|
||||||
| Updated: Tuesday, June 15, 2004 03:54 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
"المثقّف": لم تكن قوافل الشهداء من المثقفين الفلسطينيين الذين قضوا دفاعاً عن وطنهم، أمثال: عبد الرّحيم محمود وغسّان كنفاني وكمال ناصر وماجد أبو شرار، تعبيراً عن عمق الاتصال بين النظرية والممارسة لدى الأغلب الأعمّ من المثقفّين الفلسطينيين فحسب، بل تعبيراً أيضاً عن دور المثقّف الفلسطيني في معركة تحرير الأرض من الاحتلال، ومن ممارساته القمعية المحمومة والمستمرة لإبادة الشعب الفلسطيني، ولاقتلاع جذوره من أرض وطنه، ولطمس تاريخه على هذه الأرض. وقد شغلت شخصية المثقّف الفلسطيني مكانة مميزة في معظم الأعمال الرّوائية الفلسطينية، واستمدّت مكانتها تلك من الواقع الفلسطيني نفسه، الذي برزت فيه هذه الشخصية بوصفها نموذجاً للوعي المبكّر بالمخاطر التي كانت تهدّد الأرض الفلسطينية بالضياع، وللإيمان بالمقاومة وحدها جسراً إلى التحرير، وإلى استعادة الهوية العربية التي ميّزت تلك الأرض منذ أقدم حقب التاريخ الإنساني، وقبل ذلك كلّه بوصفها نموذجاً للمثقّف العضوي المندغم بمشكلات وطنه، والمعبّر عن آلام شعبه وآماله بصدق، والمستعدّ لفدائهما معاً، الوطن والشعب، بدمه وروحه. وعلى الرغم من ترجّح تجلّيات هذه الشخصية في الأغلب الأعم من تلك الأعمال بين نموذجين رئيسين: مثقّف الأرض المحتلّة، قبل النكبة أو بعدها، ومثقّف الشّتات، فإنّ هذا الترجح نفسه ليس مطلق الدّقة دائماً، ولا سيّما في روايات جبرا إبراهيم جبرا، التي يتداخل فيها النموذجان معاً. وكما يمكن التمييز بين نموذجين لتجليّات تلك الشخصية يمكن التمييز أيضاً بين مستويين لعلاقتهما بالأرض، يرتبط كلّ منهما بالنموذج الذي يحيل إليه: مستوى الصلة بالقضية أو القطيعة معها، ثمّ مستوى الوعي بطبيعة الصّراع مع الحركة الصّهيونية من جهة، وبمستقبل هذا الصراع من جهة ثانية. ولعلّ أبرز ما يميّز نتاج غسّان كنفاني الروائي في هذا المجال خلوّه ممّا ينتمي إلى ذلك النوع من الشخصيات: أي: المثقّف. فباستثناء الرّاوي في: "أمّ سعد"، الذي يكتفي بسرد الأحداث ولا يشارك في صنعها ولا يتيح بذلك مجالاً لمقاربته بوصفه شخصية مثقفّة، فإنّ المتتبّع لذلك النتاج لا يعثر على شخصيات متمايزة فيما بينها على المستوى المعرفيّ، أو شخصيات لها خصوصياتها الفكرية، سواء أكان ذلك في الرّواية الواحدة أو في روايات الكاتب الأربع. وعلى الرّغم من أنّ لغة السّرد التي تنتجها شخصيتا حامد في "ما تبقّى لكم" وسعيد في "عائد إلى حيفا" تشي بانتماء هاتين الشخصيتين إلى حقل ثقافي ما، فإنّ المرء لا يمكنه تصنيفهما بوصفهما كذلك، لأنّ تلك اللغة تبدو نتاج الروائي وليست لغة شخصياته. ومسوّغ هذه السمة في روايات كنفاني إلحاح كنفاني نفسه على إنجاز أفكار أكثر من إلحاحه على إنجاز شخصيات لها وجودها المستقلّ عن منتجها، شخصيات تحقّق بدقّة مفهوم "النموذج الأدبيّ". وبسبب الأيديولوجية الظلامية المهيمنة في رواية أمين شنّار: "الكابوس" يقزّم الروائي شخصية المثقّف عصام الفاخوري في حركة السرد، ولا يمنحها "حياة طويلة، أو فرصة للتعبير عن آرائها"(1)، لأنّها تمثل القوى الثورية "العلمية البعيدة عن الارتجال"(2)، والتي ترى أنّ التخطيط والتنظيم، وليس التعلّق بأضرحة الشيوخ، هما ما يكفلان للفلسطيني انتصاره في مواجهة الغرباء الطّامعين في أرضه. على حين يمنح شخصية علي سعد الدّين مكانة أرحب، بوصفها نموذجاً للمثقف الفلسطيني المنبتّ الصلة بقضية وطنه، والذي تبدو علاقته بالأرض طارئة وهامشية. وتشغل شخصية المثقّف، العربيّ عامّة والفلسطيني خاصة، مكانة مميّزة في مجمل نتاج جبرا إبراهيم جبرا الرّوائي، ومكانة مميّزة أيضاً من مجمل النتاج الرّوائي العربي. وإلى الحدّ الذي يمكن القول معه إنّ جبرا فنّان الشخصية العربية المثقّفة بكلّ تناقضاتها وصراعاتها مع ذاتها من جهة، ومع الوسط الذي تنتمي إليه من جهة ثانية. وتمثّل روايته: "السفينة" أولى نتاجه الروائي الصادر بعد انطلاقة الكفاح المسلّح إفصاحاً عن ذلك، وهي على الرغم من امتلائها بشخصيات عدّة ممّا ينتمي إلى ذلك القطاع الاجتماعي العربي، أي: قطاع المثقفين، فإنّ شخصية الفلسطيني وديع عساف فيها تمتلك ما يميزها من سواها من تلك الشخصيات، وما يمثّل نموذجاً دالاً على مهارة الروائي في بناء شخصيات إنسانية وثيقة الصلة بمفهوم "النموذج الأدبي"، بسبب ما وفّره لها من خصائص مادية ومعنوية جعلتها مثار إعجاب الآخرين واهتمامهم، وحوّلتهم أحياناً إلى أدوات تتحرّك في فلكها أو تسعى إلى الدّوران في مجرّته. لقد كان وديع "يتكلّم بحرارة" ويضحك بحرارة.. تنحني كتفاه انحناءة المتحمّس لما هو أمامه، وشعره الأسود الكثّ مصفّف بعناية المتأنّق بمظهره.. حديثه.. ينهمر دائماً كالمطر"، لا يؤمن بأن ثمّة حقيقة مطلقة، أو ثابتة على الدّوام، فما "عرفته قبل يومين وما تعرفه اليوم ليس واحداً. الحياة تسيل، تجري، تسابق البشر. وهي كلّ يوم تغيّرك. تأكل منك، تقضم من حواشيك، توسّع رقعة الخدر في قلبك. وكلّ يوم تضيف إليك". أمّا الصدق، فهو "شحّاذ، ناسك، كافر، طاغية، ابن كلب، لا نريده". ولم تكن النتيجة التي انتهى إليها عن الصدق بسبب تجربة خاصّة عاشها، بل بسبب تجربة وطنه الذي أفاق صبيحة الخامس عشر من أيار 1948 ليجد نفسه غريب الوجه واليد واللسان: "قلنا الصّدق حتّى بُحّت حناجرنا، وأضحينا لاجئين في خيام. توهمنا الصّدق في أمم العالم، وإذا نحن ضحية سذاجتنا". والصدق الوحيد الذي ظلّ مقيماً في داخله هو حبّه للأرض التي نزح عنها بعد النكبة، والتي ظلّت طوال حياته نقطة الدّائرة التي تتحرّك حولها أحلامه وهواجسه، وأحياناً معنى وجوده في الحياة: "قضيتُ هذه السنين كلّها مصرّاً على الزواج منها. أعني، الأرض. أجمع الفلْس إلى الفلس من أجلها من أجل نور عينيها... لقد نقلتُ أموالي إلى القدس، واشتريت أرضاً واسعة.. وسأشتري أرضاً أخرى.. وسأبني بيتاً كبيراً.. وأزرع البندورة والتّفاح، ولو أنّني لست فلاّحاً.. سأهشّم الصّخر، وأفرش عليه تراباً من تربتنا الحمراء الخصبة الجميلة.. وسأتزوج حالما أرجع، لكي أجمع بين المرأة والأرض". وقد بلغت علاقته بالأرض ذروتها مع حضور الأخيرة دائماً في فلسفته عن الحياة والوجود، فحريّة الإنسان، هي: "في أن ترفض الهرب، في أن تجابه.. حرّيتك هي أن تكون مهندساً في أرضك"، ومع حضورها أيضاً في الحوارات الساخنة بينه وبين الشخصيات المحيطة به على ظهر السفينة، إلى الحدّ الذي دفع تلك الشخصيات معه إلى الاعتقاد بأنّه عضو في منظمة سياسية فلسطينية، فحديثه عن الأرض على ذلك النحو الذي لم يكن ينقطع، لم يكن مجرّد هَوَس صوفي، كما وصفه عصام السلمان، الذي أضاف: "وديع عسّاف لن يكون نفسه.. إلاّ إذا عاد إلى الله والأرض معاً. فإذا احتلّ اليهود الأرض، فقد احتلّوا إلهه". ومهما يكن صواباً أنّ وديع عسّاف رمز للشّعب الفلسطيني(3)، أو نموذج لأبناء الطّبقة البرجوازية(4) الفلسطينية، فإنّ الأكثر صواباً، في تقديري، أنّه رمز لقطاع محدّد من ذلك الشعب، ولئن كانت ثمّة خصائص تجعله واحداً من أبناء الطبقة البرجوازية الفلسطينية، فإنّه ثمّة خصّيصة تجعله مغايراً لهم، هي علاقته العملية بوطنه، بينما الأغلب الأعمّ من البرجوازية الفلسطينية، في الشّتات خاصة، مستغرق في أوهامه النظرية المثخنة بكلام إنشائي عن النضال والأرض، وفي إطار تنظيمات سياسية خالصة لم يُثبت تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية تحوّلها إلى فعل نضالي مقاوم. إنّ وديع عساف نموذجٌ منتقى بقصد من "الأنتلجنسيا" الفلسطينية، التي حاول جبرا الدّفاع عنها في مجمل نتاجه الرّوائي، كما حاول دحض الاتّهام الذي وصف ممثّليها باندماجهم في المجتمعات التي أقاموا فيها بعد النكبة وبانشغالهم بقضاياهم الخاصّة وانصرافهم، بقصد أو بغيره، عن قضيتهم الأساس، قضية فلسطين. وعلى الرّغم من خفوت صوت فلسطين في رواية: "صيّادون في شارع ضيّق"، بالمقارنة مع مثيله في "السّفينة"، فإنّ الرواية تقدّم مادة لاستجلاء نموذج آخر للمثقّف الفلسطيني في نتاج جبرا الروائي، بل لمثقّف الشّتات خاصة. وعامة، فإنّ شخصية المثقّف الفلسطيني جميل فرّان، الشخصية الرئيسة في الرواية، تطابق إلى حدّ كبير شخصية مواطنه وديع عسّاف في "السفينة"، مع فارقيّ المكانة العلمية والوظيفة الاجتماعية بينهما، ومع فارق اهتمام جبرا نفسه بتحديد السّمات الانفعالية لكلّ منهما، فعلى حين عني بشخصية وديع بما يكفي لعدّها نموذجاً أدبياً، لم تنل شخصية جميل منه العناية نفسها، ومن غير أن يعني ذلك أنّه لم يوفّق في رسمها(5)، فثمّة خصائص تميّز تلك الشخصية وترسّخ حضورها في ذاكرة القارئ، ولا سيّما علاقتها بالجذر الذي تنتمي إليه، أي: فلسطين. وقد أفصحت تلك الخصائص عن نفسها منذ مطلع الرّواية، فبعد وصول جميل إلى بغداد التي أدهشته وهو يبدأ تقرّي شوارعها الرئيسة كانت صورة مدينته القدس هي الصورة الوحيدة التي تتجذّر في رأسه، صورة الماضي البهيّ والمؤلم معاً: "لقد نسيتُ أسفاري وما عدت أستطيع أن أذكر ملامح أيّة مدينة في العالم سوى مدينة واحدة. مدينة واحدة أذكرها. أذكرها طيلة الوقت. تركت جزءاً من حياتي مدفوناً تحت أنقاضها، تحت أشجارها المجرّحة وسقوفها المهدّمة، وقد أتيت إلى بغداد وعيناي ما زالتا تتشبّثان بها، القدس". وعندما كانت عيناه تجوسان نهر بغداد خيّل إليه بأنّ وجه حبيبته ليلى يطلّ فوق مائه، وحلم في الليلة نفسها بأنّ ليلى ترتدي عباءة سوداء مثل فتيات بغداد وهي تضحك ضحكتها المعهودة "قبل أن يضع لغم الديناميت اليهودي حدّاً لضحكها وضحكي". وعلى الرّغم من أنّ سُلافة، طالبته الخاصة في بغداد، كانت قد شغلته لفترة من الوقت، فإنّ "ذكرى الرّكام الذي دُفن في القدس" ظلّت تطارده، وإلى حدّ أنّه خاطب سلافة، مرّة، باسم ليلى من غير أن ينتبه لذلك. وشغف كهذا بالوطن يجعل من الطبيعي أن تظلّ القصيدة التي كتبها عن القدس، أيّام الصّبا، حاضرة في ذاكرته دائماً، ولا تبدّد أحوال الزمن الفاجعة شيئاً من ألقها، المدينة التي تبدو سماؤها "ياقوتة لا تنتهي، صدفة غسلتها مياه البحر ورفعتها، لتولد فيها كلّ صباح أفروديت جديدة.. أرض التربة الحمراء والحجارة بلون الورود، أرض الزيتون بخضرته التي منذ الطّوفان ما حالت"، كما تجعل من الطّبيعي أيضاً أن تستبدّ صورة تلك المدينة بكلّ خالجة منه، وأن تنفذ إلى أيّ شيء يذكّره بها، أو يجلو صدأ الغربة عنها، فـ "باريس"، التي كانت ضيوف "سلمى الرّبيضي" يتحدّثون عنها بإعجاب شديد، لم تكن ذكرياته عنها تحرّضه على المشاركة في الحديث، "بل عوضاً عن ذلك، راحت شوارع القدس تنسرح كلّها أمام عينيّ، صاعدة، نازلة، منعطفة، وبناياتها بحجرها الأبيض تذرّ ذرّ الأشعّة، وتسكب وهج الفضّة والذّهب الذي يتلألأ في خيال العشّاق جميعاً حين يطول بهم الفراق". ومع أنّ رشاد أبو شاور لم يمنح، في روايته "أيام الحبّ والموت"، شخصية المثقف الفلسطيني، التي يمثّلها الأستاذ خليل معلّم القرية، سوى مساحة صغيرة من الرّواية، إلاّ أنّه قدّم، من خلالها، صورة للمثقف الفلسطيني المؤمن بعدالة قضية وطنه، والذي يحوّل ذلك الإيمان إلى فعل نضالي يعزّز به ومن خلاله مفهوم المثقّف العضوي الذي تتماهى لديه النظرية بالممارسة. فالأستاذ خليل، الشابّ الطيّب الذي كان أهل القرية جميعاً يجلّونه ويعبّرون عن تقديرهم لـه و "يجلسونه في صدر المكان بين الوجهاء وحوله الوسائد وتحته الفراش الذي لا يوضع إلاّ تحت الضيوف"، لم يغره ذلك كلّه بالبقاء في القرية عندما اندلعت المواجهات بين المستوطنين الصهاينة والفلسطينيين عشية قرار التقسيم، بل عوضاً عن ذلك قرّر: "أنا راحل لقريتي، رايح أحارب هناك". وتقدّمَ رشاد أبو شاور في روايته "العشّاق" خطوات واضحة في التعبير عن علاقة المثقّف الفلسطيني بأرض وطنه، فبطله "محمود" لم يكن يفكّر وهو خارج لتوّه من السجن بالحريّة، بل بما يعني الطّريق إليها. أي بالمقاومة المسلّحة التي ستعيده مع الآخرين إلى الأرض التي اقتلعوا منها، وبدلاً من أن تثيره تلك الطبيعة السّاحرة التي كانت تكلّل طريق عودته إلى البيت، كان يفكّر بمدينته "أريحا" التي كانت تبدو لـه "نهاية الوطن وبدايته، منكِ يدخل كلّ آتٍ، أو غازٍ لفلسطين، ومنكِ يخرج أيضاً"، كما لم يكن حبّه لـ "ندى" ليستمدّ ألقه أو معناه إلاّ من مفردات الأرض، وممّا يجعلهما معاً جزءاً منها. قلبه شجرة موز، وندى الماء الكثير الذي يحتاجه هذا الشجر: "فهاتي ماءَكِ، وتعالي نركض في البساتين تحت قمر أريحا". وتوحّده بالأرض لم يكن يعني لـه صموده فقط أمام محاولات الصّهيونية الجديدة لابتلاع ما تبقّى من أرض فلسطين في حزيران 1967، بل عَجْزها أيضاً عن تحقيق رغباتها المسعورة في إبادة الشعب العربي الفلسطيني: "يظنّون أنّ باستطاعتهم كشطنا عن أرضنا، نحن لسنا هذه البيوت الطينية التي يسهل هدمها، نحن التراب، فكلّما كشطوا طبقة، واجهوا طبقة أخرى. وكلّما أزاحوا صخرة، جوبهوا بصخرة". وعلى الرغم من أنّ علاقة "حسن"، الشخصية المثقفّة الثانية في "العشّاق"، بالأرض لا تفصح عن نفسها سوى مرّة واحدة من بداية الرواية إلى نهايتها، أي عندما يعبّر عن ولعه بفصول أريحا المتطرّفة دائماً: "صيفُكِ قاسٍ يا أريحا، لكنّه حلو، جهنّمي، وحادّ، وشرس، ولكنّي أحبّكِ"، فإنّ ظلال السرد تنهض بمهمّة تصوير تلك العلاقة على نحو يذكّر بصنيع غسان كنفاني في روايته "أمّ سعد"، فقامة حسن "الرّبعة، تنبثق من الأرض انبثاقاً"، والأرض نفسها تحقّق لـه غايتين في طريق عودته إلى المخيّم بعد الاشتباك مع الدّورية الإسرائيلية: تخفيه عن عيون الإسرائيليين، وتفتح شهية رئتيه الدائمة للامتلاء برائحة ترابها. وعلى نحو مغاير تماماً للشخصيات المشار إليها آنفاً تبدو شخصيتا خليل السيلاوي ونهى عابدي في رواية علي حسين خلف: "عصافير الشّمال"، فبدلاً من أن ينهض خليل، المدرّس في ثانوية القرية للذكور، بدور المثقّف الذي ينبّه إلى المخاطر التي تحدق بمجتمعه، ويسهم في مواجهتها، يتردّد إلى منزل المختار عاشور عبد الهادي المفرط في أنانيته والمتعاون مع سلطات الاحتلال، ثمّ يقبل بالعمل مديراً لـ "البار" الذي افتتحه الضّابط الصّهيوني "كاتسمان" في "عبّاد شمس ب"، أي المستوطنة. ولم تكن "نهى"، المدرّسة في ثانوية الإناث، أحسن حالاً منه في هذا المجال. وتتميّز رواية إميل حبيبي: "الوقائع الغريبة.." من سابقاتها في هذا المجال أيضاً بتقديمها لشخصيتين مثقفّتين متناقضتين تماماً، فعلى حين تمثّل شخصية أستاذ المتشائل في المرحلة الابتدائية الانتماء القومي للمثقّف الفلسطيني، وإيمانه بالدّور الحضاري لأجداده العرب، وبالرّسالة الإنسانية التي حملها أولئك الأجداد إلى العالم، تبدو شخصية مدير مدرسة عكّا الثانوية متحلّلة من ذلك تماماً. فهي تسوّغ هدم المحتلين الصهاينة للقرى الفلسطينية وتشريدهم لأهلها بعودتهم "إلى وطنهم (كذا) بعد غيبة ألفي سنة"، وترى أنّ "في قلوبهم لرأفة لم يحظ بها.. الغزاة الذين سبقوهم" على الرّغم ممّا ارتكبوه من جرائم، وأنهم فوق ذلك كلّه "لا يدنّسون حرمة دور العبادة". ومن المثير للانتباه أنّ "حبيبي" لا يضع المقولات الزائفة لتلك الشخصية في سياق الأسلوب السّاخر لسرده، بل بوصفها مسلّمات تجري على لسان المدير بطريقة أفعوانية توهم القارئ غير المزوّد بوعي كاف بتقنيات الجنس الروائي بصوابها! وأكّدت سحر خليفة في: "الصبّار"، من خلال الصّورة التي رسمتها لشخصية أسامة الكرمي، أنّ النظرية والممارسة يجب أن تكونا متلازمتين في وعي المثقّف الفلسطيني خاصة، وأنّ غياب الثانية يجعل من النظرية ادّعاء، ومن القول زيفاً، فأسامة يضع طموحه الشخصي، أي متابعته لدراساته العليا في جامعة دمشق، وراء ظهره، ويؤثر العودة إلى أرضه لينخرط في صفوف المقاومة، محققاً بذلك ما كان يردّده دائماً من أنّ الفعل النضالي الذي ينطلق من داخل الأرض المحتلّة هو الفعل الوحيد الذي يجسد الاندغام التامّ بين ما يقوله المثقّف الفلسطيني وما يفعله، وهو الذي يتجاوز أيضاً وهم الشعارات التي يلوكها بعض مثقفّي الشّتات عن الأرض، والوطن، والقضية. وتتجلّى شخصية المثقّف الفلسطيني في "أوتوبيوغرافيا" سميح القاسم: "إلى الجحيم أيّها الليلك" من خلال شخصية الراوي خاصة، التي تطغى على ما عداها من الشخصيات المثقّفة الأخرى في الرّواية، بل على الشخصيات جميعاً أيضاً. وتفصح الرواية عن علاقة تلك الشخصية بالأرض منذ اللّوحة الأولى فيها، أي عندما يكشف الراوي، في حديثه لحلقة "أبناء سام" التي تديرها صحفية دنمركية والتي تضمّ كما يبدو مثقفّين صهاينة يساريين، عن المفارقة القائمة في الفكر الصهيوني بين ما يزعمه من حقّ تاريخي في أرض فلسطين وحقائق التاريخ نفسه، ثمّ عن المفارقة بين ما يجيزه قادة هذا الفكر لأنفسهم وما يمنعونه عن أصحاب الأرض الشرعيين: "قلتم إنّكم لم تفقدوا الحنين إلى هذه البلاد، رغم غربة ألفي عام، فكيف تتوقّعون أن يفقد شعبنا الحنين.. بعد غربة ربع قرن فقط؟. سام أو حام أو يافط. هذه الأمور الأثنولوجية لا تعنيني كثيراً، المهمّ أنني فقدت وطناً كاملاً وحقيقياً". وتجهر تلك العلاقة بنفسها، وعلى نحو رمزيّ دالّ، في الحوار الذي نشب بينه وبين الجندي الصهيوني "أوري" في ساحة القتال، أي عندما أكّد أنّ "دنيا" التي أحبّها منذ طفولته ثم شرّدتها النكبة، والتي تبدو رمزاً لفلسطين في الرّواية، هي الحقيقة الوحيدة التي عرفها تاريخ المنطقة، وليست "إيلانة" التي يحبّها "أوري" والتي تبدو لديه رمزاً لإسرائيل: "-تكرهني لأنّني أحب إيلانة!/ قلت: -أنا لا أعرف إيلانة. أعرف دنيا وأحبها، ولا تنسَ أنّك دمّرت حبّنا../ صاح أوري ساخراً: -دنيا هذه التي تتحدّث عنها، لا وجود لها البتّة. الحقيقة الوحيدة هنا هي إيلانة!../ -في البدء كانت دنيا، وستبقى دنيا إلى الأبد، يجب أن تفهم ذلك". ولم يكن ثمّة حاجة لمزيد من الحوار، فقد قالت الأرض الحقيقة بنفسها عندما انقضّ فرع شجرة ضخمة، تمدّ جذورها عميقاً في التراب، على "أوري" ومزّق جسده. هوامش وإحالات: (1) ماضي، شكري عزيز. "انعكاس هزيمة حزيران..". ص(64). (2) أبو إصبع، صالح. "فلسطين في الرّواية العربية". ص(141). (3) انظر: أبو إصبع، صالح. "فلسطين في الرّواية العربية". ص(236) (4) انظر: أبو مطر، أحمد. "الرّواية في الأدب الفلسطيني". ص(226). (5) انظر: الفيّومي، إبراهيم حسين. "الواقعية في الرّواية الحديثة في بلاد الشام". ص(170). "المرأة": على الرغم من أنه ليس مسوّغاً قطّ، في أيّ من حقول الحياة، التّفريق بين قطبي الحياة الإنسانية: الرّجل والمرأة، فإنّ مقاربة شخصية المرأة في الرواية الفلسطينية بوصفها مكوّناً مستقلاً ومميزاً من سواه من الشخصيات، لا تعدو كونها إجراءً نقدياً فحسب، أملته تلك الرواية نفسها، التي تحوز المرأة فيها مكانة لافتة للنظر، بوصفها معادلاً جمالياً للأرض من جهة، وقوّة فاعلة وحيّة في النّضال الوطني الفلسطيني من جهة ثانية. وباستثناءات قليلة جداً، وفيما لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، تبدو هذه الشخصية، في الأغلب الأعم من النتاج الروائي الفلسطيني الصادر ما بين عامي 1965 و 1982، لصيقة بمشكلات وطنها وقضاياه، ورمزاً لأرض فلسطين، أو لفلسطين نفسها. ومن أكثر التجارب السردية الفلسطينية جهراً بذلك روايات غسان كنفاني الصادرة بعد انطلاقة الكفاح المسلّح، التي تتّرجح مكانة المرأة وصورتها فيها بين مستويين: أوّل تضارع المرأة فيه ومن خلاله الشخصيات الذكورية حضوراً في الحدث الروائي، كما "مريم" في: "ما تبقّى لكم"، وثان تتقدّم فيه ومن خلاله عليها، كما أم سعد في الرواية الموسومة باسمها. وفي المستويين معاً تمثّل المرأة في تلك الروايات معادلاً جمالياً لفلسطين، وتعبيراً عن مرحلة محدّدة من تاريخ الصراع الفلسطيني/ الصهيوني. فـ "مريم"، في "ما تبقّى لكم"، رمز للواقع الفلسطيني الذي تلا النكبة، وهي رمز لفلسطين التي لوّثها الخونة بالعار، كما يمثّلهم زكريا النتن، الضئيل البشع كقرد حسب وصف حامد له، في لّجة ضياعها وإحساسها بافتقاد "فتحي" الذي أحبّها في صباها واستشهد قبل أن يتوّج حبّه بالزّواج منها، والذي يرمز إلى المقاومة المسلّحة التي دفعت مريم، بغيابها، إلى الإثم، إلى الحمل سفاحاً من زكريا الذي كان يُردّد مسعوراً: "أنتِ أرض خصبة أيّتها الشّيطانة". وما انطلاقة أخيها حامد باتجاه أمّه، التي ترمز هي الأخرى إلى أرض فلسطين، سوى رمز لانطلاقة الكفاح المسلّح التي مكّنته من الثأر لشرف أخته المهدور. وتجهر تلك السمة بنفسها في شخصية "أمّ سعد" أيضاً، التي برع كنفاني في نمذجتها وأسطرتها، ولكن على نحو دالّ على "الأسطوريّ العادي الكامن في البشر"(1)، والتي تبدو وجهاً آخر للأرض، واختزالاً بآن للمرأة الفلسطينية في المرحلة التي شهدت انطلاقة الكفاح المسلّح، ولـ "الحالة الشعبية العامّة في الزمن الفلسطيني الجديد"(2)، الذي كانت المرأة الفلسطينية خلاله، مثل أمّ سعد، "تلد الأولاد فيصيروا فدائيين، هي تخلّف وفلسطين تأخذ". لقد كان كلّ شيء في وجود أمّ سعد يستمدّ ألقه من توحّدها الدّائم بالأرض، كأنّهما، أمّ سعد والأرض، كلّ واحد لا يمكن التفريق فيه بين الأصل والفرع: "وفجأة رأيتها قادمة من رأس الطريق المحاط بأشجار الزيتون.. مثل شيء ينبثق من رحم الأرض.. هذه المرأة تجيء دائماً. تصعد من قلب الأرض وكأنّها ترتقي سلّماً لا نهاية له"، تجيء "مثلما تنفجر الأرض بالنبع المنتظر منذ أوّل الأبد". ولأنّها كذلك، فقد كانت معرفتها بما لـه صلة بالأرض تتجاوز حدود الجذر الاجتماعي الذي تنتمي إليه، وتمثّله، فهي تعرف أنّ "الدّالية.. لا تحتاج إلى كثير من الماء"، لأنّ عرقها "يعتصر حبّات التراب في عمق الأرض ويشربها"، وأنّ الزيتون لا يحتاج إلى ماء أيضاً، لأنّه "يمتصّ ماءه عميقاً في بطن الأرض. من رطوبة التراب". ويبلغ توحّدها بالأرض ذروته في التعبير عن نفسه في الرّواية من خلال المعادلة التي يشكّلها كنفاني بين مفردات جسدها والأرض، فساعدها "الأسمر القويّ.. يشبه لونُه لونَ الأرض، وراحتاها "تشبهان جلد أرضٍ يعذّبها العطش". وعلى النقيض من ذلك تبدو "صفية" في "عائد إلى حيفا"، أي بوصفها استكمالاً لدائرة العلاقات الإنسانية في مجتمع الرواية أكثر منها نموذجاً للمرأة الفلسطينية، ولعلّ ذلك هو ما جعلها شخصية نمطية مسطّحة(3)، ولا تمتلك أيّة خصوصية. والمتتبّع لنتاج جبرا إبراهيم جبرا الرّوائي لا يعثر على أكثر من شخصيتين نسويتين فلسطينيتين: ليلى شاهين في "صيّادون في شارع ضيّق"، وأمّ مروان زوجة وليد في "البحث عن وليد مسعود". لم تنل الثانية سوى مساحة ضئيلة من حركة السرد الروائي، ولم يُعن الروائي بنمذجتها، على حين فعل ذلك فيما يخصّ الأولى، أي ليلى شاهين التي تبدو في الرواية المعادل الجمالي لمدينة بطله جميل فرّان، القدس(4). واللتان يمكن اعتبارهما معاً، ليلى والقدس، رمزاً للوطن الفلسطيني المغتصب الذي ظلّ حاضراً في حياة جميل وملازماً لنبضه في الغربة. وقدّم رشاد أبو شاور، في روايتيه: "أيّام الحبّ والموت" و "العشّاق"، أكثر من صورة للمرأة الفلسطينية، وعني بشكل خاص بالصورة التي تجسد علاقة هذه المرأة بالأرض، أو بالوطن الفلسطيني عامّة. ففي روايته الأولى تمثل "حلوة" المرأة الفلسطينية الفلاّحة التي تساوي الأرض بالشرف: "أرضكو راحت عرضكو راح"، والتي لم توافق على الزواج من الفلاّح سلمان إلاّ لأنّه رجل يحبّ الأرض، وشهم، كما قالت له. أمّا "أمّ حسن"، في روايته "العشّاق"، فتمثّلُ معادلاً لفلسطين نفسها(5)، فهي تزغرد لانطلاقة أبنائها عندما يتصدّون للمستوطنين الصهاينة الطامعين بابتلاع المزيد من الأرض، وتخلع ثياب حدادها على الشهداء عندما يحوّل هؤلاء الأبناء إيمانهم بالثورة إلى فعل كفاحي يستردّ الأرض والكرامة معاً. وإذا كانت رواية علي حسين خلف: "عصافير الشّمال" أدانت المرأة الفلسطينية المثقّفة من خلال الصّورة التي رسمتها لشخصية نهى عابدي، فقد تجاوزت تلك الصورة إلى نقيضها من خلال المرأة الفلاّحة، وعلى نحو يشي برغبة مضمرة لدى الروائي في تأكيد الصلة التي كانت تربط القاع الاجتماعي الفلسطيني بأرض وطنه، فعلى الرّغم من السعادة الغامرة التي ملأت نفس "جميلة" لنجاة ابنها من بطش الجنود الصهاينة الذين دهموا القرية، فقد صرخت في وجهه غاضبة عندما علمت منه بأنّهم استولوا على سيّارته في طريق عودتهم: "اخس على البزّ اللي رضّعك! اخس على تربايتي فيك". أمّا "أمّ عيسى" فقد كانت تعبّر عن رفضها لتهويد الأرض الشمالية من القرية بمفردتها الأثيرة: "فشروا"، وكرّرت المفردة نفسها عند عودة الجنود لاقتلاع الناس من بيوتهم، مستمدّة قوّتها على مواجهتهم ممّا يرمز إلى الأرض، إذ يتوحّد جسدها بساق شجرة الزيتون وهي تناجي ابنها: "عيسى يمّا! إحنا هون على صدورهم دبشة كبيرة ما بتنهّد! إحنا هون قاعدين على فشّتهم.. بلادنا وإحنا حرّين فيها". وترمز "باقية"، في رواية إميل حبيبي: "الوقائع الغريبة.."، إلى الصوت النقيض للمتشائل، أي صوت الفلسطيني الملتصق بأرضه والمؤمن بقدرة هذه الأرض على النهوض من رمادها، إذا ما أحبّها وأخلص لها وحاول استعادة الكنز الثّمين الذي خلّفه لـه الأجداد، كنز المقاومة المسلّحة. كانت تحدّث ابنها الوحيد ولاء دائماً عن أولئك اللصوص الذين اغتصبوا أرض فلسطين، كما كانت تحمّله دائماً أيضاً سرّ الصناديق المخبوءة في البحر، وأملها في الوصول إليها يوماً، وعندما يكتشف ولاء تلك الصناديق تؤثر الانضمام إليه، ليس خوفاً عليه من بطش الجنود الصهاينة، بل لأنّها كانت تعرف بأنّ ما يخبّئه الصندوق هو الوسيلة الوحيدة الكفيلة بحمايته، وبحماية أرض الوطن الفلسطيني كلّه من الضياع أكثر: "آتية أنا إليك.. ففي الصّندوق رشّاش آخر". وتبدو شخصية "أسمى" في رواية نبيل خوري: "حارة النصارى"، على النّقيض من شخصية "باقية" في رواية "حبيبي" المشار إليها آنفاً فهي متناقضة ومسطّحة وبعيدة عن العمق تماماً، على الرّغم من أنّها الشخصية النسوية الوحيدة في الرواية. ومن قرائن تناقضها أنها تحبّ يوسف لأنّه بطل، ثمّ تتضايق لأنّه استشهد. تتمنّى، مرّة, لو أنّها شاركته حمل السلاح دفاعاً عن القدس، ومرّة أخرى تعتبر استشهاده رعونة وطيشاً. ولأنها كذلك، فلم يكن غريباً قولها: "يحبّ الإنسان وطنه.. يقدّسه، ولكن ليس إلى درجة الموت"، كما لم يكن غريباً أيضاً وصفها لما كان يوسف يردّده عن الأرض، والوطن، والفداء، والتضحية، بأنه "كلام فارغ". وقدّمت سحر خليفة في روايتها: "الصبّار" نمطين متعارضين للمرأة الفلسطينية داخل الأرض المحتلّة: "نمط خرج مع الثّورة إلى دنيا المغامرة الواعية والفعل الثّوري، ونمط عتيق جفّف التقليد والاتّباع نسغ الفكر والفعل فيه"(6). وعلى الرغم ممّا كانت توفّره لها هاتان الشخصيتان النسويتان اللتان تنتميان إلى النمط الأول، نوّار ولينة، واللتان كانتا لا تدخران جهداً في الوقوف إلى جانب قضايا وطنهما السياسية والاجتماعية، فإنهما لم تنالا منها الاهتمام الكافي الذي يجعل منهما نموذجين أدبيين، على حين حظي صوت النمط الثّاني، أمّ أسامة وأمّ صابر وسعدية، بمساحة أكبر من اهتمامها، فضيّعت، بذلك، على نصّها فرصة التعبير عن الدور المشرق للمرأة الفلسطينية المثقّفة في حركة النضال الوطني الفلسطيني. هوامش وإحالات: (1) عاشور، رضوى، "الطريق إلى الخيمة الأخرى". ص(120) (2) وادي، فاروق. "ثلاث علامات في الرّواية الفلسطينية". ص(65). (3) انظر: أبو إصبع، صالح. "فلسطين في الرّواية العربية. ص(309) (4) انظر: الخطيب، محمّد كامل. "الرّواية والواقع". ص(26). (5) انظر: زين الدّين، أمل. بالاشتراك. "تطوّر الوعي..". ص(148) (6) فرّاج، عفيف. "الحريّة في أدب المرأة؟". ص(258) "الصّهيوني": شغلت الشخصية الصهيونية مساحة واسعة في معظم النتاج الرّوائي الفلسطيني، ولا سيّما الصادر منه بعد انطلاقة الكفاح المسلّح، وإلى حد يمكن القول معه إنّه ما من رواية من ذلك النتاج إلاّ وقدّمت شخصية، أو أكثر، تجسّد طبيعة الفكر الصهيوني، وتكشف عن سياساته وأساليبه ومطامعه في أرض فلسطين. وباستجلاء أعمال غسّان كنفاني الروائية يخلص المرء إلى ثلاث ممّا ينتمي إلى تلك الشخصية: الجندي الصهيوني في "ما تبقّى لكم"، و "إيفرات كوشن" وزوجته "مريام" في "عائد إلى حيفا"، يترجّح حضورها في الروايتين بين مستويين: الأوّل: تتجلّى الشخصية معه ومن خلاله بمنأى عن التفكيك والتركيب الفنّيين اللازمين، كما في الرواية الأولى، وآخر تحظى الشخصية معه ومن خلاله أيضاً بهذين معاً، كما في الرواية الثانية. فعلى حين لم يُعنَ الروائي برسم الملامح المميزة لشخصية الجندي الصهيوني الذي يلتقيه حامد في الصحراء، على الرّغم من أهمية تلك الشخصية ودورها في استكمال أطروحته القائلة بأنّ توحّد الفلسطيني بأرضه يمنحه القوّة الكافية لمواجهة أعدائه الطّامعين في هذه الأرض، يضيء بتفصيل دالّ شخصيتي "إيفرات" و "مريام" اللذين تسلّما منزل الفلسطيني "سعيد، س" من الوكالة اليهودية بعد أيّام من وصولهما إلى حيفا. ولعلّه من المفيد، قبل البدء باستجلاء الخصائص المميزة لهاتين الشخصيتين كما قدّمها الروائي، ردّ توهمين: الأول ما انتهى إليه شكري عزيز ماضي من أنّه "لأول مرّة في أدب غسّان كنفاني تظهر شخصيات إسرائيلية"(1)، والثاني ما وصف به أحمد أبو مطر هاتين الشخصيتين بأنهما "يهودية وليست صهيونية"(2). ولنفي الأول نكتفي بالإحالة إلى رواية "ما تبقّى لكم" السابقة لهذه الرواية، إذا شئنا تجاهل تجربة كنفاني القصصية. ولا يحتاج المرء لدحض الثاني، إلى أكثر من القول إنّ مجرد إضافة كلمة "مستوطن" إلى أيّة شخصية يهودية، تجعل منها "صهيونية" بالضرورة، حتّى لو بَدَت تلك الشخصية فائضة بما هو إنسانيّ. لقد صوّر كنفاني "إيفرات" و"مريام" بدقّة وموضوعية تامتين، فمن الطّبيعي أن ترتجف الثانية لمرأى الطفل العربي الذي ألقاه جنديان صهيونيان ميتاً في شاحنة "كأنّه حطبة"، ومن الطبيعي أيضاً أن تبدو حضارية في تعاملها مع سعيد قبل أن يأتي ابنه خلدون، أو "دوف" كما سمته هي وزوجها. ولعلّ هذين الموقفين هما اللذان أوهما أبو مطر بصفة اليهودية في هذه الشخصية، وينفي صفة الصهيونية عنها، وهما موقفان تفرضهما طبائع المرأة العاقر كما كانت مريام، التي كانت مستعدّة لتقديم أغلى ما تملك من أجل أن تمنحها السماء طفلاً. وغير خاف أن اشتراك "إيفرات" في العدوان الثلاثي سنة 1956 كاف لتأكيد سمة الصهيونية في تكوين هذه الشخصية أيضاً. وبرع أمين شنّار، في روايته "الكابوس"، بتصوير الأساليب الأفعوانية التي لجأ المستوطنون الصهاينة الأوائل إليها لابتلاع أرض فلسطين، فالخواجة موسى يمنّي شيخ القرية، السلطة العثمانية كما يبدو في الرّواية، قائلاً: "إذا انهدم الجبل، بين قريتكم والعالم، ودخل أولادي وأحفادي بيوتكم، فسيكون لكَ المجد والسلطان جزاء عونك وتأييدك"، ثمّ يأتي بخواجات آخرين "من أمثاله.. لم يكتفوا ببيع القماش، بل تسلَّلوا إلى شؤون القرية كلّها، وصار أحدهم خفيراً" لدى الشيخ الجديد، الذي لم يكن أحد من أهل القرية يثق بأنّه كذلك، والذي يرمز إلى الانتداب البريطاني، إلى أن أعلنوا عن موته، وعن قيام سلطتهم المطلقة على القرية، أو عن قيام دولة الاحتلال الصهيوني كما تريد الرّواية أن تقول. وعلى الرغم من أنّ جبرا إبراهيم جبرا لم يقدّم، في رواياته الثلاث، شخصيات صهيونية، فإنه عرّى الممارسات التي كانت تقوم بها منظمات هؤلاء لاقتلاع الفلسطينيين من أراضيهم. ففي روايته "صيّادون في شارع ضيّق" صوّر كيف كان الإرهابيون الصّهاينة "يقتلون البريطانيين.. وينسفون دوائر الحكومة ومعسكرات الجيش ونوادي الضّباط" من أجل إثارة الفوضى في البلاد، وإجبار البريطانيين على الانسحاب منها ليتسنّى لهم بسط نفوذهم على أرض فلسطين، كما صوّر وحشية أولئك الإرهابيين الذين كانوا ينقضّون على بيوت العرب، ليجعلوا منها "خرائب.. تتعاقب في صفّ طويل، كما في حلم مخيف"، وكيف "كان القرويون العرب يُذبحون في الظلام الغادر" على أيديهم. وعلى حين اكتفى رشاد أبو شاور، في روايته "أيّام الحب والموت"، بوصف المستوطنين الصهاينة بالقول: "ملاعين غدّارين، بتلبّدوا عالسّكت في الليل مثل الحيايا"، دحض، في "العشّاق"، المزاعم التاريخية للحركة الصهيونية في أرض فلسطين، وذلك من خلال شخصية الخواجة اليهودي العراقي داوود الذي ادّعى أنّه عالم آثار، وأنّ قبائل عبرية سكنت مدينة أريحا منذ آلاف السنين. وقد وفّق أبو شاور في الردّ على تلك المزاعم بأسلوب رمزي بارع، إذ جعل أرض أريحا تنفر بنفسها من مزاعمه تلك ومنه أيضاً، ويلقى حتفه بإحدى عظام الجثث التي نبشها من الأرض وهو يلهث وراء ما يتوهّم أنّه يؤكّد ادّعاءاته. وإذا كانت الرّوايات السّابقة أصرّت على تقديم صورة واحدة للشخصية الصهيونية، فإنّ أفنان القاسم، رغبة منه في القول إنّ الحركة الصهيونية لم تستطع التغلغل بين صفوف اليهود جميعاً كما لم تستطع إقناعهم بأنّ الدّيانة اليهودية تشكّل قومية لها عوامل ارتكاز تاريخية وأنثربولوجية، قدّم في روايته "الباشا" صورتين متناقضتين لتلك الشخصية: واحدة تمثّلها بوصفها إنساناً مسالماً تضغطه التناقضات الطبقية ويعيش إلى جانب العربي دون عداء أو كراهية له، وثانية تمثّلها حاقدة على هذا العربي وطامعة بأرضه. تنتمي العجوز اليهودية أمّ سارة إلى الصورة الأولى، فهي تبكي حزناً لإعدام الفلاّحين أبي سنّة وعبد اللطيف، وتصف سلطات الانتداب البريطاني التي أعدمتهما بالقَتلة، وتحذرّ الفلاّح الشابّ حمدان، الذي كان يبهرها بحبّه لأمّه وأرضه، من أن تقوم هذه السلطات برفع لواء الموت بين العرب واليهود. على حين ينتمي الخواجة الذي لا يسميه الروائي إلى الصّورة النقيضة، أي الصهيوني الذي يسلك لتحقيق أغراضه ومطامعه أكثر الأساليب حربائية ووحشية، فهو يعفي عمّال مزرعته من العمل عندما يُضرِب الفلاّحون احتجاجاً على إعدام الشهيدين، ويدفع لهم أجورهم كاملة. يدّعي محبّة الباشا والبيك الإقطاعيين، كلٌّ منهما على حدة، للاستيلاء على أراضي الفلاّحين التي يسيطران عليها، ويقتل السائق هادي الخضرجي عندما يكتشف الأخير أنّ صناديق اللّوز التي نقلها إلى مزرعته تخفي عدداً هائلاً من البنادق، ويحقّق، من بعد ذلك كلّه، أهدافه جميعاً طالباً من الباشا الجديد سامي على لسان أحد الجنود البريطانيين "تسليم القصر خلال ثمانٍ وأربعين ساعة، وسيُعنى بنقلكم إلى البلد العربي الذي تختارونه". والصّورة الأولى التي قدّمها الروائي عن الشخصية الصهيونية، لا تقنع القارئ بوصفها شخصية نقيضة للخواجة، ليس لأنّه لا يمنحها القدر نفسه من المكانة التي تشغلها الشخصية الثانية في السرد فحسب، بل لأنّه يكتفي بوصفها، ولا يدع لها فرصة التعبير عن نفسها، ولذلك تبدو في تقديرنا شخصية ذهنية، مسبقة الصنع في وعي الروائي أكثر منها شخصية واقعية. ومن أبرز ما ميّز رواية علي حسين خلف: "عصافير الشّمال" في هذا المجال، عدم تفريق الروائي بين ممارسات الفكر الصهيوني على المستويين الفرديّ والسلطويّ، إذ رأى أنّ هذين المستويين وجهان لعملة واحدة مسكونة بوحش مسعور لافتراس الأرض الفلسطينية كلّها، بدعوى الاحتراز الأمنيّ حيناً، وبدعوى التطوير حيناً آخر. وحش يمصّ حتّى دم الدّجاج، بتعبير الروائي، ولا يرعوي عن تحويل بيوت الفلسطينيين "إلى خرائب وعقارب.. ولو احترق العالم" كلّه، ولا يرفّ لـه جفن لمرأى طفل يموت. وبهذا المعنى، فإنه يمكن القول إنّ الروائي قدّم صورة دقيقة، وتكاد تكون كاملة، للشخصية الصهيونية دون تزيّد، أو مبالغة، كما يفعل الأدب الصهيوني الذي يقوم على "الكراهية والسخرية والتشويه الفظّ لشخصية.. العربيّ لمجرّد كونه عربيَّاً"(3). وعنيت سحر خليفة، في روايتها: "الصبّار"، بتصوير الشخصية الصهيونية كما تتمثّل في ممارسات دولة الاحتلال، والتي عرّت الروائية من خلالها وحشية تلك "الدّولة" وأساليبها القمعية في إرهاب الفلسطيني وإبادته، أو دفعه إلى النزوح عن بيته وأرضه في أحسن الأحوال. ولعلّ أبرز ما ميّز رواية خليفة في هذا المجال تأكيدها، على نحو غير مباشر، أنّ علاقة الصهاينة بالأرض لا تتجاوز كون الأخيرة مادة للتملّك فحسب، فهم لا يتعاملون معها بحسّ الإنسان الذي أفنى عمره في خدمتها، كانوا يجرّدونها "من أغطية الربيع خوفاً من اندساس ما ليس مرغوباً فيه. وخوفاً من تسلّل مخلوقات تسعى للإطاحة بأمن" سلطاتهم. ينتزعون بصمات الفلسطيني عنها ليلغوا حقائق وجوده الموغل في عمق التاريخ فوقها. ينسفون منازل المُشتبه بتعاملهم مع الفدائيين، ويصفون الأخيرين بقولهم: "مخرّبين عرافيم ملوخلاليم"، أي مخرّبون عرب قذرون. لا يمنحون الفلسطينيين العاملين في مؤسساتهم أي ضمان ضئيل، ويميّزون بين هؤلاء الفلسطينيين وعمّالهم. الفرق شاسع، في أعرافهم، بين العامل الفلسطيني والعامل الصهيوني: "الشغلة الثقيلة لمحمّد والخفيفة لكوهين.. للعمّال اليهود غرف طعام.. أمّا نحن فنجلس على الأرض لنتناول طعامنا تحت الشّمس أو في الكراج بين الخردة والزيت والشحمة". وتبدو الشخصيتان الصهيونيتان اللتان قدّمهما سميح القاسم في روايته "إلى الجحيم أيها الليْلك": أوري وإيلانة، أداتين للتعبير عن خطاب الرّواية أكثر منهما تمثيلاً للشخصية الصهيونية، ولذلك لا تمكن مقاربتهما إلاّ بوصفهما رمزين فحسب، الأوّل يمثّل الفكر الصّهيوني الذي يتوهّم دعاته تنفيذهم الوعد الإلهي المزعوم، القائل بعودتهم إلى ما يسمّونه "أرض الميعاد"، والثاني يمثّل هذه الأرض كما تعنيه إيلانة. وما علاقة الحبّ التي تصل بين هاتين الشخصيتين إلاّ محاولة لتأكيد ذلك الوعد، والتي يستحيل بغيابها بقاء أوري على أرض فلسطين. إنّ القاسم يكشف، في روايته هذه، عن ركيزة رئيسة في الفكر الصهيوني، أي الركيزة القائلة بأنّ تحقيق الوعد الإلهي لا يمكن أن يتمّ بغير الاتصال الرّوحي بين الصهيوني وأرض فلسطين. هوامش وإحالات: (1)-ماضي، شكري عزيز، "انعكاس هزيمة حزيران". ص (135). (2)-أبو مطر، أحمد. "الرّواية في الأدب الفلسطيني". ص (219). (3)-شلحت، أنطوان. "شخصيّة العربيّ في الأدب العبريّ". ص (10). تركيب: لم يكن اهتمام الرّواية الفلسطينية، فيما يتّصل برصدها لعلاقة الفلسطيني بأرضه وبقضية وطنه، وقفاً على قطاعات اجتماعية أو معرفية معيّنة، بل توزّع اهتمامها بهذه العلاقة بين مختلف مكوّنات المجتمع الفلسطيني، وكان من أبرز القطاعات التي حرصت على تصوير علاقتها بالأرض وبقضية وطنها عامة: الفلاّح، والإقطاعي، والمختار، ورجل الدِّين، والمقاتل، والمثقّف، والمرأة، والصّهيوني. وقد اتسمت مقاربتها لتلك العلاقة بالخصائص التالية: 1-أكّدت التصاق الفلاح الفلسطيني بأرضه، وإيمانه المطلق بأنّ هذه الأرض هي ما تمنح الإنسان المخلص لها، والمتوحّد معها، القوّة على مواجهة أعدائه، وهي ما يعني وجوده وشرفه بآن، كما صوّرته مكافحاً عنيداً، ومثّلت لعلاقته بالأرض بالشجرة التي تمدّ جذورها عميقاً في التراب، كما صوّرت الطبيعة الآسرة التي كان يعيش بين ظهرانيها قبل اقتلاعها منها. 2-استطاعت أن تسدّ نقصاً بيّناً في الدراسات التي عنيت بالتركيب الطبقي للمجتمع الفلسطيني قبل النكبة، وأن تملأ بآن فراغات تلك الدراسات فيما يتصل بالإقطاع خاصة. ومن أبرز الخصائص التي ميّزتها في هذا المجال تعريتها لأساليب هذا الأخير في ابتلاع أراضي الفلاّحين، عن طرائق التزوير والقروض حيناً، والسلب حيناً آخر، وإدانتها، غير المباشرة، لتعامله مع سلطات الاحتلال العثماني، والبريطاني، ثمّ مع المنظمات الصهيونية التي كانت تتولّى عمليات شراء الأراضي ونقل ملكيتها إلى المستوطنين الصهاينة، فتفريقها بين شكلين له: الإقطاع الفلسطيني، والإقطاع العربي غير الفلسطيني، وإلحاح أكثرها على أنّ الثاني هو الذي باع هذه الأرض للمنظمات الصهيونية. ثمّ تصويرها التناحر الفارغ الذي كان ناشباً بين زعاماته، وتأكيدها أنّ ذلك التناحر أسهم بدور بارز في تمكين المستوطنين الصهاينة من شراء الأراضي، ومن ثمّ الإعلان عن قيام "الدولة" وضياع الوطن الفلسطيني. 3-قدّمت ثلاثة نماذج لشخصية المختار: الأوّل يمثّل هذه الشخصية كما تتجلّى في المرحلة الممتدّة ما بين نهاية الاحتلال العثماني والأيّام القليلة التي سبقت النكبة، والثاني يمثّلها في مرحلة ما بعد قيام "الدّولة"، أمّا الثالث فيحيل إلى صورتها في مخيّمات اللجوء الفلسطيني. وقد عني الأغلب الأعم منها بالنموذج الأول، بسبب توجّه أكثره إلى تلك المرحلة، وانتهى الأغلب الأعمّ منها أيضاً إلى أنّ شخصية المختار آنذاك مكّنت الإقطاع من إحكام قبضته على أراضي الفلاّحين، وإلى ذيليتها وتبعيتها له، وقيامها بدور الوسيط في كثير من الأحيان بينه وبين أولئك الفلاّحين الذين كانوا يضطّرون إلى بيع أراضيهم تحت ضغط الحاجة، أو الضرائب الباهظة، أو قروض الإقطاعيين الجائرة لهم، وكما أدانت تخاذلها حيال الأحداث التي كانت تعصف بوطنها، عرّت بآن أساليبها في سرقة الأراضي أيضاً. أمّا الرّواية التي عنيت بالنموذج الثاني، أي شخصية المختار في المرحلة التي تلت قيام الدولة، أو شخصية رئيس المجلس المحلّي كما أصبح المختار يسمّى في هذه المرحلة، فقد كشفت عن تواطؤ تلك الشخصية مع سلطات الاحتلال الصهيوني، وعن ممالئتها لها، وتمكينها من ابتلاع ما تبقّى من أراضي الفلاّحين الفلسطينيين. على حين تناولت الرّواية التي عنيت بالنموذج الثالث الدّور القمعي الوسيط الذي قام به مخاتير المخيّمات الفلسطينية ما بين الأنظمة السياسية العربية وأفراد المخيّم، وعلى نحو خاص الأنظمة التي لم تكن تسمح للفلسطينيين اللاجئين بالعمل السياسي، وتمنع التحاق الشباب منهم بحركة المقاومة الوطنية الفلسطينية. 3-باستثناء أعمال قليلة جدّاً، فإنّ معظم ما ينتمي إلى رواية الأرض الفلسطينية أكدّ انتماء رجل الدِّين الفلسطيني إلى قضية وطنه ودفاعه عن أرضه. ولم يكتفِ عدد منه بهاتين السمتين اللتين ميزتا تلك الشخصية فحسب، بل أضاف إليها سمة ثالثة تبدو على قدر كبير من الخصوصية في المنجز الروائي العربي عامة، أي علاقة القداسة التي تربط بين رجل الدّين وأرضه، وإلى حدّ بدت تلك العلاقة معه صورة للإيمان الحقيقي بالله، أو شكلاً من أشكال التوحّد به. 4-اتسمت صورة المقاتل في رواية الأرض الفلسطينية بخصائص كثيرة، منها: تعبيرها عن أجيال عدّة، يمثّل كلّ منها مرحلة بعينها من مراحل الكفاح الوطني ضدّ الحركة الصهيونية، والجيل الأكثر حضوراً فيها هو جيل الأمل الذي بدأ مع انطلاقة الكفاح المسلّح سنة 1965. وغالباً ما تجلت هذه الشخصية فيها مكتملة الوعي، وخالصة من شوائب الواقع واختلاطاته، وغالباً أيضاً ما عني الروائيون بتصوير اللحظة الأخيرة من حياتها، وبلغة حارّة مؤثرة تتّجه، في الأغلب الأعمّ، إلى التعبير عن العلاقة الحميمة التي تصل المقاتل بأرضه، والتي تبلغ ذروة اكتمالها وتعبيرها عن نفسها في بذله دمه وروحه من أجلها، مجسداً بذلك وعي شعبه بأنّ الطريق الذي اختاره هو الطريق الوحيدة المؤدية إلى الوطن. وغالباً ثالثاً ما تجلّى المقاتل في تلك الرواية صنواً للشجر أو الصخر المشدودين إلى الأرض دائماً. وعلى الرّغم من أنّها قدّمت شخصيات عربية مقاتلة، عاملة في صفوف جيش الإنقاذ أو العمل الفدائي الفلسطيني، فإنّها لم تعنَ بها إلى الحدّ الذي تجسّد من خلاله المعطى القومي للنضال ضدّ الحركة الصهيونية. 5-قدّمت نموذجين لشخصية المثقّف، عبّر كلّ منهما عن الفضاء الجغرافي الذي تتحرّك تلك الشخصية فيه ومن خلاله: مثقّف الشّتات، ومثقّف الأرض المحتلّة، وقد اتسّم هذان النموذجان فيها بسمات كثيرة، من أهمّها: تداخلهما في بعض الروايات، وانتماؤهما، على الأغلب الأعمّ، إلى الطبقة البرجوازية الفلسطينية، وعلى الرغم من أنّ عدداً منهما بدا معزولاً عن أحداث وطنه، فإنّ أكثرهما أكّد التصاقه التام بالأرض، كما أكدّ إيمانهما معاً بأنّ البندقية هي المنارة الوحيدة التي تضيء طريق العودة إلى الأرض المغتصبة. 6-مثّلت المرأة في رواية الأرض الفلسطينية مكوّناً مركزياً في الخطاب الروائي، ورمزت فيها عامة إلى أرض فلسطين أو فلسطين نفسها دائماً، وبدا أكثرها ملتصقاً بالأرض، ومعادلاً لشرف الفلسطيني، ليس بوصفها امرأة فحسب، بل بوصفها تعبيراً أو تمثيلاً للأرض أيضاً. 7-لم تفرّق رواية الأرض الفلسطينية، في معرض رصدها للشخصية الصهيونية، بين الأفراد والسلطة اللذين يمثّلانها. وعلى الرّغم من أنّ عدداً منها قدّم نماذج إنسانية لتلك الشخصية، فإنّ معظمها أكدّ طغيان صورتها الوحشية. ويمكن إجمال الخصائص التي تجلّت من خلالها في تلك الرواية بما يلي: أساليبها الأفعوانية التي اتبعتها مع الاحتلالين العثماني والبريطاني والإقطاع الفلسطيني لابتلاع الأرض الفلسطينية من أصحابها الشرعيين، وممارستها العنصرية، ليس بين اليهود والعرب فحسب، بل بين اليهود أنفسهم أيضاً، ثمّ تدميرها القرى العربية الفلسطينية، واقتلاعها سكّان هذه القرى من أراضيهم، وإطلاقها أسماء عبريّة عليها، وانتهاكها حرمة المقدّسات الدّينية ودور العبادة الإسلامية والمسيحية. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |