|
||||||
| Updated: Tuesday, March 01, 2005 09:26 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الرابع: المركز السياسي لمدينة إيسن (2071-1026 ق. م) يتناول هذا الفصل قيام سلالة اسين الأولى ودورها التاريخي في العراق القديم وعلاقاتها السياسية مع السلالات المعاصرة لها لأن الوضع السياسي في مطلع العهد البابلي القديم كان يتسم بتعدد الزعامات السياسية بعد انهيار الحكم المركزي الموحد المتمثل بسلالة أور الثالثة فكانت لهذه المدينة علاقات متباينة مع هذه القوى. أهم هذه العلاقات كان مع المدينة السومرية "نفر" التي كانت أول المراكز التي امتد نفوذ إيسن إليها، ثم مع مدينة أور التي كانت السيطرة عليها تعني الشرعية في الحكم بسبب إدعاء ملوك إيسن أنهم الورثة الشرعيين لحكام سلالة أور الثالثة، ويتناول كذلك هذا الفصل العلاقة مع لارسا المدينة التي كانت تنافس إيسن في السيادة على البلاد، ثم العلاقة مع مدينة بابل التي تمكن ملوكها في آخر الأمر أن يوحدوا العراق تحت حكم مركزي قوي منهين حالة الانقسام والصراع بين السلالات الأمورية الحاكمة. بعد ذلك يتناول هذا الفصل تاريخ مدينة إيسن في الحقبة الزمنية الواقعة بين سقوط سلالة إيسن الأولى وقيام سلالتها الثانية هذه الحقبة التي امتدت من 1794 ق.م حتى 1156 ق.م، أي أنها استمرت ستمائة وثمان وثلاثين سنة تمثلت بعصر سلالة بابل الأولى والعصر الكشي. ثم يتناول قيام سلالة إيسن الثانية التي تشابه كثيراً من الظروف السياسية التي قامت فيها السلالة الأولى، فالعيلاميون هم الذين أنهوا الحكم السابق لكلا السلالتين، كما يشترك مؤسسا السلالتين بأنهما تمكنا من طرد الحامية العيلامية بعد الانسحاب. وأخيراً يتناول علاقات سلالة إيسن الثانية مع الدولة الأشورية ومع بلاد عيلام. في عام 2017 قبل الميلاد تمكن أشبي ـ إيرا من تحقيق طموحه السياسي بإعلان انفصاله عن ملك أور الأخير "إبي ـ سين" وتأسيس سلامة مستقلة في مدينة إيسن تعد من أهم السلالات التي قامت على أنقاض الحكم السومري في أور في سعة نفوذها ونشاط ملوكها ومآثرهم التي خلفوها([1]). ظهرت نوايا إشبي ـ إيرا وكيف أنه كان يعمل لتحقيق مطامح شخصية ويعمل للاستقلال عن سيده في أور، رغم الولاء المعلن لـه من رسالة موجهة من حاكم كزالو المسمى "بوزور ـ نومشدا" إلى "إبي ـ سين"، يخبره فيها أن "شبي ـايرا" قد استقل في الواقع وأنه كان يحاول ضم مدينة كزالو إيله وفي جواب "إبي ـ سين" نجد أنه في حالة ارتباك وضعف وأنه اعترف بحقيقة انفصال "إشبي ـ إيّرا"([2])، الذي ما لبث أن ضم إليه فضلاً عن العاصمة ايسن والأراضي التابعة لها مدناً مهمة مثل نفر وأور بعد أن تمكن من طرد الحامية العيلامية التي خلفها العيلاميون بعد انسحابهم وكذلك مدينة "لجش".([3]) نجح ملوك سلالة إيسن الأوائل في توسيع رقعتها وتنامي قوتها حتى صارت القوة المسيطرة على المنطقة فأبعدوا خطر أبناء جلدتهم من الأموريين عن المدن السومرية([4])، وفرضوا عليهم الضرائب، كما أنهم حاربوا العيلاميين وأقاموا الحصون لصد هجمات أعدائهم([5]). فاحتفظت ايسن بالسيطرة شبه المطلقة على البلاد طوال عهود الملوك الأربعة الأوائل وبهذا بدا وكأن وحدة البلاد المركزية قد تحققت نسبياً، وبقيت تعتم بضلالها على غريمتها مدينة "لارسا" مدة تصل إلى مائة عام، بينما رضي حاكم "لارسا" الأموري "نبلانم"([6]) بما لا يزيد على المدينة التي أحكم سيطرته عليها([7]). ومما تجدر الإشارة إليه أن "إشبي ـ إيّرا" حاول أن يعيد دبلوماسية ملوك سلالة أور الثالثة بالمصاهرات السياسية فزوج ابنته من ابن "خمبان ـ شيميتي" "Humban- Shimti" ملك سيماش([8])، لكي يتمكن من مد نفوذه إلى هذه المملكة([9]). امتدت سلطة إيسن في عهود خلفاء اشبي ـ إيرا لتشمل مناطق واسعة فوصلت حتى بلاد أشور في أوقات من حكم ملك ايسن الثاني "شو ـ أيليشو" والملك الثالث "أدن ـ داكان"([10])، ويستدل من النصوص التاريخية لهذين الملكين أن مملكة "أشنونا" وقعت تحت نفوذ ايسن السياسي بعد انتهاء حكم ملكها "بلالاما"، وكانت مدينة "كاركاكولاتوم" "kar – ka –ku –la-tum" القريبة من مدينة أوبس "Opis" والتي ذكرت في نصوص سلالة أور الثالثة بصيغة "كا ـ كو ـ لا ـ توم" "Kag -gu -la-tum" سوية مع مدن إقليم ديالي والتي ذكرت أيضاً في نصوص ماري وأشنونا قد وقعت تحت سيطرة "أدن ـ داكان"([11]). فهذا الملك ضم إليه مدناً أخرى مهمة جداً، فوقعت تحت حكمة مدينة "دير" فعين ابنه "أشمي ـ داكان" نائباً لـه عليها([12])، كما أخضع هذا الملك مدينة "سبار" مما أدى إلى اتساع مملكته فسيطر بذلك على الأراضي التابعة لمملكة أشنونا في منطقة ديالى الحالية وعلى مسار نهر الفرات الأسفل ذلك الشريان الحيوي لبلاد سومر([13]). حكم الملوك الأوائل لسلالة إيسن حكماً هادئ لم تظهر فيه أية مشاكل وكانت المملكة في تعاظم مستمر، وتزايد قوة، وكان بمقدور ملوكها إدارة شؤونها دون مشاكل خارجية، على الرغم من سعة رقعتها التي امتدت من الخليج العربي جنوباً إلى شمال مملكة أشنونا وحتى أرابخا شمالاً([14]). انسحب هذا الهدوء والاستقرار في الجانب السياسي على استقرار وازدهار في جوانب الحياة كلها، فنفذ الملوك مشاريع بناء ضخمة دون صعوبة تذكر ويبدو أنها تركزت على إعادة بناء أبنية أور التي خربها العيلاميون([15])، وأصبح وضع الأدب الذي كان ازدهاره الأول في عهد سلالة أور الثالثة بمستوى رفيع([16])، فألفت الكثير من القطع الأدبية وأعادوا كذلك استنساخ نصوص قديمة، وتشكل نسخ هذا العصر النسخ الوحيدة الباقية لمؤلفات تاريخية وأدبية مهمة، ودونت كذلك النسخة الأخيرة من قائمة الملوك السومريين([17])، التي ربما دونت بطلب من ملوك سلالة ايسن حيث أنها تضمنت أسماء ملوك هذه السلالة لكنها لم تذكر أسماء ملوك السلالات الأخرى المعاصرة لها([18])، والغاية منها إضفاء الصفة الشرعية على أداء ملوك ايسن أنهم ورثة السلطة في أور وبأمر من الإله انليل([19])، كل هذه المدونات دونت باللغة السومرية على الرغم من أنهم أقوام جزيرية، فإن اللغة السومرية لم يتوقف استعمالها كلغة للأدب والدين([20])، بل إننا لا نبالغ إن قلنا إنها اللغة الرسمية لهم والدليل على ذلك الكتابات الملكية التي جاءت إلينا من ملوكهم([21])، وقد اتبعت في كتابة النصوص الملكية والنصوص الإدارية في ايسن الشكل والصياغة ذاتها الخاصة بإدارة أور الثالثة([22]). قام ملوك سلالة إيسن الأولى وعن قصد بهذه الأعمال باعتبارهم خلفاء لإمبراطورية أور الثالثة، فإننا نجد اعتماداً كاملاً على الحضارة السومرية وهو لا يمثل فكراً رجعياً بل هو تدعيم لشيء ذو قيمة مهدد بالزوال([23])، وأن اعتبار اللغة السومرية كتراث ثقافي لسكان العراق القديم لم يكن بسبب حكام سلالة أور الثالثة بل اشترك في هذا الدور وعن قصد وبشكل جيد حكام سلالة إيسن الأولى([24])،الذين اتخذوا لأنفسهم الألقاب التي تلقب بها الحكام السومريون في أور مثل "ملك أور" و"ملك سومر وأكد"([25])، وأخذوا من اللغة السومرية لغة رسمية تستعمل في التدوين الرسمي لمملكة إيسن([26]). ولم تظهر اللغة البابلية القديمة إلا في حدود حكم الملك الخامس "لبت ـ عشتار" في التدوين الرسمي([27])، وبقيت اللغة السومرية تدرس في المدارس البابلية وتستعمل في تدوين النصوص القانونية والأغراض الدينية ولم تكن لغة رسمية لأية سلالة حاكمة بعد سلالة إيسن الأولى([28]). إن تغير الوضع السياسي من الحكم المركزي إلى حكم يشبه ما كان سائداً في عصر دويلات المدن السومرية قد رافقه تغير ملحوظ في هيكل النظام الاقتصادي فيظهر انحلال مركزية الاقتصاد([29])، فأخذ النشاط الاقتصادي الفردي يتطور بحرية وأصبح أكثر هيمنة على الحياة الاقتصادية في المنطقة([30])، علماً أن ملوك سلالة إيسن الأولى أقاموا علاقات تجارية نشطة مع مناطق خارج حدود العراق القديم وخاصة مع المراكز الحضارية في الخليج العربي مثل دلون ومكان([31]). بعد انتهاء حكم الملوك الأربعة الأوائل بدأ نفوذ سلالة ايسن بالانحسار وبدأت قوة لارسا تتعاظم، ويبقى مبهماً قبول ملوك إيسن الأوائل، الذين امتلكوا قوة عظيمة لا يستهان بها، السماح لخصم مهم أن يبقى في منطقة قريبة جداً من حدودهم، وقد أرجع الأمر إلى طبيعة المنطقة التي قامت فيها سلالة لارسا، فهي مستنقعات، والتي كونت فيما بعد مجال حكم ملوك سلالة القطر البحري، والتي كانت في أغلب الأحيان منيعة حتى على حكام بابل العظام([32])، بقيت سلالة ايسن تعاني بعد ذلك من ضعف واضح في سلطتها التي كانت بين توسع وانحسار تبعاً لقوة وضعف حكامها، وفقدت بعض من مقاطعاتها المهمة فقد انسلخت منها مدن عديدة وتراجعت من الشمال حتى غدت سلطتها تشمل المناطق الواقعة إلى الجنوب من بابل فقط. أما من جهة الجنوب فإنها فقدت مينائها المهم وهو "أور"([33]). واستمرت قوتها تتدهور على العكس من "لارسا" التي بلغت أوج قوتها في زمن ملكها "ريم ـ سين" الذي أخضع لسلطته في سنة "1803 ق.ب" مدينة "أوروك" وكان ذلك بعد انتصاره على حلف مكون من مدن "أوروك"، "بابل"، "رابيقم"([34]) ومدينة إيسن. احتل "ريم ـ سين" في عام "1794 ق.م" مدينة إيسن فأسقط أخيراً أقدم أعداء "لارسا" وبعد هذا التاريخ بسنتين اعتلى حمورابي العرش في بابل([35])، وبهذا زالت دولة من دول المدن المهمة المتنافسة في مطلع العهد البابلي القديم التي صار اسمها يدل على الحقبة الزمنية الأولى من هذا العهد([36]). أما مدى الأهمية التي احتلتها هذه الحادثة في تصور الملك "ريم ـ سين" فإنها موضحة بحقيقة أنه سمى جميع السنوات المتبقية من حكمه ولمدة ثلاثين سنة إلى ضم ايسن: ـ "من السنة الأولى من فتح إيسن إلى السنة الثلاثين من فتح إيسن وبتسلسل زمني"([37]). احتلت مدينة نفر ـ المدينة السومرية المقدسة ومركز عبادة الإله انليل كبير الأهلة السومرية ـ مكانة مهمة جداً لدى ملوك سلالة إيسن الأولى فكانت المدينة الأولى بمعية العاصمة إيسن التي سيطر عليها الملك "إشبي ـ إيّرا" بعد استقلاله عن سلطة "ابي ـ سين"([38])، وبقيت تحت ظل حكم ملوك ايسن حتى منتصف القرن التاسع عشر قبل الميلاد وقد أولاها هؤلاء الملوك عناية كبيرة فقاموا بإصلاح أبنيتها وقدموا الهدايا للآلهة في معابدها وخاصة معبد الإله إنليل([39])، وإلى هذه المدينة حول ملوك ايسن قضايا قانونية لبت فيها، أي أنها كانت مركزاً للقضاء([40]). إن انتقال نفر من سلطة أور إلى إيسن كان سلمياً ولم يأت عن طريق حرب أو تمرد، ومما يذكر أن مدينة نفر تمتعت باقتصاد قوي جداً وذلك لعدة أسباب منها إعفاء سكان المدينة من الضرائب ومن الخدمة العسكرية فنما اقتصادها كذلك نمواً ملحوظاً بسبب الأموال التي كانت تصل إليها كهدايا تقدم إلى معابدها من الملوك أو من العامة من الناس([41])، ومما ساعد على هذا النمو الاقتصادي ما قام به أولاً الملك "اشمي ـ داكان" وهو إعفاءه لسكان مدينة نفر من الخدمة العسكرية ومن دفع الضرائب سواء كانت بالفضة أو بالذهب، وأبقى أهل هذه المدينة يعملون في أملاك آلهة مدينتهم دون قيود عليهم ولا على وارداتهم([42]). أما السيطرة السياسية على مدينة نفر فإن سيطرة مملكة إيسن عليها بقيت مستمرة حتى ما يقارب النصف الثاني من القرن التاسع عشر قبل الميلاد حتى تمكن حاكم لارسا "سومو ـ إيل" من انتزاع مدينة نفر من سلطة الملك "لبت ـ إنليل" الذي تميز حكمه بالضعف، لكن تواريخ حكم الملك اللاحق لـه "إيرا ـ إيميتي" تشير أنه تمكن من إعادة مدينة نفر لسلطة مملكة إيسن بعد أن امتلك قوة مكنته من أين يعيد شيئاً من هيبة إيسن في عهودها الأولى([43]). خضعت مدينة نفر بعد حكم ملك ايسن "ايرا ـ ايميتي" إلى سلطة لارسا وكان ذلك في عهد ملكها "سين ـ أدنام"، إلى أن تمكن ملك إيسن "أور ـ دوكوكا" من استعادتها ولو لمدة قصيرة جداً رغم اتصاف حكمه بالضعف([44]). تشير الوثائق التاريخية إلى أن مدينة "نفر" كانت تحت سيطرة ملوك إيسن منذ تأسيس سلالة إيسن حتى حكم "لبت ـ إنليل"، أي ما يقارب من "1849 ـ 1843 ق.م" وهي مدة حكم ملك لارسا "سين ـ أدنام" وفي الأعوام التالية 1836، 1833، 1830، 1813، 1802 ق. م وتحت سيطرة لارسا في الأعوام "1838، 1835، 1832، 1828، وما بعد العام 1802 ق.م وحتى سقوط مملكة إيسن في عام 1794 ق.م. تمثل مدينة أور مركزاً حضارياً مهماً، وبقيت محافظة على مكانتها هذه حتى بعد أفول نجمها السياسي، فقد أولاها حكام سلالة إيسن الأولى اهتماماً أكبر حتى صارت مساوية لمدينة إيسن العاصمة من حيث الأهمية. يرجع زمن العلاقة بين المدينتين إلى ما قبل اتخاذها عاصمة رسمية من قبل إشبي ـ إيّرا، أي إلى الفترة التي بدأ فيها هذا الملك التخطيط للاستقلال عن ملك أور ففي رسالة إلى "ابي ـ سين" نقرأ([45]): " إلى أبي ـ سين، هذا ما يقوله خادمك "إشبي ـ إيّرا" لقد وليتني مسؤولية حملة إلى "إيسن" و"كزالو" لشراء القمح لقد وصل سعر القمح إلى "شيقل" واحد لكل "كور" وحتى هذا التاريخ أنفقت عشرون "تالنت" من الفضة لشراء القمح ولكن الآن بعد أن سمعت بأن المارتو المعادين دخلوا إلى بلادك جلبت إلى إيسن "7200" كوراً من القمح، جلبتها كلها، الآن دخل المارتو جميعهم إلى وسط البلاد واستولوا على الحصون العظيمة الواحد بعد الآخر وبسبب المارتو، فإنني غير قادر على نقل القمح إنهم أقوى بكثير مما أقدر عليه وإنني مشلول الحركة... يا مليكي إن العيلاميين قد ضعفوا في المعركة، قمحهم قد انتهى، فلا تضعف ولا توافق على أن تكون عبداً لهم، ولا تمش وراءهم، لدي من القمح ما يكفي مدة "15" عاماً لسد حاجة قصرك ومدنه، يا مليكي، ضعني مسؤولاً عن إيسن ونفر" من هذه الرسالة نفهم أن بداية الانفصال كان بطلب وبالتماس من إشبي ـ إيّرا للاستقلال بمدينة إيسن ويظهر أن إشبي ـ إيّرا اختار هذه المدينة لأسباب منها الموقع الجغرافي([46]). وتعد هذه الحالة من المساومات السياسية الشهيرة في تاريخ العراق القديم ونتج عنها قيام مملكة حاكمة أصبحت فيما بعد الوريثة الشرعية لسلالة أور الثالثة في بلاد سومر وأكد([47])، وبعد مدة زمنية من قيام سلالة إيسن الأولى وبعد سقوط سلالة أور الثالثة على يد العيلاميين في عام 2006 ق.م، قام إشبي ـ إيّرا بطرد الحامية العيلامية وعين ابنته كاهنة عظمى في معبد الإله ننا وأعاد إعمار أبنية المدينة ومنها معبد الإله ننا، وسار خلفاؤه على هذا النهج وبقيت مدينة أور تابعة لسلطانه حتى عهد لبت ـ عشتار عندما تمكن "كنكونم" من اقتطاعها وإلحاقها بسلطة مدينة لارسا([48]). على الرغم من وقوع مدينة أور تحت سيطرة لارسا إلا أننا نجد الملك "أور ـ ننورتا" ملك إيسن السادس يقدم هدية نذرية لمعبد الإله "ننا" في مدينة أور، وهذا يدل على أن الوحدة الدينية للبلاد قد تجاوزت الوحدة السياسية([49]). بقيت مدينة أور تحت نفوذ مملكة لارسا بعد أن تمكن ملكها "كنكونم" من السيطرة عليها إلا أنها عادت إلى سلطة مملكة إيسن ولكن لأوقات قصيرة فقد استطاع ملك إيسن السابع "بور ـ سين" من استعادتها وضمها لنفوذه، ولكن سيطرته على مدينة أور لم تدم طويلاً([50])، ثم عادت إلى سلطة مملكة لارسا وبقيت تحت نفوذها إلى نهاية سلالة لارسا على يد حمورابي([51]). تعد مدينة لارسا من المدن القديمة التي لعبت دوراً بارزاً في تاريخ العراق القديم وبالأخص بعد انتهاء الحكم السومري بعد سقوط أور فقد أسس فيه "نبلانم" سلالة أمورية استمر حكمها حتى عصر حمورابي الذي تمكن من الانتصار على آخر ملوكها "ريم ـ سين" وكان ذلك في عام "1763 ق. م"([52]). كانت لارسا موجودة كدولة مستقلة خلال السنوات المبكرة من قيام مملكة إيسن حتى وإن كانت الأخيرة مسيطرة على مدن أورن أريدو، الوركاء وإلى الجنوب والغرب من مدينة لارسا نفسها([53])، وعلى الرغم من وقوع لارسا على نهر "أتورونجال" “Iturungal"([54]) بعد أن يتفرع إلى قسمين غربي تقع عليه فضلاً عن لارسا نفسها مدينة "باد ـ تبيرا"، وشرقي تقع عليه مدينة "كرسو" وكذلك "لجش"، حيث يتصل الفرع الغربي بما صار فيما بعد المجرى الرئيسي لنهر الفرات([55])، إن هذا يضعنا بشكل مباشر على الطريق النهري المؤدي إلى مدينة أور وإلى أريدو. لكن كان بالإمكان تجنب الاصطدام مع إيسن التي سيطرت على المحور الشمالي على النقيض من لارسا التي كان نشاطها دائماً موجه نحو مدينة لجش([56]). لسنا متأكدين من طبيعة الدور الذي لعبته لارسا خلال عهود حكم الملوك الأربعة الأوائل لإيسن([57])، وهناك ثبت ملوك يعود إلى زمن خليفة حمورابي "سمسو ـ أيلونا" يدل على أن نبلانم "2025 ـ 2005 ق.م" وهو من أصل أموري، قد أسس سلالة في لارسا قبل استحواذ إشبي ـ إيّرا على الحكم في ايسن بثماني سنوات([58]). وكانت لارسا في مدة حكم ملوكها "نبلانم، أميصم، سابيوم، وزابيا" دون مدينة ايسن من حيث القوة وسعة النفوذ([59])، ويبدو أن مدينة إيسن لم تحاول توجيه أي ضربة لمدينة لارسا بل بقيت العلاقة بينهما ودية خلال مدة حكم إشبي ـ إيّرا([60])، لقد أخذت قوة لارسا تتعاظم بمرور السنين منذ انتهاء حكم إشبي إيّرا. وهكذا فقد تكاثرت الحروب والمنازعات خلال القرن التاسع عشر قبل الميلاد بين ايسن ولارسا التي استفاد منها أمراء مدن أخرى واستغلوها للتمرد، ففي الجنوب قامت سلالة حاكمة في مدينة الوركاء ـ العاصمة السومرية القديمةـ . بزعامة "سين ـ كاشيد" ومن بعده" سين ـ كاميل" وفي الشرق تزعم أحد الشيوخ الأموريين وهو "؟ سلالة قامت على الحدود العراقية ـ العيلامية([61])، فلم تستقر الأمور طويلاً حتى تعرضت إيسن إلى هجوم في السنة العاشرة من حكم ملكها الخامس "لبت ـ عشتار" وبذلك تمكن "كنكونم" أن يفرض سيطرته على المنطقة، فأضاف إلى ألقابه لقباً جديداً هو "ملك سومو وأكد" وهما لقبان كانا حكراً على ملوك سلالة إيسن منذ سقوط سلالة أور الثالثة([62]). كان كنكونم على علاقة طيبة مع إيسن على الرغم من احتلاله لمدينة أور، فقد جعل لبت ـ عشتار ابنته كاهنة عظمى لمعبد الإله ننا وهي وظيفة كانت تشغلها الأميرات منذ عهد سرجون الأكدي([63])، إن استمرار لارسا في توسيع نفوذها وانحسار نفوذ ايسن كان الصفة المميزة للأوضاع السياسية في القرن التاسع عشر قبل الميلاد تبدأ من حكم لبت ـ عشتار إلى أن وصل الحكم إلى "ريم ـ سين"([64])، فبعد أن تمكن "كنكونم" من مد نفوذه إلى مدن تابعة لإيسن اشتبك مع العيلاميين بحرب لم تصلنا تفاصيلها وفي هذا الوقت استغل أور ـ ننورتا انشغال كنكونم في حربه مع العيلاميين فاعتلى عرش إيسن، وحينما فرغ كنكونم استعد لمقابلته فقام بترميم سور مدينة لارسا مهيداً للحرب([65])، كانت المواجهة الأولى في صالح "أور ـ ننورتا" وقتل كنكونم في ساحة المعركة فخلفه ابنه "ابي ـ سارة" الذي حقق نجاحاً كبيراً ولم يعثر على أي نص يوضح ما هي أسباب ونتائج هذه الحرب، ولكن مدينة أور، وهذا ما ثبت تاريخياً، تحولت من سلطة إيسن إلى لارسا ويستدل على ذلك من نصب لتذكاري لأبي ـ سارة يذكر اسمه وهيمنته على أور([66]). وفي هذا الوقت كانت أقطاب القوى تتمثل في إيسن، لارسا، الوركاء، بابل، مع القوة المتنامية لأشور في الشمال([67])، وكان من الطبيعي أن تميل إيسن وبابل الواحدة للأخرى، وفي البداية نشب النزاع فيما بين إيسن وبين لارسا وأن لارسا كانت أقوى وكان ذلك في عهد ملكها "ريم ـ سين"([68]) الذين تمكن من القضاء نهائياً على سلاسة إيسن في عام 1794 ق.م وبذلك أصبحت لارسا وجهاً لوجه مع بابل وكان ذلك قبل اعتلاء حمورابي عرش الحكم في سلالة بابل الأولى فبدأ الصراع بينهما من أجل السيطرة على البلاد([69]). فضلاً عن الرغبة في التوسع السياسي كان هناك محفز آخر للصراع بين إيسن ولارسا وهو نزاعهما حول المياه، حيث شكلت المياه ومازالت أحد أهم الأسباب لإثارة النزاعات في منطقة السهل الرسوبي وجنوب العراق بالتحديد، فقط ظلت سيطرة ايسن على مدينة "كيسورا" حتى آخر أيامها وكيسورا تقع على النهر الذي تعتمد عليه لارسا في إرواء الأراضي التابعة لها([70]). وشكلت مدينة نفر والسيطرة عليها سبباً آخر للنزاع بين المدينتين وهذا ما سيوضح في موضوع العلاقة بين إيسن ونفر. في ضوء ما تقدم يظهر أن أسباب النزاع بين إيسن ولارسا تكمن في ما يأتي: ـ أولاً: الجانب الديني، حيث شكلت مدينة نفر لمكانتها الدينية وقدسيتها أحد أهم الأسباب والسيطرة عليها نعطي شرعية في حكم البلاد. ثانياً: الجانب السياسي، وتمثل هذا في السيطرة على مدينة أور العاصمة الأخيرة للسومريين، والسيطرة لعيها تعني السيطرة على البلاد بأسرها. ثالثاً: الجانب الاقتصادي، ولعبت المياه والتحكم بها الدور الأكبر في توجيه الصراع. تعد مدينة بابل من المدن المهمة جداً حيث صارت بعد مدة من تأسيس الأموريين فيها سلالة حاكمة، عاصمة لواحدة من أكبر الإمبراطوريات التي حكمت في العراق القديم، ولم تكن لها أهمية كبيرة قبل هذا العهد، وأنها أصبحت تابعة لسلطة ملوك إيسن بعد سقوط أور([71]). ومن الأمور المهمة بالنسبة لتطور الأحداث أن سيطرة إيسن على مدينة بابل الصغيرة وضواحيها بدأت تتزعزع حيث يخبرنا أحد النصوص الفأل من العصر البابلي القديم عن تصادم قد حدث بين ملك إيسن "اشمي ـ داكان" ومملكة كيش ونتيجة هذا هو اندحار مملكة إيسن مما أفقدها السيطرة على بابل التي صارت تحت نفوذ "كيش"([72]). يتحدث هذا النص كذلك عن عدم الاستقرار الذي سببه تدفق الأموريين([73]) مما أدى إلى إلحاق الأذى ببعض المدن ومنها مدينة نفر التي لحق بها تدمير واضح، وهذا النص يشابه مرثية أور من حيث الأسلوب الأدبي([74])، وفي هذا الوقت نصب أحد الأموريين نفسه أميراً على بابل وهو "سومو ـ أبوم" استقل بإدارة شؤونها وأخذ يمد نفوذها باتجاه المدن المجاورة لـه ففي السنة الثالثة عشرة من حكمه أخضع مدينة كزالو([75]). خلفه في الحكم ابنه "سوموـ لئيل" الذي حكم ستة وثلاثين عاماً تمكن فيها من إخضاع مدينة كيش، وكان مشرعاً مثل "لبت ـ عشتار" ملك إيسن، حيث أشار إلى أنه وضع الأسس الأولى للتشريع([76]). إن "سين ـ مبلط" "1812 ـ 1793 ق.م" وهو آخر ملك قبل حمورابي يذكر في أخباره السنوية انتصاره على أور وإيسن([77])، ويبدو أنه اندحر في هجومه على لارسا مما أدى إلى عودة إيسن إلى سلطة لارسا([78])، بعد هذا الوقت اعتلى حمورابي عرش بابل وفي السنة السابعة من حكمه هجم على مدينتي إيسن والوركاء فأخضعها وأرخ سنة حكمه السابعة بهذا الحدث([79])، هذا في الجنوب أما في شمال بابل فإن حمورابي استغل وفاة "شمشي ـ أدد الأول" فأخذ على عاتقه سياسة التوسيع العسكري فمد نفوذ مملكته في ذلك الاتجاه([80]). بقيت إيسن تحت حكم حمورابي وخلفائه حتى نهاية سلالة إيسن بابل الأولى وتمتعت بمكانه مرموقة لدى ملوكها فقاموا بأعمار أبنيتها وقدموا النذور للآلهة كولا في معبدها في هذه المدينة([81]). مدينة إيسن في المدة الواقعة بين حكم السلالتين: ـ انتهى حكم السلالة الأولى بعد أن تمكن ريم ـ سين، حاكم مدينة لارسا من السيطرة على مدينة إيسن في حدود عام "1794 ق.م"، في زمن آخر ملوكها "دامق ـ أيلشو"، وكانت الحملات العسكرية والحروب هي الصفة الغالبة لحكم "ريم ـ سين" حيث لا توجد دلائل على قيامه بأعمال عمرانية في إيسن بالتحديد([82]). بعده خضعت لسلطة ملك بابل الشهير حمورابي حيث يذكر نص كتابي أنه ضم مدينتي إيسن والوركاء في العام السابع من حكمه([83])، ولم تشهد المدينة تجديداً عمرانياً أو اهتماماً مثلما حصل مع العاصمة بابل حيث حصر حمورابي والعديد من خلفائه اهتمامهم بالعاصمة فقط وركزوا مختلف أوجه النشاط الاقتصادي والثقافي والديني فيها على حساب المدن والأقاليم الأخرى([84]). ([1])- باقر، طه، مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة، ج1، ص412، وينظر كذلك: ـ موسكانين سبيتنو، الحضارات السامية القديمة، ص 68. ([12]) ـ باقر، طه، مقدمات في تاريخ الحضارات القديمة، ص 422، وكذلك بوترو، حين، وآخرون المصدر السابق، ص 163. ([16]) ـ أوتس، جون، بابل تاريخ مصور، ص 79. فضلاً عن قائمة الملوك السومريين دونت في هذا الوقت مرثية أور التي تمثل صورة واقعية للدمار الذي حل بالمدينة. ([20]) ـ أوتس، جون، المصدر السابق، ص 79كريمر، صموئيل نوح، الأساطير السومرية، (بغداد، 1971)، ترجمة يوسف عبد القادر، ص 38. ([21]) ـ 79كريمر، صموئيل نوح، الأساطير السومرية، (بغداد، 1971)، ترجمة يوسف عبد القادر، ص 38.باقر، طه، مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة، ج1، ص 413. ([30]) ـ ديكانوف، وجماعة من علماء الآثار السوفيت، العراق القديم، (بغداد، 19856)، ترجمة سليم طه التكريتي، ص 127. ([34]) ـ رابيقم: ـ مدينة عراقية قديمة على نهر الفرات في منطقة الرمادي الحالية ولم يحدد موقعها لحد الآن ([45]) ـ كريمر، صموئيل نوح، السومريون، تراثهم وحضارتهم، ص 481. وينظر كذلك - Kuhart , Amelie , OP. Cit., p71. ([54]) ـ أتورونجال/ ـ أحد الأنهار القديمة وتقع عليه مدن مهمة مثل كوثي، وأدب ، وهو فرع من نهر الفرات. ([74])ـ يمكن التمييز بين موجتين للأموريين الذين نزحوا إلى العراق، الموجة الأولى هي التي بدأت في زمن حكم أبي ـ سين آخر ملوك سلالة أور الثالثة والتي نتج عنها قيام سلالتي ايسن ولارسا، أما الموجة الثانية فقد جاءت من مناطق الفرات الأعلى والأوسط بعد مدة من الموجة الأولى ونتج عنه قيام سلالة بابل الأولى. ينظر حول ذلك، باقر، طه، وآخرون، تاريخ العراق القديم، ج1،ص 170. |