قبوله بمقايضة "فرحة" بابنة صالح الذياب، "فهدة"، لأخيها "قاسم"، ورضاه ببقرة وأربع نعاج بسبب العَرَج الذي كانت "فهدة" تشكو منه، وبسبب التباين بين جمال الفتاتيْن، جعلا أمله في الخلاص من ملاحقة الدرك، الذين يستخدمهم شوكت للتنكيل بالفلاحين العاجزين عن إيفاء قروضه الجائرة، فاتراً وربّما مستحيلاً، ولذلك اضطُرّ، مع كثيرين من أولئك الفلاحين، إلى مغادرة القرية لبيع قوّة عمله مع جموع "البروليتاريا" الرّثة الزاحفة إلى المدن اتقاءً للجفاف والاضطهاد. وعلى الرّغم من أنّ جدعان أمنَ في المدينة الدرك والجوع، فإنّ علاقته بأرضه التي سلبها الإقطاعي شوكت بك منه لم تنقطع قطّ، فقد ظلّ دائم التفكير بجمع النقود للعودة إلى القرية، ولتحرير أرضه من براثن الإقطاعي. والرواية، من حيث بناؤها الفنّي، تنتمي إلى الرواية التقليدية، فالروائي يصوغ عالمه التخييلي وفق مواضعات السرد المألوفة، أي المحكومة بمنطق المقدّمات والنتائج، وبتدخّل "الكاتب القسريّ في المجريات ولوْيها وإنطاق الشخصيات"(15)، وعلى الرّغم من انتمائها إلى الاتجاه الواقعي، فإنّ الروائي لم يكن يقدّر، كما يبدو، أنّ الواقعية تعني النفاذ إلى الواقع بصورة مبدعة "تسقط الممارسة الاجتماعية الشاملة الواسعة.. على القوى التي تحرّك التطوّر الاجتماعي"(16)، وليست مرآة جامدة لهذا الواقع فحسب. إنّ الرّواية تسجّل الواقع الذي تقاربه، ولا تعيد صياغته جمالياً، ولذلك تبدو شخصياتها خارج إطار شرطها التاريخي، من غير أن يعني ذلك سلباً للمكانة التي شغلتها بين مثيلاتها في المشهد الروائي السوري. لسببيْن: لريادتها المبكّرة في الحديث عن المجتمع القرويّ السّوري(17) من جهة، ولكفاءة مبدعها في وصف الملامح القاسية التي كانت تضبط إيقاع الطبيعة والناس في هذا المجتمع، آنذاك، من جهة ثانية. 3ـ في الرواية المغربية: تتميّز قضية الأرض في الرّواية العربية المغاربية عامة وليس المغربية وحدها، وفلسطين كما سنرى، من مجمل النتاج الروائي العربي بتصدّيها لقوّتيْن بآن: الإقطاع والاستعمار الاستيطاني. وتُعدّ رواية المغربي أحمد زياد(18): "بامو" (1974)، أوّل عمل روائي مغربي، وربّما مغاربيّ أيضاً، في هذا المجال، فهي ترصد نضال الفلاحين في ذلك الجزء من الجغرافية العربية ضدّ الاستعمار الفرنسي الذي كان يلتهم أراضي أربعة أقطار عربية من الشمال الإفريقي في وقت واحد، وعبر محكيّ يتداخل الواقعي فيه بالمتخيّل. وإذا كان من أبرز ما ميّز تلك الرواية ريادتها المبكّرة، فإنّ من أبرز ما ميّزها أيضاً توثيقها لأسماء حقيقية ولوقائع حقيقية في تاريخ النضال الوطني المغربي، ثمّ وعي مبدعها بجدل البنى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بعضها ببعض، في مرحلة تُعدّ من أشدّ مراحل كفاح المغرب صموداً وإصراراً على الاستقلال. وتمثّل رواية المغربي أيضاً مبارك ربيع(19): "الرّيح الشتوية" (1979) أكثر الأعمال الروائية المغربية حفاوة بالظاهرة التي تعالجها هذه الدراسة، ولا سيّما المرحلة التي عنيت بها، أي الأعوام الثلاثة الأخيرة من الحرب العالمية الثانية. وتتجلّى الظاهرة/ القضية فيها في القسم الأول منها خاصة، أي مع قيام سلطات الاحتلال الفرنسي بالاستيلاء على أراضي الفلاحين بالإكراه حيناً وبالخداع والتزوير حيناً آخر، ثمّ بوصول عمليات الاستيلاء هذه إلى أرض "العربي الحمدوني" الذي حمل السلاح دفاعاً عنها، والذي دفعته مطاردة الفرنسيين لـه إلى مغادرة القرية، (لا يسميها الكاتب)، إلى مدينة الدّار البيضاء، ليجد نفسه مع كثيرين من الفلاحين أمثاله فريسة هاجسيْن: الفقر والبؤس في المدينة من جهة، والحنين الجارف إلى الأرض من جهة ثانية. كانت الأرض، بالنسبة إلى الحمدوني، الحياة نفسها، وكان يُخيّل إليه أنه كذلك بالنسبة إليها أيضاً، ولذلك كان يسأل أقرباءه القادمين من القرية عنها: "يودّ.. أنْ يعرف كيف يستثمرها الأجنبي، كيف يخطو فوقها، كيف.. تتحرّك رجلاه عليها.. يودّ أن يعرف، لو يستطيع، مشاعر أرضه إزاء.. الدخيل، ألا تزال تجود بالخير أم جفّت غيظاً وكمداً". وعلى الرّغم من ثقته بحربائية القانون الفرنسي الذي يحكم بلاده فإنه ما لبث أن لجأ إليه، قائلاً لمحاميه الجزائري الأصل: "ـ الأرض. وبَدَت على المحامي حركة تدلّ على أنه لم يفهم خلاصة الموضوع، فيسأل من جديد: ـ أرض مَنْ؟ ـ أرضي يا سيّدي، أرض جدودي". وعامة، فإنّ الرواية، وفي هذا المجال خاصة، تبدو نسيج وحدها في الرّواية العربية، بسبب تثمينها للمستوى الفطري لعلاقة الإنسان بأرضه، وتأكيدها، على نحو غير مباشر، أنّ هذا المستوى أشدّ تأثيراً وفعالية في معركة النضال الوطني من أي كمٍّ معرفيّ عن الفداء والتضحية من أجل الأرض. فالحمدوني، الفلاح البسيط، يهزّ بإصراره على التمسّك بأرضه الحسّ الوطني لمحاميه، الذي كان منقطعاً عن قضية بلده المستعمَر من سلطات الاحتلال نفسها، ويدفعه رفض الحمدوني للتعويض الذي حصل لـه عن هذه الأرض إلى التوجّه نحو وطنه الجزائر للمشاركة في المعارك التي يخوضها شعبه لنيْل حريّته واستقلاله، قائلاً للحمدوني: "قضيتك.. أصبحت صغيرة". 4ـ في الرواية الجزائرية: لم تشكّل قضية الأرض في النتاج الرّوائي الجزائري "تيّاراً واضح المعالم إلاّ بعد الحرب العالميّة الثانية"(20)، ويمكن تقسيم ذلك النتاج وفي هذا المجال إلى قسمين: الأوّل يعالج القضية كما تتجلّى في المرحلة التي سبقت الاستقلال الوطني، والثاني يتناولها في ظلّ الثورة الزراعية التي تلته. ولئن كان من الممكن التمييز بين اتجاهيْن رئيسين يطغيان على النتاج المعني بالمرحلة الأولى: الاتجاه الرّومانسي والاتجاه الواقعيّ النقديّ، فإنّ من أبرز ما يسم النتاج المعني بالمرحلة الثانية غلبة الاتجاه الواقعي الاشتراكي إلى جانب الرّومانسية والواقعيّة النّقدية. ويمكن التمثيل للاتجاه الأوّل برواية محمّد صادق حاجي: "على الدرب" (1977) التي تعدّ من الأعمال الرّوائية الجزائرية المبكّرة التي تنتمي إلى ذلك الاتجاه، والتي تتصدّى للحديث عن الإقطاع الجزائري في الفترة التي سبقت الاستقلال الوطني، والفترة التي رافقت البدايات الأولى لانتصار الثورة التحرّرية. ينهض محكيّ الرّواية على شخصيتين رئيسيتين: الحاجّ طاهر الإقطاعي، والفلاّح مسعود، ويمكن تلخيص ذلك المحكيّ بمصادرة الإقطاعي لأرض مسعود بعد التحاق الأخير بالثورة، وبعد أن استطاع الأوّل الحصول على وثيقة مزوّرة تثبت ملكيّته لأرض مسعود الذي لم يجرؤ على المطالبة بها بسبب ملاحقة سلطات الاحتلال الفرنسيّ لـه. وبدلاً من أن تكفل حكومة الثورة المنتصرة لـه هذا الحقّ، عزّزت سلطة الإقطاعي، فلم يكن أمام مسعود سوى القبول بالعمل أجيراً في أرضه مؤمّلاً استعادتها في يوم ما. غير أنّ الحاج طرده منها بدعوى اشتغاله بالسياسة. وعلى الرّغم من أنّ المدينة التي هاجر مسعود إليها كانت قد آوته من مطاردة حكومة الثورة له، فإنّ حلمه بالعودة إلى أرضه ظلّ يقضّ هناءته الطارئة في المدينة. أمّا الاتّجاه الرّومانسي في الرّواية فإنه لا يتجلّى من خلال نظرة الروائي التي تبدو "قاصرة عن إدراك جوهر العلاقات الاجتماعية"(21) فحسب، بل من خلال ذلك التفاؤل السّاذج الذي طرحه الروائي في خاتمتها، أي الأمل الذي ستحقّقه الثورة الزراعية للفلاحين، ثمّ من خلال تفسيراته المتناقضة وغير الواقعية التي يقدّمها لسلوك شخصياته أيضاً. وممّا ينتمي إلى الاتجاه الثاني من الأعمال الروائية الجزائرية رواية عبد الحميد بن هدوقة(22): "ريح الجنوب" (1971) التي تُعدّ من بواكير الاتجاه الواقعي النقديّ في الرواية الجزائرية المعنية بقضية الأرض كما تتجلّى بين مرحلتين بآن: المرحلة التي سبقت الاستقلال والمرحلة التي تلته بفترة قصيرة. وتتجلّى القضية/ الظاهرة فيها، والاتجاه الواقعيّ النقدي خاصة، من خلال رصدها لتعاون الإقطاع الجزائريّ مع سلطات الاحتلال الفرنسي، ولتملّقه الثورة التحرّرية التي أنجزت الاستقلال لتنجو من قوانينها. والرواية، في هذا المجال، من أبرز النتاج الروائي الجزائري الذي مجّد ارتباط الفلاح الجزائري بأرضه، وذلك من خلال شخصية بطلها "مالك"، أحد مناضلي الثورة، الذي كانت الأرض بالنسبة إليه حلماً عزيزاً لم يبرحه خلال مقاومته للاحتلال، وطموحاً للتوحّد معها بعد انتصار الثورة. وهي لا تفترق عن سابقتها، "على الدرب" من خلال مغايرتها لها على مستوى الاتجاه الأدبيّ الذي تنتمي إليه فحسب، بل من خلال قدرة مبدعها أيضاً على إبراز الصلات بين انفعالات شخصياته والأحداث المحيطة بها، ثمّ ربطه مصير تحرّر المرأة الجزائرية، كما تمثّلها "نفيسة" ابنة الإقطاعي "عابد بن القاضي"، بتحرّر الوطن، على نحو غير مباشر. أمّا الاتجاه الواقعي الاشتراكي في التجربة الروائية الجزائرية فيمكن التمثيل لـه برواية الطاهر وطار(23): "الزلزال (1974)، التي تتناول قضية الأرض من وجهة نظر مغايرة للنتاج الذي سبقها. فعلى حين كان ذلك النتاج يرى أنّ ملكيّة أراضي الإقطاع مزوّرة، تتحدّث "الزلزال" عن ملكية حقيقية صغيرة تعود إلى ما قبل الاحتلال الفرنسي وتوسّعت معه. وهي، على الرغم من إقرارها بتلك الملكية، فإنها لا تبرّئ الإقطاع من سلبه جهود الفلاحين، ومن طمعه الدّائم في الاستيلاء على أراضيهم، وتدين موقفه المعادي للإصلاح الزّراعي، الذي يُعد بنظره، مخالفاً لقيم الإسلام وتعاليمه، ويصف القائمين عليه بالزّنادقة، ولا يكتفي بمعارضته بل يتجاوز ذلك إلى تعويق التغيير الاجتماعي الذي أحدثته قوانين الإصلاح أيضاً. وتتجلّى الواقعية الاشتراكية في الرّواية من خلال مقاربتها للثورة الزراعية التي تلت الاستقلال بوصفها تعبيراً عن فعلين معاً: إعادة توزيع الملكيّات الزّراعية من جهة وتغيير الحياة الاجتماعية في الرّيف الجزائري من جهة ثانية، ثمّ من خلال أطروحتها المركزية التي ترى أنّ زوال الإقطاع ليس مرتبطاً بالثورة فحسب، بل بإحداث تغييرات جذرية تعيد بناء علاقات الإنتاج في الريف الجزائري أيضاً. هوامش وإحالات: (1) ـ عبد الله، محمّد حسن. "الريف في الرّواية العربيّة".ص(62). (2) ـ المرجع السابق، ص(63). (3) مواليد: الدقهلية سنة 1888، وتوفي سنة 1956. صحفي، وباحث، وروائي. (4) ـ انظر: محسب، حسن. "قضية الفلاح في القصّة المصرية". ص(5). (5) ـ عبد الله، محمّد حسن. "الرّيف في الرّواية العربية". (ص27). (6) ـ مرعي، فؤاد. "في تاريخ الأدب الحديث". ص(69). (7) ـ مواليد: شبين الكوم/ مصر 1920، وتوفي سنة 1987. شاعر، ومسرحي، وباحث، وقاص، وروائي. من أعماله الروائية: "الأرض"، و"قلوب خالية"(1956)، و"الشوارع الخلفية"(1958). (8) ـ عبد الله، محمّد حسن. "الريف في الرّواية العربيّة". ص(115). (9) ـ المرجع السابق، ص(95). (10) ـ انظر: سالم، جورج. "المغامرة الرّوائية". ص(56). (11) ـ محسب، حسن. "قضية الفلاّح في القصّة المصريّة". ص(87). (12) ـ البيريس، ر. م. "تاريخ الرّواية الحديثة". ص(88). (13) ـ مواليد: دمشق 1930، وتوفي سنة 2003. قاص، وروائي، من رواياته: "حسن جبل"، و"لن تسقط المدينة"، و"آن لـه أن ينصاع". (14) ـ الفيصل، سمر روحي. "ملامح في الرّواية السورية". ص(198). (15) ـ سليمان، نبيل. "الرواية السّورية". ص(317). (16) ـ ريديكر، هورست. "الانعكاس والفعل"، ديالكتيك الواقعية..". ص(84). (17) ـ يشير زمن كتابة الرّواية إلى سنة 1965، أي إلى ما قبل عشر سنوات تقريباً من تاريخ صدورها. (18) ـ مؤرّخ وروائي، ومن رواياته: "ولد ربيعة". (19) ـ مواليد: الدار البيضاء 1935. باحث، وقاص، وروائي. من رواياته: "الطيبون"، و"رفقة السلاح والقمر"، و"بدر زمانه". (20) ـ قحّام، حسين. "صورة الأرض في الأدب القصصي العربيّ في الجزائر". ص(46). (21) ـ المرجع السابق. ص(194). (22) ـ مواليد: المنصورة/ الجزائر 1925. شاعر، وقاص، وروائي، ومترجم. من رواياته: "نهاية الأمس"، و"بان الصبح"، و"الجازية والدراويش". (23) ـ مواليد: الجزائر 1936. قاص، وروائي، ومسرحي. من رواياته: "اللاز"، والحوّات والقصر"، و"عرس بغل". قضية فلسطين في الرواية العربية ألهبت قضية فلسطين، منذ بداية الصرّاع مع الحركة الصهيونيّة، مشاعر العرب على اختلاف انتماءاتهم القطرية. وليس أدل على ذلك من أن المرء يجدُ في تاريخ الثورات الفلسطينية "السوري والمصري والعراقي والمغربي واليمني كتفاً إلى كتف الفلسطيني في معركتهم المصيريّة الواحدة"(1). وقد بلغت تلك المشاعر ذروة تعبيرها الأدبي في مرحلة الخمسينيات التي "سادت فيها المسألة الفلسطينية بحيث غَدَا الأدب العربي أدباً فلسطينياً إلى حدٍّ ما"(2). ولعلّه من المهمّ الإشارة هنا إلى أنّ تأثير القضية بالنسبة إلى أدباء الأقطار العربيّة المحيطة بفلسطين كان أشدّ كثافة وغنى من تأثيرها بالنسبة إلى أدباء الأقطار العربية الأخرى(3)، وإلى أنّ كتّاب سورية كانوا أسبق من غيرهم من الكتّاب العرب في التنبيه إلى المخاطر التي كانت تحدّق بالقطر الفلسطيني، وفي تعرية دعوى الحقّ التاريخي لأبناء الديانة اليهودية في أرض فلسطين(4). ولئن كان الشعر أكثر فنون ذلك الأدب تفاعلاً مع القضية حتّى نهاية الخمسينيات تقريباً، فإنّ الرواية العربية سرعان ما أبدت اهتماماً بها، وسرعان ما وجدت فيها أيضاً وسيلة للتعبير عن إحساس المثقّفين العرب عامة بضياع جزءٍ غالٍ ومقدّس من الأرض العربية، ولهجاء الواقع العربي بتجلياته كافة، وإلى حد يمكن القول معه "إنه ما من قطر عربي إلاّ وقد شارك برواية أو أكثر في هذا المجال"(5). وقد تجلّى ذلك الاهتمام عبر مظهرين: أوّلهما مثّلت القضية معه ومن خلاله متناً في المحكي الروائي، وثانيهما بدت القضية فيه ومن خلاله مكوّناً من مكوّنات هذا المحكي. ومهما يكن صحيحاً أنّ ثمّة تبايناً بين كتابات الروّائيين العرب عن القضية وكتابات الروائيين الفلسطينيين، وأنّ الكاتب العربي كان "يكتب من منطلق التعاطف والمشاركة(6). وأنّ فلسطين لم تكن بالنسبة إليه سوى "شيء مجرّد، قضية أو مشكلة.. أمّا الكاتب الفلسطيني فإنّه يصوّر القضية من خلال الناس، المجتمع، الحياة اليوميّة(7)، فإنّ الأكثر صحّة هو أنّ هذه السمة التي تميز الرواية العربية في هذا المجال تمتدّ لتشمل عدداً غير قليل من المنجَز الروائي الفلسطيني نفسه. فكما ثمّة نتاج روائي عربيّ تبدو القضية فيه مشكلة فحسب ثمّة في هذا المنجَز أعمال روائية واهية الصلة بالقضية، كأعمال عوني مصطفى وباسم سرحان وسمير القطب، التي تبدو فلسطين فيها مجرّد حاضنة للأحداث والشخصيات ليس غير. وعامّة، فإنّ معظم النتاج الروائي العربي الذي عني بقضية فلسطين يتسّم بخصائص تكاد تكون واحدة في الأغلب الأعم منه، من أبرزها حضور القضية فيه بسبب حضورها في الوجدان العربي، وربّما بسبب العزف على الوتر نفسه الذي ضرب عليه الكثير من الرّوائيين العرب، ثمّ نحول أدواته الفنية، وقصور الوعي لدى كتّابه بالواقع. فمن بين الأعمال الروائية العربية الواحدة والخمسين التي صدرت ما بين النكبة والهزيمة "لم يرتفع إلى مستوى القضية الفلسطينية، أو ما يمكن أن نسميه برواية القضية الفلسطينية إلاّ ما يقرب من خمس هذا العدد(8)، كما لم يستطع سوى القليل منه تقديم رؤية واضحة للواقع العربي الذي أدّى إلى الهزيمة(9). ولئن كانت رواية اللبناني جورج حنّا: "لاجئة"(1952)، أوّل رواية عربية تتناول قضية فلسطين(10)، فإنه لمن اللافت للنظر أنّ النتاج الروائي العربي المعني بالقضية نفسها، الذي تلا هذه الرواية، لا يعكس اطّراداً في الكمّ يتناسب والسنوات التالية لصدورها حتّى الهزيمة الحزيرانية، واطّراداً أيضاً في وعي الأسباب التي أدّت إلى هذه الهزيمة. ومهما يكن من أمر الدّور الذي نهضت به هزيمة حزيران في خلخلة البنى المكوّنة للمجتمع العربي، ومن أمر المواقف المتباينة بين النقّاد العرب حول هذا الدور وأهميته، فإنّ الرّواية العربية المعنيّة بقضية فلسطين، التي تلت الهزيمة، استطاعت أن تحقّق نقله واضحة على المستويين الكمّي والنوعي، ولم تعد الوفرة في الكمّ وقفاً على الرّوائيين العرب الذي ينتمون إلى الأقطار المجاورة لفلسطين، كما استطاعت، بآن، أن "تقدّم تنوّعاً في العوالم الرّوائية وتعدّداً في الرؤى"(11) لحركة الواقع العربي. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ المحتوى الإنساني للقضية، ولا سيّما بعد هزيمة حزيران، دفع عدداً من كتّاب الرّواية في أكثر من جزء من الجغرافية الإنسانية إلى التفاعل مع الموضوع الفلسطيني، داخل الأرض المحتلّة وفي الأقطار العربيّة المجاورة لها، في أعمال روائية متفاوتة فيما بينها على المستوى الفنّي، تُرجم بعضها إلى العربية ولا يزال بعضها الآخر طيّ اللغة التي كُتب بها. وقد اتّسمت تلك الأعمال جميعاً بسمتين رئيستين: المعايشة الواقعية لمبدعيها للنضال الوطني الفلسطيني، وصدورها عن طرف فحسب من طرفي الجنس البشري، المرأة. وتُعدّ الإنكليزية "ايثيل مانين" في طليعة هؤلاء الرّوائيين العالميين، بل لعلّها أقدمهم أيضاً، فقد خصّت القضية بثلاث روايات: "الطريق إلى بئر السبع"، والفدائي"، و"الليل والعودة". تناولت، في الأولى، مأساة النزوح الفلسطيني عشية النكبة، وفي الأخيرتين انطلاقة الثورة الفلسطينية المسلّحة. كما كتبت الأمريكية "فبداهارت نِبْكي" رواية بعنوان: "أمل لا يموت"، صوّرت فيها حنين الفلسطيني المشرّد إلى أرضه، وأمله في العودة إليها. أمّا النتاج الروائي العربي الذي عني بالقضية الفلسطينية، ولاسيّما ما يتصّل بالظاهرة، والذي ينصرف هذا الجزء من الدراسة إليه، فسأكتفي بالتمثيل لـه بثلاثة نصوص، ينتمي كتّابها إلى أكثر من قطر عربيّ، وتترجّح بين أكثر من اتجاه فنّي. ويمكن التوقّف بداية عند رواية السوري حليم بركات: " ستة أيام" (1961) التي تنتمي إلى الرّواية الرّمزية الخالصة(12)، والتي تستمدّ سمتها تلك من اتكاء الرّمز فيها على عنصرين رئيسيين: المكان والإنسان. تتحرّك أحداث الرّواية في بلد متخيَّل اسمه "دير البحر"، غارق في "الخوف والفقر والجهل والتناحر والفوضى والتكالب"، وسكّانه مجموعة من البشر هم "حصيلة التعفّن في التاريخ". بيوتهم متراكمة تحجب عن نفسها نور الشمس، منقسمون على أنفسهم، حياتهم ممتلئة "بالعفن والأصنام، والوجوه المبتسمة بفراغ، والبطون المندلقة إلى الأمام، والرؤوس المقبوضة بالخرافة والوهم". ويتلخّص السؤال الرئيس الذي تطرحه الرّواية في كيفية مواجهة هؤلاء السكّان لتهديد العدوّ الذي يطلب إليهم اختيار واحدٍ من أمرين في مهلة لا تتجاوز أسبوعاً: إمّا الاستسلام لـه ومغادرة البلد، أو الهلاك. في اليوم الأول، يتّصل سهيل، الشخصية الرئيسة، وصديقه عبد الجليل بدولة شقيقة مجاورة لطلب العوْن منها. وفي الثاني، يشتبك عدد من الشباب العائدين من المغارة التي تسلّموا فيها الأسلحة من تلك الدولة مع العدوّ فيفقدون تسعة شهداء. وفي الثالث تشيّع القرية شهداءها التسعة وهي أكثر إصراراً على التحدّي. وفي الرابع، يقوم عدد من المتحمسين بإحراق بيوت الفارين من لقاء العدو وفي الخامس، يعتقل الأعداء سهيلاً بعد وشاية من صديقه عبد الجليل. وقبل يوم من انتهاء المهمة المحدّدة يهاجمون البلد، فيتصدّى لهم السكّان ببسالة منقطعة النظير. والرواية لا تؤكّد الحسّ الفطري لارتباط الإنسان بأرضه من خلال سهيل وأصدقائه فحسب، بل أيضاً من خلال مجموعة من الشخصيات الأخرى التي يؤكّد أكثرها: "لم يعد لنا غير التحدّي، لم يعد لنا غير الموت.. قد لا ننتصر في هذه المعركة، ولكنّنا نترك لأبنائنا أسطورة". فأبو فريد، المُقْعَد، يقول لابنه: "لن أترك البيت. هل تفضّل أن أموت دون مقاومة"، ثمّ يوصيه: "أطلبُ منك شيئاً واحداً، لا تهرب". وخالد لا يبكي صديقه لأنه استشهد، بل "لأنه سبقني إلى الشهادة". وعلى الرغم من أنّ أمّ عامر تمانع، في البداية، في اشتراك ابنها الوحيد في مواجهة الأعداء، فإنها تباركه في النهاية. ولئن كانت الرواية، وقت صدورها، نذيراً غريباً بهزيمة حزيران(13)، وتمكّنت من استشراف الواقع العربي وآفاقه آنذاك، وتوسّلت لذلك بالرمز، بل بمجموعة من الرموز، فإنّ هذه الأخيرة لا تبدو بدائل لأفكار الروائي، أو مقولاته، أو تجاربه الذاتية(14)، وليست أيضاً "حالة افتراضية تجريدية"(15)، بل هي أكثر ما تكون التصاقاً بالواقع، لأنها لا تعلّق دلالاتها في مطلق تتوهّمه، بل تجادل هذا الواقع وتعبّر عنه في آن. وشخصيات الرّواية، عامة، تتّسم بتنوّعها وغناها، ومع أنّ شخصية سهيل "تستقطب في قلقها وتطلّعها إلى أرض الحقيقة التي تستقرّ فوقها حركة الرّواية"(16). إلاّ أنّ ذلك لا يعني ضمور سواها من الشخصيات التي تبدو، على امتداد الرواية، نماذج يُحيل كل منها إلى رمز إنساني في المرحلة التي ترصدها، فشخصية سهيل تمثّل المثقّف العربيّ وتمزّقه بين الواقع والطموح، بين الكائن والممكن، بين المحبّة والأنانية، بين اليأس والأمل، والرّواية برمّتها تحمل من خلال هذه الشخصية بعداً وجودياً(17). لكنّها، على الرغم من تلك الثنائيات المتضادة التي تؤجّجها داخلها، تؤكّد أن ثمة هاجساً يستبدّ بها، هاجس الدّفاع عن أرض دير البحر: "هذه أرضنا.. فيها نجوع ونشبع. فيها نعيش على هامش الوجود وفيها يمكن أن نعيش في قلب الوجود"، ولذلك فإنّ أفعالها لا تعني انتماء للمجتمع الذي تعيش فيه، بل انتماء للأرض التي يعني ضياعها، بالنسبة إليها، مزيداً من ضياع إنسانها. وإذا سلّم المرء بأنّ تلك الشخصية رمز للعقل الثوريّ الذي يحرّض على المواجهة ويُعدّ لها(18)، فإنّ شخصية فريد تمثّل الفعل الثوري في أقصى تجليّاته قداسة، كما يمثّل انتماؤها إلى دير البحر انتماءً كاملاً يجمع طرفي المعادلة بآن: الأرض والناس. وعلى النقيض من هاتين الشخصيتين، سهيل وفريد، تبدو شخصيتا عبد الجليل ولمياء. الأولى تمثّل الزّيف الثّوري، والثانية تمثّل الشخصية الهروبيّة المشغولة بأناها، فعبد الجليل الذي كان يردّد دائماً: "أحب أن أموت في سبيل دير البحر.. سأخوض المعركة بكل دمي" لا يرعوي عن سرقة ثمن الأسلحة التي جمعها أهل الدير، والهرب بعد أن وشى بصديقه سهيل للأعداء. ولمياء، لا تعود إلى بلدها من لندن حيث تقيم بدافع الشوق إليه، بل للحصول على ميراث أبيها الذي سيفارق الحياة بعد أيّام كما تظن، وبذلك تبدو نموذجاً فريداً للتحلّل من الجذر، الوطن والأهل. وعامة، فإنّ معظم الشخصيات يتحرّك في زمان ومكان محدّدين، وإذا كان هذا التحديد شرّاً أكثر منه ضرورة في العمل الرّوائي(19)، فإنّ الروائي يتجاوز ذلك بتقويضه الفواصل القائمة بينهما من جهة، والقائمة داخل كلٍّ منهما من جهة ثانية، ويبدي كفاءة واضحة في شدّ جميع خيوط الرواية "نحو نقطة واحدة، و(في) وصل شخصياتها بحدث رئيسي.. ومن ثمّ فإن التفصيلات لا وجود لها، والأوصاف السطحية الخارجية معدومة"(20). والمعمار الفنّي الذي يحقّق ألقه على امتداد حركة السّرد في الرّواية، واللغة الشاعرية الحارّة التي لم يفقدها المجاز والتشبيهات معنى نثريّة الواقع، ثمّ الأفكار التي تمكّنت من الإفصاح عن نفسها عبر ما هو فنّي/ جمالي، تدفع إلى القول إنّ "ستة أيام" واحدة من أهمّ الأعمال الرّوائية العربيّة التي عنيت بقضية فلسطين، بل لعلّها أرفع تلك الأعمال على المستويين: الفكري والفنّي. ومن الأعمال الروائية التي تنتمي إلى الاتجاه الرومانسي رواية المصري فتحي سلامة: "المزامير"(1968)، التي تغطّي قطاعاً زمانياً طويلاً نسبياً من التاريخ الفلسطيني الحديث، يمتدّ ما بين بدايات الاستيطان الصهيوني وهزيمة حزيران، ولذلك فهي تقدّم ثلاثة أجيال يمثّل كلٍّ منها مرحلة محدّدة من ذلك التاريخ. وهي تُعنى، بشكل رئيس، بتصوير المرحلة الممتدّة ما بين النكبة والهزيمة، أي المرحلة التي يمثّلها الجيل الفلسطيني الثاني، بلال في الرّواية، وتعرض للجيلين الآخرين، الجيل الذي سبق بلالاً والجيل الذي تلاه، بإشارات سريعة بوصفهما استكمالاً للدائرة التي تشكّل حركة النضال الوطنيّ الفلسطيني. كان بلال قد شَهِد وهو طفل في قريته القريبة من يافا طلائع الهجرات الصّهيونية الاستيطانية في أرض فلسطين، أسرة راشيل العرجاء في الرّواية، التي أقامت في طرف المدينة تصنع السّلال في البداية ثمّ امتلكت متجراً لبيع الحلوى والخمور، وانضمّ إليها، فيما بعد، مستوطنون جدد "تاجروا في أشياء كثيرة، منها ما يُباع همساً، لا نسمعه نحن الصغار، وسرعان ما أصبحوا أغنياء يملكون بيّارة وسيّارة وخمّارة"، ثمّ استشروا كالسّرطان في أرض فلسطين كلّها، وأخذوا يطردون أهلها العرب تحت رصاصهم الذي كان يحصد، دون تمييز، الكثير من الأطفال والنساء والعجائز، ويلقي بِمَن نَجا منهم إلى الجوع والعطش، والبحث عن مأوى يقيه غائلة التشرد والحرمان. وفي غزّة، التي يهاجر إليها مع أخته بعد نجاتهما من رصاص المستوطنين الصهاينة وفقدهما والديهما، يتعرّف إلى فاطمة الفتاة المشرّدة مثله. وعلى الرّغم من أنّ الأخيرة كانت قد حاولت ثنيه عن السفر إلى القاهرة للدراسة في الأزهر، فإنه يدعها وأخته وحيدتين ويسافر. وفي طريقه إلى مصر، يتعرّف في مدينة الإسماعيلية إلى رجال المقاومة الشعبية الذين كانوا يتصدّون للعدوان الثلاثي سنة 1956، وعندما يُصاب "عم برعي"، سائق سيّارة التموين، يأخذ بلال مكانه إلى أن يُجرح في إحدى المعارك، فيعود إلى غزّة ليجد أخته وفاطمة قد تزوّجتا. ولم تخمد تلك المفاجأة رغبته المتأجّجة في متابعة طريق الكفاح الذي آمن به سبيلاً وحيداً لتحرير أرضه، ولذلك يطلب إلى صديقه "برهان" الذي تعرّف إليه في الإسماعيلية الحضور إلى غزّة لإشعال فتيل المقاومة فيها. وبعد أن يصل برهان، ويونس ابن قرية بلال الذي التقاه الأخير، مصادفة، في أحد مقاهي غزّة وتبدأ المجموعة عملها الكفاحي، يُصاب بلال بجرح جديد فيعود إلى المخيم ليجد أنّ زوج أخته قد توفّى، حتّى تقضي أخته أيضاً في غارة صهيونية وثمّة أمانة معلقّة في شفتيها: "انتقمْ يا بلال، السلاح وابني". وسرعان ما يقع أسيراً في قبضة الصهاينة الذين اقتحموا المدينة بعد أن بُترت ذراعه خلال مواجهتهم. وعندما يقضي على حارسه في السجن ويستولي على سلاحه ولباسه يفرّ هارباً. وفي طريقه إلى الضفّة الغربيّة يُصاب في فخذه خلال عبوره الحدود، فيسعفه رجال إحدى القرى وينقلونه إلى إربد في الأردن. ومنها يسافر إلى القاهرة، ثمّ إلى غزّة ليلتقي حبيبته فاطمة التي كانت قد فقدت زوجها في عدوان 1956، وابن أخته الذي رعته بعد وفاة أمّه. وعلى الرّغم من أنّه يتزوجها وتلد لـه طفلاً، وينصرف إلى العمل بعضاً من الوقت، فإنّ شوقه الجارف إلى متابعة الكفاح يدفعه إلى تقديم طلب للانضمام إلى صفوف جيش التحرير الفلسطيني، غير أنّ طلبه يلقى معارضة القيادة، ولذلك يندفع بنفسه إلى الاشتراك في مواجهة العدوان الجديد سنة 1967 إلى أن يقضي شهيداً. كان بلال يرهن حياته كلّها من أجل عودته إلى قريته التي اقتُلع منها، وكان يعي تماماً أنّ هذه العودة لن تتحقّق "إلاّ بمعركة مصيرية ضارية بيننا وبينهم، نخوضها في بحور الدّم". وتتجلّى خصائص الاتجاه الرومانسي في الرواية من خلال هذه الشخصية خاصة، كالفروسية، والمشاعر النفسية الدّفّاقة، ثمّ الخيال الجامح الذي يبدو منبتّ الصلة بجذوره الواقعية، وأخيراً الفرد في أعلى درجات تمثيله لمعنى الفرديّة. ولعلّه غيرُ خافٍ أنّ تلك الصفات تتقاطع مع شخصية بلال مؤذّن الرسول، الذي يمثّل في التراث العربي أقصى حالات الفرد صموداً على الشدائد وعلى تحمّل المشاقّ دفاعاً عن القضية التي آمن بها. والرواية، عامة، وثيقة الصلة بتقاليد السرد المحكوم بمنطق التراتبية الزمنية، وإذا كان صحيحاً أنّ اللغة الشعرية في العمل الرّوائي تنظّم وتشدّ مصادر اللغة اليومية، وتنتهكها أحياناً في سعيها إلى وضع القارئ قسراً في حالة من الوعي والانتباه(21)، فإنّ هذه اللغة في "المزامير" لا تبدو كذلك، بل تقف على النقيض من تلك السمات، لأنّها تضع قارئها في مواجهة استرسالات بلاغية متكلفة يتمّ إنطاق الشخصيات بها، وعلى نحو لا يتّسق وسوياتها المعرفية. ومن الأعمال الروائية العربية التي عنيت بالقضية، والتي تنتمي إلى الاتجاه الواقعي، بل الواقعي المؤسطر على نحو أدقّ، رواية أديب نحوي: "عرس فلسطيني"(1970)، التي يصدّرها الروائي بالمقبوس التالي، الذي يضع القارئ في مواجهة سؤالين معاً: المعنى الكامن وراء زواج فهد البصّاوي على الطريقة البصّاوية، ومعناه على الطريقة المخيّمية، اللذين يشكّلان محكيّ الرواية من جهة، وأطروحتها المركزية من جهة ثانية: "الليلة عرس فهد البصّاوي. أبوه النّمر. وأصل عائلتهم من جبل البصّة، على مسافة يوم واحد من المشي عن عكّا الشريفة.. كتبوا كتابه على فاطمة بنت ضيعته منذ سنتين، وكانا مخطوبين لبعضيهما قبل ذلك بسنوات. والليلة، بعد أن ظلّ الفهد يعاند ويكابر ولا يقبل أن يتزوّج.. يزوّجونه في حفلة عرس دقّاقة رنّانة.. قالوا لأنّ الفهد قد استأذن.. بطريقة بصّاوية، بعد أن ظلّ يرفض الزواج على الصورة القديمة المخيّمية". تتحرّك أحداث الرّواية في مخيّم فلسطيني يشبه مخيّمات اللاجئين جميعاً. بيوتُه من صفيح صدئ، تتلاصق "كأنّها متآخية في بؤس الغربة"، رجاله يسحبون الآه من أظافر أقدامهم "بالفطرة ودون صنعة، بعشرين سنة من العذاب" قضوها بعيداً عن أرضهم. تشتهي النّسوة فيه "من زمان، أن يزغردن من القلب مرّة واحدة في العمر"، وأطفاله تعلّموا الرّكض على يديّ السّيل الذي يدهمه بين وقت وآخر. وتتحدّد الإجابة عن السؤالين المشار إليهما آنفاً بأنّ "الأصل.. أن يتزوّج البصّاوي في البصّة. فإنْ تزوّج في مخيّم اللاجئين، فلا أقلّ من أن يكون ذلك حسب الأصول والعادات المعروفة في الجبل. وأهمّها، أن يستأذن. فإنّ إذن والد العروس دليل على رضاه. فبذلك تكون العروس قد خرجت من عند أهلها وهي مرتاحة". كان فهد أقسم برأس فاطمة ألا يتزوّج قبل أن يستأذن أباها الذي استُشهد على أبواب قريته "البصّة" في فلسطين، وقبل أن يعود من قبره بالعلامة التي تدلّ على رضاه. وقد برَّ الفهد بقسمه، فذهب وبيده قطعة من ثوب فاطمة المقصوص الذي كانت ترتديه ليلة التهم السّيل أمّها، ولم تكن فاطمة قد تجاوزت الخامسة من عمرها آنذاك. وعندما أخبر الفهد أباه بوصوله إلى العلامة المدفونة على بعد مترين، يساراً، من قبر أبي فاطمة كما قالت عمّة الأخيرة، استعدّ المخيّم لاستقباله وأقام طقوس الفرح لإتمام زفافه، وذهبت فاطمة بثوب عرسها إلى قبر أمّها لتستأذن هي الأخرى أيضاً: "الليلة، يا أمّاه عرسي من فهد ابن ضيعتنا.. وقد وكّلته أن يذهب إلى أبي ليخبره، ويستأذنه. فَمِنْ شدّة ما يحبّني، فإنه ذهب.. فهل إنّك يا أميّ كذلك، تأذنين؟ فتفكّين أصابعك عن ذيل ثوبي، لأعرف أنك راضية عن زواجي به؟"، أمّا "فهد" فيعود إلى المخيّم محمولاً على نعش وبيده بندقية أبي فاطمة، العلامة التي وجدها مدفونة إلى جوار قبره. وغير خافٍ أنّ ما تودّ الرواية الانتهاء إليه هو أنّ البندقية هي المنارة الوحيدة التي تضيء لفلسطينيي الشتات طريق عودتهم إلى الأرض التي اقتلعوا منها، وهي بهذا المعنى الذي تحاول تعزيزه لدى القارئ، وعلى امتداد حركة السّرد فيها، تؤكّد أنّ انبثاق المقاومة قد تمّ من رحم الطبقة الفلسطينية الكادحة، التي كانت أكثر فئات المجتمع الفلسطيني اكتواء بنار النكبة، وبلعنة الغربة عن الأرض. والرّواية، وهي تصوّر حنين الفلسطيني المشرّد إلى أرض وطنه، وتعبّر عن هذا الحنين بلغة شافّة، موحية، تستجمع لنفسها سحر الواقع ودهشة الأسطورة، وتستمدّ ألقها من تلك الطبيعة الآسرة التي تميّز أرض فلسطين، والتي تبدو حاضرة في عناصر الرّواية جميعاً، السّرد والحوار والوصف: "كل بحر البصّة، وكلّ الوادي واسعين، عميقين.. وشبابيك البصّاويين من فوقهما، على قمّة الجبل، مطلّة، مفتوحة للفجر، تستقبل عناق الموج وشعاع الشمس وعطر الزهر وخضرة الزيتون". يقول أهل البصّة: "تصعد لعندنا، فترى البحر كلّه، تحت عينيك، أزرق.. أزرق.. هناك في أعلى الجبل، كانت بيوتنا. تسطع الشمس من الشّرق، فَمِن أين تمرّ وهي في طريقها إلى البحر؟ من شبابيك بيوتنا تمرّ. فلو أغلقناها، لحجبنا الشمس عن المراكب في قلب البحر.. ينزل الغيم من عند الربّ، فمن أين يحمل مطره؟.. من كرومنا على قمّة الجبل، ومن بيّاراتنا يتزوّد غيم الربّ". لقد كانت الأرض، بالنسبة إليهم، المعنى الحقيقي الذي يشكّل وجودهم في الحياة، ولذلك كانوا يرون أنّ الدنيا من دون هذه الأرض "لا تساوي حتّى أن يلقي عليها الإنسان مجرّد نظره". ومن فرط حبّهم لها وشغفهم بها، رفعوا علم وطنهم خلال الاحتفال بعرس فهد على رأس عمود ووضعوا تحته خارطة فلسطين. ولعلّ أبرز ما يميّز المبنى الحكائي في الرّواية إحكامه وتماسكه، وتقويضه لخطية الزمن، فالروائي يضع قارئه في مواجهة المفصل الرئيس الذي يحرّك أحداث محكيّه، لكنّه لا يقدّم لـه هذه الأحداث، بعد ذلك، كما تتابع في الواقع، بل يعيد تشكيلها على نحوٍ يوفّر لها عنصر التشويق من جهة، ويكسر الحدود الفاصلة بين الأمكنة والأزمنة فيها من جهة ثانية. وعلى الرّغم من أنّ ثمة تبايناً كبيراً بين زمنيها الواقعي والتخييلي، فإنّ هذا التباين لا يبدو نافراً في حركة السرد، لأنّ الشكل الفنّي الذي استخدمه الروائي في صوغه لتلك الحركة استطاع أن يقلّص الفجوة القائمة بين الزمنين، وقد مكنته من ذلك تقنيتان: تعدّد ضمائر الخطاب، وتقنية المشهد المسرحي. والشخصيات عامة تتّسم بأنها "واقعية على نحو معين، وليست واقعية على نحو آخر"(22)، بمعنى ترجّحها بين مستويين: واقعي وأسطوري. بسبب تداخلها مع غيرها من مكوّنات المحكي الروائي، ولاسيّما الطبيعة التي تمثّل حاضناً لما هو أسطوريّ عادة. إنّ أسطرة الواقع سمة شديدة الوضوح في الرواية، فالكاتب يستنهض فهداً من موته ليحدّث عروسه فاطمة، ويدع السّيل الذي يلتهم المخيّم يعبّر بنفسه عن قسوته وجبروته، وهو، بالإضافة إلى ذلك، يصوّر الطبيعة الفلسطينية وكأنّها جزء من عالم أسطوري، شديد الصلة بما هو آسرٌ، ومدهش، وخلاق. هوامش وإحالات: (1) ـ أبو إصبع، صالح. "فلسطين في الرواية العربية" ص(15). (2) ـ عبّود، حنّا. "النزوحات الكبرى ومعالم الأدب العربيّ بعد الحرب العالميّة الثانية". ص(21). (3) ـ انظر: اليافي، نعيم. "التطوّر الفنّي لشكل القصّة القصيرة في الأدب الشّامي الحديث". ص(304). (4) ـ انظر: الدقّاق، عمر. "تاريخ الأدب الحديث في سورية". ص(65). (5) ـ عبد الله، محمّد حسن. "الرّيف في الرّواية العربيّة". ص(247). (6) ـ المرجع السابق، الصفحة نفسها. (7) ـ المرجع السابق، الصفحة نفسها. (8) ـ أبو إصبع، صالح. "فلسطين في الرّواية العربيّة". ص(19). (9) ـ انظر: ماضي، شكري عزيز. "انعكاس هزيمة حزيران على الرّواية العربية". ص(39). (10) ـ انظر: أبو إصبع، صالح. "فلسطين في الرّواية العربيّة". ص(97). (11) ـ ماضي، شكري عزيز. "انعكاس هزيمة حزيران..". ص(13). (12) ـ انظر: أبو إصبع، صالح. "فلسطين في الرّواية العربيّة". ص(129). (13) ـ انظر: النساج، سيّد حامد. "بانوراما الرواية العربية الحديثة". ص(201). ومن اللافت للنظر أنّ عبد الكريم الأشتر، في كتابه "تعريف بالنّثر العربي الحديث". ص(263)، ينقل هذه المقولة عن النساج، ويكتفي بتعديل اسم شهر "يونيو" الوارد لدى النساج باسم "حزيران"، من غير أن يحيل إليه! (14) ـ انظر: الأشتر، عبد الكريم. "تعريف بالنّثر العربي". ص(272). (15) ـ الخطيب، محمّد كامل. "الرواية والواقع". ص(57). (16) ـ الأشتر، عبد الكريم. "تعريف بالنّثر العربي". ص(273). (17) ـ انظر: الفيّومي، إبراهيم حسين. "الواقعية في الرّواية الحديثة في بلاد الشام". ص(102). (18) ـ انظر: أبو إصبع، صالح. "فلسطين في الرواية العربيّة". ص(160). (19) ـ انظر: هالبرين، جون. "نظرية الرّواية". ص(133). (20) ـ النسّاج، سيّد حامد. "بانوراما الرّواية العربيّة الحديثة". ص(101). (21) ـ انظر: ويليك، رينيه. وارين، اوستن. "نظرية الأدب". ص(23). (22) ـ ماضي، شكري عزيز. "انعكاس هزيمة حزيران على الرواية العربية". ص(61). |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |