|
||||||
| Updated: Tuesday, June 15, 2004 03:54 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الرّابع: تجرَبة الشّكل الفنّي وسائل التعبير الفنّي: باستثناء أعمال قليلة، فإنَّ "الأدب الفلسطيني حتى منتصف الخمسينات.. لا يعدو كونه أدب حنين رومانسي"(1)، ومسوّغ ذلك في الرّواية خاصة "مسيرة الآلام الطويلة التي عاشها المثقّف الفلسطيني منذ بداية الاحتلال البريطاني حتى نكبته الفادحة. سنة 1948"(2). ومن الزعم تماماً القول إنّ الأعمال الروّائية التي تنتمي إلى ذلك الاتجاه، أي: الرومانسي، كانت ملتصقة بالجماهير و"مشدودة دوماً إلى عالم الواقع"(3)، ليس بسبب قطيعتها مع القضية المركزية للفلسطيني الذي تتحدّث عنه، والذي كان يواجه محاولات مسعورة لنفيه خارج أرضه، ولتشويه حقائق وجوده التاريخي على تلك الأرض فحسب، بل بسبب قصورها أيضاً في إدراك جوهر العلاقات التي كانت تحكم مسار الواقع الفلسطيني من جهة، وبسبب انصراف كتّابها إلى حالات اجتماعية لا علاقة لها بذلك الواقع أو بمثيراته السياسيّة والاقتصادية والاجتماعية من جهة ثانية. ولئن كانت انطلاقة الكفاح المسلّح منعطفاً في مسيرة النّضال الوطني الفلسطيني ضدّ الاحتلال الصهيوني، فقد كانت بآن بداية رؤية جديدة أثرت الأدب الفلسطيني بأساليب تعبير متطوّرة، استطاعت أن تستقرئ واقعها، وأن تعي الجوهري فيه. وعلى الرّغم من بروز ثلاثة اتجاهات رئيسة في الأعمال التالية لتلك الانطلاقة: الرّومانسي، والرّمزي، والواقعي، فإنّ رواية الأرض الفلسطينية كانت أكثر النتاج الرّوائي الفلسطيني اتصالاً بالأخير، كما كانت أكثره وعياً لأطروحة "البيريس" القائلة إنّ رواية الأرض، من وجهة النظر الواقعية، تمتلك وسائل التفوّق جميعاً، لأنها تستفيد من إطار فتّان وأصيل أبداً(4). وتجدر الإشارة هنا إلى أنه لم يكن ثمّة واقعية خالصة في تلك الرواية، فقد تلوّن بعض خصائص الرّومانسية، أو الرّمزية، أو كلتيهما معاً هذا الاتجاه الفنّي في النصّ الروائي الواحد، وبنسب متفاوتة بين رواية وأخرى. لقد تمكّنت الرّواية الواقعية الفلسطينية، ورواية الأرض مكوّن أساسي فيها، من مقاربة أكثر جوانب الواقع الفلسطيني تأثّراً بقضية الصّراع مع الحركة الصّهيونية، ولا سيّما الاجتماعي والسياسي منها، فرصدت التحوّلات الجذرية التي خلخلت البنية الاجتماعية الفلسطينية، قبل الاحتلال الصهيوني وفي أتونه، وربطت تلك التحوّلات بمرجعيتها السياسية ربطاً محكماً للغاية. وتتمثّل أكثر الإنجازات التي حقّقتها، على المستوى الجمالي في عنصرين: البنية الروائية، واللغة. وتُعدّ أعمال غسّان كنفاني وجبرا إبراهيم جبرا الروائية أكثر روايات الشّتات تمثّلاً للعنصرين معاً. فإذا كانت كلّ رواية عظيمة تدين بجمالها إلى صيغة(5)، فإنّ ممّا وفّر لرواية كنفاني "ما تبقّى لكم" تلك الصيغة هو التداخل والتّقاطع ما بين موضوع الرّواية وشكلها الفنّي، أي ما بين مادّتها الحكائية ومبنى هذه المادّة، ثمّ تعددّ مستوياتها السّردية التي تنتقل من الوصف إلى الحياة الدّاخلية للشخصيات إلى أنسنة الجمادات، السّاعة خاصة، التي كانت تعبّر عن الوضع النفسي المأزوم لبطليها: حامد ومريم، فتنوّع ضمائر الخطاب ما بين السّارد والمتكلّم والمخاطب، وتوازي هذه الضّمائر حيناً، وتقاطعها حيناً آخر. غير أنّ ذلك الإنجاز الجمالي الذي حققه الروائي لم يتابع مسيرته في: "أمّ سعد"، التي يغيب فيها الصّراع عن الحدث تماماً، وينهض الحوار بمهام العناصر الأخرى جميعاً، ومع أنّ مبناها الحكائي الذي ينهض على تسع لوحات يوحّد بينها زمن واحد وفضاء واحد في الغالب أيضاً يشي باختراقها تقاليد السّرد الرّوائي، إلاّ أنّ ذلك لا يعبّر عن نفسه إلاّ في مواقع قليلة فحسب. ومهما يكن صحيحاً أنّ "عائد إلى حيفا" كانت رواية "محدودة فنيّاً مكتوبة على عجل.. تجنح لنقل الواقع بشكل ذهني"(6)، وأنها ذات بناء تقليدي(7)، يتحوّل في قسمها الثّاني إلى محاورة نظريّة خالصة تفتقد الكثير من عناصر الفنّ الرّوائي(8)، فإنها ليست كذلك في مكوّنات شكلها الفنيّ جميعاً، ولا سيّما مكوّن الوصف الذي تمكّن كنفاني من خلاله من تحرير حركة السّرد من هيمنة الرّاوي العالم بكلّ شيء، وحققّ بدقّة من خلاله أيضاً الحدّين الرهيفين اللذين عدّهما "ريكاردو" شرطاً لنجاح الرّوائي في استخدام ذلك المكوّن: الحدّ الذي يرى أنّ الوصف الخلاّق سابق، وفي اتّجاه معاكس للمعنى، والحدّ الذي يعني أنّ التزيّد فيه يمعن في تجميد الشخصيّات(9) ويلغي حركتها وفاعليتها داخل الأحداث. فالوصف في الرواية، الموجّه في الأغلب الأعمّ منه إلى ردود أفعال الشخصيات تجاه الأحداث المحيطة بها، أتاح للروائي مجالاً لاستبطان الدّواخل النّفسية لتلك الشخصيات، ومن أمثلة ذلك ما عبّر به "دوف" عن قلقه عندما "عرّفته "مريام" إلى والديه الحقيقيين، أي تجواله داخل الغرفة، وعن هروبه من نشيج أمّه "صفية" بارتداده إلى الوراء كأنّ شيئاً ما قد دفعه بقوّة، ثمّ عن خوف "مريام" من افتقادها لـه بحركة يديها المرتجفتين. وعامة، فإنّ تجربة كنفاني الروائية تترجّح بين اتّجاهين فنّيين: واقعي ورمزي، وغالباً ما يبدو هذان الاتّجاهان حاضرين لديه في الرّواية الواحدة. والتغيّر الأسلوبي الذي يلاحظه الباحث بين نصّ روائي وآخر في أدبه يرتبط بصورة واضحة بتغيّر الوعي وتطوّره عنده، كما يرتبط بطبيعة التحوّلات السياسية المتلاحقة في الواقع الفلسطيني، من غير أن يتحوّل ما هو سياسي إلى خطاب إيديولوجي مباشر. وعامة أيضاً، فإنّ روايات جبرا إبراهيم جبرا تتّسم بانتمائها المطلق إلى الرّواية الجديدة فـ"السفينة" رواية أصوات أكثر منها رواية أحداث، وهذا البناء الذي شيّد جبرا معماره الروائي عليه لم يكن لعبة شكليّة(10)، لأنّه البناء الوحيد والملائم لرواية تعتمد أساساً ما يُعرف بتيّار الوعي الذي ينهض أساساً على تعدّد الأصوات، وتنوّع ضمائر الخطاب، وانتقال هذه الضمائر من المتكلم، إلى المخاطب، فالغائب، ثمَّ مناجاة النفس(11). إنّ المبنى الحكائي في "السفينة" يحطّم الحدود الفاصلة بين عنصري المكان والزّمان، ويقوم على تداخل هذين العنصرين وتقاطعهما حيناً، وتوازيهما حيناً آخر. ولم يحفل جبرا في روايته التالية: "صيّادون في شارع ضيّق" بتلك التقنيات، كما لم يحفل بعنصر الصراع الذي يُعدّ محركاً أساسياً للأحداث. وعلى الرغم من تجلّي هذا الأخير في أجزاء من حركة السّرد، فإنّه في الأغلب الأعمّ بدا صراعاً فكريّاً وليس واقعياً، بمعنى توجهه "لخدمة حاجة فكرية، شخصيات فكرية"(12) أكثر منها واقعية. ومع أن جبرا كان يبدي محاولات عدّة لمماهاة ما هو فكري بما هو واقعيّ، إلاّ أنّ ذلك لم يكن يفصح عن نفسه دائماً، وما يلبث أن ينقطع بين موقع وآخر في الرّواية، ويظلّ صوت الشخصية هو الطاغي وليس فعلها. ولعلّ ازدحام الرواية بالمقولات هو ما جعل شخصياتها كائنات ذهنية يستبدّ بها قلق نافر بسبب الواقع حولها من دون أن تفعل شيئاً ما لتغييره، أو لتجاوز سكونيته ودفع علله الاجتماعية والسياسية التي تؤرّقها. إنّها، بمعنى ما، كائنات "قوّالة" تثرثر عن ذات تتوهّم صلتها بما هو جماعي، ولذلك فإنّ حركة السّرد في الرّواية لا تنهض من حركة الواقع الذي تقاربه، بل ممّا هو خاص في حياة تلك الشخصيات. غير أنّ ما تقدّم كلّه لا يعني أنّ الرّواية في مجملها لا تمتلك ما يميزها على المستوى الفني، فالمقدرة الفائقة التي صوّر فيها جبرا النّوازع الدّاخلية لشخصياته عبر أساليب فنّية متعددّة، كالاسترجاع غير المباشر والرّسائل والحوار والحلم، تجعل منها مؤشراً واضحاً لاستفادة الكاتب من تقنيات الرّواية الجديدة. ولا يختلف المبنى الحكائي في "البحث عن وليد مسعود" عن مثيله في "السّفينة"، فهو ينهض على تعدّد الأصوات، وعلى تقاطع الزّمنين الواقعي والتخييلي بعضهما ببعض أحياناً، وتوازيهما أحياناً أخرى، اللذين، في الحالين، معاً كانا يسلبان المكان أهميته وحضوره في الرّواية(13). وعلى الرّغم من أنّ صوت الشخصية الرّئيسة، وليد مسعود، لا يشغل سوى مساحة ضئيلة من السّرد، فإنه يشدّ أصوات الشخصيات الأخرى نحوه، ويستبدّ بحركتها، من غير أن يعني ذلك أنه "شخصية.. باطشة.. وحده الغاية، وكلّ مَنْ حوله وسائل"(14)، لأنّ تقنية تعدّد الأصوات هي ما جعل السرد متمركزاً حول هذه الشخصية، وهي ما استدعت بالضّرورة توجّه الشخصيات الأخرى نحوها، وليس أيديولوجيا الروائي. ومع أنّ الرّواية قدّمت صورة مجتزأة للواقع، لأنّها تناولت قطاعاً محددّاً منه، أي: "الانتلجنسيا" العربية، إلاَّ أنّ ذلك لا يعني عجز جبرا عن تملّك فنّ الرواية(15)!، فثمة قرائن عدّة تنفي ذلك، بل تؤكّد مقدرة جبرا الفائقة على صوغ فنّي مثير للإعجاب، ومن أمثلة ذلك حفاوته الواضحة بالرّوح الخاصة بالبيئة الفلسطينية، أو بما يمثّل طقوسها الشعبية، فهو يصوّر عادات الفلسطينيين وأعرافهم، ويوثق عدداً من أهازيجهم وأغانيهم، ويرسم مشاهد حيّة لصلاتهم الإنسانية بعضهم ببعض. ويمكن القول إنّ الأسئلة الوجودية المؤرّقة لشخصياته ليست سوى تلك الأسئلة التي تعبّر عن أزمة الوجود الفلسطيني وتذوب فيها، وإنّ أسئلة وليد مسعود خاصة عن الرّوح المطلق، والإيمان، ومعنى الوجود والعدم، ليست سوى أسئلة الفلسطيني الذي وجد نفسه بعد النّكبة معلّقاً بوهم الحياة وليس بالحياة نفسها. وعلى الرغم من بروز صوت الأيديولوجية في رواية أمين شنّار: "الكابوس"، فقد تميزت بقدرة كاتبها على صوغ محكيّه بلغة عالية من الرّهافة والاقتصاد، وبأسلوب فنّي تتمازج تقاليد السّرد فيه بحداثته، وتيّار الوعي بمناجاة النفس، وما هو إبلاغي في اللغة بما هو مجازي واستعاريّ، ولعلّ هذه السّمات، وربّما سواها، هي ما سوّغ منحها جائزة الملحق الأدبي لصحيفة "النّهار" اللبنانية سنة 1967. غير أنّ ذلك كلّه لم يكن ليشفع لمنتجها بقول الحقيقة مقلوبة على رأسها، فالروائي، وبسبب من أوهامه الإيديولوجية، قدّم شخصيات لا تمثّل حركة النضال الوطني الفلسطيني، ودفع بها إلى الواجهة، وألحّ على الاستثنائي في الواقع بدلاً من النّموذجي فيه(16). وتميّزت رواية إميل حبيبي: "الوقائع الغريبة".. من مجمل المنجز الروائي الفلسطيني بلجوئها إلى أسلوب السخرية، وقد ردّ محمّد حسن عبد الله استخدام الروائي لذلك الأسلوب إلى كونه الطريقة الوحيدة التي كانت ممكنة أمامه للحديث عن تجارب محظورة أو محفوفة بالصّعاب(17)، ورأى فيصل درّاج، في هذا المجال، أنّ "حبيبي" لم يكن معنياً بإنتاج لعبة فنيّة، بل إنتاج شكل أدبيّ موائم ومقاتل للتعبير عن الواقع الفلسطيني الرّازح تحت الاحتلال(18)، على حين علّل فاروق وادي ذلك بأنّ السّخرية، هنا، تعويض عن الضحكة الغائبة عن حياة الفلسطيني بسبب وطأة الأحداث(19)، أمّا فخري صالح فقد انتهى إلى أنّ الضحكة التي يبحث "حبيبي" عنها في هذه الرّواية "ليست بديل النّضال، ولكنّها الفتيل الذي يشتعل أوّلاً مُشْعِلاً معه كافّة النقائص.. على الأرض الفلسطينية"(20). وبحقّ، فإنّ السخرية في الرواية هي ما تقدّم كلّه، وهي بالإضافة إلى ذلك رمز للتناقضات أو المفارقات القائمة داخل المؤسسة الصّهيونية وداخل المجتمع الذي تحاول هذه المؤسسة إحكام قبضتها عليه، ولعلّها أيضاً رمزٌ لتَوْق الفلسطيني إلى نصّ أدبي يقارب واقعه في الأرض المحتلّة بكلّ ما فيه من "كوميديا" سوداء. والرواية، عامة، نموذج مميّز لاستلهام الموروث السردي العربي، كالإسناد في تدوين الخبر، والنّوادر، والسجع. ولكنّ على نحو غير مقنع بصدور فعاليات الاستلهام تلك عن المتشائل، بل عن الروائي الذي حمّل المتشائل الكثير من ثقافته. ولعلّ ذلك ما جعل الرواية نفسها "أشبه ما تكون بحكاية أو توبيوغرافية مقلوبة أو محرّفة لإميل حبيبي"(21)، من غير أن يعني هذا أنّ المتشائل شخصية "لا قوام لها بل.. مسخّرة للبرهنة على وجهة نظر المؤلّف"(22)، وأنّ الرّواية في مجملها "بناء ذهني، تجريدي"(23)، لا صلة به بالواقع، لأنّ الروائي أبدى كفاءة واضحة في مقاربة تناقضات الواقع الفلسطيني الذي بدا، معه هزيمة حزيران خاصة، مثخناً بالمفارقات على أكثر من مستوى. والرواية، عامة أيضاً، وعلى الرّغم من تلك السمات التي ميزتها، لم تتحرّر من شرك الدّعاوة لتنظيم سياسي بعينه، فالروائي يقرّر في أكثر من خمس عشرة صفحة متفرّقة أنّ الحركة الشيوعية الفلسطينية هي صانعة النضال الوطني ضدّ الاحتلال الصّهيوني، أو هي التي كانت تقف وراء حركته داخل الأرض المحتلّة. وإذا كانت النصوص الرّوائية السّابقة قد حقّقت لنفسها إنجازاً جمالياً متقدّماً، فإنّ ما تبقّى من مصادر الدراسة يترجّح بين مستويين فنّيين: الأوّل: يحقق النصّ معه ومن خلاله بعضاً من إنجازات الرّواية المعاصرة، لكنّه لا ينأى بنفسه عن تقاليد السرد، والثاني: يوغل النص معه ومن خلاله في تبعيّته لتلك التقاليد ويبدو لصيقاً بها. تنتمي روايتا رشاد أبو شاور: "أيام الحبّ والموت"، و"العشّاق" إلى المستوى الأول، فعلى الرّغم من تميّز الرّواية الأولى في صياغتها الملحميّة لنضال الشعب الفلسطيني وفي استلهامها لمأثوراته(24)، فإنّ المبنى الحكائي فيها لم يسلم من أذى تشكيله وفق إرادة سابقة لعملية الكتابة، وليس وفق حركة الكتابة نفسها، على حين تنجو الرّواية الثانية، "العشّاق"، من ذلك، فقد تمكّن الروائي من صوغ محكيّها على نحو متقدّم فنيّاً نسبياً، وقد أعانه توظيفه الطقوس الشعبية الفلسطينية على تلوين ذلك المحكيّ بخصائص الرّواية المعاصرة. والرّوايتان معاً تنتميان، في مجملهما، إلى الاتّجاه الواقعي. و"العشّاق" تنتمي على نحو أدقّ إلى الاتّجاه الواقعي الاشتراكي، فهي تعرض الواقع الفلسطيني، في المرحلة التي سبقت عدوان حزيران 1967، بمستوياته كافّة(25)، وتنتهي إلى أنّ "حركة المقاومة إنّما.. تتجدّر في صفوف الطبقة الفلسطينية الكادحة، وأنّ جهود الفقراء هي التي حرّكت مسيرة المقاومة باتجاه الفعل الحقيقي"(26)، وتقدّم في خاتمتها تفاؤلاً ثوريّاً غير مباشر يؤكّد متابعة الجيل الفلسطيني الجديد مسيرة الكفاح التي بدأها الآباء والأجداد من أجل تحرير الأرض والإنسان بآن. ويبدو البناء الفنّي في رواية علي حسين خلف: "عصافير الشّمال" متماسكاً، ويستجمع لنفسه بعض إنجازات الرّواية الحديثة من جهة، كما يحاول أن يبني لنفسه سرده الخاصّ به من جهة ثانية. لكنّ الرّواية لا تسلم مع ذلك من الوقوع في شرك الدّعاوة بشكل مباشر للتنظيم الشّيوعي الفلسطيني، إذ غالباً ما كان الروائي، كما فعل إميل حبيبي في "الوقائع.."، يوهم بأنّ ذلك التنظيم هو ما كان يحرّك فعاليات النضال الوطني جميعاً داخل الأرض المحتلّة، وأنّه وحده، من بين التنظيمات السياسية الفلسطينية الأخرى، يتصدّى لممارسات الاحتلال الصهيوني. ولم يكتفِ سميح القاسم في روايته "إلى الجحيم أيّها الليلك" بصوغ محكيّه من خلال مبنى حداثي فحسب، بل تجاوز ذلك أيضاً إلى استخدام عدد غير قليل من تقنيات الرواية الحداثية، كالتّداخل والتقاطع بين عنصري الزّمان والمكان، وتعدّد مستويات السّرد، وتنوّع ضمائر الخطاب، والاستفادة من عناصر الأسطورة. ولكن، ومهما يكن صحيحاً أنّ الشكل الذي لجأ الروائي إليه يتماهى في نسيج فنّي خاص"(27)، فإنّه لا يمتلك ما يعلّله على نحو كاف داخل الرّواية، ولا يحمل في نفسه ما يسوّغ مجيئه على تلك الصّورة دون غيرها من الصور أو الأشكال الفنيّة الأخرى(28)، ليس لأنّه لا ينهض من داخل حركة السرد فحسب، بل لأنّه في مواضع منه "يعاني.. التشتّت وعدم التماسك"(29) من جهة، وتبدو ثمة "مشاهد وحكايات نافلة وغير ضرورية"(30) فيه من جهة ثانية. ومهما يكن من أمر الجدل الذي أثاره العنوان الجزئي له، "حكاية أوتوبيرغرافية"، أي من أمر انتمائه إلى فنّ الرّواية، فإنّه يبدو رواية بالمعنى الدّقيق للكلمة(31)، لأنّه يتملّك مقوّمات الجنس الروائي كافة، ومن تلك المقوّمات تعدّد ضمائر الخطاب الذي دفع به قدماً نحو موضوعية الفنّ الرّوائي، وحجّم الأوتوبيرغرافي فيه(32). وتنتمي نصوص أفنان القاسم ونبيل خوري وسحر خليفة، مصادر هذه الدراسة، إلى الأشكال الرّوائية التقليدية. فعلى الرغم من اعتماد القاسم في روايته: "الباشا" طريقة المشاهد السينمائية، أي الانتقال بين عدّة أمكنة في زمن واحد، واستخدامه لها لعقد المفارقات القائمة بين حدثين متضادين في القيم الإنسانية والوطنية، فإنّ تلك الطريقة تبدو محكومة بمنطق الروائي وليس بمنطق الرواية. وغالباً ما كان الروائي يسرف في وصف الملامح الخارجية لشخصياته، وفي وصف الأثاث والمكان، من غير أن يصطفي من ذلك ما يخدم البناء الفني لروايته، ولذلك بدت الأخيرة مهمومة بقول الواقع وليس بإعادة إنتاجه جمالياً، ولذلك أيضاً جاءت وثيقة الصلة بالواقعية الشكليّة أكثر من صلتها بالواقعية بمعناها الفنيّ /الجمالي، أي ما يعني أنّ العمل الأدبي "مجموع عدد كبير من القرارات الانتقائية(33)، وليس مجموع التفاصيل والجزئيات التي تشكّل الواقع الماديّ للجذر الذي ينطلق منه(34). والخاتمة في الرواية لا تنجو من شرك المباشرة والغنائية الملصقة بالنصّ وليست المنبثقة منه، فهي تقول طموح الروائي لنهوض الواقع الفلسطيني من النّكبة الفادحة التي ألّمت به سنة 1948، ولا تبدو نتاج الأحداث في الرواية: "أصداء حوافرهم في كلّ مكان. وهم آتون. في الطريق مع الفجر. بالبنادق والغيوم. سيصبّ الرّصاص والمطر. من أجل القمح. وسيأتون كلّما هبّت الرّيح من إحدى الرّوابي.. وهم يرفعون إلى أعلى البنادق. وهم يرفعون الجباه. سيأتون من كلّ صوب. كالشّمس.. سيأتون دوماً". وتنتمي رواية نبيل خوري: "حارة النّصارى" إلى الرّواية الدائرية المغلقة، فهي تبدأ بما تثيره صورة بطلها يوسف في نفس أرملته أسمى وتنتهي به. وعلى الرّغم من أنّ الأحداث فيها تتقاطع أحياناً وتتوازى أحياناً ثانية، فإنّ ذلك لا يعني تجاوزها مواضعات السرود التقليدية، لأنّ تلك السمة المميزة لها غالباً ما تكون نتاج منطق التداعيات، وليست نتاج حركة السرد نفسها، ولأن الأغلب الأعمّ من مقولات المحكي الروائي يتّسم بالتقريرية والمباشرة، ويتحوّل في مواضع كثيرة إلى "مقالات خطابية يلقيها الكاتب إلقاء"(35)، وبغنائية طاغية "لا تتناسب مع عقلية القارئ العربي بعد (يونيو) 1967، ولا مع القضية التي لم تعد لغة الانفعالات والعواطف السطحية تساعد على الاقتناع بها، وتبنّيها، والانحياز لها"(36). ويتميز زمن الخطاب فيها بقطيعته التّامة مع زمن الحكاية(37)، فعلى حين لا يتجاوز الأول ساعات قليلة تمثّل الليلة التي تقضيها أسمى في تذكّر مواقف يوسف من أحداث الوطن الفلسطيني، يمتدّ الثاني على مساحة أربعين عاماً. ومع أنّ الروائي يوهم قارئه باستخدامه أكثر من ضمير خطاب، فإنّ حركة السرد ترتهن إلى صوت واحد طاغ، هو صوت الرّاوي الذي يستبدّ بتلك الحركة، ويصوّر ردود أفعال الشخصيات تجاه الأحداث المحيطة بها بمنطق الراوي العالم بكلّ شيء الذي غالباً ما يتم اللجوء إليه لإقناع القارئ بواقعية ما يروى له(38). والرواية تغصّ بوقائع التاريخ الفلسطيني الحديث، وعلى نحو تبدو معه تلك الوقائع بوصفها وثائق ليس غير، بمعنى أنّ الروائي لم يكن يعيد إنتاجها جمالياً. وإذا ما صحّ وصف الرواية بأنّها رواية تاريخية، فإنّها لا تتضمّن في داخلها ما يشير إلى وعي الروائي بأنّ "ما يهمّ في الرّواية التاريخية ليس إعادة سرد الأحداث التاريخية. بل الإيقاظ الشّعري للناس الذين برزوا في تلك الأحداث"(39). ويتميّز المبنى الحكائي في رواية سحر خليفة: "الصبّار" بانتمائه المطلق، بل بتبعيته المطلقة للأشكال الرّوائية الأولى، فحركة السّرد ترتهن إلى منطق الأحداث المتتابعة والأزمنة المتعاقبة والأمكنة المنفصلة، وإلى استقلال كلّ من العنصرين الأخيرين، الزّمان والمكان، عن الآخر. وعلى الرّغم من أنّ الروائية كانت تلوّن نصّها بوفرة من الأمثال والأهازيج الشعبية الفلسطينية، فإنّها لم تكن تصطفي منها ما يعبّر عن روح الحدث المتضمَّنة فيه، أو عمّا يعبّر عن الجوهري في هذا الحدث نفسه. وغالباً ما تبدو الشخصيات لديها أدوات صوتية تؤدّي أفكارها(40)، وغالباً أيضاً ما تخفق في رسم عالم تخييلي مواز للعالم الواقعي(41) الذي كانت تحاول تفكيكه وتعريته، والذي يبدو، في الرواية، منقولاً ووثيق الصلة بالواقعية بمعناها الساذج، أي الواقعية التي يبدو العمل الأدبي من خلالها "انعكاساً بسيطاً للواقع يمكن أن تقوم به المرآة الميّتة"(42). ولا تنجو رواية فيصل حوراني: "بير الشّوم" ممّا اتسمت به سابقاتها، "الباشا"، و"حارة النصارى"، و"الصبّار"، ولا سيّما المتواتر السردي، أو تقاليد السرد الروائي وأعرافه والقارّ والثابت فيه. وعلى الرّغم من محاولات الروائي، في مواقع منها، للاستفادة من تقنيات الرّواية المعاصرة، كانقطاع السّرد والانتقال من الرّاوي إلى الشخصيات إلى المذكّرات والوثائق، فإنه لم يستطع تحرير نصّه من أغلال الرّواية التقليدية التي يبدو النصّ من خلالها منتمياً إلى سواه وليس منتمياً إلى نفسه، أي بوصفه امتداداً لما سبقه وليس بوصفه إضافة له. وباستجلاء جماليات اللغة في رواية الأرض الفلسطينية يخلص المرء إلى أنّ ثمّة ثلاثة مستويات لهذا المكوّن في تلك الرواية: إبلاغي يؤدّي الوظيفة الأولى للغة، أي الإيصال، وتخييلي يجمع بين مفهومي الأدبيّة والواقعية بقدر كبير من التوازن والوعي بالحدود الفاصلة بينهما، وعامّي وثيق الصلة بالمتداول الشعبي والمستغرق فيما هو محلّي. وغالباً ما يتجلى أكثر من مستوى من هذه المستويات الثلاثة في النصّ الرّوائي الواحد. ومن النصوص التي تنتمي إلى المستوى الأول في هذا المجال روايتا غسّان كنفاني: "ما تبقّى لكم"، و"عائد إلى حيفا"، اللتان أفقدتهما واحدية التشكيل المهيمنة على لغة الشّخصيات والسّرد معاً بعضاً من خصائصهما الجمالية، فالروائي لم يكن يدع شخصياته تتحدّث بلسانها، وإنّما غالباً ما كان يتحدّث بلغته عنها، ولذلك لم تكن لغة هذه الشخصيات معبّرة عن المستوى المعرفي لكلّ منها، ولا تشير إلى وظيفتها الاجتماعية، وتتطابق بآن مع لغة السّرد التي هيمنت، على الأغلب الأعم منها، سمة الإبلاغ، فبدت أفقية، ومستقيمة، ووحيدة الدلالة. وعلى الرّغم من تراجع رواية "أمّ سعد" عن الإنجاز الجمالي الذي كان الروائي قد حقّقه في روايتيه هاتين، ولا سيّما معمارهما الفنّي، فإنّه وفّر لهذه الرواية سمة جديدة تتميّز بها منهما، ودّالة على رغبته الدّائمة في البحث عن أسلوب تعبيري يستطيع التّواصل مع أوسع فئات المجتمع الفلسطيني تبايناً معرفياً، وقد عبّرت تلك السمة عن نفسها في لغتي السّرد والحوار خاصة، اللتين ما إن كانتا تتباعدان حتّى كانتا تلتقيان من جديد، وعلى نحو يجمع بين المستويين الأول والثاني: الإبلاغي والتخييلي، وقد جهر الثاني بنفسه من خلال تصوير الروائي للعلاقة بين أمّ سعد والأرض خاصة. وتمثّل أعمال جبرا إبراهيم جبرا الروائية أكثر المنجز الرّوائي الفلسطيني الصادر حتى عام 1982 صياغة جمالية للغة، فالأخيرة في مجمل تلك الأعمال تحمل طاقة تخييلية خصبة في التعبير عن دواخل الشخصيات، وتحقّق حسب تعبير "زيرافا" عن الرّواية المعاصرة "الصّراع بين شعر القلب ونثر العلاقات الاجتماعية"(43)، وهي بالإضافة إلى ذلك تقول رؤية مبدعها لقضيّته الوطنية دون دعاوى، أو هتاف. وقد تجلّت إمكانات جبرا اللافتة للنظر في هذا المجال، كما فعل كنفاني في "أمّ سعد"، عبر تصويره لعلاقة شخصياته الفلسطينية بأرض وطنهم وشغفهم بها خاصة، ولذلك بدت ظلال المفردة في رواياته الثلاث أشدّ تأثيراً في القارئ من المفردة نفسها. وعلى الرّغم من غنائية اللغة في رواية علي حسين خلف: "عصافير الشّمال" فإنها لم تكن تمارس نفوذاً سالباً لحركة الأحداث وتطوّرها، ولصلة الرواية نفسها بالواقع، ولانبثاقها منه، ولعلّ أبرز ما ميّزها في هذا المجال إضفاؤها "جوَّاً خاصّاً من تنشيط المتلقّي والإحساس بخصوصية المكان وعمق ارتباط البشر بالأرض"(44)، وتحقيقها بآن أطروحة "باختين" القائلة إنّ "الخطاب الرّوائي خطاب شعري، إلاّ أنّه عملياً لا يندرج ضمن التّصور الرّاهن للخطاب الشعري"(45). غير أنّ لغة الحوار فيها لا تسلم من أذى الترجّح غير المعلّل جمالياً بين مستويين متضادين: المنطوق المغرق في شعبيتّه، بل لهجويته على نحو أدقّ، والمنطوق المحلّق في أجواء الشّعر الخالص، ومن أمثلة ذلك المقبوس التالي الذي تنتجه شخصية فلاّحية، رضوان الدّيراوي في الرّواية، غالباً ما كان الروائي يدير حواراتها مع الآخرين عبر العاميّة الفلسطينية الممعنة في محلّيتها: "لماذا نعشق السّرو؟ لأنّه مثلنا. يعيش ثلاثة آلاف سنة ولا يملك جواز سفره الخاص. من يُثبت ملكيّته للريح، يثبت ملكيته للسرو". وتترجّح اللغة في رواية "إلى الجحيم أيها الليلك" بين مستويين: وقائعي يومي، يقترب أحياناً من المنطوق الشّعبي الفلسطيني، لكنّه لا يسفّ إلى العاميّ، ويتجّلى في الحوارات خاصة، وآخر تخييلي شعري، يُثري ما هو واقعي في الرّواية بما هو أسطوري، ويخصب دلالات الرّموز المتعدّدة فيها، ويصوغها في تشكيل جمالي يثير طاقة التصوّر في مخيّلة القارئ ليعيد الأخير تركيب الأحداث والشخصيات والرموز من جديد. وإذا كانت النصوص الرّوائية السابقة قد حقّقت لنفسها مكانة واضحة في هذا المجال، فإن اللغة في روايتي رشاد أبو شاور تقع في مكان وسط بين المستويين الثاني والثالث. فعلى حين يسقط الحوار في "أيّام الحبّ والموت" في شرك المتداول العامي، الذي لم يكن لـه ما يسوّغه مضمونيّاً أو جمالياً، والذي بَدا على امتداد الرواية "متكلّفاً"(46)، وعلى قطيعة تامة مع لغة السّرد التي كانت تصل في بعض المواقع إلى حدّ الغنائية، يحرّر الروائي "العشّاق" من تلك السمة، ويمنح لغة السّرد، في القسم الأول من الرّواية خاصة، ظلالاً شاعرية تمتزج فيها البلاغة، دون إنشاء، بنثر الحياة. وتكتفي اللغة في رواية "الصبّار" بدلالتها المعجميّة فقط(47)، والروائية لم تكن تفرّق بين ما هو سردي وما هو حواريّ في هذا المجال، وغالباً ما تبدو الحوارات لديها مغلولة إلى أصفاد المنطوق الواحد لشخصيات الرّواية جميعاً، من دون تمييز للسوية المعرفية بين شخصيّة وأخرى. وإذا كان ثمّة ما يميز اللغة في رواية "الباشا" فهو سقوطها في شرك الأخطاء الأسلوبية أحياناً، والأخطاء النحويّة أحياناً أخرى. هوامش وإحالات: (1)-عبّود، حنّا. "النّزوحات الكبرى.". ص (26). (2)-أبو مطر، أحمد: "الرّواية في الأدب الفلسطيني". ص (65). (3)-المرجع السابق. ص(105). (4)-انظر: البيريس، ر. م. "تاريخ الرّواية الحديثة". ص (104). (5)-انظر: المرجع السابق. ص (464). (6)-عاشور، رضوى. "الطّريق إلى الخيمة الأخرى". ص (144). (7)-انظر: أبو إصبع، صالح. "فلسطين في الرّواية العربية". ص (38). (8)-انظر: زيد الدّين، أمل. بالاشتراك. "تطوّر الوعي.". ص(292). (9)-انظر: ريكاردو، جان. "قضايا الرّواية الحديثة". ص (137، (245). (10)-انظر: الخطيب: محمّد كامل. "الرّواية والواقع". ص (36). (11)-للتوسّع، انظر: همغري، روبرت. "تيّار الوعي في الرّواية الحديثة". ص (42). (12)-خوري، إلياس. "الذّاكرة المفقودة". ص (132). (13)-انظر: عودة، علي محمّد علي. "الفنّ الرّوائي عند جبرا..". ص (60). (14)-هلسا، غالب. "فصول في النّقد". ص (70). (15)-انظر: الخطيب، محمّد كامل. "الرّواية والواقع". ص (47). (16)-للتوسّع حول الاستثنائي والنموذجي، انظر: لوكاش، جورج. "دراسات في الواقعية". ص (68). (17)-انظر: عبد الله، محمّد حسن. "الرّيف في الرّواية العربية". ص (255). (18)-انظر: درّاج، فيصل. "حوار في علاقات الثقّافة والسياسة". ص (120). (19)-انظر: وادي، فاروق. "ثلاث علامات في الرّواية الفلسطينية". ص (122). (20)-صالح، فخري. "في الرّواية الفلسطينية". ص (48). (21)-السّواحري، خليل. "زمن الاحتلال، قراءة في أدب الأرض المحتلّة". ص (138). (22)-هلسا، غالب. "فصول في النّقد". ص (34). (23)-المرجع السّابق. ص (40). (24)-للتوسّع، انظر: بسيسو، عبد الرّحمن. "استلهام الينبوع..". ص (128) وما بعد. (25)-انظر: صبحي، محيي الدّين. "أبطال في الصيرورة". ص (175). (26)-زين الدّين، أمل. بالاشتراك. "تطوّر الوعي..". ص (82). (27)-انظر: سليمان، نبيل. "وعي الذّات والعالم". ص (73). (28)-انظر: هالبرين، جون. وآخرون. "نظرية الرّواية". ص (45). (29)-السّواحري، خليل. "زمن الاحتلال..". ص (145). (30)-المرجع السّابق، ص (150). (31)-ينفي فخري صالح هذه الصفة عن "ليلك" القاسم، ويرى "أنّها لم تستطع أن تبني صرحها الرّوائي في إطار هذا الجنس"، انظر كتابه: "في الرّواية الفلسطينية". ص (60). (32)-انظر: سليمان، نبيل: "وعي الذّات والعالم". ص (74). (33)-هالبرين، جون. وآخرون. "نظرية الرّواية". ص (196). (34)-انظر: ريديكر، هورست. "الانعكاس والفعل..". ص (21). ريكاردو، جان. "قضايا الرّواية الحديثة". ص (26). (35)-الأشتر، عبد الكريم. "تعريف بالنّثر العربي الحديث". ص (311). (36)-النّساج، سيّد حامد. "بانوراما الرّواية العربية الحديثة". ص (140). (37)-يميّز البنيويون بين ثلاثة أزمنة للرواية: زمن القصّة (أي زمن المادّة الحكائية) وزمن الخطاب (أي تجليات تزمين القصّة)، وزمن النّص (أي زمن القراءة). انظر: يقطين، سعيد. "تحليل الخطاب الرّوائي". ص (89). (38)-انظر: بوتور، ميشال. "بحوث في الرّواية الجديدة". ص (65). (39)-لوكاش، جورج. "الرّواية التاريخية". ص (46). (40)-انظر: فرّاج، عفيف. "الحريّة في أدب المرأة". ص(258). (41)-صالح، فخري. "في الرّواية الفلسطينية". ص (86). (42)-ريديكر، هورست. "الانعكاس والفعل..". ص (17). (43)-زيرافا، ميشار. "الأسطورة والرّواية". ص (35). (44)-عبد الله، محمّد حسن. "الرّيف في الرّواية العربية". ص (280). (45)-باختين، ميخائيل. "الخطاب الرّوائي". ص (43). (46)-أبو مطر، أحمد: "الرّواية في الأدب الفلسطيني". ص (208). (47)-انظر: صالح، فخري. "في الرّواية الفلسطينية". ص (86). جَماليّات المكان: يبدو "المكان" في الأغلب الأعم من النتاج الرّوائي الفلسطيني وحدة بنائية مركزية، ليس بسبب وعي الروائي الفلسطيني بأنّ هذا المكوّن يمثّل العمود الفقريّ الذي يربط أجزاء أيّة رواية بعضها ببعض(1) فحسب، بل بسبب وعيه أيضاً بالدّور الذي يمكن أن ينهض به في تعميق الموضوعات التي يعالجها، والمعنية، في أكثرها، بعلاقة الفلسطيني بأرضه، أو على نحو أكثر شمولاً بمفردات بيئته الفلسطينية، التي يجسّد من خلالها صلته بقضيته الوطنية من جهة، ووعيه لطبيعة صراعه مع عدوّه من جهة ثانية. وقد دفع اهتمام الرّوائيين الفلسطينيين بالمكان إلى تغطية الخارطة الفلسطينية جميعاً، من نهر الأردنّ شرقاً إلى ساحل المتوسّط غرباً، ومن أقصى الشّمال الفلسطيني إلى أقصى جنوبه، وإلى الحدّ الذي يمكن القول معه إنّ الرّواية الفلسطينية تشكّل ثبوتاًً تكاد تكون تامّة لجغرافية وطنها، وذاكرة أمينة تحفظ للأجيال القادمة ملامح الهوية العربيّة المميّزة لأرضها التي استهدف الاحتلال الصّهيوني، وما يزال، مَحْوها وإزالتها من الوجود. ومن اللاّفت للنظر أنّ عدداً غير قليل من الأعمال الرّوائية الفلسطينية عبّر عن حفاوة كتّابها اللافتة للنظر بهذا المكوّن، أي: المكان، من خلال عناوين تلك الأعمال أيضاً، وليس من خلال السّرد فحسب(2). وعامة، فإنّ ثمّة ثلاثة فضاءات جغرافية مركزية في النّتاج الرّوائي الفلسطيني: الرّيف، والمدينة، والمخيّم. ولعلّه من المهمّ، قبل البدء بتفكيك تجليّات كلّ من تلك الفضاءات في هذا النتاج، الإشارة إلى أنه قد يتداخل أكثر من فضاء في النصّ الروائي الواحد، وإلى أنّ ما سنقاربه هنا، في هذا المجال، معنيّ بالجغرافية الفلسطينية فحسب، وليس بسواها كما في روايات جبرا إبراهيم جبرا على سبيل المثال. الرّيف: تبدو مفردات البيئة الرّيفية أكثر مفردات المكان حضوراً في النتاج الرّوائي الفلسطيني، ومسوّغ ذلك أنّ هذا النتاج غالباً ما كان يجد مرجعه الواقعي، للتعبير عن ارتباط الفلسطيني بالأرض، في الرّيف خاصة، لأنّ الأخير كان أكثر مكوّنات الحياة الفلسطينية تعرّضاً لمخطّطات الحركة الصهيونية التي كانت ترمي، منذ نشأتها، إلى انتزاع الأرض من أصحابها الشرعيين، وإلى جعلهم "في عداد السّوّاح وغير المقيمين"(3) في تلك الأرض، أو خارجها. ومن أبرز ما يميز الرّيف الفلسطيني في مصادر الدراسة، بل في النصّ الروائي الواحد منها أحياناً، ترجّحه بين صورتين: قاتمة تعبّر عن الحياة المعيشية لسكّانه، والثانية مشرقة تمثّل طبيعته الفاتنة حيناً، وطقوسه الاجتماعية الثرّة حيناً آخر. وعلى حين لا تحوز الصّورة الأولى سوى مساحة ضئيلة من حركة السرد في أية رواية، توشّي الثانية معظم تلك الحركة، وإلى حدّ تبدو الطبيعة الفلسطينية معه كما لو أنّها جنّة الله على أرضه. ومسوّغ هذه المفارقة بين الصورتين إلحاح الرّوائيين على إيقاد الحنين في نفوس شعبهم إلى تلك الأرض التي كانوا، وما يزالون، يحبّونها "بطريقة خاصّة جدّاً.. يلمسونها ويشمّونها ويعرفونها قطعة قطعةَ وحجراً حَجراً"(4). إنّ الطبيعة، في الرّواية الفلسطينية، مكان خلاّق حسب وصف "باشلار" للمكان الذي يتّسم بوحدته وتفرّده(5)، ولذلك كان الرّوائيون الفلسطينيون غالباً ما يعمدون إلى الاستفادة من الطّاقات الجمالية التي توفّرها البلاغة (التّشبيه، الاستعارة، المجاز..) للتعبير عن مفردات تلك الطبيعة الآسرة. فالقرية في رواية أمين شنّار: "الكابوس"، على الرّغم من بيوتها الطينية الواطئة وأزقّتها الضيّقة المقرّحة الأجفان التي تنزّ منها روائح العفن، تغفو كأنثى فاتنة بين أحضان جبل شاهق، وقمرها يظلّل الناس بعباءته الناعمة، وأنسامها الطّرية ترطّب أحاديثهم، و"في أيّام الحصاد تصبح القرية في عيد، فيدور الأطفال بطواقيهم على البيادر، ليملأها لهم الرّجال قمحاً". وعبّاد شمس، في "عصافير الشّمال": "تجمع.. أطرافها وتنحني أمام الشّمس وكأنّها تصلي. تفرد كفّها في الليل فيتطاير سكّانها ويتسامرون" وتبدو "حلّة من الوهج تنضج على أطرافها مروج القمح". وعامة، فإنه لا يمكن الفصل في رواية الأرض الفلسطينية بين ما اصطلح "بوتور" عليه بالمكان الواقعي والمكان الرّوائي(6)، لأنّهما معاً لا يبدوان في هذه الرّواية متداخلين فحسب، بل متطابقين أيضاً، ويسعيان في الوقت نفسه إلى رسم الصّورة الحقيقية الحيّة لأرض فلسطين التي تجعل أبناءها "كلّهم.. شعراء بالفطرة"(7)، وتدفع غيرهم إلى القول: "الله، ما أسهل الوصول إلى الفردوس"(8). وعلى الرّغم من أنّ التعبير عن المكان، الأرض خاصة، يتّسم بخصائص تكاد تكون واحدة في معظم إنجازات تلك الرواية، فإنه في أعمال غسّان كنفاني الروائية يكتسب أهمية مميّزة، ليس بسبب المكانة التي شغلتها الأرض في حركة السرد في تلك الأعمال فحسب، بل يسبب تعبيرها أيضاً عن حركة النضال الوطني الفلسطيني. فإذا كانت الأرض في روايته الأولى "رجال في الشّمس" قد عبّرت عن عدائها للفلسطيني بسبب قطيعته المكانية معها بعد عشر سنوات من النكبة، تمثّل في مجملها حال الرّكود في الواقع الفلسطيني، فإنّها في رواياته التّالية بدت على النقيض من ذلك، لأنّها في كلّ منها كانت وثيقة الصلة بمرحلة بعينها من التّاريخ الفلسطيني الحديث، ولأنها كانت تشكّل رمزاً لتطوّره، ومعادلاً جمالياً لحركته الناهضة بعد انطلاقة الكفاح المسلّح. فالأرض في "ما تبقّى لكم" تتجاوز معطاها الواقعي، أي بوصفها مكاناً فحسب، إلى معطى إنساني برع كنفاني من خلاله في تقديم صورة مميزة من معظم النتاج الرّوائي العربي الذي قابل كتّابه بين المرأة والأرض، أو المرأة والوطن. إنّ الأرض، في تلك الرواية، تتخلّى عن القسوة التي ميزتها في "رجال في الشمس"، لتصبح أنثى عامرة بالمودّات ومكتنزة بالحنان، تمنح الكائن الملتصق بها القوّة على مواجهة عدوّه، مغتصبها بآن، كما تطّهره من عار انقطاعه عنها سنوات طويلة. وهي فوق ذلك كلّه، تتحرّر من السّمة المتواترة في أكثر النتاج الرّوائي العربي، أي سمة التّلقي التي تبدو صدى فحسب لعواطف الشّخصيات، لتجمع بين السّمتين الإنسانيتين معاً، الانفعال والتفاعل، أو التأثير والتأثّر، فتقترب من "حامد" بمدى اقترابه منها، وتبتعد عنه بمدى ابتعاده عنها. وهو إذ يختار حبّها بعد تردّد وخوف، فلأنه كان يثق بأنّ نصال العالم كلّه تتكسّر فوق صدرها، ولا تستطيع أن تحصد عرقاً واحداً منها. والمتتبّع للنّتاج الرّوائي الفلسطيني يطالعه كمّ لافت للنظر من أسماء القرى الفلسطينية التي تتصل بالواقع اتّصالاً وثيقاً للغاية، بمعنى أنّها أسماء معروفة في الجغرافية الفلسطينية، وليست علامات لفضاءات متخيّلة. ففي ثلاث روايات فقط على سبيل المثال. هي "العشّاق"، و"عصافير الشّمال" و"الوقائع الغريبة.."، يطالع القارئ أسماء ما يزيد على مئة قرية. وغير خافٍ أنّ هذه السّمة التي ميّزت ذلك النتاج تعني تصدّيه للمحاولات المسعورة للاحتلال الصهيوني في طمس الشّخصية العربية لأرض فلسطين، ولمحاولاته المحمومة التي استهدفت، وما تزال، تدمير عدد كبير من القرى وإزالتها من الخارطة الفلسطينية كما استهدفت تغيير الأسماء العربية لما تبقّى منها إلى أخرى عبرية وإبقاء ما رأت أنّه ذو أصل توراتي، لتأكيد دعوى الحقّ التاريخي المزعوم في أرض فلسطين. المدينّة: على الرّغم من أن الريف أكثر مفردات المكان حضوراً في الأغلب الأعم من رواية الأرض الفلسطينية، فإنّ المدينة تحظى بقدر أوفر من اهتمام كتّاب تلك الرواية بتصوير جماليات المكان الفلسطيني، وتبدو في عدد غير قليل من أعمال أولئك نسيج وحدها في التجربة الرّواية العربية. ليس بسبب صدور تلك الجماليات عمّا هو واقعيّ فحسب، بل لأنّ تشكيلها الفنّي يمتلك تميّزه وخصوصيته بآن في تلك التجربة أيضاً. إنّها، بمعنى ما، ترتبط بشكل وثيق للغاية بما اصطلح "باشلار" عليه بالمكان الذي "عاش فيه بشر ليس بشكل موضوعي فقط، بل بكلّ ما في الخيال من تحيّز"(9)، والذي يبدو نادر الوجود في الرّواية العربية(10). تتحرّك الأحداث والشخصيات في أكثر نتاج غسّان كنفاني الرّوائي في بيئة مدينية خالصة، وأحياناً في أكثر من مدينة فلسطينية في الرّواية الواحدة كما في: "ما تبقّى لكم"، و"عائد إلى حيفا". وإذا كان كنفاني لم يُعنَ بالسّمات المميزة للمدينة الفلسطينية في الرّواية الأولى، بسبب المكانة التي شغلتها "الصّحراء" فيها من جهة وفي تجسيد مغازي السرد من جهة ثانية، فإنه أبدى عناية واضحة بها في الثانية، أي: "عائد إلى حيفا"، وإلى الحدّ الذي بدا معه وكأنّه يصدر عن خبرة مباشرة بتفاصيل حيفا، وعلى نحو ينشّط مخيّلة القارئ معه لإعادة تركيب تلك التفاصيل بنفسه(11)، فهو يضع هذا القارئ أمام عدد غير قليل من شوارع المدينة وأحيائها وساحاتها، وادي النّسناس، شارع الملك فيصل، ساحة الحناطير، الحلّيصة.. ويتيح لـه بآن تخيّل طبوغرافية المكان/ الأمكنة جميعاً. إنّ المدينة عند كنفاني ليست حاضناً للأحداث والشخصيات، أو مكوّناً من مكوّنات النصّ الروائي، بل كائناً حيّاً، ومتحرّكاً، وفيّاضاً بالأحاسيس والمشاعر المرهفة تجاه الشّخصيات التي تنتمي إليه، وهو فاعل ومنفعل بآن، يصوغ تلك الشخّصيات بقدر ما يكون هو أيضاً من صياغتها. فحيفا، في الرّواية السّابقة، لا تبدو لسعيد العائد إليها بعد تسعة عشر عاماً مباني وشوارع فحسب، بل أنثى "آخذة بالبكاء الصّامت" لانقطاع أبنائها عنها كلّ تلك السّنوات الطويلة، ولعودتهم إليها أذلاّء عبر بوّابة "مندلبوم" التي فتحها لهم الاحتلال الصهيوني بعد هزيمة حزيران. ويمثّل المدخل الذي صدّر به رشاد أبو شاور روايته: "العشّاق" عن مدينة أريحا الفلسطينية "صورة إنسانيّة باهرة ومتحررّة ومفعمة بقوّة الإرادة وعظمة الإيمان بالمستقبل، وقوّة نداء الحياة"(12): "في الألف السابع قبل الميلاد بُنيت مدينة أريحا، فهي أقدم مدينة في التاريخ. وفي الألف الثالث قبل الميلاد، أعاد الكنعانيون العرب تشييد أسوارها وأبراجها لحمايتها من الغزاة.. ارتفعت أسوار أريحا واحداً وعشرين قدماً، وعند زوايا السّور جثمت الأبراج"، يحتضنها جبل "التّجربة" الشّامخ، المتوّج بحجارة بيضاء، الذي يبدو "جليلاً، إلهياً، أسطورياً"، تعلّم أهلها الكنعانيون من النّكبات التي ألّمت بهم أنّ "الأسوار لا تحمي النّاس، وأنّ النّاس يجب أن يكونوا هم الأسوار التي تحمي الأرض، والزّرع، والأبناء". وأريحا الحاضر "أنيقة، خضراء، تختفي بيوتها القرميدية وسط غابة أشجار.. أريحا، مدينة جهنّمية، غريبة، خصبة، أريحا ليست مدينة، إنّها تاريخ. في تربتها تمتزج الأساطير بالواقع الحقيقي، الحيّ". وفي الصّورة التالية لأريحا، أي التي تتخلّل سرد الرّواية، حقّق أبو شاور إنجازاً فنيّاً متقدّماً في التعبير عن جماليات المدينة، التي تبدو كما لو أنّها خاصّة، بالمكان الفلسطيني فحسب. ففي تلك الصّورة تتوحّد روح الشّعر بنثر الحياة، وهذان معاً يندغمان في تشكيل لغوي رهيف للغاية، يلامس شّغاف الذات القارئة، ويبلغ حدّاً من القوّة تدفع بالقارئ إلى التوقّف، في أكثر من موضع، عن القراءة ليعيد في مخيّلته تشكيل تلك الصّورة الآسرة التي رسمها الروائي لتلك المدينة: "أريحا مدينة القمر، حين يطلع القمر من وراء جبال مؤاب، ويأخذ في الصّعود، ببهائه الفضّي المشّع، وحين يرشّ أنواره بين أغصان وأوراق أشجار أريحا، يشعر الناس وكأنّ القمر لا يشرق على بلاد أخرى.. في تلك الليالي يخرج الناس للسّهر. فيحملون الدّربكات، وينقرون على جلدها المشدود، ويأخذون في الرّقص، وتدور أكواب الشّاي المنعنع، والبعض يشرب، ويدور في الشّوارع مطلقاً الغناء، والمواويل الحزينة العتيقة، والنّخيل يتطاول، حتّى لكأنّه ينمو وينمو ليبلغ القمر، والسعف تتمايل ببطء مع النسمات الطرية في آخر الليل. والقمر ينخفض، ويزداد تألّقاً.. يقول البعض. أريحا مدينة القمر. ويقول البعض. أريحا مدينة الشمس. ولكن، في كلّ الأحوال، أريحا بوّابة فلسطين، منها دخل الغزاة، ومنها خرجوا. أرضها ارتوت بالدّم، وامتلأت بأجساد الرّجال الشجعان". وتتّسم الصّورة التي قدّمها على حسين خلف لمدينة "عكّا" في روايته: "عصافير الشّمال" باتّصالها الوثيق بالتاريخ، وعلى الرّغم من أنّ ما هو تاريخي في تلك الرّواية لا يضارع مثيله في "عشّاق" رشاد أبو شاور، فإنه يتابعه في تأكيد سمتين ميزتا معظم أجزاء الجغرافية الفلسطينية: المقاومة ضد الاحتلال، والمشاركة في بناء الحضارة الإنسانية: "عكّا مدينة خلقها التّاريخ للحرب، وابتدعت الحرب لتدافع عن نفسها. ومع عكّا نَبَت آدم، وكان أوّل من زرع الزيتون وصنع الزجاج واستخرج الأرجوان". ويمتلك المكان في روايات جبرا إبراهيم جبرا: "السّفينة"، و"صيّادون في شارع ضيّق"، و"البحث عن وليد مسعود"، حضوراً مؤثِّراً في حركة الأحداث والشخصيات. وليس من المبالغة القول إنّ التشكيل الجمالي الذي أبدعه جبرا في هذا المجال، المدينة خاصة، يتّسم بخصوصيته في الأغلب الأعم من النتاج الروائي العربيّ. ففي "السّفينة" يتداخل المعطى المادي للمكان، أي بوصفهِ حيّزاً، بمعطاه العاطفي الذي يبدو خلاّقاً إلى حدّ جعل نفس وديع عسّاف معه "تذوب في قصيدة شعرية لا تُقال إلاَّ في أجمل نساء العالم"(13). يتوزّع المكان الفلسطيني، في "السّفينة"، بين موقعين: القدس والبحر المتوسط. ويحوز الأول مكانة خاصّة في حركة السّرد، وهو في بعض مفاصلها يشكّل مركز الدّائرة التي تستقطب عناصر الرّواية جميعاً نحوها، التي تجسّد بآن علاقة وديع عسّاف بالحياة، أو صلته بأكثر معاني الوجود قداسة: الحبّ، والإيمان، والحرّية، والحقيقة. لقد كانت القدس بالنسبة إليه "أجمل مدينة في الدّنيا على الإطلاق"، بيوتها "من حجر أبيض وحجر وردي وحجر أحمر، بيوت كالقلاع تعلو وتنخفض مع الطرق الصّاعدة النازلة كأنّها جواهر منثورة على ثوب الله. والجواهر تذكّرني بزهور وديانها، فأذكر الرّبيع. وأذكر التماع زرقة السّماء بعد أمطار الرّبيع. والرّبيع في القدس كان هو الرّبيع لأنّك تراه يحلّ في البلد.. فالجبل البلقع في الشتاء قد اخضوضر فجأة أمام عينيك.. لأنّ زهوراً كعيون الأطفال قد نبتت بين الحجارة". صخورها البركانية الزرقاء "نحتت" مغاور وصوامع وجوامع، معلنة ديمومة المدينة عبر الحقب الطوال. لعلّ في باطن الصّخر ناراً ترفض أن تخمد". والروائي لم يكتفِ بتلك الصّورة الفاتنة لمدينة القدس، بل أبدى حرصاً واضحاً على تدوين التفاصيل التي تكوّنها أيضاً: الأحياء والشّوارع والأبنية، وإلى حدّ أتاح للقارئ معه التطواف في أرجائها، والتنقل بين مواقعها: من السور إلى بركة السّلطان، فسوق العطّارين، والطّالبية، والقطمون، والمصلّبة، وجورة العنّاب، والشمّاعة، وسويقة باب الخليل، والبقعة الفوقا، وغيرها كثير. وعلى الرّغم من أنّ ثمّة قصدية واضحة في ذكر بطله لتلك التفاصيل، هي "أن شعراء العرب القدامى كانوا يعشقون أسماء الأماكن ويكرّرونها في شعرهم كأنّها أسماء الأحبّة" كما كان يقول وديع نفسه، فإنّ ثمّة قصداً أكثر عمقاً، هو حرص جبرا على توثيق تلك التفاصيل للأجيال الفلسطينية التي ولدت خارج أرضها، والتي يخشى الكاتب أن تعود إلى تلك الأرض فلا تجد شيئاً من معالمها القديمة التي يحاول الصهاينة إزالتها من الوجود، أو تغيير أسمائها العربيّة إلى أخرى توراتية. وقد بلغ ولع جبرا بمدينته القدس حدّاً جعل من المرأة معه معادلاً تامّاً لبهاء تلك المدينة وفتنتها، كما جعل منهما معاً، القدس والمرأة، رمزاً لشيء واحد هو الجمال في أقصى درجات خصوصيته وتميزه المطلقين، كما بلغ حداً بدت القدس معه "أفضل من ألف امرأة" حسب بطله وديع عسّاف الذي كان يردّد بما يشبه الوجد: "الأرض.. الأرض هي كلّ شيء". وكما لا تبدو المدينة في رواية كنفاني "عائد إلى حيفا" حاضناً للأحداث والشخصيات، أو حيّزاً فحسب، يبدو البحر، في "السّفينة"، عنصراً جمالياً "متحركاً، محسوساً، مؤثّراً"(14) في الأحداث والشخصيات، وحاملاً بآن للتعبير عن صلة وديع بأرض وطنه فلسطين التي كان يركض باستمرار في اتّجاهها: "أنا أحبّ البحر المتوسّط، وأركب السّفينة فيه، لأنّه بحر فلسطين، بحر يافا وحيفا، وبحر هضاب القدس الغربيّة وقراها. فأنت إذا صعدت هضاب القدس ونظرت غرباً، لن تعرف أين تنتهي الأرض وأين يبدأ البحر وأين يلتقي الاثنان بالسماء". ومع أنّ جبرا لم يُعن، في روايته التالية "صيّادون في شارع ضيّق"، بالتفاصيل نفسها التي قدّمها للقدس في "السّفينة"، إلاّ أنه حفظ لقارئه صورتها الآسرة التي ميزتها، وقد صاغ تلك الصورة عبر قصيدة شعرية لبطله جميل فرّان، بدت القدس من خلالها بالنسبة إلى جميل نفسه مدينة من "الزمرّد والبنفسج.. سماؤها ياقوتة لا تنتهي، صدفة غسلتها مياه البحر ورفعتها، لتولد فيها كلّ صباح أفروديت جديدة.. أرض التّربة الحمراء والحجارة بلون الورود، أرض الزّيتون بخضرته التي منذ الطّوفان ما حالت، والشقائق بحمرة الدّم". واستعادت تلك الصورة حضورها في رواية "البحث عن وليد مسعود"، وعلى الرّغم من أنّها لم تتجاوز السمات التي ميزتها في "السّفينة" و"صيّادون.."، أي بوصفها جوهرة، فإنّها بلغت حدّاً من السّحر دفع بالعراقية مريم الصفّار التي زارت القدس مع وليد مسعود إلى القول: "لو لم يبقَ لي من وليد إلاَّ ذكرى القدس وأسوارها، ذكرى وديانها وتلالها، لكان ذلك حسبي.. ما إنْ حطّت الطائرة.. حتّى أردت البكاء. هذه الطبيعة الفاتنة، هذا الهواء، هذه الألوان.. والطريق العريضة بين التلال الخضراء والبنفسجية، ترصّعها منازل الحجر البيضاء. الله، ما أسهل الوصول إلى الفردوس". وتكاد رواية إميل حبيبي: "الوقائع الغريبة.." تشكّل ثبتاً جغرافياً/ تاريخياً لفلسطين(15)، فهي بالإضافة إلى توثيقها أسماء عدد كبير من قرى فلسطين وبلداتها تبدي حفاوة واضحة بوصف الجغرافية التي تكوّن المدينة الفلسطينية أيضاً. ويمكن القول إنّ إبداع الروائي في هذا المجال يتجاوز تعريفه قارئه إلى شوارع عكّا، وأحيائها، وساحاتها، وإلى ما يكوّن تفاصيل كلّ شارع وحيّ وساحة، فحسب، إلى بثّه إحساساً في هذا القارئ كما لو أنه ينتقل بنفسه من شارع النّاصرة إلى حارة الخرّابة، ومن الثانية إلى الفاخورة، ثمّ إلى جامع أحمد باشا الجزّار ويكتشف، بنفسه أيضاً، من الأوابد الباقية، كم تصدّت تلك المدينة لجحافل الطامعين بافتراسها: "صمدت للصليبيين. وردّت نابليون، ولم يدخلها التتار"، كأنّها تاريخ من المقاومة التي تتردّد أصداؤها في كل جزء منها. المخيّم: على الرغم من أنّ فضاء "المخيّم" لا يشغل سوى مساحة صغيرة في رواية الأرض الفلسطينية، فإنّه يبدو فيها وحدة مكانية شديدة الثراء للتعبير عن علاقة الفلسطيني بأرضه. ومن قرائن ذلك أنه يبدو، في الأغلب الأعم من تلك الرواية، معادلاً جمالياً للتعارض الحادّ بين حياة الفلسطيني قبل اقتلاعه من أرض وطنه والحياة الغاشمة الجديدة التي انتهى إليها بعد النّكبة، ولذلك تحتشد الصّورة التي تقدّمها لـه بالفقر والبؤس والمرض دائماً، فالبيوت من الصّفيح، أو الطّين في أحسن الحالات (16)، وسكّانه "أبناء.. التراب، وسوء التغذية (17)، يهاجمهم البعوض "أسراباً أسراباً، فتتورّم الوجوه، وتسخن، وتبرد، وترتجف، وتصفّر، وتموت أحياناً" (18). غير أنّ تلك الصّورة القاتمة ما تلبث أن تتلاشى لتحلّ مكانها صورة نقيضة، مشرقة، تعبّر عمّا يموج داخل المخيّم، أو عمّا يضّطرم في قاع حياته البائسة، وعن عملية إعادة بناء الذات الفلسطينية التي تنتمي إليه، والتي "علّمها الفقر والأحوال السيئة والنكسات المتلاحقة والخيانات المتكررة، ألاّ تعتمد إلاّ على نفسها، وأنّ الطريق إلى فلسطين يتمّ عبرها (19)، بوصفها المهاد الأول للثورة الفلسطينية المسلّحة كما رأى بطل جبرا إبراهيم جبرا في رواية: "البحث عن وليد مسعود". هوامش وإحالات: (1)-انظر: مجموعة مؤلفين. "الرّواية العربية، واقع وآفاق". ص (210) (2)- من هذه العناوين، على سبيل المثال، الرّوايات التالية: "عائد إلى حيفا"، و"بير الشّوم"، و"عصافير الشّمال"، و"حارة النّصارى". (3)-خلف، علي حسين. "عصافير الشّمال". ص (75) (4)-صايغ، روز ماري. "الفلاّحون الفلسطينيون..". ص (16) (5)-انظر: باشلار، غاستون. "جماليات المكان". ص (40) (6)-للتوسّع في العلاقة بين المكانين، انظر: بوتور، ميشال. "بحوث في الرّواية الجديدة". ص (40) (7)-جبرا، جبرا إبراهيم. "السّفينة". ص (17) (8)-جبرا، جبرا إبراهيم. "البحث عن وليد مسعود". ص (232) (9)-باشلار، غاستون. "جماليات المكان". ص (31) (10)-انظر: مجموعة مؤلّفين. "الرّواية العربية، واقع وآفاق". ص (224) (11)-للتوسّع، انظر: باشلار، غاستون. "جماليات المكان". ص (41) (12)-عبد الله، محمّد حسن. "الرّيف في الرّواية العربية". ص (265) (13)-عودة، علي محمّد علي. "الفنّ الرّوائي عند جبرا.." ص (49) (14)-عودة، علي محمّد علي. "الفنّ الرّوائي عند جبرا..". ص (54) (15)-انظر: عبد الله، محمّد حسن. "الرّيف في الرّواية العربية". ص (255) (16)- انظر، على سبيل المثال، روايتي: "أمّ سعد"، "والعشّاق". (17)-أبو شاور، رشاد. "العشّاق". (18)-المصدر السابق. (19)-زين الدّين، أمل. بالاشتراك. "تطور الوعي.." ص (166) الرمز: فرّق صالح أبو اصبع، في معرض دراسته للرمز في الرّواية العربيّة المعنية بقضية فلسطين، بين شكلين له: "الرّواية الرّمزية الخالصة"، أي التي "توصلت بأسلوب رمزي خالص للتعبير عن مضمونها" (1)، و"رمزية الدّلالة"، أي "تلك المعالجات الجزئية التي استخدمت الرّمز، من خلال ما يمتلكه من قوّة إيحاء، ليعمل على توضيح فكرة أو موقف للمساهمة في تفسير الرّمز العام" (2) للرّواية. وعلّل نَدْرَة النصوص الروائية التي تنتمي إلى المستوى الأول بقوله: "إنّ الرّوائيين.. كانوا يضعون في حسبانهم أنّ راوية القضية الفلسطينية.. رواية مناضلة، بمعنى أنّها هادفة وملتزمة، ولذا فإنّها يجب أن تؤدّي دورها الجماهيري. الذي قد لا يتمّ حينما تصبح الرّواية ذات رموز غامضة أو مستغلقة الفهم، وحيث تصبح برمزيتها غير قادرة على توصيل الفكرة إلى أذهان الجماهير" (3). وعامة، فإنّ الرمز في رواية الأرض الفلسطينية يتّسم بالسّمات نفسها التي ميّزت مثيله في الرّواية العربية المعنية بقضية فلسطين، أي بترجّحه بين شكلين: الرّمز المهيمن على مجمل الوحدات المكوِّنة للمحكي الروائي: الأحداث، الشّخصيات، البيئة أو البيئات، الزّمن أو الأزمنة، وربّما اللغة أحياناً، والرّمز الذي يتخلّل بعض تلك الوحدات، ثمّ بندرة المستوى الأول للسبب نفسه الذي دفع الرّواية العربية المعنية بقضيّة فلسطين إلى الابتعاد عنه، والذي يبدو أشدّ وضوحاً في رواية الأرض الفلسطينية. والشكلان معاً لا ينتميان إلى مفهوم "الرّمزية الموضوعية" كما رأى أحمد أبو مطر الذي علّل ذلك باقتراب الرواية الرمزية من الواقع ومعالجته، بقصد بنائه وتغييره نحو الأفضل (4)، ليس لأنّ الرمزية الموضوعية تعني نقيض ما انتهى إليه، أي "تجسيم أفكار مجرّدة، وتحريكها في أحداث.. مصطنعة" (5) فحسب، بل لأنّ الرّوائيين الفلسطينيين لم يستخدموا الرمز بمعناه الموضوعي أيضاً، فهو لم يكن في نصوصهم الروائية موضوعاً "يشير إلى.. آخر.. فيه ما يؤهله لأن يتطلّب الانتباه.. إليه لذاته" (6)، بقدر ما كان أداة توسّلوا من خلالها تعميق تعبيرهم عن المرحلة التاريخية التي يقاربها كل نص من نصوصهم من جهة، وعن علاقة الفلسطيني بأرضه من جهة ثانية، ولذلك لم يكن هذا الرّمز ليربك قارئه في فهم دلالته أو دلالاته، وفي إحالة تلك الدلالات إلى مرجعها الواقعي بسهولة بآن. والنتاج الرّوائي الفلسطيني الصّادر حتّى منتصف الثمانينيات لا يتضمن في داخله أكثر من أربعة نصوص تنتمي إلى الشكل الأول: "مذكّرات دجاجة" للدكتور اسحق موسى الحسيني، و"الكابوس" لأمين شنّار، و"ونزل القرية غريب" (1977) لأحمد عمر شاهين، و"الخيوط" (1980) لوليد أبو بكر. وما يعينا في هذه الدراسة من تلك النصوص روايتا المذكّرات والكابوس، اللتان لجأ الحسيني وشنّار فيهما إلى الرمز الخالص لسببين مختلفين شكلاً، متلاقيين مضموناً. الأول لخوفه من إيضاح الحقائق التي كانت تعصف بالوطن الفلسطيني في مرحلة الأربعينيات وما قبلها، والثاني لحساسية المقولة التي طمح إلى تأكيدها في وعي قارئه، أي أنّ ابتعاد الفلسطيني عن الدِّين هو ما أدّى إلى ضياعه أولاً، ثمّ إلى ضياع أرضه ووطنه ثانياً، وأنّ العودة إليه، كما فعل فرحات درويش وعلي عودة عندما لاذا بمقام الشيخ نجم، تكفل لـه نهوضه من جديد لمواجهة مغتصبي أرضه. وبهذا المعنى، فإنّ الروايتين لم تستخدما الرمز لحاجة جمالية، بل لحاجة أيديولوجية لا تمتلك مشروعيتها، لأنها في الرّوايتين معاً تقول حقائق النّضال الوطني الفلسطيني مقلوبة على رأسها. ولعلّ أبرز ما يميز الرمز في الرواية الأولى، "الكابوس"، سذاجته من جهة، وعدم تحريضه القارئ على اكتشاف مرجعيّاته، فالقرية التي تتحرّك أحداث الرّواية داخلها هي فلسطين، وأهلها هم الشّعب العربي الفلسطيني، والخواجة موسى والخواجات الذين جاؤوا بعده هم المستوطنون الصهاينة، أمّا الشيخ نجم الذي كانت القرية تدين بالطّاعة لـه وتستظلّ ببركاته ولا تصدّق موته، فهو الخلافة العثمانية التي كانت تزعم حملها راية الإسلام، على حين يرمز الشّيخ الجديد إلى الانتداب البريطاني الذي ادّعى أخذه "الولاية" عن الشيخ نجم بعد أن تعرّض الأخير "لما يتعرّض لـه الناس العاديون في أواخر أعمارهم من نوبات الخرف والهذيان" كما تقول الرواية (7). وعلى الرّغم من أنّ الشكل الرّمزي الثاني من رواية الفلسطينية لم يتجاوز حدود الرّمز الذي تحوّل بحكم التكرار والتقاليد إلى نوع من التقرير المباشر، فإنّ عدداً من الروائيين الذين لجؤوا إليه تمكّن من أن يوفّر لرمزه أو رموزه سمات تكاد تكون خاصّة بنصه، ومن أن يملأ هذا الرمز /هذه الرموز بإيحاءات عدّة. فأمّ سعد في رواية كنفاني الموسومة باسمها رمز، كما هي شخصية واقعية، يستجمع لنفسه ثلاث دلالات بآن: الأرض، والوطن، والشعب. تتجلّى الأولى من خلال توحّد أمّ سعد المطلق بالأرض، ليس لأنّ مفردات جسدها كانت تستمدّ معادلها من مفردات الأرض نفسها فحسب، بل أيضاً، لأنّ حضور أمّ سعد وغيابها وتكوينها الانفعالي والوجداني يبدو لصيقاً بالأرض على نحو وثيق للغاية، فهي تضوّع رائحة الرّيف أينما حلّت، وتتعهد تربية ابنها الفدائي سعد "مثلما تتعهد الأرض ساق العشبة الطرية"، فتتحوّل بالفعل الأخير إلى رمز للوطن الفلسطيني بأجمعه، و"لشعب بأكمله وهي مدرسة يتعلّم فيها الإنسان الصّمود والثبات رغم كلّ المحن" (8). وليست أمّ سعد الرّمز الوحيد في الرّواية، بل ثمّة أكثر من رمز آخر (9)، فالدّالية التي تقدّمها أم سعد للراوي، وتقوم هي بزراعتها، رمز للمقاومة المسلّحة التي بدأت غرسها قبل الهزيمة الحزيرانية، وبرعمت بعد أن أكّدت الأنظمة السياسية العربية، آنذاك، عجزها وغرقها في أوهامها التي سترمي باليهود إلى البحر في غمضة عين!!، والوحل الذي يغوص فيه المخيّم ليلة سقوط المطر رمز للغرق في عار الاستسلام للهزيمة، ولاستنفاد قوّة الفلسطيني اللاجئ الذي سيجد نفسه ذات ليلة ملوّثاً به تماماً إذا لم يحمل السلاح ويلتحق بالثّورة "ليسدّ ذلك المزراب" الذي يدلف الشقاء والعَوَز والموت دون معنى إلى الذات الفلسطينية في مخيمات الشتات. والرمز الوحيد في رواية "عائد إلى حيفا"، الذي يتمثّل في صورة المقاتل "بدر اللبدة"، يتضمّن في داخله دلالة شديدة الثراء، ووثيقة الصلة بما يمكّن الفلسطيني من استعادة أرضه التي اقتلع منها، فكما تبدو الصورة معادلاً روحياً لإحساس سعيد بالقهر الذي انتابه بعد اكتشافه أنّ الوطن يعني أن يتشّبث المرء به حتّى الموت، تبدو بآن رمزاً للطريق الوحيدة التي تكفل لسعيد وأمثاله استرداد أراضيهم وبيوتهم بكرامة وليس عبر بوّابة "مندلبوم". يقول الفلسطيني الذي سكن منزل "اللبدة" بعد نزوح أصحابه أيّام النكبة، والذين عادوا إليه بعد هزيمة حزيران لاسترداد صورة شقيقهم الشهيد: "كان يتعيّن عليكم، إن أردتم استرداده، أن تستردّوا البيت، ويافا، ونحن. الصّورة لا تحلّ مشكلتكم، ولكنّها بالنسبة لنا جسركم إلينا وجسرنا إليكم". وكما كانت الدّالية في رواية "أم سعد" رمزاً للمقاومة المسلّحة، فإنّ أشجار النّخيل في رواية رشاد أبو شاور "العشّاق" تحمل الدلالة نفسها. فهي تبدو لمحمود وهو خارج لتّوه من السجن عارية إلاّ من قطوف صغيرة: "ولكن ذات يوم ستنضج هذه القطوف وتحمل الثمار الحمراء والصفراء، وسيأكل الناس رطباً جنّياً، والشرط الوحيد لتحقيق ذلك أن يعبّد الرّاغبون بالوصول إلى تلك الثّمار طريقهم بالدّم، والكفاح، والصبّر أيضاً: "لا بدّ من الصّعود على السلالم الشاهقة، وبعدئذ مواصلة الصعود بمهارة ورشاقة على النتوءات التي تحيط بالجذوع الضخمة الباسقة". وتبدو شجرة الزيّتون عنصراً دائم الحضور في رواية الأرض الفلسطينية، بل في النتاج الروائي الفلسطيني عامة، وهي تمثل في مجمل ذلك النتاج رمزاً "يدلّ على رسوخ جذور الشّعب في أرضه، وعلى استمراره في الزّمن" (10)، كما تمثّل انتماء أرض فلسطين إلى جذرها العربيّ الذي عرفته منذ أقدم حقب التاريخ. ومن أمثلة ذلك في رواية الأرض الفلسطينية رواية "العشاق" المشار إليها آنفاً، التي يؤكّد الروائي فيها، من خلال العلاقة التي يصوغها بين أبي خليل والزّيتونة، أنّ الفلاح الفلسطيني وشجر الزيتون وجهان لشيء واحد، فأبو خليل "هو شجرة الزّيتون.. يعطي الحياة أكثر ممّا يأخذ"، وهي بالنسبة إليه الحقيقة الوحيدة الكفيلة بمناهضة مزاعم الخواجة الصّهيوني داوود الذي أراد اقتلاعهما معاً من أرض فلسطين، بدعوى أنّ قبائل عبرية سكنت تلك الأرض قبل ألف سنة من الميلاد: "لو جاءت شجرة.. وقالت لهذه الشجرة، أنا كنت مكانك هنا قبل ثلاثة آلاف عام، عليكِ أن ترحلي.. لأنّ هذا المكان لي، فماذا سيكون جواب هذه الشجرة؟.. لن تقول لها شيئاً، ستضرب بجذورها عميقاً في الأرض وستعطي زيتوناً وزيتاً وظلاً.. اللّحم والدّم، أقوى من العظام النخرة التي يبحثون عنها، والتي هي ليست لهم أيضاً. هذه العظام، هي بعض جذورنا التي تحجّرت، وتآكلت لتُنبت جذور غيرها". وتعدّ رواية إميل حبيبي: "الوقائع الغريبة.." أكثر النّتاج الرّوائي الفلسطيني حفاوة بالرّمز، غير أنّ رموزها جميعاً، وعلى تعدّدها أيضاً، لا تحرّض قارئها على اكتشاف دلالاتها، لأنها في الأغلب الأعمّ منها، تسلم تلك الدلالات لـه بسهولة. ومن أبرز تلك الرموز أسماء الشخصيات، فسعيد أبو النّحس المتشائل يكثّف اسمه "قدراً هائلاً من واقع عرب الأرض المحتلّة، فهو سعيد وأبي النّحس في الوقت ذاته، وهو المتشائل.. لأنّه لم يعد يميّز التفاؤل من التشاؤم" (11)، كما يكثّف تنازع شخصيته بين موقفين متعارضين: الحبّ للأرض والخيانة لها. ولئن كانت البنية العامّة لخطاب الرّواية تؤكّد غلبة الموقف الثّاني فإنّ الرّموز التي تحيل إليها أسماء الشّخصيات الأخرى، يعاد وباقية وولاء، تنتصر للموقف الأول وتجلو صدأ الصّورة الحقيقية المستقرّة في أعماق المتشائل، ليس لأنّ ما تحيل تلك الأسماء إليه من دلالات تمثّل الهواجس الأولى للفلسطيني فحسب، بل لأنّ الشخصيات نفسها كانت تشكّل الوجود الحقيقي للمتشائل أيضاً، فـ "يعاد" التي أحبّها في صباه تمثّل الحنين الجارف الذي يعتمل في نفس الفلسطيني إلى الأرض التي اقتُلع منها، كما تمثّل إيمانه الأكيد الذي لم تضعفه قوة الغربة بالعودة إليها. أمّا "باقية"، التي تزوّجها، فترمز إلى الفلسطيني الذي آثر البقاء في أرضه على الرّغم من المحاولات التي كانت تستهدف نفيه بعيداً عنها، ويرمز "ولاء"، ابن المتشائل، إلى ولاء الفلسطينيين معاً، داخل الأرض المحتلّة وخارجها، للمقاومة المسلّحة بوصفها الأداة الوحيدة التي تستردّ الأرض من مغتصبيها، والتي تؤكّد ولاءهم لهذه الأرض التي أنبتتهم كما أنبتت، من قبلهم، آباءهم وأجدادهم. والرّواية، عبر رمز شافٍّ للغاية، تؤكّد لهاث الاحتلال الصهيوني لتغييب الشّخصية الفلسطينية وإزالتها من الوجود، وتجذّر هذه الشخصية في أرضها على الرّغم من ذلك. ويتجلّى ذلك من خلال السؤال الذي وجّهه الحاكم الصّهيوني لنفسه بعد أن طلب إلى المرأة الفلسطينية العائدة إلى قريتها "البروة" مغادرة المكان والتوجّه شرقاً، أي خارج الأرض المحتلّة: "فقامت المرأة وقبضت على يد ولدها وتوجّهت شرقاً.. وهنا لاحظتُ أولى الظواهر الخارقة.. فكلّما ابتعدت المرأة وولدها.... ازداد طولاً حتّى اختلطا بظّلْيهما في الشّمس... فظلّ الحاكم واقفاً ينتظر اختفاءهما.. حتّى تساءل مذهولاً: متى يغيبان". ولا يمكن وعي مغزى المحكي الروائي في "إلى الجّحيم أيّها اللّيْلك بمنأى عن وعي الدّلالات لرموز الشّخصيات الرّئيسة الأربع فيها: "الرّاوي أو سمير ودنيا الفلسطينيان، وأوري وإيلانة الصّهيونيان. فالراوي أو سمير رمز للفلسطيني، ودنيا رمز لفلسطين، وأوري رمز للفكر الصهيوني، وإيلانة رمز لأرض إسرائيل المزعومة. والتّعارض الحادّ الذي ينشب بين الشّخصيتين الذّكوريتين ينبثق من أنّ لكلٍ منهما عشيقة واحدة، ولكنّها تحمل اسمين مختلفين، الأوّل حقيقي موغل في انتمائه إلى حقائق التّاريخ، والثّاني وهمي، وزائف، ومنبتّ الصلة بتلك الحقائق نفسها. هوامش وإحالات: (1)-أبو اصبع، صالح. "فلسطين في الرّواية العربية". ص (129) (2)-المرجع السابق، ص (165) (3)-المرجع السابق، ص (128). وانظر: أبو مطر، أحمد. "الرّواية في الأدب الفلسطيني". ص (298) (4)-انظر:أبو مطر، أحمد. "الرّواية في الأدب الفلسطيني". ص (297) (5)-مندور، محمّد. "الأدب ومذاهبه". ص (135) (6)-ويليك، رينيه. بالاشتراك. "نظرية الأدب. ص (196) (7)-رأى صالح أبو اصبع وأحمد أبو مطر أنّ الشيخ الكبير يرمز إلى الدّين. انظر: "فلسطين في الرّواية العربية". ص (133). "الرّواية في الأدب الفلسطيني". ص (316). على حين عمّم شكري عزيز ماضي رموز الرّواية على الواقع العربي، فرأى أنّ القرية ترمز إلى الوطن العربي، وأهلها إلى جماهيره، والخواجات إلى الغرب الرأسمالي. انظر: "انعكاس هزيمة حزيران على الرّواية العربية". ص (61). وغير خافٍ أنّ إحالات الأخير قسرية تلوي عنق الرواية لتناسب الظاهرة التي يدرسها. (8)-سالم، جورج. "المغامرة الرّوائية". ص (110) (9)-ينفي شكري عزيز ماضي وجود "أي رمز" في الرّواية انظر كتابه: "انعكاس هزيمة حزيران..". ص (175) (10)-بسيسو، عبد الرحّمن. "استلهام الينبوع.." ص (53) (11)-أبو مطر، أحمد. "الرّواية في الأدب الفلسطيني". ص (271) وكلمة "أبي" كذا في المرجع. معجم الروائيين(1) أبو شاور، رشاد ولد في قرية "ذكرين" التابعة لقضاء الخليل سنة 1942. درس في أريحا، ثمّ أرغمته ظروف الاحتلال على الهجرة، مع أسرته، إلى سورية التي أقام فيها حتى نهاية الثمانينيات. عمل في صفوف المقاومة الفلسطينية، ونائباً لرئيس تحرير مجلة "الكاتب الفلسطيني". قاص، وروائي، ومسرحي، وكاتب قصص للأطفال. صدرت لـه الروايات التالية: 1973. "أيام الحبّ والموت". 1974. "البكاء على صدر الحبيب". 1977. "العشّاق". جبرا، جبرا إبراهيم ولد في بيت لحم سنة 1919، ودرس في الكلّية العربية في القدس، ثمّ حصل على الماجستير في الأدب الإنكليزي من جامعة "اكسترا"، وعاد بعدها إلى فلسطين ليعمل مدرّساً في الكلّية الرشيدية في القدس، وهاجر بعدها إلى بغداد وبقي فيها حتى وفاته. قاص، وروائي، وشاعر، ومترجم، وفنان تشكيلي، وناقد. صدرت لـه الروايات التالية: 1955. "صراخ في ليل طويل". 1970. "السفينة". 1974. "صيّادون في شارع ضيّق". 1978. "البحث عن وليد مسعود". حبيبي، إميل ولد في حيفا سنة 1919، وتوفي سنة 1996. أحد مؤسسي الحزب الشيوعي الإسرائيلي، وكان عضواً في الكنيست لأكثر من دورة، ورئيساً لصحيفة "الاتحاد". قاص، وروائي، ومسرحي. صدرت لـه الرواية التالية: 1974. "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل". حوراني، فيصل ولد في قرية "المسميّة" /غزّة سنة 1939. وبعد النكبة هاجر، مع أسرته، إلى سورية، وتابع دراسته فيها، وعمل في صحافتها وفي الصحافة الجزائرية. صدرت لـه الروايتان التاليتان: 1973. "المحاصرون". 1979. "بير الشّوم". خلف، علي حسين ولد في قرية "قومية سنة 1945، وتوفي سنة 1998. إجازة في علم النفس من جامعة عين شمس، وعمل معيداً فيها، ثم مديراً لدار ابن رشد للنشر. قاص، وروائي، وباحث. صدرت لـه رواية واحدة، هي: 1980. "عصافير الشمال". خليفة سحر ولدت في نابلس سنة 1959، وجعلت على الدكتوراه من الولايات المتحدة. صدرت لها الروايات التالية: 1974. "لم نعد جواري لكم". 1976. "الصبار". 1980. "عبّاد الشمس". شنّار، أمين ولد في البيرة سنة 1934، وتلقى تعليمه فيها، ثم عمل في التعليم والصحافة، وبعد هزيمة حزيران 1967 هاجر إلى الأردن، واستقرّ فيه، صدرت لـه الرواية التالية: 1968 – الكابوس القاسم، أفنان ولد في يافا سنة 1944، وحصل من جامعة السوربون على شهادة الدكتوراه في أدب غسان كنفاني. عمل مدرّساً في أكثر من جامعة عربية، قاص، وروائي، وناقد. صدرت لـه الروايات التالية: 1974. "العجوز". 1977. "الباشا". 1978. "النقيض". 1979. "الشوارع". 1980. "مدام حرب". 1981. "المسار". القاسم، سميح ولد في الرامة /الخليل سنة 1939، وتلقى تعليمه فيها، ثم حصل على الشهادة الثانوية من الناصرة. شاعر، وروائي. صدرت لـه الروايتان التاليتان: 1978. "إلى الجحيم أيها الليلك". 1980. "الصورة الأخيرة في الألبوم". كنفاني، غسان ولد في عكا سنة 1936، واستشهد في بيروت سنة 1972. عمل معلماً في سورية والكويت، ومحرراً في أكثر من صحيفة ومجلة لبنانية وفلسطينية، وكان الناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. قاص، وروائي، وباحث، وفنان تشكيلي، ومسرحي. صدرت لـه الروايات التالية: 1963. "رجال في الشمس". 1966. "ما تبقّى لكم". 1969. "عائد إلى حيفا". 1969. "أم سعد". (1)-يكتفي هذا المعجم بالتعريف بالروائيين الفلسطينيين الذين شكّلت نصوصهم مصادر هذه الدراسة، كما يكتفي بالتعريف بنتاجهم الروائي بسبب انصرافها إلى هذا الفنّ وحده، وأخيراً بهذا النتاج حتى نهاية 1982، الحدّ الزمني الثاني لها. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |