نشيد الزيتون قضية الأرض في الرواية العربية الفلسطينية ـــ د.نضال الصالح

دراسة ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2004

Updated: Tuesday, June 15, 2004 03:53 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الثاني: قضية الأرض في الرواية العربية الفلسطينية

التمييز بين رواية الشتات الفلسطيني ورواية الأرض المحتلة ليس فعالية إجرائية تقتضيها طبيعة الدرس النقدي، بل هو تمييز منبثق من داخل المنجز الروائي الفلسطيني نفسه، وله مسوّغاته الكافية التي تجعل كلاً منهما تجربة تكاد تكون مستقلّة بنفسها، ومن تلك المسوّغات ما يتّصل بالقضية التي تعنى بها هذه الدراسة، ولاسيّما علاقة الفلسطيني بأرضه.‏

فعلى حين تصوّر رواية الشتات، في الأغلب الأعمّ منها، حنين الفلسطيني إلى الأرض التي اقتلع منها، وتتغنّى بماضيه فيها، تدعو رواية الأرض المحتلة، في الأغلب الأعمّ منها أيضاً، فلسطينيي الداخل إلى التمسّك بهذه الأرض، وإلى الإصرار على البقاء فيها رغم محاولات الاحتلال لنفيهم خارجها.‏

وتجدر الإشارة، قبل البدء بتفكيك تجلّيات تلك العلاقة في كلّ من الروايتين، إلى أنّ فعاليات التفكيك هذه تنصرف إلى جزئية فحسب من النصوص الروائية التي تشكّل مصادر الدراسة، أي إلى ما هو معنيّ بالقضية/ الظاهرة أولاً، وإلى ما يعبّر عن تلك العلاقة ثانياً.‏

في رواية الشتات الفلسطيني:‏

"ما تبقى لكم":‏

لم تنل رواية فلسطينية، وقت صدورها وبعده، وممّا صدر في الستينات خاصة، من حفاوة القرّاء والنقّاد ما نالته رواية غسان كنفاني الثانية: "ما تبقّى لكم"(1966)، وكان من مرجعيات تلك الحفاوة التوضيح الذي صدّر كنفاني به الرواية، أي قولـه: إنّ الأبطال الخمسة "حامد ومريم وزكريا والساعة والصحراء لا يتحركون في خطوط متوازية أو متعاكسة.. ولكن في خطوط متقاطعة تلتحم أحياناً إلى حد تبدو وكأنها تكوّن في مجموعها خطّين فحسب"، واقتراحه "لتعيين لحظات التقاطع والتمازج والانتقال.. تغيير حجم الحروف"، الأمر الذي دفع عدداً من الدارسين إلى مشابهة التجربة بما قدّمه "وليم فولكنر" في روايته الذائعة الصيت: "الصخب والعنف"(1)، وإلى وصف التجربة نفسها بالافتعال مرّة(2)، وبالفجاجة مرة ثانية(3).‏

ترتبط التجربة، في تقديرنا، بطبيعة التحوّلات الحادة التي كانت تطارد الفلسطيني داخل الأرض المحتلة وخارجها، والتي كانت تستلزم ما يمكن وصفه بمحاولة إبداعية مكافئة، تحقّق مقاربتها لتلك التحولات على نحو مغاير لما قدّمه المنجز الروائي الفلسطيني من جهة، وتؤكّد كفاءة المبدع الفلسطيني في التعبير عن قضيته بفنيّة عالية من جهة ثانية.‏

والرواية لم تثر اهتمام القرّاء والنقّاد بها بسبب شكلها الفني الجديد أو استجابتها الجمالية لتلك التحولات فحسب، بل بسبب إثارتها لوعي جديد أيضاً، وعي يستمدّ تحقّقه وحضوره وتعبيره عن الذات الفلسطينية من خلال الارتباط بالأرض، والتشبّث بها، بوصفها الحاضنة الأساس، والوحيدة بآن، لبقاء الفلسطيني واستمراره في الحياة أولاً، ولانتصاره على الواقع الغاشم الذي دفعه مغتصبو تلك الأرض إليه ثانياً.‏

ويتجلّى ذلك الوعي من خلال ثلاث شخصيات إنسانية رئيسة: حامد، ومريم، وزكريا، التي يتنازع حركتها في الأحداث خطّان متوازيان أحياناً، ومتعارضان أحياناً ثانية، وعلى نحو دالّ على تمثّل الروائي تمثّلاً تاماً لإنجازات الرواية الحداثية التي تحرّض قارئها على إعادة صوغ محكيّها، بل على إعادة بناء ذلك المحكيّ كما لو أنه منتج ثان له: حامد والصحراء من جهة، ومريم وزكريا من جهة ثانية.‏

في الخطّ الأول، تنقل الرواية وجود الفلسطيني من حال العطالة التي تنتهي بموت مجّاني محقّق إلى حال أخرى لها معنى مغاير، من أهمّ سماته الفعل والمواجهة اللذان يستمدّان قوّتهما من ارتباط الفلسطيني بأرضه، واللذان يحوّلان حساب الخسائر لديه إلى حساب أرباح، كما يجعلان الزمن رفيقه بعد أن كان خصمه حسب كنفاني نفسه(4)، فـ"حامد"، على النقيض من شخصيات كنفاني في روايته الأولى، يستبدل بطريق الوهم طريقاً آخر يتوجّه إلى الأرض ـ الحقيقة، بحثاً عن الطهر الذي يغسل عار أخته "مريم" التي حملت سِفاحاً من "زكريا"، النتن بتعبير حامد، كما يغسل عاره هو أيضاً لتأخره في اختيار هذا الطريق.‏

وعلى الرّغم من أنّ القارئ يميّز صورتي الأرض نفسيهما، الجنّة والصحراء، اللتين قدّمتهما "رجال في الشمس"، فإنّ هاتين الصورتين في "ما تبقى لكم" لا تبدوان متناقضتين، بل "تسعيان نحو بعضهما البعض، حتّى تكاد الواحدة.. تمتزج في الأخرى"(5). وعلى الرّغم، أيضاً، من أنّ كنفاني يمنح لهذه الأرض الصفات نفسها التي قدّمها لها في روايته الأولى، فإنه يضيف إليها صفات جديدة تضارع سواها من مكوّنات الحدث الروائي، فهي تبدو لحامد "مخلوقاً يتنفّس على امتداد البصر، غامضاً ومريعاً وأليفاً في وقت واحد". عندما يستلقي فوقها، يحسّ بها تحته ترتعش كعذراء"، يغرس أصابعه في لحمها، فتسيل حرارتها إلى جسده. ومع أنّ علاقته بها تتوزّع بين قطبيّ الحبّ والكراهية، إلاّ أنه يختار حبّها لأنها، وحدها، تحنو عليه وتمدّه بالقوّة، ولأنّ "حامد" نفسه كان، بالنسبة إليها، حبيباً وابناً بآن: "وكنتُ مبسوطة أمامه، مستسلمة لشبابه بلا تردّد ولخطواته وهي تدقّ في لحمي". ولمن اللافت للنظر، وعلى الرغم من هذه الصفات كلّها التي يمنحها الروائي للأرض، ما انتهى إليه أحد دارسي الرواية من أنّ هذه الأرض ليست "رمزاً لفلسطين بقدر ما تبدو مجرد أرض، أية أرض، أو الأرض بمطلقيتها وتجريدها"(6)، وأنّ مصير حامد والجندي الصهيوني في خاتمة الرّواية "كان معلّقاً"(7).‏

صحيح أنّ الرّواية لا تجهر بذلك، لكنّها تشي به. بل إنّها تؤكّده لأنّ كلاً من النقيضين، حامد والصهيوني، يهدّد أحدهما الآخر بالقتل. ومن الطبيعي أن يبادر حامد إلى ذلك، ليس لأنه كان يمتلك ما يمكّنه من المبادرة فحسب، بل لأنّ الرّواية تطمح إلى القول، وعلى نحو غير مباشر، إنّ مواجهة الفلسطيني لعدوه هي الطريق الوحيدة التي تكفل لـه استمرار وجوده في الحياة، أو بداية عودته إلى الأرض التي اقتلعه هذا العدوّ منها.‏

أمّا في الخطّ الثاني من حركة الرواية، مريم وزكريا، فإنّ الروائي يقدّم وجهاً آخر لصلة الفلسطيني بالأرض، وجهاً نقيضاً لحامد، ملوّثاً بالعار والخيانة. العار الذي تحمله مريم في بطنها، والخيانة التي تتسرطن في رأس زكريا، الذي يمثّل صورة الفلسطيني الجاحد بأرضه، فهو يدلّ الضابط الصهيوني على الفدائي سالم، ويغتصب مريم في غياب أخيها حامد عن البيت. ولا يرعوي، بعد ذلك كلّه، عن الطلب إليها إسقاط الجنين. والروائي، بالفعل الذي تختتم به مريم الرّواية، أي قتل زكريا، يؤكّد أنّ المرأة الفلسطينية ليست صورة لفلسطين فحسب، بل هي رمز لأرضها عندما تثور على مغتصبيْها: الفلسطيني الخائن والصهيوني المحموم لامتلاكها.‏

ولعلّ أبرز ما تتّسم به الرواية، في هذا المجال، المكانة التي يحوزها الزمن في الحدث الروائي، فعلى الرّغم من أنّ الساعتين اللتين تمثّلانه، ساعة الحائط وساعة حامد، تبدوان في مطلع الرواية تعبيراً عن "صوت الرّكود الفلسطيني على المستوى النفسي والعسكري والسياسي لأكثر من خمسة عشر عاماً"(8)، فإنهما تتخليان عن هذا المعنى، في خاتمتها، وتغدوان معاً عاملاً مبشّراً بالتغيير وبالتوجّه نحو المستقبل الذي يبدأ بالخطوات الأولى لخلاص الفلسطيني من ضعفه وعاره، فحامد يطرح ساعته أرضاً عند مواجهته للجندي، وساعة الحائط تدقّ عندما تقتل مريم زكريا.‏

"الكابوس":‏

على الرّغم من أنّ رواية أمين شنّار: "الكابوس"(1968) لا تتضمّن ما يشير إلى فلسطين، فإنها تبدو معنية بها وتؤرّخ لها من بداية الهجرات الصهيونية الاستيطانية الأولى إلى الإعلان عن قيام دولة الاحتلال سنة 1948. وهي تجهر برؤيتها لتلك القضية عبر إيديولوجية صارخة، ترى في الابتعاد عن الدِّين السبب الرئيس الذي أدّى إلى نكبة الوطن الفلسطيني، وإلى ضياع أرضه وإنسانه بآن.‏

تتحرّك أحداث الرّواية في قرية صغيرة ـ لا يسمّيها الكاتب ـ "تتكوّن من بيت واحد كبير يتربّع على جبل.. ويعلوه القرميد الأحمر، ترتمي أمامه مجموعة من الأكواخ.. المبنية من الطين والتبن"، يعيش سكّانها "على حفنة من القمح.. يجود بها.. حقل ورثه أهل القرية عن آبائهم بأنصبة متفاوتة"، ويدينون بالولاء والطاعة للشيخ "نجم" الذي كان يسكن ذلك البيت القرميدي، والذي حلّ مكانه شيخ جديد لم يكن أحد من أهل القرية ليصدّق بأنّه قد أخذ الولاية عن نجم حقاً. وكان لهذا الشيخ الجديد خمسة خفراء "يسمعون.. كلّ كلمة تقال ويسجّلونها في دفاترهم وينقلونها إلى الشيخ، فيعاقب قائلها وأهله دون أن يحسّ بهم أحد". ولم يكن ثمّة ما يعكّر صفو القرية، على الرغم من ذلك كلّه، إلى أن نبت بين أزقّتها رجل غريب، قادم من وراء الجبل "كان يتكلّم بلساننا ويتقن لهجتنا إلاّ أنّه ليس منّا. يزعم أنّ اسمه موسى. لكن ما اسم أبيه؟ وما اسم جدّه؟ ولماذا لا يعرف المسنّون من أهل القرية أباه وجدّه، إذا كان ما يزعمه حقاً أنّه من مواليد قريتنا وسافر منها مهاجراً ثمّ عاد". وقد حظيَ موسى هذا بتأييد الشيخ، حتّى تكاثر عدد "الخواجات من أمثاله.. ولم يكتفوا ببيع القماش بل تسلّلوا إلى شؤون القرية كلّها، وصار أحدهم خفيراً".‏

والرواية لا تقارب علاقة الفلسطيني بأرضه على نحو مباشر، لكنّها تقدّم مظاهر لتلك العلاقة من خلال مجموعة من الشخصيات، يتصدّرها الجدّ المتوفّى، الذي يسرد مذكّرات القرية لحفيده فرحات درويش، والذي يرمز إلى القوى الفلسطينية الرائدة التي أحسّت بالخطر الصهيوني الدّاهم، وواجهته بوسائلها البدائية ووعيها العفوي: "الخواجة موسى سيأكلكم أجمعين، سيلد في أرضكم آلاف الشياطين يفقأوون عيونكم ويقلونها في الزيت"، ثمّ من خلال الخوف الدفين الذي كان يستبدّ بسكّان القرية من انهدام الجبل بين قريتهم والعالم، والذي يكتسب دلالة أبعد ممّا تشي لـه صورته الظاهرية. فعلى الرّغم من أنّ هذا الخوف يبدو معنيّاً بالحرص على تقاليد القرية وإرثها الديني، فإنه يتجاوز ذلك إلى الخوف من استيلاء الخواجات القادمين من خلف هذا الجبل على أرض القرية كلّها.‏

وتبدو شخصيّة فرحات درويش أكثر شخصيات الرواية تعبيراً عن علاقة الفلسطيني بالأرض، التي يمكن عدّها رمزاً للقوى الثورية الانفعالية(9)، والتي تصدر ردود أفعالها عن وعي ارتجالي يؤثر عذاب النفس على عذاب الجسد. والرواية تؤكّد أنّ اندغام تلك القوى بالأرض هو المطهر الوحيد الذي يغسل آثامها، ويحرّرها من ضعفها، ويعيد إليها القوّة لمواجهة عدوّها من جديد.‏

لقد تجنّب "فرحات" السقوط في الخيانة مرّة ثانية، عندما دفعه توحدّه بالأرض إلى البحث عن فعلٍ يكفّر به عن خيانته الأولى، أي عندما قبل بالعمل جنائنياً في حديقة الشيخ الكبير المزعوم. فاختياره السنديانة العتيقة مكاناً للقاء صديقيه عصام الفاخوري وعلي عودة لم يكن بدافع ذكرياته الأثيرة عن ذلك المكان من أرض القرية فحسب، بل لأنّ هذا المكان نفسه كان يمنحه القوّة على مواجهة خطّة الخواجات الجديدة، الرّامية إلى بسط نفوذهم على القرية بشكل واضح بعد الإعلان عن موت الشيخ رمز القرية: "هنا، قبل زمن بعيد، كان لي عمر آخر.. كنّا كلّ صباح نحمل الندى على رؤوسنا الصّغيرة، في طريق الكرم الأنيس، ونتناغم بلغة ابتكرناها وسميّناها (لغة العصفور).. ونأخذ في تجميع الثمرات الذابلة التي فرشتها يد الصيف تحت شجرات التّين، ثمّ نسطّحها تحت ذاك الجدار، ونسرع من بعد إلى السنديانة العتيقة نتسلّق فروعها الشداد، يطارد بعضنا بعضاً. منّا مَنْ يسقط، لكنّه يفز ضاحكاً، وهو يزيل التراب عن جلبابه، ونحفر أسماءنا الصغيرة بالأمواس على جذع الشجرة العجوز، ثمّ نركض إلى عين لوبيا، نلقي في حوضها العميق بالحصى ثمّ نغطّ روؤسنا فيه، ونتسابق، أيّنا يقدر أن يلتقط بفمه الغارق في الماء عدداً أكبر من الحصوات الصغار؟ يا أيّام الصّبا الجذلى".‏

ولأنّ ذلك الإحساس المفعم بحب الأرض كان يمارس حضوره في وعي فرحات على ذلك النّحو، فإنّه يستمرّ إلى ما بعد اللقاء، وإلى الحدّ الذي جعل حواسّه كلّها تتجه نحو الأرض، التي يُخيّل إليه أنّها تتحدّث، فتلامس انفعالاته، وتعكس ما يضطّرم في نفسه من تمزّق: "ـ يا عودة، ألا تسمع الأرض..؟ أعاتبة هي أم راضية؟.. أتعرف الأرض وطء أقدامنا فتأنس به، أم تراها تستنكره فتبكي؟"، وتدفعه من ثمّ لكي يكون "ابن القرية الوفي، الذي يترجم وفاءه إلى عمل يفضي إلى حياة حقيقية أو إلى موت شريف" كما يقول.‏

"أم سعد":‏

حقّق غسّان كنفاني في روايته الثالثة: "أم سعد"(1969) تطوّراً ملحوظاً في وعيه وظيفتيْ الأدب الفكرية والفنيّة، وفي تعزيزه أيضاً أطروحة "فونتانيه" القائلة إنّ الكاتب البليغ هو ذلك "الذي يبدّل أسلوبه باستمرار تبعاً للمادّة التي يعالجها"(10)، ثمّ أن يؤكّد محاولته الدائمة في "الوصول إلى الشكل.. الأكثر فعالية والأكثر قدرة على أداء الدّور الذي كتب. من أجله"(11)، وعلى الرّغم من تراجع تلك الرّواية عن الإنجاز الفني المميّز الذي تجلّى في روايتيه: "رجال في الشمس" و"ما تبقّى لكم"، فإنها تُعدّ امتداداً للكتابة الجادّة التي شغلته منذ أوّل عمل أدبي له، بسبب تعبيرها عن مرحلة مهمّة و"ناضجة من مراحل الكفاح من أجل التحرّر الوطني الفلسطيني، في مجمل وجوهها الثقافية والاجتماعية والسياسية"(12).‏

تقدّم الرواية وقائع يوميّة قصيرة لامرأة فلسطينية، وترسم، من خلالها، حياة الفلسطيني في المخيّمات "بكلّ همومها وأدقّ جزئياتها"(13). ولئن سلّم المرء بالنتيجة القائلة إنّ الوعي الطبقي كان غائماً في معظم نتاج كنفاني الرّوائي(14)، فإنّ من أبرز ما يميّز هذه الرواية إفصاحها عن ذلك الوعي، وتعريتها للمفارقة الطبقية بين سكّان المخيّم الذين يبيعون قوّة عملهم، والأثرياء الذين يمتصون تلك القوّة دون وازع أخلاقي أو إنساني. فالرّواية تنتصر للفلسطيني الكادح الذي يطارده شقاء الواقع في مخيّمات لجوئه مضافاً إلى قسوة الغربة. وتؤكّد، في الوقت نفسه، أنّ هذا الفلسطيني وحده الجدير، بل المؤمن، بحمل البندقية من أجل استعادة الأرض التي اغتصبت منه.‏

وبالمعنى الذي يرسمه كنفاني لشخصية أمّ سعد في الرواية تبدو المرأة الفلسطينية المعادل الجمالي للأرض، وهو ينمذج تلك الشخصية إلى حد يبدو الاثنان معه، أمّ سعد والأرض، وجهين لشيء واحد هو فلسطين، أو الطريق إليها.‏

كانت أمّ سعد تعي بحسّها العفويّ أنّ الخطوة الأولى في هذا الطريق، إنّما تبدأ بالكفاح المسلّح، وليس بحرب الأنظمة العربية، كما حدث في حزيران 1967، التي "بدأت بالرّاديو وانتهت بالرّاديو"، فهي تزغرد لالتحاق ابنها "سعد" بصفوف الفدائيين، وتودّ لو أن لها عشرة مثله لتتخلّص من وطأة سنواتها العشرين التي قضتها بعيداً عن أرض قريتها "الغبسيّة" في فلسطين، وتجتاحها غبطة عارمة عندما يستثير ابنها الصغير "سعيد" إعجاب سكّان المخيّم بقدرته على استخدام السلاح خلال التدريب، ثمّ تستبدل بحجابها القديم رصاصة تعلّقها في صدرها، لأنّ هذه الرّصاصة كانت تعني، بالنسبة إليها، رقية الفلسطيني من حال التشرّد، وتعويذته في طريق عودته إلى الأرض.‏

"عائد إلى حيفا":‏

يتناول غسّان كنفاني في روايته الثالثة "عائد إلى حيفا"(1970) جزئية مميّزة من الواقع الفلسطيني في الفترة التي تلت إعلان سلطات الاحتلال الصهيوني عن سماحها لفلسطينيي الأرض المحتلّة بين قسمي هذه الأرض، أرض ما انتهت إليه نكبة 1948، والأرض الجديدة التي أضافتها تلك السلطات إلى "دولتها" في عدوان 1967.‏

والرواية، عبر تلك الجزئية، تنتهي إلى أطروحة شديدة الثراء، تتجاوز حدود المحكي إلى الهمّ الفلسطيني في أوّل تجليات انعكاسه على الذات الفلسطينية، أطروحة: الانتماء إلى الوطن. وهي تعرّف هذا الانتماء بالالتصاق بالأرض، وتدعو الفلسطيني إلى أن يعي ذلك عندما يكون فوق أرضه، وليس بعد نزوحه عنها، وتهدّده، في حال تأخره عن إدراك ذلك، بخسارة فادحة لا تكتفي بفقده الأرض فحسب، بل تتجاوزها إلى ما هو أفدح، إلى خسارته لمعنى وجوده، أو إلى امتداده في هذا الوجود. وعلى الرّغم من أنّها لا تغلق الأبواب في وجهه عندما يريد استرداد ما فقده، فإنها تحدّد لـه معبراً واحداً فقط إلى ذلك، هو الكفاح المسلّح.‏

إنّ الرواية تنبئ، منذ صفحاتها الأولى، بأنّ طريقاً آخر غير طريق البندقية من أجل العودة إلى الأرض ليس سوى وهم أو مذلّة جديدة. فبوّابة "مندلبوم"، التي فتحها الاحتلال بين شطري الأرض الفلسطينية، أمر مرعب، وسخيف، ومهين في آن، لأنّ "كلّ الأبواب يجب ألا تُفتح إلا من جهة واحدة، وإنّها إذا فُتحت من الجهة الأخرى فيجب اعتبارها مغلقة لا تزال".‏

لقد كان "سعيد.س"، الشخصية الرئيسة في الرّواية، يدرك منذ مطلع الرواية أنّ العودة إلى الأرض عن طريق لا يعمّده الدّم تعني الذلّ. ولأنّه يكتشف أنّ هزيمة من هذا النوع ستقود إلى هزائم، كانت تراوده رغبة في العودة إلى "رام الله" قبل رؤية ابنه خلدون، الذي تركه في مدينته "حيفا" قبل عشرين عاماً وقام المستوطنان الصهيونيان "ايفرات كوشن" وزوجته "مريام" اللذان تسلّما منزله من الوكالة اليهودية بتربيته بعد أن استبدلا باسمه اسماً آخر عبرياً هو "دوف": "كان علينا ألا نترك شيئاً. خلدون، والمنزل، وحيفا؟ ألم ينتابك(15) هذا الشعور الرهيب الذي انتابني وأنا أسوق سيّارتي في شوارع حيفا؟ كنت أشعر أنّني أعرفها وأنّها تنكرني. وجاءني الشعور ذاته وأنا في البيت هنا. هذا بيتنا! هل تتصوّرين ذلك؟ إنّه ينكرنا! ألاّ ينتابك هذا الشعور؟ إنّني أعتقد أنّ الأمر نفسه سيحدث مع خلدون".‏

وإمعاناً من الروائي في إدانة سعيد الذي ترك أرضه دون مقاومة يصوّر "دوف" فظاً، قاسياً، وتتمثل هاتان السمتان، الفظاظة والقسوة، في عطالة الحسّ الإنساني لديه، أو غيابه، أو الزعم بحضاريته حسب تعبير "دوف" نفسه، الذي يردّ على سؤال أبيه: "أنت في الجيش؟ من تحارب؟ لماذا" قائلاً: "ليس من حقّك أن تسأل". لكنّه، في الوقت نفسه، يثير في سعيد معنى الارتباط بالوطن، الذي يتحدّد بمواجهة مَنْ يحتلّه، وليس بالبكاء عليه أو الحنين إليه: "لقد مضت عشرون سنة يا سيّدي.. ماذا فعلت خلالها كي تستردّ ابنك؟ لو كنت مكانك لحملت السلاح.. لا تقل لي إنكم أمضيتم عشرين سنة تبكون".‏

هكذا، دفعة واحدة، تمضي الرّواية إلى تأكيد أنّ الالتصاق بالأرض والتوحّد بها يعنيان الحقّ بصفة المواطنة، وإذ يكتشف سعيد أن "الوطن هو ألا يحدث ذلك كلّه"، يضع خطوته الأولى في الطريق الصحيح والوحيد الذي يؤدّي إلى الوطن، طريق المقاومة المسلّحة. فعلى حين كان يعارض التحاق ابنه "خالد" بالعمل الفدائي، ينتهي محكيّ الرواية برغبة عارمة تستبدّ به طوال طريق العودة إلى رام الله: "أرجو أن يكون خالد قد ذهب أثناء غيابنا". وبالدلالة التي يحملها اسم خالد(16)، تعلن الرواية أنّ خلود الفلسطيني لا يتحقّق بغير اختياره طريق الكفاح المسلّح، وأنّ اتجاهه نحو المستقبل يبدأ بخطوته الأولى فوق هذا الطريق.‏

"السفينة":‏

كما تبدو رواية جبرا إبراهيم جبرا: "السفينة"(1979) نصّاً إبداعياً عن العراقيّ "عصام السلمان"، وعن البنى الاجتماعية والسياسية لمدينة بغداد في خمسينيات القرن العشرين وستينياته، تبدو بآن نصّاً إبداعياً عن الفلسطيني "وديع عساف"، وعن القضية الفلسطينية، وإلى حد يمكن القول معه إنّها رواية الفلسطيني بامتياز، كما هي رواية العربيّ على اختلاف انتماءاته القطرية بامتياز أيضاً.‏

تتناول الرواية مفصلين رئيسيين من تاريخ القضية الفلسطينية: إضراب الشهور الستّة الذي بدأت به ثورة 1936، والمقاومة الباسلة التي أبداها الفلسطينيون قبل الإعلان عن قيام دولة الاحتلال الصهيوني سنة 1948.‏

في المفصل الأول، يتحدّث وديع عسّاف عن مظاهرات الاحتجاج الغاضبة ضدّ حكومة الانتداب البريطاني لسماحها بتدفّق الهجرات الصهيونية، وفي الثاني، يعرّي تواطؤ تلك الحكومة مع المنظمات الصهيونية الإرهابية، ويدين حال الفوضى والارتجال لدى جيوش الإنقاذ العربية، كما يمجّد مقاومة الفلسطينيين واستبسالهم في الدّفاع عن أرضهم والتشبّث بها.‏

وبين المفصلين، وفي كليهما، وفي ركام من الموت والدّمار الذي يرسمه جبرا للحياة التي عاشها الفلسطينيون قبل النكبة وخلالها، يبدو "الحب هو لحظة الحنان الوحيدة في.. الرّواية، إنّه الوجه الآخر للأرض الفلسطينية التي يحدّثنا وديع عنها"(17)، والتي "نحسّ أنّها مزروعة في أعماق نفسه وكأنّها تلاحقه كمسيح يحمل صليبه أينما ذهب"(18).‏

ولا يتجلّى ذلك الحبّ من خلال الذكرى التي كان يحملها لمدينته القدس بعد رحيله عنها إلى الكويت والتي ظلّت مقيمة في القصيّ من أعماقه وكانت معادل النبض الذي يخفق به قلبه فحسب، بل من خلال الحضور الطاغي لمفردات الأرض على كلّ شيء في وجوده. هذه المفردات التي كانت أنيسه في الغربة، ودافعه الدّائم الذي يستثير رغبته الجارفة والمستمرة في العودة إلى هذه الأرض.‏

والتصوير الخلاّق الذي يرسمه جبرا لتلك المفردات، لا يكتسب ألقه من لغته الحارّة فقط، بل من مقدرته الفائقة على جعل تلك المفردات الخلابة تتحرّك أمام عيني القارئ وكأنها تتابع كمشهد من الصور التي تطهّر نفس الناظر إليها، وتذيبها "في قصيدة شعريّة لا تُقال إلاّ في أجمل نساء العالم"(19)، حتّى لتبدو تلك الأرض كما لو أنّها جنّة الله، ولكن على الأرض نفسها: "هل جلست مرّة.. تحت زيتونة هرمة، على الأرض الحمراء، والشّوك يكاد يحيط بك. وكذلك الزهرات.. من الشقائق، أو ذلك الحنّون الأصفر.. في تلك الأرض الصخرية الحمراء التي تلقّت قدميْك كقبلات عاشق، وبانت كأنها تنتشر تحت جنبك إذ تضّطجع عليها كأرائك الجنّة".‏

وكما في معظم المنجز الروائي الفلسطيني تتحدّ صورة الأرض في الرواية مع صورة المرأة، بل مع هواجس وديع عساف وانفعالاته، وإلى حدّ أمله باحتضانهما معاً، أو الغرق في متعة اندغام بهما لا تعدلها متعة، ورعشة لذّة تتجاوز المألوف إلى متخيّل تذوب النفس في ملكوته.‏

"أيام الحبّ والموت":‏

تغطّي رواية رشاد أبو شاور: "أيام الحبّ والموت"(1973) قطاعاً زمنياً طويلاً نسبياً من تاريخ فلسطين الحديث، يمتدّ ما بين نهاية الاحتلال العثماني وقرار التقسيم. ومع أنها تبدو معنية بمفاصل كبرى من ذلك التاريخ، إلاّ أنها تلتقط إشارات عابرة منه، وعبر الناس العاديين الفاعلين فيه، وإلى حد يجعلها وثيقة الصلة، بمصطلح الرواية التاريخية التي تصوّر "تحوّلات التاريخ.. بوصفها تحوّلات الحياة الشعبيّة"(20).‏

تتحرّك أحداث الرّواية في قرية فلسطينية من قرى الخليل، تواجه بعد الإعلان عن تقسيم الوطن الفلسطيني قوّتين: استبداد الإقطاع وسطوته، ومحاولات المستوطنين الصهاينة معه لالتهام أراضيها.‏

وعلى الرّغم من أنها، في الأغلب الأعمّ من محكيّها، تمجّد نضال الفلسطيني في الدّفاع عن أرضه ومواجهته لمستغلّيه، فإنها تقدّم صورتين متضادتين لعلاقته بالأرض: الارتباط بها والتوحّد معها إلى حدّ العشق، وخيانتها والتفريط بها إلى حدّ العمالة.‏

ينتمي إلى الصورة الأولى الفلاّح العجوز "سلمان"، الذي يبلغ ولعه بالأرض حدّ الإقامة فيها ليل نهار، ثمّ ابنه "عبد الله" الذي لم يكن حبه لها ليقلّ عن ولع أبيه بها، بل لعلّه كان أكثر جرياناً في دمه وأشدّ التصاقاً بخلايا جسده، لأنه يتحوّل لديه إلى فعل نضالي يجسّد إيمانه بها، ويعبّر عن خوفه من افتقادها أو وقوعها تحت أقدام المستوطنين الصهاينة وفي قبضتهم، وقد أهّله ذلك الحب ليكون من أوائل الذين يهبّون لنجدة القرية، وليكون وحده الجدير باستلام قيادة فصيلها المقاتل بعد استشهاد "محمّد المرابع"، أحد فلاّحيها، الذي يمثّل هو الآخر نموذجاً لتوحّد الفلسطيني بأرضه في أقصى تجلياته قداسة، فعلى الرّغم من مغادرته القرية، بعد أن نهب "العواونة" الإقطاعيون أرض أبيه، وبعد موت أمّه، فإنه يؤثر العودة إليها ويختار الموت فوق أرضها التي يرخص الذهب والمال من أجلها، كما كان يقول.‏

وتضيف الرّواية إلى تلك الشخصيات الثلاث شخصية محمّد أبو عمران، الرجل الذي كان معروفاً في القرية بسيرته الحميدة، والذي كان يستنهض همم الفلاحين لمواجهة أطماع "العواونة" في امتلاك المزيد من أراضي القرية، ويستثير حبّهم للأرض والانصراف إليها بدلاً من الاستسلام لرغبة "هاجم"، زعيم العواونة، ببناء بيت كبير لـه بعرق الفلاحين وجهدهم، ومن ثمّ يدفع حياته ثمناً لحبّه لتلك الأرض، بعد أن يقتل "هاجم" الذي حاول النًيْل من أخته "حلوة"، أجمل فتيات القرية وأكثرهن فتنة.‏

وفي الطرف النّقيض من هذه الشخصيات الملتصقة بأرضها، والتي يتجاوز الكاتب، من خلالها، دور الفرد إلى الجماعة(21)، يتجلّى "العواونة" بوصفهم نموذجاً للقوى المضادة للقيم الإنسانية والوطنيّة، والغارقة في مستنقع العمالة للمحتلّ بوجهيه: البريطاني والصهيوني.‏

والرواية، بالإضافة إلى ذلك، تدين جيوش الإنقاذ العربيّة، وتصفها بالعجز وباعتمادها قيادات فلسطينية من الوجهاء والإقطاعيين المعروفين بخيانتهم. لكنّها، في الوقت نفسه، تقدّم صورة مشرقة للمقاتل العربي في صفوف هذه الجيوش، من خلال شخصيتي الشاويش المصريّ حسن والجندي السّوداني مجيد، اللذيْن اختارا البقاء في القرية للدفاع عن أرضها بعد انسحاب وحدتهما العسكرية منها.‏

والروائي لا يغلق محكيّه على نفسه، بل يشرعه باتجاه المستقبل الذي يستمدّ قيمته من الماضي الكفاحي لفلاّحي القرية، مؤكّداً استمرار ما قام به الآباء من دور في مواجهة الاستيطان، إذ عندما كانت النسوة غارقات في ندب شهداء القرية، أخرجت مريم، زوجة الشهيد عبد الله، مفتاح بيتها ثمّ وضعته في كفّ صغيرها محمود الذي دقّ به بندقية أبيه، فسكتت النسوة "أخذن يمسحن دموعهن، وهنّ يراقبن الطفل والبندقية والمفتاح"، الأقانيم الثلاثة التي تبدأ بها خطوات العودة إلى الأرض المفقودة.‏

"صيادون في شارع ضيّق":‏

يرصد جبرا إبراهيم جبرا في روايته: "صيادون في شارع ضيّق"(1980) فترة ساخنة من حياة بغداد أواخر الأربعينيات، ويلتقط منها ما رأى أنّه يمثّل شرطها التاريخي، أو ما ينمذج هذا الشرط بوصفه جزءاً من واقع عربي كان يمور بالمتناقضات والصراعات السياسية والطبقية آنذاك.‏

وعلى الرّغم من أنّ ما هو فلسطيني في الرّواية لا يشغل سوى مساحة ضئيلة جدّاً من مادّتها الحكائية، فإنه يضارع المكانة التي يحوزها ما هو عربي. وفي مواضع غير قليلة من هذه المادّة يستمدّ الأخير مكانته من تلك المفاصل التاريخية التي كانت تحكم مسيرة الأول، وإلى الحدّ الذي يمكن القول معه أنّ جبرا لا يفصل بين ما هو سياسي في القضية الفلسطينية وما هو طبقي في أقطار الوطن العربي الأخرى، ويرى أنّ الاثنين معاً محكومان بطبيعة البنى السياسية ـ الاجتماعية القائمة في الواقع العربي وأنّهما سيؤولان إلى ما هو أفدح ممّا وصلا إليه، آنذاك، إنْ لم تتم إعادة النظر، من المثقّفين العرب على نحو خاص، بمكوّنات الوعي العربي التي أدّت إلى ضياع الوطن الفلسطيني من جهة، وإلى تسيّد القوى الهجينة من بقايا الإقطاع والبرجوازية واجهة الفعل في المجتمعات العربية بعد أن أنجزت هذه المجتمعات استقلالها الوطني من جهة ثانية.‏

يرتدّ الزّمن الواقعي في الرّواية، على المستوى الفلسطيني، إلى أيّام الغضب والألم كما يصفها "جميل فرّان"، الشخصية الرّئيسة في الرّواية، أيّام الإضراب الستّيني المشهور الذي شهدته فلسطين قبل اندلاع الثّورة الكبرى سنة 1936 احتجاجاً على تدفّق الهجرات الصهيونية على مسمعٍ ومرأى من حكومة الانتداب البريطاني، وعلى قيام المستوطنين بتسليح أنفسهم لتنفيذ عمليات وحشية ضدّ العرب الفلسطينيين، تمكّنهم من ابتلاع الأرض ومن طرد سكّانها وأصحابها الشرعيين. كما ترتدّ إلى أيّام "من عام 1946، حين أزيحت الأجسام المهشّمة لمئة رجل وامرأة من تحت أنقاض جناح من أجنحة فندق الملك داوود نسفه الإرهابيون الصهاينة، وسارت الجنائز في موكب تلو موكب عبر الشوارع الحزينة في المدينة المنهكة"، ثمّ إلى الأيّام القليلة التي سبقت الإعلان عن قيام "الدولة"، لتصوّر أساليب السيطرة على معسكرات الجيش البريطاني التي اتّبعها المستوطنون. الذين كانوا "يلقون براميل الـT.N.T في الأسواق ويقتلون حوالي خمسين شخصاً في كلّ مرّة"، والذين وجّهوا حقدهم، فيما بعد، إلى بيوت الفلسطينيين لتدميرها أولاً، ولخلق الرّعب والفوضى بين سكّانها لإجبارهم على مغادرة أراضيهم ثانياً. لكنّها، أي الرّواية، لا تنسى في غمرة ذلك تصويرها للمقاومة الباسلة التي أبداها الإنسان الفلسطيني في الدّفاع عن بيته وأرضه، وفي تصدّيه للمحاولات المسعورة التي كانت تستهدف اقتلاعه منهما.‏

وتتجلّى قضية "الأرض" في الرّواية من خلال بطلها الفلسطيني جميل فرّان الذي غادر مدينته القدس، بعد نكبة وطنه سنة 1948، إلى بغداد للتدريس في جامعتها، والذي ظلّ مولعاً بالماضي البهيّ والمؤلم للأرض التي أنفق فيها طفولته وجزءاً من شبابه.‏

كانت القدس، بالنسبة إليه، المدينة الوحيدة التي تستحقّ أن يحمل الإنسان صورتها في أقصى مكان من أعماق نفسه، ولذلك فقد ظلّت هذه الصورة مقيمة في تفاصيل حياته، لم تنل قسوة الغربة شيئاً من بهائها، ولم تصرفه ظروف الحياة الجديدة عن التعلّق بها والحنين إليها دائماً.‏

وعلى عادة الكثير من النتاج الرّوائي الفلسطيني تدين الرواية جيوش الإنقاذ العربيّة التي دخلت فلسطين بعد قرار التقسيم، والتي أسهمت، في رأي جميل فرّان، في تحويل الفلسطينيين إلى لاجئين في خيام. وتصف كيف تحوّلت قضية أولئك من قضية سياسية إلى قضية "إعاشة" فقط تستهدف تصنيفهم في فئات، ليتمّ منحهم "بطاقات مؤن" ينال كلّ لاجئ بموجبها "بعض الدقيق ومسحوق الحليب وبضعة (أونسات) من السمن النباتي".‏

"العشاق":‏

إذا كانت رواية رشاد أبو شاور "أيّام الحبّ والموت" قد انتهت باحتلال المستوطنين الصهاينة لقرية "ذكرين" الفلسطينية عشية قرار التقسيم، وبنزوح فلاّحي هذه القرية، فإنّ روايته الثالثة" "العشاق"(1977) تعاين حياة أولئك الفلاّحين في المخيّمات التي استقرّوا فيها حول مدينة "أريحا"، وترصد نضالهم الوطني في مرحلة ما قبل الهزيمة الحزيرانية بقليل وخلالها، كما تصوّر مفردات الحياة الشعبيّة الفلسطينية في أدقّ تفاصيلها غنىً وخصوبة.‏

والرواية تشكّل لوحة تكاد تكون مميّزة من النتاج الرّوائي العربي عامة، وليس الفلسطيني وحده، عن علاقة الفلسطيني بالأرض، وتستمدّ تلك اللوحة جمالياتها الخاصّة من خلال محورين: السّرد والشخصيات، اللذين يندغمان معاً في وحدة عضوية متماسكة تسمح للمرء بوصفها بأنها "رواية أرض" بالمعنى التامّ للمصطلح.‏

تقدّم الرّواية ثلاثة أجيال فلسطينية تبدو علاقتها بالأرض شكلاً من أشكال التوحّد بالمطلق أو بالمثال الذي رفعته الطبيعة فتجذّر في دماء الجميع وخلاياهم، والذي لم يكن يعني لهم ماء وتراباً وأشجاراً، بل كائناً حيّاً يتحرّك ويفيض بالأحاسيس والمشاعر.‏

ينتمي إلى الجيل الأول الذي شهد النكبة واكتوى بأوارها، والذي تعلّم بخبرته الطويلة أنّ الأرض وحدها هي المعادل الحقيقي للحياة، ثلاث شخصيات: أبو خليل، وأبو نعمان، والأب الياس. وإذا كان عزاء تلك الشخصيات في غربتها هو وجودها، بعد النكبة، داخل الأرض الفلسطينية نفسها، فإنّ هذا العزاء هو الذي دفعها إلى إعمار الأرض الجديدة التي استقرّت فوقها بعد أن فقدت هذه الأرض نضارتها بسبب ما تعاقب عليها من غزاة، كانوا يحصدون كلّ ما هو أخضر في طريقهم.‏

أمّا محمود وحسن فينتميان إلى الجيل الفلسطيني الثاني الذي غادر أرضه يافعاً، لكنّ ذكرياته فوق هذه الأرض كانت تشدّه إليها دائماً، كما كانت زاده في غربته عنها، ودافعه النّضالي لمقاومة الاحتلال الذي اقتلعه منها.‏

والرواية، وهي تؤكّد علاقة الأجيال الفلسطينية الثلاثة جميعاً بالأرض وتعبّر عنها على نحو يكاد يكون خاصاً بها من مجمل النتاج الرّوائي الفلسطيني، تتميّز من ذلك النتاج بتثمينها لعلاقة الفنّ بالمقاومة ولدوره في معركة الفلسطيني من أجل عودته إلى الأرض التي اغتصبها الاحتلال منه. وهي تطرح تلك العلاقة من خلال الجيل الفلسطيني الثالث كما يمثله الشابّ محمّد، الذي كان الفّن بالنسبة إليه "الصراط الذي سأسير عليه إلى الوطن"، والذي كان يغنّي على عوده أغنيات شعبية فلسطينية ليذكّر الناس بأرضهم، وليدعوهم بها إلى النضال من أدجل العودة إليها، مؤمّلاً أن يغنّي يوماً في عرس فلسطين الكبير "يوم تعود واحدة".‏

وممّا تتّسم به الرواية أيضاً عرضها الواقع الفلسطيني في الضفّة الغربية بعد الاحتلال "بحياد يكاد يكون موضوعياً.. فللمرّة الأولى تقريباً نجد الفلسطيني المستغَلّ، والفلسطيني المتعاون مع المخابرات، والفلسطيني المتخاذل"(22). وإذا كانت الشخصيات التي عرضنا لها تمثّل الجانب الأوّل من هذا الحياد، فإنّ المختار يمثّل جانبه الثاني، على حين يمثّل باسم العارف وأبوه جانبه الثالث. باسم، لانشغاله بقضاياه الخاصّة عن المقاومة، وأبوه لأنّه لم يكن يفكّر سوى بإضافة المزيد إلى بيّارته الكبيرة وبيته الأنيق اللذين امتلكهما في أريحا.‏

"الباشا":‏

يثقل أفنان القاسم روايته: "الباشا"(1977) بحشد من الأحداث والشخصيات(23)، رغبة منه كما يبدو في تقديم صورة جامعة مانعة للمجتمع(24) الذي تتحرّك فيه تلك الأحداث والشخصيات، والذي يُواجه سكّانه الانتداب البريطاني والقوى الرّجعية الفلسطينية الهجينة من الإقطاع والبرجوازية، خلال مرحلة تمتدّ من الأيّام القليلة التي سبقت قرار التقسيم إلى النكبة.‏

تقدّم الرّواية ثلاث صور متضّادة ومتنافرة لعلاقة الفلسطيني بالأرض: أولى تمثّل الشخصية الفلسطينية المتمسكة بأرضها والمدافعة عنها حتّى الموت، وثانية تمثّل الشخصية الجاحدة بهذه الأرض والباحثة عن ابتلاع المزيد منها حيناً، وعن المزيد من ذهب المستوطنين الصهاينة مقابل بيعها لهم حيناً آخر، ثمّ الشخصية المنعزلة عمّا يعصف بمجتمعها من نكبات متسارعة وضاربة.‏

ينتمي إلى الصّورة الأولى ثلاث شخصيات فلاّحية: عوّاد، وحمدان، وأبو زينة، تبدو الأرض بالنسبة إليها تعبيراً عن القوّة التي تمنح الفلسطيني ثقة عارمة بالانتصار على أشدّ الأعداء عتيّاً، حتّى لو كان هؤلاء هم الشياطين أنفسهم. والرّواية تدحض، من خلال تلك الشخصيات، دعوى الحقّ التاريخي الذي تذرّعت به الحركة الصهيونية لقيام دولتها فوق أرض فلسطين. تلك الأرض التي وقفت إلى جانب أصحابها الشرعيين، العرب، وقت المحن على امتداد التاريخ لأنّها كانت تحبّهم كما يحبّونها، ولأنّها كانت أرض أجدادهم مثلما هي أرضهم الآن.‏

والرواية لا تكتفي بإضاءة الصّورة الأولى، أي التي تجسّد ارتباط الفلسطيني بالأرض، من خلال مكوّن الشخصيات فقط، بل توسّع قطر الدائرة التي تغمرها تلك الإضاءة من خلال مكوّن السّرد أيضاً، وهي تتفوّق أحياناً، عبر هذا المكوّن، في تعبيرها عن ذلك الارتباط، لأنّها تدغم بوساطته طرفي العلاقة، الفلاّح والأرض، إلى الحدّ الذي تجعل معه من الطرف الثاني كائناً يتحرّك ويتعاطف مع نظيره بمشاعر وأحاسيس فيّاضة بما هو إنساني، فالأرض تتنفّس و"تخفق كالبدن" حزناً على إعدام الشهيدين أبي سنّة وعبد اللطيف، وتتنهّد مواسية لتعب الفلاّحين، وتبدو "نشطة كجسد خارج من الماء"، لفرحهم، و تشعر بالأسى والمرارة وهي تودّع بقرات الفلاح العجوز عوّاد التي سرقها رجال الباشا.‏

وممّا ينتمي إلى الصورة الثانية، أي الفلسطيني الجاحد بالأرض، شخصيتا الباشا والبيك الهاشمي الإقطاعيتان، وعلى الرّغم من أنّ هاتين الشخصيتين تبدوان متنافرتين، فإنّهما تلتقيان في استغلال الفلاّحين واستعبادهم وفي خيانتهما للأرض والتفريط بها.‏

وكما تبرع الرّواية في وصف الطبقة الإقطاعية وفي إدانتها أيضاً، تبرع بآن في وصف التناحر الفارغ الذي كان ناشباً بين زعامات الرّجعية الفلسطينية في المرحلة التي ترصدها، فالباشا والبيك لا يتخاصمان من أجل مصلحة البلد، بل تحقيقاً لمكاسب خاصّة. الباشا يلهث من أجل الاحتفاظ بمنصب الباشاوية، والبيك يطأطئ رأسه للخواجة الصهيوني الذي يعده بحيازة هذا المنصب له.‏

ولعلّ الرواية هي أوّل رواية فلسطينية تقدّم نموذجين متعارضين للشخصية اليهودية: الأوّل يمثّل هذه الشخصية بوصفها إنساناً تضغطه التناقضات الطبقيّة مثلما تضغط الفلاّح الفلسطيني ويعيش إلى جانب هذا الفلاّح دون عداء لـه أو كراهية أو طمع بأرضه، والثاني يمثّلها بوصفها حاقدة، طامعة بأرض الفلسطيني، وممتلئة بأفكار الصهيونية ومعبّرة عن دعاواها وسياساتها بدقّة تامّة.‏

والشّخصيات النضالية في الرّواية عامّة لا تقنع القارئ كثيراً بوصفها كذلك، فالأسطى حسن الذي يقف في طليعة تلك الشخصيات يبدو عاجزاَ عن تنفيذ مهمة مأمور اتصال في البلد، كان الشهيد أبو سنّة قد أوكلها إليه قبل إعدامها بشهرين، ليس لأنّه ينخدع بمن يعتقد أنهم عناصر جيّدة ثمّ يكتشف عمالتهم فحسب، بل لأنّه يدعو الفلاّحين إلى التجمّل بالصبّر دائماَ حتّى في أقسى حالات تعرّضهم للاستغلال والقمع، وينظر إليهم بوصفهم قطيعاً من الجهلة، لا شيء يصلهم بقضية بلدهم سوى المصلحة الخاصّة لكلّ منهم: "يجب أن ندغدغ أحلام عمّال المصنع وعمال الأرض بإمكانية تحسين ظروفهم المعيشية.. هكذا يفهمك القرويّ من خلال مصلحته". وغير خاف أنّ الثّورة التي تكون مواربة على هذا النحو لا تحمل بذور فنائها في داخلها فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى قصور في وعي قادتها لمعنى الثورة أيضاً، التي تحرص عادة على كسب الفئات الكادحة جميعاً مهما كانت درجة وعيها، و التي تستطيع تحويل "الجهلة" إلى قوّة حقيقية حيّة ونشطة في مجتمعها، من خلال تحويل وعيها العفويّ بالظلّم الذي تعانيه إلى وعي منظّم أو إلى وعي واعٍ بالظلم إذا جاز التعبير.‏

والروائي لا يقع فريسة ذلك التوّهم السابق وحده، بل فريسة المفارقة الكبيرة أيضاً بين الإهداء الذي يصدّر به روايته والذي يتوجّه به إلى الفلاحين المناضلين والدّور الانفعالي الذي يرسمه لهم على امتداد الرّواية، إذ يجعلهم يهتفون بحياة عدّوهم الباشا ويصدّقون أكاذيبه، ويفعلون الأمر نفسه مع البيك الهاشمي في زمنين لا يفصل بينهما سوى دقائق معدودات، ولذلك تبدو المواجهة التي يضرمها بين هؤلاء الفلاّحين وأعدائهم في خاتمة الرّواية مثقلة بالتفاؤل الساذج. إنّ حفاوة الروائي، كما يبدو، بتقديم مقولات أكثر من اهتمامه برسم شخصيات روائية تجسّد هذه المقولات أو تعبر عنها من خلال فعلها في حركة المجتمع الذي تنتمي إليه أربكه كثيراً في جعل شخصياته كائنات حيّة من لحم ودم، كما أوقعه في التناقض بين ما تطمح إليه هذه الشخصيات وما هي عليه في الواقع.‏

" البحث عن وليد مسعود":‏

بتتبّع النتائج النقدية للدراسات التي عنيت برواية جبرا: "البحث عن وليد مسعود" (1978) يخلص المرء إلى أنّ الأغلب الأعمّ من تلك النتائج لم يلامس سوى السطوح الخارجية للمحكي الروائي، وقلّما استبصر ظلاله أو غاص على الجوهريّ فيه. فعلى الرغم من أنّ الرواية، في الظاهر من ذلك المحكيّ، توهم بقطيعتها مع القضية الفلسطينية، فإنّها، في العمق منه، تنفي تلك القطيعة، بل تؤكّد صلتها الوثيقة بالقضية لسببين: يتعلّق الأول بمعنى اختفاء بطلها وليد مسعود، والثاني بما تثيره هذه الشخصية من إشكاليات داخل وسطها الاجتماعي، والتي لا يمكن دراستها إلاّ بوصفها شخصية فلسطينية أساساً، تفقد معنى انتمائها إلى الحياة باقتلاعها من أرضها، وتعاين الوجود الإنساني، أو تفلسف نظرتها إليه من خلال علاقتها بوطنها، فتعي حركة هذا الوجود باقترابها من الوطن، وتفقد ذلك الوعي بابتعادها عنه(25).‏

ولئن كان ثمّة ما يوحّد تلك الشخصية مع شخصيات جبرا الفلسطينية السابقة، فإنّ ثمة ما يميزها منهما، هو فائض القلق والتمرّد(26) الذي يجعل منها شخصية فلسطينية بامتياز، ومع أنّ الرواية لا تقدّم مادة وافية عن علاقة تلك الشخصية بالأرض، إلاّ أنّ ثمّة ما يجعل منها نصّاً إبداعياً مميّزاً من النتاج الرّوائي العربي عامّة، والفلسطيني خاصة، إذ تتجاوز الأرض في الرواية معناها المألوف لتصبح "مفهوماً " يتصل ببحث عن معنى الحياة نفسها، أو عن معنى وجود الإنسان في الحياة. فاختفاء وليد مسعود وما يثيره من أسئلة داخل وسطه الاجتماعي، يستمدّ قيمته ومعناه من كونه توجّهاً إلى وجود حقيقي، أو من كونه مواجهة للقوى التي تضطرم داخل النفس، والتي لا يمكن الخلاص منها بغير الاتصال بالجذر، أي الأرض.‏

وبهذا المعنى، فإنه يمكن عدّ اختفاء وليد مسعود صورة من صور الانبعاث التمّوزي الذي يعني قيامة الحياة من الموت، والذي تظلّ النفس بغيابه معلّقة بوهم الحياة وليس بالحياة نفسها، وتستعيد بحضوره غيابها المؤّقت لتتشكّل من جديد أكثر قدرة على مواجهة هذه الحياة. فوليد الذي كان "يحاول أن يجد الأرض التي يعيد فيها غرس جذوره" بعد أن فقد وطنه، لم يكن يفعل ذلك إلاّ لأنه كان يؤمن بأنّ الانتصار على القوى التي تضغط الفلسطيني في غربته لا يمكن أن يتحققّ بغير التوحّد مع الأرض، مع جبال القدس التي تمتلك "قوى تستطيع تغيير العالم" كما يقول.‏

لقد كانت فلسطين حاضرة في نفس وليد على الرّغم من ابتعادها عنها، ففي إيطاليا، البلد الغريب، لم يكن ثمّة ما يشدّه إلى روعة الفنّ الذي يخلب نظر الرّائي إليه، إلاّ ما "يشير إلى بلدي، إلى بيت لحم والقدس وطبرّيا، إلى فلسطين بسهولها وجبالها وينابيعها"، التي كان يعرفها " شبراًَ شبراًَ، كما لم يعرف أيّ أرض أو أيّ جسد" بتعبير مريم الصفّار عنه، والتي كان مستعداً لدفع حياته من أجلها إن كان لها أن تحيا بموته، بتعبيره هو. وإذا كانت علاقته بالأرض تستمدّ قيمتها من بحثه عن معنى الحياة، فإنّ علاقة ابنه مروان "الفلسطيني حتّى جذور شعره" تعبر عن حضورها في الرّواية من خلال تشبّث مروان بالبقاء فوق هذه الأرض، ومن ثمّ الانخراط في صفوف المقاومة المسلّحة التي تكفل للفلسطيني معنى ما يبحث وليد عنه.‏

ولعلّ أبرز ما يميز هذه الرواية من روايات جبرا السابقة، التي عنيت بـ"الانتلجنسيا" الفلسطينية فحسب، تجاوزها ذلك إلى الطبقة الفلاّحية:"ثوّار القرى الفلسطينية.. الذين في النهاية سيغيّرون كلّ شيء"، والذي يمنحهم جبرا مكانة لافتة للنظر في الرواية،من خلال حفاوته الواضحة بمنطوقهم، وبعاداتهم الاجتماعية وتقاليدهم بآن.‏

 

يتبـــــع

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244