نشيد الزيتون قضية الأرض في الرواية العربية الفلسطينية ـــ د.نضال الصالح

دراسة ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2004

Updated: Tuesday, June 15, 2004 03:54 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الثالث: علاقة الإنسان بالأرض في الرّواية الفلسطينيّة

" قضيتُ هذه السنين كلّها مصرّاً على الزواج منها. أعني، الأرض. أجمع الفلْس إلى الفلس.. من أجل نور عينيها .. لقد نقلتُ أموالي إلى القدس، واشتريت أرضاً واسعة.. وسأشتري أرضاً أخرى.. وسأبني بيتاً كبيراً.. وأزرع البندورة والتّفاح، ولو أنني لست فلاّحاً.. سأهشّم الصّخر، وأفرش عليه تراباً من تربتنا الحمراء الخصبة الجميلة.. وسأتزوج حالماً أرجع، لكي أجمع بين المرأة والأرض".‏

وديع عساف/ " السفينة"‏

مدخل‏

تستمدّ الشخصية الحكائية أهميتها ومكانتها في دراسة العمل الرّوائي من كونها الأداة الأولى التي يعبّر الكاتب بوساطتها عن الفكرة أو مجموعة الأفكار التي تعيّن حركة الواقع الذي يقاربه، ومن كونها أيضاً الحامل الرئيس الذي يبني عليه أحداث عمله ومقولاته ورؤاه.‏

ولئن كانت البدايات الأولى لفنّ الرّواية عنيت بالشخصية الفروسية التي تنتمي إلى طبقة النبلاء بسبب طبيعة القوى الطبقية المسيطرة آنذاك، وبالشخصية التي تمثّل قيم الخير والجمال المطلقيْن، فإنّ الرّواية المعاصرة تخلت تماماً أو كادت عن ذلك النّمط الإنساني، وأصبحت الشخصية فيها "مختلطة بدلاً من أن تكون بطولية أو نبيلة أو فاضلة نقية"(1)، كما أصبحت " تمثل مجتمعاً كما تمثّل نظامه ومراتبه المختلفة(2)، ولم تعد بمعناها الملحمي ذات أثر أو حضور طاغٍ فيها، كما لم يعد "من أهمية في شيء أن تكون.. غريبة أو عجيبة أو مخالفة للعرف"(3)، بل حلّت عوضاً عنها الشخصية المتناقضة والممتلئة بغناها الإنساني، والتي "تجمع الصفات الإيجابية والسلبية معاً"(4)، وتنتمي إلى شرطها التاريخي بوصفها شخصية "قيد التطوّر وتربية الحياة" (5).‏

لقد نظرت الرّواية المعاصرة إلى موضوع حذف التناقض من الشخصية الرّوائية ورسمها ككيان لا يعتوره نقص على أنّها "نفي عام لكلّ تحديد مادّي للشخصية ومتابعة لأسطورة الإنسان الفاضل الذي هو تجسيد لميثولوجيا الخير المطلق"(6)، وعني، التاريخي منها خاصة، بالشخصيات التي تنتمي إلى قاع المجتمع، أو التي تعيش على حوافّه نظرياً، وتبدو أكثر فاعلية في حركة الواقع من تلك التي كان بعض الرّوائيين يعتقدون بأنّها تحكم قبضات فولاذية على مجتمعاتها وتوجّه سيرورتها(7). وقد مكّن تطوّر العلوم الإنسانية، ولا سيما علم النفس، هذه الرّواية من صوغ شخصيات أدبية تمتلئ بصخب الحياة وعنفها، وتتوافر فيها سمات الإنسان المعاصر بقلقه واغترابه وتمرّده، وبانعكاس حركة المجتمع الذي ينتمي إليه على ردود أفعاله تجاه ما هو خاص وعام بآن. وكما اغتنت الرّواية المعاصرة بمنجزات علم النفّس، فقد استطاعت في الوقت نفسه أن تفتح أمامه آفاقاً رحبة لدراسة النفس البشرية، واستطاع الرّوائي المعاصر أن يُعلم قارئه عن تلك النفس بالقدر الذي يقدّمه عالم النفس عنها، وربّما أكثر نفاذاً وعمقاً في بعض الأحيان(8). ويمكن القول إنّ بروز مفهوم النمذجة الذي قدّمه الاتجاه الواقعي قد نهض بدو خلاق في تطوّر الشخصية الرّوائية، إذ أتاحت الدراسة النظرية التي عالجت هذه المفهوم لكتّاب الرّواية وعي طبيعة الأدب ووظيفته في الحياة، ودفعتهم إلى اختيار شخصيات تتسم بفعاليتها وتأثيرها في الوسط الذي تنتمي إليه، وينعكس من خلالها "المجموع في الفرد، والفرد في المجموع"(9) بوصفهما تمثيلاً لواقع يندغم فيه ما هو ذاتي بما هو موضوعي.‏

يُعنى هذا الجزء من الدراسة باستجلاء السمات المميزة لعلاقة الشخصيات الرّوائية الفلسطينية بالأرض، وباستقراء الطريقة/ الطرائق التي عالج بها الرّوائي الفلسطيني هذه الشخصيات، ومن ثمّ مدى وعيه بمفهوم "النمذجة" بوصفه الأداة التي تمكّنه من مقاربته لحركة التّاريخ الفلسطيني، وللقوى التي أدّت دوراً فاعلاً في تطوّر تلك الحركة.‏

وتجدر الإشارة بداية إلى أنّ الشخصيات التي سأقاربها هنا ليست الشخصيات جميعاً التي قدّمتها الرّواية الفلسطينية، بل هي نماذج تبدو أكثر حضوراً من سواها في النتاج الرّوائي الفلسطيني، وتُعدّ قاسماً مشتركاً بين معظمه، إن لم يكن مجمله. كما تجدر الإشارة أيضاً إلى أنّ تقسيمي لها على هذا النحو إجراء نقدي فحسب، ولا يعني أنّ الرّواية الفلسطينية قد فعلت ذلك، إذ قد تتداخل في هذه الرّواية، صورة الفلاّح بصورة المختار، أو رجل الديّن، أو المقاتل، وإلى أنّ هذا التقسيم يستند أساساً إلى تغليب الرّوائي الفلسطيني نفسه لجانب في الشخصية على غيره، ولسمة بارزة فيها على غيرها أيضاً، يشكّلان معاَ معبراً لتبيّن الخصائص التي تميّز علاقتها بالأرض من جهة، وبقضيتها الوطنية من جهة ثانية.‏

هوامش وإحالات :‏

(1) ـ هاليرين، جون، وآخرون ."نظرية الرّواية". ص(354).‏

(2) ـ زيرافا، ميشال. " الأسطورة والرواية". ص(11).‏

(3) ـ البيريس، ر.م."تاريخ الرّواية الحديثة". ص(139).‏

(4) ـ باختين، ميخائيل، "الملحمة والرّواية".ص(28).‏

(5) ـ المرجع السابق، الصفحة نفسها.‏

(6) ـ درّاج، فيصل، "حوار في علاقات الثّقافة والسياسة". ص(28).‏

(7) ـ انظر: لوكاش، جورج. "الرّواية التاريخية".ص(51).‏

(8) ـ انظر: ويليك، رينيه. بالاشتراك. " نظرية الأدب". ص(33).‏

(9) ـ ريديكر، هورست. " الانعكاس والفعل..".ص(88).‏

"الفلاح" :‏

دفعت المكانة المميزة التي شغلها الفلاّحون الفلسطينيون في حركة النضال الوطني ضدّ الحركة الصهيونية معظم النتاج الرّوائي الفلسطيني إلى الاهتمام بالدّور الذي أدّاه هؤلاء في التصدّي للمحاولات الضّارية التي كانت تستهدف اقتلاعهم من أراضيهم، وتحويل وطنهم فلسطين إلى دولة يهودية خالصة، وخالية تماماً من أصحابها الشرعيين.‏

ويمكن تقسيم النتاج الرّوائي الفلسطيني في هذا المجال إلى قسمين: الأوّل: تبدو الشخصية الفلاّحية فيه مكوّناً مركزياًَ من مكونات المحكي الروائي، والثاني: تتجلى فيه على نحو عارض، وطارئ.‏

تًعدّ أعمال رشاد أبو شاور الرّوائية أكثر النتاج الرّوائي الفلسطيني حفاوة بالشخصية الفلاّحية الفلسطينية، وبتصوير علاقتها بالأرض. ويمكن تبيّن أولى تجلّيات تلك الحفاوة في روايته:"أيام الحبّ والموت"، التي تبدو نموذجاً إبداعياً مميزاً لعلاقة الفلاّح الفلسطيني بأرضه، ولما تمنحه هذه الأخيرة من قيمة لمعنى وجوده، ومن قوّة عندما يلتصق بها ويتوحّد معها. فالفلاّح العجوز سلمان كان "يعبد الأرض يصلّي لها، يؤمن بها كأنّها ربّه"، كما كان يقضي فصول السنة، أغلبها، بين جنباتها. يفيء إلى ظلّ أشجارها صيفاً، ويتنشّق عبير ورودها ربيعاً، ويكحّل عينيه بمرأى أثلامها خريفاً، ولولا قول الناس " مجنون لأنام في الكَرْم أيّام الشتاء، وأتمرّغ على التراب وهوّ بيشرب نعمة السماء".‏

لقد ظلّ سلمان متشّبثاً بالبقاء فوق أرضه "كأنه شجرة.. قدماه في التراب، بدنه مثل جذع زيتونة"، وعندما اشتدّ حصار المستوطنين الصهاينة للقرية، حدّث حفيده الصغير محمود، بعد أن قرّرت أمّه اللجوء إلى قرية أخرى اتقاء لوحشية أولئك المستوطنين، قائلاً:"شايف هالشجر، هالتين والزيتون والعنب هالأرض اللّي مثل الحنّون. هاذي إلك، يوم ما ترجع إلهاً اتّذكرني. اتطلّع مليح فيها.. شمّ ريحة التراب خلّيها ما تروح من بالك، خلّيك ما تنساها، خلّي ريحتها تذكّرك فيها وفي عظامي اللّي بدها تذوب فيها".‏

أمّا الفلاّح محمّد أبو عمران، الذي قضى في مواجهة "هاجم" الإقطاعي وأعوانه، فقد كان يؤمن، هو الآخر، بأنّ الأرض وحدها تعني الحياة أو الموت بالنسبة إلى الفلاّح الفلسطيني. الحياة عندما يلتصق بها ويمنحها عرقه وجهده، والموت عندما يبتعد عنها أو يهجرها: "باطل يا رجال، لازم نهبّ في وجه هاجم وارجاله، يا موت، يا حياة".‏

وإذا كانت تلك الرواية قد عبّرت عن "تقديس الفلاّح الفلسطيني للأرض"‏

(1) على نحو مميز من سواها من النتاج الرّوائي الفلسطيني، فإنّ رواية "العشّاق" وصلت بتلك القداسة حدّاً جعلت من الفلاّح والأرض معه كائنين في جسد واحد وروح واحدة أيضاً. فأبو خليل، الفلاح الذي كان ولوعاً بالبيّارة التي يعمل فيها، وبشجرة الزيتون التي يستظلّ بفيئها دائماً، كما وصفه المناضل محمود، لم يهدّد صاحب البيّارة بقطع يده لو امتدّت إلى اجتثاثها، لو لم يكن يحس بأنه هو تلك الشجرة حقاً، ولما قال له: "لو زرعتني.. لنَمَوْتُ فوراً". أمّا الفلاّح أبو نعمان الذي "لم يعرف قلبه الفرح منذ الخروج من الوطن"، فقد رفض مغادرة المخيّم عندما اقتحمه الصهاينة في حزيران 1967، معلّلاً بقاءه بحراسة البيوت حتّى يعود الناس، إلى أن استشهد وهو يسقي زهور الأرض الذابلة.‏

وتجدر الإشارة إلى الطريقة التي قتل بها هذا الفلاّح الخواجة الصهيوني داوود الذي كان يدّعي أنّه عالم آثار وأنّ قبائل عبرية مرّت بأريحا، والتي يمكن عدّها رمزاً للردّ على مزاعم الصهيونية بحقّ تاريخي لليهود في أرض فلسطين، فـ "العظمة" التي استلّها أبو خليل من جوف شجرته دليلٌ على أنّ مواجهة تلك المزاعم لا تتحقّق بغير ما يعني الالتصاق بالأرض، أو بما يتّصل بمفرداتها التي تمنح الفلسطيني القوّة على مواجهة عدوه.‏

وتمثّل رواية أفنان القاسم: "الباشا" إضافة مهمّة إلى الروايتين السابقتين في هذا المجال، ولا تتحدّد تلك الإضافة بتوجّه عناصر الرّواية جميعاً إلى تمجيد نضال الفلاحين الفلسطينيين في مواجهة الاحتلال وأدواته فحسب، بل بالقيمة التي تمنحها للأرض ولعلاقة الفلاّح الفلسطيني بها أيضاً. فكما تؤكّد أنّ هذه الأرض تعبير عن شرف الفلاّح الفلسطيني وكرامته، تؤكّد بآن أنها رمز للقوّة التي تحقق لـه الانتصار على أكثر أعدائه شراسة. فالفلاح العجوز عوّاد يقول لصديقه الشابّ حمدان عندما سأله الأخير عمّا يريد فعله لمواجهة رجال الباشا الإقطاعي، الذين خيّروه بين أمرين: بقراته الثلاث أو بيع أرضه للباشا سداداً لثمن البذار الذي اقترضه منه لمواسم ثلاثة ماضية: "اسمع يا حمدان اعمل للأرض، بكلّ قواك. تشبّث بها، بكلّ قواك، إذا فعلت، فزعت منك الأبالسة"، وهو إذ يختار التمسّك بأرضه والدّفاع عنها "ما دمت حيّاً"، فإنّما يفعل ذلك لثقته بأنّ أيّة قطيعة مع الأرض تعني السقوط في مستنقع العار: "الأرض شرفنا وعزّنا وكرامتنا وكلّ شيء.. إنّها نحن".‏

ولم يكن حمدان نفسه أقلّ تشبثاً بالأرض من عوّاد، فقد كان "يحبّ أمّه والأرض"، وسعدية معهما، لأنهم جميعاً كانوا يعنون بالنسبة إليه خصوبة الحياة وتدفّقها وقوّتها بآن، ولذلك كان، كلّما رأى سعدية أو فكّر بها، يحسّ بأنّه "أكثر.. قرباً من الأرض. كانت الأرض تخفق في عرقه، وهو يخفق في عرقها... ينبت في عمقها، وهي تنبت في عمقه"، ولذلك أيضاً لم يكن يفرّق، عندما أجبرت سعدية على الزّواج من المأمور، بين أولئك الذين سرقوا سعدية منه وأولئك الذين يحاولون سرقة أرض البلد، فيجب "لكي تعيد سعدية إلى ذراعيك، أن تناضل في كلّ صوب. ضدّ الخواجة، وبالقدر ذاته ضدّ الباشا والإنكليز".‏

وممّن ينتمي إلى تلك الشخصيات أيضاً "أبو زينة" الذي يمكن عدّه رمزاً آخر للفلاح الفلسطيني الذي أبلى في مواجهة مشروعات الاستيطان الصهيوني التي كانت تستهدف تهجير الفلاحين الفلسطينيين من بيوتهم وقراهم، واقتلاعهم من أرض وطنهم فلسطين. فقد تصدّى أبو زينة، الذي كانت الأرض بالنسبة إليه قطعة من كبده، كما كان يردّد، للهاث المستوطن الصهيوني المستعر لشراء حصّته منها بعد أن باعه أخوه يوسف نصفها، بنبضه وعينيه ودمه. ليس لأنّه "أذاب لحم أصابعه في لحمها.. وحفظ عن ظهر قلب عدد الذّرات في ترابها" فحسب، بل لأنّها كانت تعني لـه الشّرف أيضاً: "سأدفع عنكِ الشرّ، وسأحميكِ.. يا نبضي! سأدفع عنك العار، وسأرويك.. عهدي معك أن أبقى بك، وتبقين لي.. إذا حاولوا نزعك من عينيّ، نزعتُ من عيونهم ضوء العين. وإذا حاولوا نزعك من قلبي، نزعتُ من قلوبهم خفق القلب. وإذا حاولوا نزعك من دمي، نزعتُ من دمائهم لون الدّم. وإذا حاولوا نزعك من رئتيّ، غرستُ في حناجرهم سكّيني".‏

غير أنّ تلك الصور الآسرة التي يقدّمها الروائي للفلاح الفلسطيني، ولا سيما لعلاقته بأرضه، لا تقنع القارئ كثيراً في أنّ شخصياته تلك كائنات حية من لحم ودم، فعلى الرغم من ذلك الامتلاء كلّه بحبّ الأرض الذي يعبّر الفلاّحان عوّاد وأبو زينة عنه، فإنّ الأول ينتحر حزناً على بقراته الثلاث التي سطا عليها رجال الباشا الإقطاعي، ويغيب الثاني عن المواجهة المسلّحة التي دارت بين الفلاّحين والمستوطنين الصهاينة!‏

ولا تسلم رواية علي حسين خلف: "عصافير الشمال"، المعنيّة بتمجيد نضال الطبقة الفلاّحية الفلسطينية أيضاً، من الوقوع في الشرك نفسه الذي انتهت رواية القاسم إليه، فالروائي، في زحمة إصراره على تمجيد ذلك النضّال، يحمّل شخصياته الفلاّحية ما يتجاوز وعيها السياسي ويُنطقها، في أحيان كثيرة بمقولاته ووجهات نظره، ولعلّ ذلك ما أفقد روايته بعضاً من الجماليات الخاصّة المميزة لها من النتاج الرّوائي الفلسطيني الذي رصد تحوّلات البنية الاقتصادية لمجتمع القرية الفلسطينية في سنوات السبعينيات، ذلك أن "أيّة إضافة.. خارج منطق الحركة الدّاخلية للشخصيات وللعمل الفنّي تسيء إلى تماسك هذا العمل.. حتّى.. لو كانت هذه الإضافة تقدّمية"(2).‏

وعامة، فإنّ الأغلب الأعمّ من أعمال غسّان كنفاني الروائية ينتمي إلى النموذج الثاني من النتاج الروائي الفلسطيني في هذا المجال، أي ما تبدو الشخصية الفلاّحية الفلسطينية فيه عرضيّة، وطارئة. فالمتتبع لنتاج كنفاني لا ينتهي إلى أيّ ملمح يشير إلى علاقة الفلاّح الفلسطيني بالأرض، ومسوّغ ذلك طبيعة الفضاء الجغرافي الذي تتحرّك فيها أحداث رواياته، والتي تنتمي إليها شخصياته. وعلى الرّغم من أنه يقدّم في روايته القصيرة: "أمّ سعد" شخصيات ذوات أصول فلاّحية، فإنه لا يعنى بتصوير علاقة تلك الشخصيّات بالأرض من خلال أصولها الطبقية، بل من خلال الجانب الكفاحي الذي يعبّر عن تَوْق فلسطيني المخيّمات إلى البندقية بوصفها الطريق الوحيدة المؤدّية إلى الأرض التي اقتلعوا منها. وعلى الرّغم أيضاً من أنّ أمّ سعد نفسها تبدو تمثيلاً دقيقاً وبارعاً لعلاقة الفلاّح الفلسطيني بالأرض، فإنّ الروائي يكتفي بتقديمها بوصفها نموذجاً للمرأة الفلسطينية عامة، أكثر منها رمزاً للفلاّحة الفلسطينية.‏

والسمة نفسها تتجلّى في الأغلب الأعم أيضاً من أعمال جبرا إبراهيم جبرا الرّوائية، فجلّ ما يمكن الانتهاء إليه من قراءة "السفينة" قول وديع عساف: "سَلِ الفلاّح الفلسطيني الذي يذكر تجرّح قدميه على.. الأرض كأنّه يقول لك إنّ حياته، بعد أن أُبعد عن أرضه، ما عادت حياة"، وعلى الرغم من تأكيد الروائي، في "البحث عن وليد مسعود"، بأنّ "ثوّار القرى الفلسطينية هم الذين في النهاية سيغيّرون كلّ شيء"، فإنّ ذلك يبدو غائماً في الرواية، كما يبدو غائماً في رواية "صيّادون في شارع ضيق"، ومسوّغ ذلك إلحاح جبرا على طبقة بعينها من المجتمع الفلسطيني، أي: "الأنتلجنسيا"، مع أنّ عدداً من شخصياته التي تنتمي إلى تلك الطبقة ينحدر من أصول فلاّحية.‏

ولا تغادر السمة المشار إليها آنفاً صورتها في رواية الأرض المحتلّة الصّادرة حتّى سنة 1982 أيضاً، فـ "أبو أسمى"، في رواية نبيل خوري: "حارة النّصارى"، الفلاّح أصلاً، لا يعبّر عن علاقته بالأرض أو بالقرية التي تحدّر منها إلاّ مرّة واحدة فقط، و اميل حبيبي، في: "الوقائع"، لا يشير إلى الصلة بين فلاّحي فلسطين وأرضهم إلاّ من خلال جملة واحدة تبدو طارئة في الرّواية، هي التي يعلّل فلاّحو قرية "الطوق" فيها عملهم في أراضي "الكيبوتس" المجاور لقريتهم. وتخلو رواية "الصبّار" من ذلك تماماً على الرغم من وجود شخصية فلاّحية فيها، "أبو شحادة"، تمتلك ما يؤهلها للتعبير عن تلك الصلة، ولا سيما أنها لم تهجر العمل في الأرض بعد الاحتلال، في الوقت الذي اندفع فيه الكثير من أبناء مجتمعها إلى العمل في قطاعات الخدمات في دولة الاحتلال. أمّا سميح القاسم، في روايته: "إلى الجحيم أيّها الليلك"، فإنه هو الآخر لم يلتفت إلى ذلك إلا على نحو عرضيّ، وفي موقعين فحسب: الأول عندما أشار إلى دور السماسرة في انتقال ملكية الأرض من أيدي الفلاّحين الفلسطينيين إلى المستوطنين الصهاينة، والثاني عندما صوّر تدفّق أفواج الفلاّحين النازحين من قراهم على بلدة "الرامة" التي يتحرك فيها معظم أحداث الرّواية.‏

هوامش وإحالات:‏

(1) عبد الله، محمّد حسن. "الرّيف في الرّواية العربية". ص (264).‏

(2) دكروب، محمّد، "الأدب الجديد والثّورة" ص(23).‏

"الإقطاعي":‏

لم تنلِ الطبقة الإقطاعيّة الفلسطينية قدراً كافياً من الاهتمام في الدراسات التي عنيت بالمجتمع الفلسطيني، ومسوّغ ذلك حفاوة تلك الدراسات بتمجيد نضال الشعب الفلسطيني وإغفال قطاعاته التي مكّنت المنظمات الصهيونية من ابتلاع أرضه.‏

بَرَز الإقطاع الفلسطيني إلى الوجود و التمايز عن غيره من باقي فئات المجتمع الأخرى وفعالياته الاقتصادية مع بداية السنوات المئة الأخيرة للاحتلال العثماني، فقد مكّنت القوانين المتتابعة والمتناقضة التي كانت الدّولة العثمانية تصدرها بقصد تنظيم الملكيّات الزراعية كبار الملاّك الفلسطينيين، وغيرهم من الملاّك في الأقطار العربية المجاورة لفلسطين، سورية ولبنان خاصة، من تملّك مساحات واسعة من الأرض الفلسطينية. وتشير إحصاءات المرحلة الممتدّة ما بين الربّع الأخير للقرن التّاسع عشر والرّبع الأول من القرن العشرين إلى أنّ الأسر الإقطاعية الفلسطينية تمكّنت من حيازة "قرى بكاملها، فأسرة عبد الهادي كانت تمتلك 17 قرية، وأسرة الجيّوسي 24 قرية، وأسرة البرغوثي 39 قرية"(1)، وإلى أنّ الأسر الإقطاعية العربية، غير الفلسطينية، تملّكت مساحات واسعة تفوق ما تملكته الأسر الإقطاعية الفلسطينية(2)، فعلى سبيل المثال، كانت أسرة "سرسق" اللبنانية تمتلك وحدها "أراضي سهل مرج ابن عامر التي تبلغ مساحتها 400 ألف دونم"(3).‏

والإقطاعان معاً، الفلسطيني وغير الفلسطيني، وعلى اختلاف ملكيّات كل منهما، لم يكونا يوفران ما يمكّنهما من إضافة مساحات جديدة إلى ما كان يقع تحت قبضتيهما من أراضٍ، كما لو يوفّرا أيّ جهد في امتصاص عَرَق الفلاّحين الفلسطينيين، وفي شراء الأراضي من أصحاب الملكيات الصّغيرة بغية تحويل الجميع إلى أجراء لديهما.‏

وقد عانى الفلاّحون، نتيجة لأطماعهما وممارساتهما الطبقية الجائرة، الكثير من حالات الفقر والعوز، ووصلت معاناتهم حدّها الأقصى عندما بدأ الإقطاعان معاً أيضاً باللهاث وراء المال الصهيوني، حيث وجد أولئك الفلاحون أنفسهم بمنأى عن الوسيلة الوحيدة، الأرض، التي كانت توفّر لهم أدنى حدود الكفاف.‏

ولئن كانت الدّراسات المعنية بالبنية السكّانية- الاقتصادية لفلسطين في المرحلة التي سبقت النكبة أهملت الحديث عن الإقطاع الفلسطيني أو عرضت لـه بشكل طارئ، فإنّ الرّواية الفلسطينية أولته الكثير من اهتمامها، وإلى الحدّ الذي يمكن القول معه إنّها تكاد تشكّل وثائق شاملة عنه، وربّما دقيقة تاريخياً أيضاً.‏

وتعدّ روايتا: "أيّام الحبّ والموت" لرشاد أبو شاور و "الباشا" لأفنان القاسم أكثر النتاج الرّوائي الفلسطيني تفكيكاً للطبقة الإقطاعية الفلسطينية، وتعرية للدّور الخياني الذي كانت تضّطلع به تلك الطبقة تجاه الزّحف الصهيوني المدمّر، ولتواطئها أيضاً مع سلطات الانتداب البريطاني التي مكّنت الأخير من ابتلاع أرض فلسطين.‏

فالإقطاعي "داهم"، زعيم قبيلة العواونة، في رواية "أيام الحبّ والموت"، لم يكن يكتفي بابتلاعه أراضي قرى بكاملها، بل كان يعمد إلى الاستيلاء على المزيد منها، وإلى جزّ أعناق الفلاّحين الذين كانوا يحاولون التمرّد على سيطرته، ويدفع رجاله "الغلاظ" إلى ملاحقة الفارّين منهم والتنكيل بهم. وعندما يلقى حتفه على يدي الفلاّح محمّد أبو عمران تعقد قبيلته لواء الزعامة لابنه "هاجم"، الذي كان أكثر دهاء وقسوة من أبيه، وأكثر طمعاً أيضاً في حيازة أراضٍ جديدة، والذي قادته خيانته، الموروثة أيضاً، إلى بيع تلك الأراضي للمستوطنين الصهاينة تحت حماية أصدقائه البريطانيين ومعونتهم، ثمّ إلى فراره، فيما بعد، من القرية عند مواجهة فلاّحيها لهؤلاء المستوطنين على الرّغم من أنّه كان المشرف على فصيلها المقاتل بتكليف من جيش الإنقاذ!!‏

ولعلّ أبرز ما يميّز تلك الرواية في هذا المجال مماهاة الروائي بين الخطرين اللذين كانا يهدّدان الفلسطيني آنذاك: الخطر البريطاني- الصهيوني من جهة والخطر الإقطاعي من جهة ثانية، وتأكيده أنّ "العدو القومي والعدو الطبقي هما في خندق واحد وهما وجهان لعملة واحدة"(4)، ثمّ محاولته تبرئة دمه الفلسطيني من ذلك الإقطاع الذي كان يبيع أرض فلسطين للغرباء(5)، وذلك من خلال حديثه عن أصل قبيلة العواونة، الذي اختلفت روايات الفلاّحين حولـه: "فبعضهم يقول إنّ العواونة وفدوا من بلاد الحجاز، والبعض يقول إنّهم هبطوا من مصر".‏

وتقدّم رواية "الباشا" شخصيتين تمثّلان الإقطاع الفلسطيني في السنوات التي سبقت الإعلان عن قرار تقسيم فلسطين: الباشا الذي يحوز منصب رأس السلطة الاجتماعية والاقتصادية في البلد، والبيك الهاشمي اللاهث وراء ذلك المنصب. وإذا كان ثمّة ما يسوّغ لتلك الرواية العيوب الفنيّة التي تغصّ بها، فإنَّ ذلك يتجلّى من خلال تصويرها الدقيق، والمفصّل أيضاً، للإقطاع الفلسطيني وللتناحر الذي كان ناشباً بين زعاماته في المرحلة التي سبقت النكبة.‏

لقد كان الباشا صديقاً مقرّباً للمستر "كلارك"، ممثل حكومة الانتداب البريطاني في مجتمع الرّواية، يستولي على أراضي الفلاّحين بالدّهاء والخديعة حيناً، وبالقروض ذوات الفوائد الباهظة حيناً آخر. ويملك، فوق ذلك كلّه، مصنعاً كبيراً يستغلّ جهود العاملين فيه. يدّعي حرصه على البلد وسكّانه في العلن، ويبيع الأراضي للمستوطنين الصهاينة في السرّ. أمّا البيك الهاشمي، فلم يكن هو الآخر يرعوي عن ارتكاب أكثر الأساليب خسّة من أجل تحقيق مكاسب خاصة، تتناقض تماماً مع مصلحة الوطن، بل تؤدّي به إلى الضياع والدّمار. فهو الصديق الشخصي للخواجة الصهيوني المحموم لشراء أراضي الفلاّحين في البلد، ويده الطولى لتحقيق ذلك في كثير من الأحيان.. يدفع رجاله إلى قتل أحد الفلاحين ليلصق التهمة بعدوّه الباشا الذي ينافسه على منصب الباشاوية، ويحشو رؤوس الفلاحين بكلام خادع عن تاريخ أسرته النضالي، ويعدهم بالتصدّي للمستوطنين الصهاينة ولأعوانهم البريطانيين، لكنّه يفرّ بأمواله التي جمعها من بيع الأراضي للخواجة عندما تبدأ المواجهة المسلّحة بينهم وبين أعدائهم.‏

أمّا الصّورة التي يرسمها الروائي للباشا الصغير، سامي، الذي ورث هذا المنصب عن أبيه الباشا الإقطاعي بعد مقتله، فإنها لا تقنع القارئ كثيراً، وربّما لا تقنعه قطّ، فمن غير المعقول أن يتحوّل سامي، فجأة ودونما مقدّمات، من اللهاث المستعر وراء غرائزه الجنسية، الثعبانية تماماً، ومن إدمانه الخمر والحشيش، وانقطاعه عن الأحداث التي كانت تعصف بمجتمعه إلى شخصية كفاحية تتصدّى للخواجة الصهيوني، وتلتصق بقضايا الفلاّحين وتعيد إليهم ما سلبه الباشا الكبير. إن الروائي لا يقدّر، كما يبدو، أنّ تطورّ الحدث في العمل الروائيّ يتبع طبيعة الشخصيات التي تجسّده(6)، ومن اللافت للنظر تصدّي أحد دارسي الرّواية للدفاع عن تلك الطبقة الإقطاعية، آخذاً على القاسم تصويره "الإقطاع الفلسطيني حليفاً استراتيجياً للاستعمار وللصهيونية في مواجهة.. الفلاّحين"(7)، ومن اللافت للنظر أكثر تبرئته ذلك الإقطاع من امتصاص دماء الفلاّحين، وانتهاؤه إلى أنّ التناقض بين الإقطاع الفلسطيني والحركة الصهيونية كان "أقوى وأوضح وأكثر حسماً من التناقض القائم بينه وبين الطبقة الفلاّحية"(8)!!‏

وباستثناء رواية "الصبّار"، فإنّ نتاج الأرض المحتلّة لم يلتفت كثيراً إلى الإقطاع الفلسطيني، ومسوّغ ذلك، في تقديري، توجّهه إلى المرحلة التي تلت قيام دولة الاحتلال، والتي فقدت فيها تلك الطبقة المكانة المميزة لها قبلها. ورواية "الصبّار" نفسها لا تعنى بذلك كثيراً، فهي تكتفي بالإشارة إلى أنّ أسرة الكرمي ذات أصول إقطاعية فقدت انتماءها إلى هذه الطبقة(9) مع دخول الاحتلال الصهيوني إلى أرض الضفّة الغربية في حزيران 1967، وأنّها كانت تمتصّ جهود الفلاّحين الذين كانوا يعملون في مزرعتها قبل الاحتلال كما يعبّر الفلاّح أبو شحادة عن ذلك. وعلى الرّغم من أنّ الروائية أدانت غرق تلك الطبقة في أوهامها الماضوية، كما يمثّلها رأس أسرة الكرمي الذي كان يدعو الصحفيين إلى منزله دائماً ويمطرهم بما تجود به أوهامه تلك عن الاحتلال ومواجهته، فإنّ زعمها أنّ المقاومة تلد من رحم الإقطاع تقلب حقائق النضال الوطني الفلسطيني على رأسها، بل إنّها تتجاهل الدّور الحقيقي لباقي فئات المجتمع الفلسطيني، التي تنتمي إلى قاع الهرم الطبقي على نحو خاص، في ذلك النضّال.‏

هوامش وإحالات:‏

(1)النّحال، محمّد سلامة. "سياسة الانتداب البريطاني..". ص(41).‏

(2)انظر: صايغ، روز ماري، "الفلاّحون الفلسطينيون". ص(38).‏

(3)النّحال، محمّد سلامة. "سياسة الانتداب البريطاني". ص(41).‏

(4)أبو مطر، أحمد. "الرّواية في الأدب الفلسطيني". ص(210).‏

(5)انظر: عبد الله، محمّد حسن. "الرّيف في الرّواية العربية". ص(263).‏

(6)انظر: لوكاش، جورج. "دراسات في الواقعية". ص(43).‏

(7)أبو مطر، أحمد. "الرّواية في الأدب الفلسطيني". ص (280).‏

(8)المرجع السابق، الصفحة نفسها.‏

(9)من اللاّفت للنظر أنّ محمّد حسن عبد الله يرى، في معرض دراسته لهذه الرواية، أنّ أسرة الكرمي تمثّل بقية البرجوازية الفلسطينية‍! انظر كتابه: "الرّيف في الرّواية العربية". ص(285).‏

"المختار":‏

يتميز المجتمع العربي من سواه من المجتمعات الأخرى بوجود قوى تواضع الناس على مكانتها، ومنحوها بأنفسهم صلاحية صناعة القرار فيما يخصّ مشكلاتهم ويحفظ لهم أعرافهم وتقاليدهم. وقد كوّن المخاتير ورجال الدّين قمة الهرم داخل تلك القوى، وبرزت الفئة الأولى من أولئك بوصفها قوّة فاعلة في المجتمعات القروية خاصة.‏

وقد حظيت شخصية "المختار" بمكانة بارزة فيما يمكن الاصطلاح عليه بـ "رواية الرّيف العربي"، وبدت في الأغلب الأعمّ منها قوّة كابحة ومعوّقة لتلك المجتمعات لانشغالها الدّائم بخاصّها عن العام من جهة، ولتعاونها وتواطئها مع القوى الماصّة لجهود الفلاّحين والمحمومة لابتلاع أراضيهم من جهة ثانية.‏

ومن أبرز السمات المميزة لتلك الرواية عامة، وفي هذا المجال خاصة، إدانتها لتلك الشخصية، وتعريتها لدورها المثبّط لنموّ المجتمع الرّيفي وتقدّمه، ولتطوّر علاقات الإنتاج فيه، ولتمكينها المستعمر من إحكام قبضته على بلادها، ومن نهب أراضي الفلاّحين ومصادرتها، ومن ملاحقة الثوّار أحياناً.‏

وبتتبّع تجليات تلك الشخصية في النتاج الروائي الفلسطيني يخلص المرء إلى ثلاثة نماذج لها: أوّل يتناول صورتها في مرحلة الانتداب البريطاني والسنوات القليلة التي سبقت الإعلان عن تقسيم فلسطين، وثان يُعنى بها كما تجلّت في مرحلة ما بعد قيام "الدّولة"، أمّا الثالث فيحيل إلى صورتها في مخيّمات الشتات، كما يخلص إلى أنّ النموذج الأول هو الأكثر حضوراً من سواه بسبب توجّه معظم ذلك النتاج إلى المرحلة السابقة لقرار التقسيم.‏

تنتمي رواية غسان كنفاني: "أمّ سعد" إلى النموذج الثالث، وهي الوحيدة من مجمل نتاجه الرّوائي التي قاربت شخصية المختار، ولعلّها الوحيدة أيضاً من مجمل النّتاج الرّوائي الفلسطيني على مستويين بآن: مستوى الفضاء الجغرافي/ الاجتماعي الذي عالجت تلك الشخصية من خلاله وفيه، أي مخيّمات الشتات، ومستوى الدّور القمعي الوسيط الذي صوّرته. فبدلاً من أن يدافع المختار، في الرواية، عن شباب المخيم، السجناء بسبب رغبتهم في الانضمام إلى صفوف المقاومة، يطلب إليهم التوقيع "على ورقة يتعهّدون فيها أن يكونوا أوادم"، لكي يتوسّط لدى السلطات للإفراج عنهم.‏

وعلى الرغم من أنّ رواية رشاد أبو شاور: "العشّاق" انفردت بتصوير شخصية المختار في مجتمع الضفّة الغربية التي ضمّتها حكومة الأردن إلى سلطاتها الإدارية بعد النكبة، فإنّ الصورة التي قدّمتها لها لا تفارق صورة المختار في رواية كنفاني المشار إليها آنفاً، كما لا تفارق الصورة المستقرّة عن تلك الشخصية في المجتمعات العربية وفي النتاج الروائي العربي عامة. فالمختار "الصّديق الحميم للشرطة والمخابرات"، كان "كلّ الناس أعداءه، وَشَى بالكثيرين. شَهِد زوراً، فرّق أزواجاً عن زوجاتهم"، ولم يكن يقدّر مشاعر الناس، أو يحترم المضطهدين منهم في السجون.‏

وتابعت رواية أفنان القاسم: "الباشا" ما دأب عليه النتاج الروائي الفلسطيني في هذا المجال، إذ عرّت دور تلك الشخصية في تمكين الإقطاع الفلسطيني من إحكام قبضته على الفلاّحين، ثمّ ذوبانها وموت كرامتها لديه، وتحوّلها إلى بوق دعاوة له. فالمختار يسقط على يد سيّده الباشا، ويقبّلها، ويدعو لـه بطول العمر، ويحذّر الناس من متابعة إضرابهم الذي قاموا به احتجاجاً على إعدام الشهيدين أبي سنّة وعبد اللطيف، بدعوى أنّ هذا العمل سياسة، و "نحن أناس لا دخل لنا بالسياسة، للسياسة رجالها، وقد وعد الباشا أن يقوم بالواجب على أتمّ وجه".‏

والسمة نفسها تجلّت في رواية فيصل حوراني: "بير الشّوم" التي تابعت تعرية تلك الشخصية، وأدانت تخاذلها تجاه الأحداث التي كانت تعصف بوطنها، وفضحت أساليبها في تملّك الأراضي، وتواطآتها مع المستوطنين الصهاينة ومنظماتهم الإرهابية. فوليد أبو حامد، المختار في الرواية، سطا على الكثير من أراضي القرية عندما "أشرف بنفسه على إنهاء شيوع الأرض"، واستخدم دهاءه حتّى آلت أرض الفلاّح أبي جواد إليه. وعندما اشتعلت ثورة 1936، تصرّف بحكمة الخائن الذي يفعل في السرّ ما يقول نقيضه في العلن. ومع أنّ أنباء تهجير السكان العرب من قراهم في الشمال الفلسطيني، والفظائع الوحشية التي ارتكبها الصهاينة بعد التقسيم "قد هزّت قناعاته بعض الشيء، إلا أنّه كان يتمسّك بأمل السلامة"، مؤثراً مصالحه الخاصّة على مصلحة بلاده، ومعلّلاً نفسه بما قاله لـه مختار المستوطنة الصهيونية المجاورة لقريته: "إذا قعدتوا بحالكوا، بنهاجمكوش"، ومهدّداً الشيخ حسن بسحب الإمامة في مسجد القرية منه وباسترجاع الحقل الذي منحه له، إذا بقي مصرّاً على المشاركة في الثورة الفلسطينية التي كانت تشغل البلاد من أقصاها إلى أقصاها إبّان قرار التقسيم، وإذا ظلّ الشيخ متمسّكاً بتلبية "مفزّع" قرية "بيت دارس" التي طلبت النجدة لمواجهة عصابة "الهاجاناه" الصّهيونية التي كانت قد دهمتها منذ الفجر. وعندما أرسل ابنته الشابّة "زكية" لإخبار الرجال الذين هبّوا لنجدة "بيت دارس" أنّ الجنود البريطانيين يترّبصون بهم في طريق العودة، فإنه لم يفعل ذلك بدافع الوطني الغيور على مصير أبناء قريته، بل لأنّ البريطانيين لو أمسكوا بأولئك الرجال "بننفضح في البلاد.. وكلّ الناس بتقول مسكّهم وليد أبو حامد" كما قال لزوجته، محوّلاً ذلك، في الوقت نفسه، لمصلحته: "إذ إنَّ الفلاّحين سيعدّون ذهابها تضحية منه، ويحسبونها له". ومع أنّ قيادة الجهاد، في القدس، كانت قد كلّفته برئاسة اللجنة القومية في القرية!! إلاّ أنّه كان يطمع بقيادة فصيل المجاهدين أيضاً، وبسرقتها من المناضل الحقيقي أبي جهاد، مستعملاً لتحقيق ذلك كافّة الوسائل التي كانت تثير شهية بعض ممثلي القيادة. والرواية لم تصوّر موقف تلك الشخصية من قضية فلسطين بمعزل عن مواقف مخاتير القرى الفلسطينية الأخرى آنذاك، بل أكّدت أن أولئك جميعاً كانوا على شاكلته، يؤثرون سلامتهم الخاصّة على سلامة الوطن، وإذا كانوا قد أذعنوا، مثله في نهاية الأمر، لمواجهة المستوطنين الصهاينة، فإنّهم لم يفعلوا ذلك محبّة بالأرض أو خوفاً عليها من الضياع، بل "أمام تمسّك الفلاّحين بضرورة الجهاد واستجابتهم لداعي الدفاع" عن الأرض المهدّدة بابتلاع الصهاينة لها.‏

وعنيت رواية علي حسين خلف: "عصافير الشّمال" بشخصية المختار في المرحلة التي تلت قيام "الدّولة"، ولا سيّما في عقد السبعينيات الذي شهد محاولات مسعورة جديدة من سلطات الاحتلال لمصادرة ما تبقّى من أرض فلسطين. وكان من أبرز سماتها في هذا المجال عدّها تلك الشخصية، عاشور عبد الهادي مختار "عباد شمس" قبل النكبة ورئيس مجلسها المحلّي بعدها، في طليعة الجاحدين بالأرض والمتعاونين مع الاحتلال الأجنبي لأرض فلسطين بمرحلتيه: البريطاني والصهيوني. ففي المرحلة الأولى، كان عاشور يستفيد من مجمل القرارات التي أصدرتها حكومة الانتداب بشأن الأرض، فضمّ بموجبها مساحات جديدة إلى ملكيته، واستولى على أراضي الفلاّحين المعوزين بمبالغ زهيدة. وفي المرحلة الثانية كان صاحب الصّهاينة بتعبير الحلاّق طارق أبو وردة، يمالئ ضابطهم "كاتسمان" ضدّ أهل قريته، ويراكم نقوده في حيفا استعداداً للهرب من "عبّاد شمس" بعد أن أتت المستوطنة الصهيونية على معظم أراضيها.‏

أمّا رواية الأرض المحتلّة، فإنها لم تلتفت كثيراً إلى تلك الشخصية، ومسوّغ ذلك توجّه الكثير منها إلى المرحلة التي تلت الإعلان عن قيام "الدّولة" التي قضت سلطاتها على الأشكال التقليدية التي كانت قائمة في البنية الاجتماعية الفلسطينية، وأحلّت محلّها أشكالاً جديدة فقد المخاتير بقيامها مكانتهم.‏

"رجل الدِّين"(1):‏

شغل رجل الدّين، وما يزال، مكانة بارزة في المجتمع العربي، وقد استمدّ مكانته من الحضور الطاغي للعاطفة الدينية في الأغلب الأعم من الوعي الجمعيّ العربي، وبسبب ذلك، مارس دوراً لافتاً للنظر في تحديد شكل مؤسسات الدّولة وعملها، وفي توجيه سياساتها في كثير من مراحل التاريخ العربي الحديث، وغالباً ما كان ذلك الدّور يترجّح بين مستويين: الأول نصّي لا يتجاوز الأصول الرّئيسة لمصادر التشريع في الديانة الإسلامية ولتعاليم الكنيسة الأولى في الدّيانة المسيحية، ويعلّل مصائب الإنسان والاضطهاد الطبقي الواقع عليه بلعنات السماء لانصرافه عن الدين وانهماكه في حياة فانية زائلة. والثاني تنويري يتّصل بروح العصر الذي ينتمي إليه، ويتفاعل مع تحوّلاته.‏

وعلى حين كان الأول معوّقاً لحركة الواقع العربي، أسهم الثاني في تطوّر تلك الحركة وفي دفعها إلى الأمام دائماً، كما حدث في عصر التنوير، أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، الذي أدّى رجال الدين فيه دوراً مميزاً في يقظة العرب القوميّة والحضارية.‏

ولعلّ من أكثر ما يثير انتباه المتتبّع للتجربة الروائية العربية ذلك التعارض بين صورة تلك الشخصية في الأغلب الأعمّ من النتاج الروائي العربي ومثيلتها في الرواية الفلسطينية بشكليها: رواية الشتات، ورواية الأرض المحتلة. فعلى حين اكتفى الأول، بل معظمه على نحو أدقّ، بالصورة الشائهة لرجل الدين، أي ما ينتمي إلى المستوى الأول(2)، تحرّر معظم المنجز الروائي الفلسطيني من ذلك، وقدّم نماذج مضيئة ممّا ينتمي إلى الثاني، أي الذي يتجلّى رجل الدين فيه بوصفه قوّة محرّكة للواقع، وتنويرية، وذات صلة وشيجة بمشكلات مجتمعها وقضاياه.‏

فباستثناء رواية علي حسين خلف: "عصافير الشّمال" حفلت الرّواية الفلسطينيّة بأكثر من نموذج يمثّل الصّورة المشرقة لرجل الدّين، التي تجسّد انتماءه إلى عصره ومشاركته الإيجابية في تحوّلات مجتمعه، ولا سيّما تلك التي تُعيد إليه اعتباره الوطني بعد أن أصرّ معظم النتاج الرّوائي على تصوير عزلته عن أحداث وطنه، وخيانته لـه في كثير من الأحيان. ففي رواية أمين شنّار: "الكابوس" يحرّض إمام القرية الفلاّحين على مواجهة المستوطنين الصّهاينة الطامعين في أراضيهم: "ولقد طال استعبادهم إيّاكم، وآن الأوان لترفعوا رؤوسكم. هم يريدوننا أن نكتفي بالهمس في زوايا أكواخنا الحقيرة. لكنّنا لن نستسلم بعد اليوم. هذه الأرض لنا، وهم غرباء".‏

وفي رواية رشاد أبو شاور: "العشّاق" لم يكن الأب "إلياس" أقلّ من الفلاّحين شغفاً بالأرض، فقد كان يتشمّم رائحتها في كلّ شيء في حياته، ولطالما كان يردّد اعتزازه بالانتماء إليها: "لو خُيّرت في أن أكون في وطن من الأوطان لاخترت فلسطين"، وإلى حد كان الإيمان لديه معه البوصلة التي تشير إلى الوطن، أو طريق الكفاح الذي يقود إليه" وكأنّ هذا الإيمان في نفسه فعلٌ يتجسّد في الشعب ويتألّه في الوطن"(3).‏

وقدّمت رواية فيصل حوراني: "بير الشّوم" نموذجاً مضيئاً آخر لتلك الشخصية، نموذجاً لا يكتفي بتحريض أبناء مجتمعه على الدفاع عن الأرض، بل يتجاوز ذلك إلى المشاركة في مواجهة أعداء هذه الأرض. فالشّيخ حسن لا تثنيه تهديدات المختار لـه عن إثارة حماس الرّجال في قريته لنجدة بيت دارس التي دهمها المستوطنون الصهاينة، كما لا تثنيه عن القتال إلى جانب هؤلاء الرّجال حتّى إصابته بجرح عميق في كتفه.‏

وانفردت رواية علي حسين خلف: "عصافير الشمال" من النتاج الرّوائي الفلسطيني الصّادر حتى سنة 1982 بتقديم صورة مفارقة لسابقاتها في هذا المجال، ولعلّ أبرز ما ميّز تلك الصورة جمعها بين شخصيتين معاً: إسلامية يمثّلها الشيخ عبد النّور إمام القرية، ومسيحية يمثّلها الأب سمعان خوري الكنيسة، وانتهاؤها إلى أن الشخصيتين كلتيهما، كانتا على قطيعة تامة مع الواقع حولهما، وتقدّمان امتيازاتهما الخاصة على القيم الدينية والوطنية التي كان من المفترض أن يصدرا عنها. فالشّيخ حسن لم يكن لديه "ما يقوله للناس سوى تكرار فرائض الوضوء" وهم يستفسرونه عن البساتين التي سيبتلعها جنود الضّابط الصّهيوني "كاتسمان"، والأب سمعان كان يصرف وقته في تناول الخمرة مع الشّيخ في أحد البساتين، كما أقسم "عبّورة" حارس المقبرة ذات يوم.‏

هوامش وإحالات:‏

(1) على الرغم من أنّ الديانة الإسلامية لا تعرف هذا التعبير كما هو شائع في الديانة المسيحية، فإنني آثرت استخدامه لكفاءته في اختزال القوى الدينية كافة.‏

(2) انظر على سبيل المثال النتاج الرّوائي السّوري: الشيخ نوّاف في رواية "المذنبون" لفارس زرزور، والشيخ جوهر في رواية "ينداح الطوفان" لنبيل سليمان، والشيخ حسين في رواية "الخيول" لأحمد يوسف داوود.‏

(3) زين الدّين، أمل. بالاشتراك. "تطوّر الوعي..".. ص(128).‏

"المقاتل":‏

ما من رواية فلسطينية، ممّا صدر بين عامي 1965 و 1982، لم يكن "المقاتل" جزءاً من مكوّن الشخصيات فيها من جهة، وليس لـه دوره المميّز في حركة السرد، بنسب متفاوتة بين رواية وأخرى، من جهة ثانية، ويمكن القول إنّ ثمة ما يشبه المواضعة بين الأغلب الأعم من نتاج تلك المرحلة فيما يتصل بتلك الشخصية، أي الإلحاح على صورة واحدة، تكاد تكون نمطية، يتجلّى المقاتل عبرها ومن خلالها شخصية مكتملة الوعي، وخالصة من الشوائب الانفعالية، كما لو أنها نموذج منجز على نحو سابق للكتابة أكثر منها شخصية حيّة تعبّر عن الواقع بما فيه من قيم مختلطة.‏

ولعلّ من أبرز السمات المميّزة لنتاج غسان كنفاني الروائي في هذا المجال، ليس تعزيزه لتلك المواضعة، أو الإفصاح عنها فحسب، بل حرص الروائي نفسه على تعبير شخصياته عن أكثر من جيل أيضاً، رغبة منه، كما يبدو، في تأكيد أنّ روح المقاومة لم تكن سمة جيل بعينه، بل سمة الأجيال الفلسطينية جميعاً، بدءاً من المحاولات الصهيونية الأولى لاحتلال فلسطين. ففي رواية "ما تبقّى لكم" ثمّة: سالم الذي لقيَ مصرعه على يد ضابط صهيوني بعد أن وَشَى به الخائن زكريا، وفتحي الذي قضى شهيداً وهو "يحضّر بصمت وكبرياء مهراً يليق بابنة أبي حامد"، مريم، أي مهر فلسطين كما تطمح الرّواية إلى قول ذلك.‏

وثمّة في "أمّ سعد": "فضل" الذي ينتمي إلى جيل المقاومة الفلسطينية قبل النكبة، والذي، في ثورة 1936، "طلع إلى الجبل. كان حافي القدمين، وحمل مرتينته وغاب طويلاً"، و "سعد" الذي ينتمي إلى الجيل الذي بدأ مع انطلاقة الكفاح المسلّح سنة 1965 وما بعدها بقليل، والذي كان يقف في ساحة المعركة "ثابت الساقين.. كأنّه شجرة، كأنّه صخرة"، و "سعيد" الذي ينتمي إلى جيل المقاومة الذي ولدته الهزيمة الحزيرانية، الجيل الذي كان قيد التكوّن استعداداً لمعركة التحرير القادمة.‏

وتنتمي الشخصيتان المقاومتان في "عائد إلى حيفا" إلى الجيلين نفسيهما اللذين قدّمتهما رواية "أمّ سعد": "بدر اللبدة" الذي "كان.. أوّل من حمل السلاح في منطقة العجمي.. عام 1947" في مدينته يافا، والذي جِيء به إلى داره بعد سنة من ذلك التاريخ "محمولاً على أكتاف رفاقه، كان مسدّسه ما زال في وسطه، أمّا بندقيته فقد تمزّقت مع جسده بقذيفة"، و "خالد" الذي ولدته هزيمة 1967، فحمل السلاح بحثاً عن فلسطين المستقبل الذي ستنهض لا بدّ من رمادها، والذي يمكن عدّه رمزاً لأمل فلسطينيي النكبة بعودة كريمة، ممهورة بالدّم، إلى الأرض.‏

وعلى الرغم من أنّ المتتبّع لنتاج جبرا إبراهيم جبرا الرّوائي لا يعثر على غير شخصيتين كفاحيتين في مجمل ذلك النتاج: فايز عطا الله في "السّفينة"، ومروان في "البحث عن وليد مسعود"، فإنّ هاتين الشخصيتين تتميزان من سواها في مجمل النتاج الروائي بتعبيرها عن طبقة اجتماعية محدّدة. ففايز عطا الله، كالأغلب الأعم من شخصيات جبرا الروائية، ينتمي إلى "الأنتلجنسيا" الفلسطينية، إذ ما إن يتعرّف المرء إليه حتّى يكتشف فيه شخصية مثقّفة، لكنّها الشخصية التي تجسّد انتماءها إلى الثقافة انتماء حقيقياً. فقد شارك، منذ يفاعته وهو طالب، في مظاهرات الاحتجاج على حكومة الانتداب البريطانية لسماحها باستمرار الهجرات الصهيونية، ودفع بحياته، قبل يوم واحد من قيام "الدّولة"، قرباناً لعدالة القضية التي آمن بها، وكانت عيناه "تحدّقان في أسوار القدس كحجريْن متلألئين".‏

ويمثّل مروان في "البحث عن وليد مسعود"، نموذجاً للجيل الشابّ في صفوف المقاومة الفلسطينية العاملة داخل الأرض المحتلّة، كما يمثّل تعبيراً عن الصّوت الخفيّ الضّارع في شخصية أبيه وليد مسعود إلى الالتصاق بأرض فلسطين البعيد عنها، وعن إيمانه بأنّ المقاومة المسلّحة هي الطريقة الوحيدة من أجل العودة إلى هذه الأرض. لقد كان مروان فلسطينياً "حتّى جذور شعره"، يعبّر عن حبّه للأرض في كلّ ما يصدر عنه من أقوال وأفعال، وفي أقسى لحظات مواجهته للموت: "الليل الفلسطيني ساكن، فيه قرصة برد طيّب، وراء الزيتون أرى النّوار مكوّماً على أشجار التّفاح وهو يلتمع فضيَّاً أخضر بضوء القمر. رائحة التراب الندي أتلذذ بها، والسماء الصافية لا يخفي القمر المتناقص كلّ نجومها. أسندت رأسي على سلاحي بطمأنينة.. جاءتنا إشارة بالاقتحام.. اشتعل الليل دفعة واحدة.. وفجأة انبهرت عيناي، وأطبق صوت يزن أطناناً على رأسي.. يصيح: مروان أصيب.. وامتلأ الفضاء العريض بوجه واحد هائل. وصحت: أبي.. أبي.... ولم يسمعني أحد".‏

وعلى الرّغم من أهمية الشخصيات الكفاحية الفلسطينية التي قدّمتها روايتا رشاد أبو شاور: "أيّام الحب والموت"، ورواية سحر خليفة: "الصبّار"، فإن ما ميز تلك الروايات من سواها من النتاج الروائي الفلسطيني، الصادر ما بين انطلاقة الكفاح المسلّح والاجتياح الإسرائيلي للبنان، تقديمها لشخصيات مقاومة من العرب، غير الفلسطينيين، التي شاركت في مقاومة الاحتلال الصهيوني: الشاويش المصري حسن والجندي السوداني مجيد في رواية "أيام الحبّ والموت"، والفدائي السّوري أبو نضال في رواية "الصبّار"، وعلى نحو دالّ على العمق القومي للقضية من جهة، وعلى المستوى الشعبي لذلك العمق من جهة ثانية.‏

لقد اختار المقاتلان العربيان، في رواية أبو شاور، البقاء في القرية، ورفضا الانسحاب مع وحدتهما العسكرية العاملة ضمن جيش الإنقاذ الذي دخل فلسطين عشية قرار التقسيم. أمّا الفدائي السّوري، في "الصبّار"، فقد انضمّ إلى صفوف المقاومة الفلسطينية بعد انطلاقة الكفاح المسلّح، وشارك في عملياتها القتالية خلال عدوان حزيران 1967، إلى أن اعتقلته سلطات الاحتلال الصهيوني.‏

وعني فيصل حوراني، في روايته "بير الشّوم"، بشخصية المقاتل أبي جهاد عناية خاصة ومميّزة من مجمل الشخصيات الكفاحية الأخرى التي قدّمها في تلك الرواية، والتي نهضت بأحداث المواجهة ضدّ المستوطنين الصهاينة ومنظماتهم الإرهابية في المجتمع الذي تتحرّك فيه تلك الأحداث والشخصيات. وعلى الرّغم من أنّه سمى نضال تلك الشخصية عملاً سياسياً، فإنّ المكانة التي منحها لها جعلها تتجاوز ذلك لتجسّد تماماً شخصيّة المقاتل الحقيقي الذي لا يفرّق بين النظرية والممارسة. فعلى المستوى الاجتماعي كان أبو جهاد مثار إعجاب الناس وتقديرهم، منَحه أهل قريته الخيّام "احتراماً يستحقّه عن جدارة.. عنده تنتهي مشاكل أهل الخيّام وإليه يأتي المتنازعون من سكّان القرى المجاورة"، وعلى المستوى النّضالي شارك في ثورة 1936 منذ بدايتها، ثمّ تولّى قيادة الفصيل المقاتل في قريته، ومع أنّ قيادة الجهاد في القدس، سنة 1947، عيّنت المختار قائداً للفصيل بدلاً منه، إلاّ أنّ إيمانه بأرضه وبقضية وطنه ظلّ مقيماً في وعيه، وهو ما دفعه إلى الاستمرار في المقاومة من غير أن يلقي بالاً للمكانة التي كان يحب أن يشغلها في صفوفها.‏

وقدّم أميل حبيبي في روايته: "الوقائع.." أكثر من شخصية مقاتلة لكنّه عني بشخصية "ولاء" خاصة، ذلك الشابّ الحيّي الضئيل الذي كان القطّ يأكل عشاءه كما كان أبوه المتشائل يصفه، والذي "أصبح فدائياً وأعلن العصيان المسلّح على الدّولة".‏

وولاء، في الرّواية، لا يمثّل امتداداً فيزيولوجياً لأبيه، بل شكلاً من أشكال التكفير عن خيانة المتشائل للأرض، أو هو صوته النازع، بين وقت وآخر، إلى الخلاص من إثم العمالة للمحتلّ. فقد آمن بأنّ السّلاح وحده هو مطهر الفلسطيني من عار السكون والاستسلام للواقع، وهو طريقه إلى الحرية التي ستتحقّق يوماً ما دام الجيل الفلسطيني يثق بأنّ الزمن لم يعد كفيلاً بحلّ المشكلات جميعاً، كما كان بعض الأسلاف يقولون، بل البندقية التي أورثها أولئك لهم بعد أن أنجبوا شباباً ما استطاع الصهاينة "إخراجهم من أرض إلاّ إلى زنزانة، وما هدموا عليها بيتاً إلاّ بعدما هدموا عليهم أسطورة".‏

وثمّة في رواية سميح القاسم: "إلى الجحيم أيّها اللَّيْلك" شخصيتان: سمير الذي ترك دراسة الاقتصاد السياسي في جامعة موسكو ليلتحق بصفوف المقاومة، وحسن الذي يمثّل نهوض الفلسطيني، بل نهوض الكفاح المسلّح بعد فترة "كساح" هيمنت على الذات الفلسطينية لفترة طويلة نسبياً من الزّمن بعد النكبة. وإذا كان الروائي أشار إلى الأولى عَرَضاً، ومنح الثانية مساحة واسعة من السرد، فلأنّها تنهض بالمقولة الرئيسة التي تطمح الرواية إلى تأكيدها وتعزيزها لدى القارئ الذي تتوجّه إليه. مقولة أنّ الكفاح المسلّح هو الدّواء الوحيد الناجع لشفاء الفلسطيني من لعنة الغربة التي تبدّد حياته بعيداً عن الأرض، وهو تلك الشمس الهائلة التي "تكتسح فضاء هائلاً مكتظّاً بالظّلام".‏

لقد كان أهل "الرّامة"، التي لجأ إليها حسن مع المئات من النازحين سنة 1948، يعتقدون بأنّه مُقْعَد ومجنون، ولذلك كان أطفال البلدة الأشقياء يعابثونه، غير أنّ "حسن" يثبت لهؤلاء، بعد خمسة عشر عاماً من النكبة، أنّ الكساح كان "في عقولنا وقلوبنا"، وأنّ موته الذي توهموه، بل موت الفلسطيني عامّة، كان مؤقتاً ليُبعث من جديد، مع انطلاقة الكفاح المسلّح، مزيّناً بالبندقية، شارةِ الطّريق إلى الحياة.‏

 

يتبـــــع

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244