|
||||||
| Updated: Tuesday, March 01, 2005 09:27 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
كان عهد خليفة حمورابي المسمى "سمسو ـ أيلونا" "1749 ـ 1712 ق.م" يتميز بكثرة الحملات العسكرية فاتخذ من مدينة إيسن قاعدة لـه لهجومه على "ايلوما ـ ايلو"([1]) فقامت بين الطرفين سلسلة من الحروب دمرت خلالها مدن جنوبية مهمة في مقدمتها مدينة أور وإيسن([2])، وقد خلف لنا "سمسو ـ ايلونا" في مدينة إيسن نصوصاً كتابية عديدة مؤرخة باسمه([3])، ففي سنة حكمه العاشرة كانت مدن أور، الوركاء، لارسا، إيسن ونفر من المدن الواقعة تحت سيطرته إلا أن النصوص الكتابية غير واضحة بسبب التلف الذي لحق بها([4])، وترد إشارات قليلة عن مدينة إيسن في أواخر حكم سلالة بابل الأولى حيث قام الملك "أيمي ـ ديتانا" ([5])"1683 ـ 1647 ق.م"، بتجديد لمعبد كولا، وكذلك يرد ذكرها في نصوص ملك سلالة بابل الأخير "سمسو ـ ديتانا"([6]) "1625 ـ 1595 ق.م". اكتسبت مدينة إيسن أهمية كبيرة في العصر الكشي، وهذا ما يشير إليه انتعاش السكن فيها. أن المخلفات الأثرية من هذا العصر تغطي كل جهات المدينة، وكذلك عثر على رقم طينية دون عليها اسم الملك كوريكالزو تذكر قيامه بتجديد معبد الإلهة غولا في ايسن([7])، وبعد هذا العصر تغفل المصادر التاريخية عن ذكر المدينة حتى حكم الملك "أدد ـ شما ـ أدنا"([8]) "1224 ـ 1219 ق.م" ففي هذا العصر نجد أن مدن أخرى بمعية ايسن مثل مرد عانت من هجوم عيلامي قادة "كتن ـ ختران"([9]) “Kitin – hutran" ألحق تدميراً واسعاً بالمدن الجنوبية، وردت إشارة الهجوم في إحدى نصوص الوقائع التاريخية الذي تتخلله بعض الخروم وفيما يأتي ترجمة لما تبقى من النص([10]): ـ "في زمن الملك أدد ـ شما ـ أدنا، عاد كتن ـ ختران وهاجم بلاد أكد للمرة الثانية... دمر ايسن، عبر نهر دجلة... مدينة مرد، فهزم جمعاً كبيراً... و... أبعد إلى أرض غير صالحة". من هذا النص يمكن أن نستشف أن هذه المدن تعرضت قبل هذا الوقت لحملة من قبل العيلاميين الذين شكلوا مصدر الخطر على مراكز الحضارة العراقية القديمة، وأن مدينة إيسن عانت كثيراً من هذا الهجوم، ويمكن أن نتصور حملة هذا الملك بأنها ضمت أعداد كبيرة بسبب ورود كلمة "دمر مدينة إيسن" وكذلك "هزم جمعاً كبيراً". بعد هذه الحادثة تغفل المصادر التاريخية عن ذكر مدينة إيسن ومكانتها عند الملوك الكشيين المتأخرين ثم يبدأ دورها في عهد الملك مردوخ ـ كابت ـ أخيشو. قامت سلالة إيسن الثانية "بابل الرابعة" بحدود عام 1156 ق.م واسم السلالة مدون في قوائم الملوك البابلية باسم "بالا ـ با ـ شي" “BALA - PA –ŠA"، والاسم مأخوذ من الكلمة البابلية "أيشنو" "I Šinnu" والتي تعني الساق، وقد وردت أيضاً تحت اسم "با ـ شي" "PA - ŠE"، وهو أحد أكثر الروابط بين مدينة إيسن وسلالة بابل الرابعة([11]). هناك احتمالان لأصل هذه التسمية، الأول هو أن العاصمة الأولى لهذه السلالة هي مدينة إيسن ومن ثم تحولت إلى مدينة "بابل"، والاحتمال الثاني هو أصل مؤسس سلالة ايسن الثانية كان من مدينة إيسن([12]). يمكننا أن نرجح الاحتمال الأول لعدة أسباب منها: ـ أولاً: لقد أثبتت التنقيبات الأثرية التي قامت بها البعثة الألمانية في مدينة إيسن للأعوام 1974 ـ 1975 بأن المدينة نمت وتوسعت توسعاً ملحوظاً، وشيدت فيها أبنية كثيرة خلال نهايات الألف الثاني قبل الميلاد وأوائل الألف قبل الميلاد، وعلى وجود فعاليات زراعية واهتمام بمجاري الأنهار. ثانياً: عدم ذكر مدينة بابل في بداية حكم هذه السلالة مع ذكر للآله "داكان" في نص للملك "اتي ـ مردوخ ـ بلاطو" ثاني ملوك هذه السلالة، وهو من الآلهة المقدسة في مدينة ايسن. ثالثاً: على الرغم من اتخاذ بابل عاصمة لسلالة إيسن الثانية فيما بعد إلا أن حاكم مدينة إيسن كانت لـه مكانة مميزة بين الحكام التابعين لملك بابل. ومما تجدر الإشارة إليه أن اسم سلالة إيسن الثانية وأسماء ملوكها ومدد حكمهم قد عرفت أولاً عن طريق قوائم الملوك البابلية القائمة "A,C” وتم تعزيزه عن طريق المقارنة مع الوثائق المعاصرة لها وخاصة النصوص الآشورية، وقد جاءت هذه كلها متوافقة تماماً من النصوص الاقتصادية العائدة لملوك هذه السلالة. يعد قيام سلالة إيسن الثانية رد فعل سياسي على الأوضاع التي كانت سائدة في ذلك العصر([13])، حيث نتج عن قيامها طرد الحامية العيلامية من بابل، وقيام حكم وطني بعد أن خضعت بلاد بابل لاحتلاله طويل جداً تمثل بالعصر الكشي الذي انتهى على يد غزاة آخرين هم العيلاميون، الذين تمكنوا من إنهاء السيطرة الكشية إثر تكرر حملاتهم العسكرية على بلاد بابل([14]). إن اهتمام ملوك سلالة إيسن الثانية بتقوية مركزهم وبناء قوة ذات تأثير في الأحداث في المنطقة كان كبيراً منذ البداية وقد مكنهم من ذلك الركود الذي مرت به بلاد آشور، وكذلك التدهور في الوضع السياسي الداخلي لبلاد عيلام من الناحية الأخرى([15])، ولم يمض وقت طويل حتى أصبح ملوك هذه السلالة على درجة كبيرة من القوة فصاروا يتدخلون في بلاد آشور([16]). ومما يذكر أن بلاد آشور ظهر فيها تياران مختلفان أحدهما مؤيد لسياسة ملوك بابل وهو بقيادة "ننورتا ـ توكلتي ـ آشور"([17]) ابن الملك الآشوري أشور ـ دان الأول. وكان مع فكره انفصال بابل عن آشور ويؤيد فكرة إعادة تمثال الآله مردوخ إلى بابل بعد أن جلبه الملك "توكلتي ـ ننورتا الأول" من عيلام، أما التيار الثاني المعارض للرأي السابق فكان بزعامة "متكل ـ نسكو([18])" الذي كان يرغب بالوحدة بين بابل وآشور([19]). انتهى هذا الخلاف في السياسة الآشورية إلى صراع داخلي ألت نهايته إلى تنحية "ننورتا ـ توكلتي ـ آشور" عن السلطة وإبعاده إلى بابل التي ارتبط معها بعلاقات وثيقة([20]). بعد هذا الوقت تنامت قوة سلالة إيسن الثانية حتى وصلت إلى ذروتها في عهد نبو خذ نصر الأول الذي قام بتجهيز حملة توغل بها إلى عمق الأراضي العيلامية، وكذلك قام بحملات على الدولة الآشورية([21]) وهو ما يوضح لاحقاً. امتدت سلطة هذه السلالة لتشمل الأراضي المتاخمة للحدود الآشورية شمالاً، وإلى الخليج العربي جنوباً والأراضي الواقعة غرب نهر دجلة، وداخل الأراضي العيلامية من جهة الشرق وإلى الأراضي المحاذية للبادية من جهة الغرب. أن هذه الحدود كانت تتسع وتتقلص تبعاً لقوة الملك الحاكم، ففي أوقات الازدهار ـوالقوة شملت ما ذكر آنفاً أما في فترات الضعف فإنها كانت عرضة للتدخل الخارجي، يصل إلى التحكم بالعرش وتنصيب واختيار الملك. في أواخر مدة حكم الملك "أدد ـ أبلا ـ أدنا" أخذ الضعف يظهر على هذه السلالة، وقد حكم بعد هذا الملك ثلاثة ملوك ضعفاء هم "مردوخ ـ أخي ـ اريبا"، "مردوخ ـزير" و"نابو ـ شمو ـ ليبو"، ولم يستطع أي من هؤلاء الملوك المحافظة على حدود المملكة بل أخذت الرقعة الجغرافية لها تتقلص حتى فقدت أغلب أقاليمها([22]). لا تعرف الكيفية التي انتهى الحكم فيها لهذه السلالة، ولعلها انهارت من جراء ضغط جماعات من الآراميين([23])، فقد شهدت المنطقة هجرة آرامية كبيرة جداً من قبائل "كلدو" التي أدت إلى تغيرات سياسية واضحة في بلاد بابل([24]). علاقات سلالة إيسن الثانية مع الدولة الآشورية: ـ في وقت قيام سلالة إيسن الثانية كان العراق القديم مقسم إلى قسمين، يحكم في شماله الدولة الآشورية (العهد الآشوري الوسيط)، وهو القسم الأول، أما القسم الثاني فشمل وسط وجنوب العراق، وهو واقع في ظل حكم ملوك سلالة إيسن الثانية، ويسمى باسم بلاد بابل. في المدة الزمنية المحصورة بين عامي (1156 ـ 1026 ق.م) وهي مدة حكم سلالة إيسن الثانية قامت بين القسمين علاقات تباينت في طبيعتها بين الوتر فوصلت إلى الحرب والتدمير، والود فوصلت إلى صداقة حميمة وعلاقة مصاهرة. وفاتحة العلاقات بين هذه السلالة والدولة الآشورية تبدأ وفق ما هو موثق من زمن خلفاء "مردوخ ـ كابت ـ أخيشو"، الذي لا تشير المصادر التاريخية إلى طبيعة علاقته بالدولة الآشورية وملوكها([25]). تتوضح بداية العلاقة بين ملوك ايسن الثانية والملوك الآشوريين من خلال رسائل عرفت في نصوص العصر الآشوري المتأخر، هذه الرسائل كتبت من قبل ملك بابلي، حكم في المدة الزمنية المحصورة بين عامي " 1138 ـ 1120 ق.م" وهي مدة حكم كل من "اتي ـ مدوخ ـ بلاطو" و"ننورتا ـ نادن ـ شمي" وبداية حكم "نبو خذ نصر الأول"([26])، إلى ملك آشوري معاصر له. أن أسمي الملكين، كاتب الرسائل ومستلمها لم يعرف بعد، وعدة محاولات بذلت لمعرفة هوية كل منهم، ولم تجد نفعاً لكنها حددت كاتب الرسائل بأحد الملوك البابليين المذكورين آنفاً، والملوك الآشوريين بين "ننورة ـ توكلتي ـ آشور"، "متكل ـ نسكو" و"آشور ـ رش ـ أيشي([27])".
الملك البابلي في هذه الرسائل يزدري الملك الآشوري لعدم حفاظه على مواثيق اللقاء الذي تم بينهم في مدينة "زقو"، “Zqqu”، ويهدد الملك البابلي بأنه سوف يعبر الحدود ويلحق الأذى بهم ما لم تنفذ مطالبه([28]). يتفاخر الملك البابلي بمكانته باحتقاره للملك الآشوري وانتقاصه منه لعدم سداد رأيه في أوساط مملكته فيقول لـه ساخراً "من من الذين حولك يقوم بإصدار الأوامر"([29]). ومن الأمور المهمة في هذه الرسائل أن الملك البابلي يهدد كذلك بأنه سوف يعيد "ننورتا ـ توكلتي ـ أشور"([30])، إلى العرش الآشوري إذا لم يلتزم الملك الآشوري بتعهداته، والملك البابلي باستطاعته أن يلجأ إلى لغة التهديد والعنف وهذا يدل على قوته وتمكنه من توجيه عقوبة إذا بقي الملك الآشوري غير ملتزم([31])، ومن خلال دراسة الرسائل والتاريخ التعاصري تتضح جملة أمور منها أن والد كاتب هذه الرسائل ملك عقد اتفاقية مع الدولة الآشورية وكانت القوة البابلية موازية للآشورية أو تفوقها وهذا يقلل من احتمال أن كاتبها هو "اتي ـ مردوخ ـ بلاطو"، لأن سلالة إيسن الثانية في زمن مؤسسها "مردوخ ـ كابت ـ أخيشو"، كانت في طور البناء ولم تصل إلى هذا المستوى من القوة، فضلاً عن ذلك أن العلاقة بين الطرفين في زمن مؤسس إيسن الثانية غير معروفة ولا توجد أي مدونات عنها، لذلك يبدو احتمال أن كاتب الرسائل هو "اتي ـ مردوخ ـ بلاطو" ضعيفاً([32]). الاحتمال الآخر هو أن الكاتب "ننورتا ـ نادن ـ شمي" وهو ضعيف بسبب العلاقة بين هذا الملك وسلفه حيث أن الثابت تاريخياً أن "اتي ـ مردوخ ـ بلاطو" ليس والد "ننورتا ـ نادن ـ شمي([33])" والرسائل تقول أن مرسلها ابن ملك قوي، لذلك يبقى احتمال واحد هو أن نبو خذ نصر هو الذي أرسل الرسائل ولك ما جاء فيها يطابق هاذ الملك حيث قوته وقوة والده، وكذلك نشاطات هذا الملك الحربية، وتوسع نفوذ إيسن الثانية في عهده الذي يمثل ذروة وقوة هذه السلالة([34]). إن احتمال كون "نبو خذ نصر" هو مرسل الرسائل هذه يسقط احتمال أن مستلمها هو "متكل ـ نسكو" لعدم مزامنته "لنبو خذ نصر"، فيصبح مستلمها هو الملك الآشوري "آشور ـ ريش ـ أيشي" وفي هذه الحالة تكون الرسائل قد كتبت في وقت مبكر من حكم الملك الآشوري "آشور ـ ريش ـ أيشي"، وقريباً من تنحية "ننورتا ـ توكلتي ـ أشور" وترحليه إلى بابل([35])، لأن نبو خذ نصر تسنم عرش السلالة بعد ثلاثة أعوام من عزل "ننورتا ـ توكلتي ـ آشور"([36]). وهذا الاحتمال أكثر مطابقة والاعتراض عليه قليل، حتى اكتشاف دليل يحسم هذا الموضوع. تتميز العلاقة بين سلالة إيسن الثانية وبلاد آشور في عهد الملك "ننورتا ـ نادن ـ شمي" بالتوتر والعداء، وكان على عرض الدولة الآشورية الملك "آشور ـ ريش ـ أيشي"، الذي يمثل عهده نهاية لعهد من الضعف مرت به بلاد آشور بعد انتهاء حكم أشور ـ دان الأول([37]). حاول الملك "ننورتا ـ نادن ـ شمي" التوغل داخل حدود الدولة الآشورية والسيطرة على أجزاء منها وتشير الدلائل التاريخية إلى أنه وصل إلى مدينة "أربيل"([38])، وهنا جهز الملك الآشوري "آشور ـ ريش ـ ايشي" حملة عسكرية لصده([39])، مما اضطره للتراجع دون حرب، وهذه الحملة رغم عدم نجاحها لكنها توضح قوة "ننورتا ـ نادن ـ شمي"([40])، وجاء في نص للملك الآشوري يصف لنا تلك الأحداث فيقول "في تلك السنة سار الملك آشور ـ ريش ـ أيشي"، ملك آشور بجنده وعرباته إلى أربيل. ننورتا ـ نادن ـ شمي، ملك بابل عنما سمع باقتراب "آشور ـ ريش ـ أيشي"، ملك آشور بجيشه، و..."([41]). رغم ضعف الدولة الآشورية في نهاية حكم "آشور ـ ريش ـ أيشي"، إلا أن حدودها الجنوبية لم تتأثر، بل إنها امتدت من الجهة الجنوبية الغربية حتى وصلت إلى داخل حدود بلاد بابل([42]). للملك نبو خذ نصر نشاط على الساحة الشمالية لبلاده، فعلاقته مع بلاد آشور معروفة بالتفصيل ليس من خلال كتاباته، بل من خلال كتابات الملوك الآشوريين، وأهم نشاط حربي قام به هو حملته العسكرية التي قادها لتوسيع سلطانه بضم مدينتي "رنقو" “Zanqu” و"ادو"([43]) “Idu”، فقد هاجم نبو خذ نصر مدينة "زنقو" وطبقاً للنص الآشوري فإنه كان مضطراً لأن ينسحب منها عندما اقتربت قوات "اشور ـ ريش ـ إيشي" ومن جانب آخر أرسل نبو خذ نصر كتيبة من العربات الحربية والجنود باتجاه مدينة "ايدو"، مما حدى "بأشور ـ ريش ـ أيشي" أن يزحف بقوة صوب هذه المدينة ويمنع نبو خذ نصر من دخولها، بل ألحق به هزيمة وغنم منها غنائم كثيرة وأسر أحد قواده([44]). يبدو أن العلاقة بين بلاد آشور وبلاد بابل لم تكن طيبة واستمرت خصومتهما على تصادمات أو معارك متقطعة صغيرة تظهر فيها بلاد بابل هي الأقوى حيث كانت المبادرة بالهجوم طوال هذه المدة، أما بلاد آشور فكانت في موقف دفاعي([45]). على الرغم من ذلك تمكنت آشور من التغلب على بلاد بابل في زمن مجموعة من ملوكها حتى إنهم أخذوا تمثال الآله مردوخ إلى بلاد آشور، وتلقبوا بألقاب مثل "ملك بابل" و"ملك سومر وأكد"([46])، وتمكنت من إحراز نصر على بعض القبائل الآرامية في الجنوب الغربي لبلاد آشور، وفرضت سيطرة قوية على المنطقة الجبلية في الجهة الشمالية الشرقية([47]). في العصر اللاحق أخذت العلاقات بين الطرفين منحى آخر فقد اعتلى العرش الآشوري ملك قوي هو تجلاتبلصر الأول وكان لهذا الملك تأثير واضح على العلاقات بين سلالة ايسن الثانية والدولة الآشورية، فقد كان لهذا الملك نشاطاً حربياً ملحوظاً([48])على أكثر الحدود حساسية للدولة الآشورية من الناحية السياسية فكانت هناك مناوشات عسكرية بين الطرفين، فكان رد فعل تجلاتبلصر الأول أن توغل داخل الحدود البابلية وفتح المدن الشمالية بما فيها مدينة بابل العاصمة، إلا أنه لم يحاول تثبيت نفسه ملكاً على بابل([49]). إن الحملة التي قام بها تجلاتبلصر الأول على بلاد بابل لم تكن أكثر من غارة عسكرية سريعة هدفها الضغط على الملوك البابليين للقبول باتفاقية تكون فيها الحدود الآشورية أبعد إلى الجنوب، وكان الاتصال المباشر مع بلاد بابل قد نتج عنه تأثيرات حضارية بابلية على بلاد آشور، ومن ذلك إبدال أسماء الأشهر الآشورية الأصل بأسماء الأشهر البابلية([50])، رغم التدمير الذي أصاب البلاد وشمل حتى قصور الملك "مردوخ ـ نادن ـ أخي" الحاكم في ذلك العصر الذي قتل في نهاية الأمر على يد الآشوريين([51])، وفي نص مدون للملك الآشوري تجلانبلصر الأول نقرأ([52]): ـ "بامر ننورتا الذي يحبني، زحفت إلى بلاد بابل، فأستوليت على مدن دةور ـ كوريكالزو([53])، سبار ـ مدينة الآله شمش، أبس التي تقع على الجانب الآخر لنهر دجلة، هذه المراكز الأسرى، وحاصرت القصور البابلية العائدة إلى مردوخ ـ نادن ـ أخي، ملك بابل، فأحرقتها، واقتربت بعرباتي بالضد من مردوخ ـ نادن ـ أخي، ملك بابل فقهرته" تبدأ علاقة الملك مردوخ ـ شابك ـ زيري بالدولة الآشورية بمناوشات حدودية في أواخر حكم الملك تجلاتبلصر الأول ومدة حكم الملك أشارد ـ آبل ـ أيكور، إذ قام الملك البابلي بالتدخل في شؤون آشور([54])، التي كانت تمر بفترة ضعف منذ نهاية حكم تجلاتبلصر الأول، وكانت حقبة مظلمة سواء كان ذلك من ناحية قلة مصادرنا عنها أم من ناحية تعرض الآشوريين إلى أشد الأخطار التي جابهتهم في جميع أدوار تاريخهم بسبب اشتداد واندفاع القبائل الآرامية وضغطها على الآشوريين، دامت هذه المدة حتى حكم الملك "ادد ـ نيراري الثاني" (911 ـ 891) ق. م([55])، تخللتها بعض فترات الصحوة التي لم تدم طويلاً([56]). تمثل مدة حكم الملك آشور ـ بيل ـ كالا مدة الصحوة هذه، فأخذت العلاقة البابلية ـ الآشورية شكلاً آخر هو إنهاء حالة النزاع بين الطرفين واجتماع الطرفين للدفاع المشترك ضد الآراميين وهو وضع وصف في أحد النصوص "في عهد آشور ـ بيل ـ كالا، ملك آشور ـ ومردوخ ـ شابك ـ زيري ملك بابل عقد اتفاق ودي"، وقد نشط ذلك الجانب الآشوري نسبياً إلا أنه لم يقض على الضغوط الآرامية([57]). مات الملك مردوخ ـ شابك ـ زيري وملك آشور في منصبه فتدخل في مسألة إعتلاء العرش البابلي، فتمكن "أدد ـ أبلا ـ أدنا" من إعلاء العرش في بلاد بابل بمساعدة الملك الآشوري آشور ـ بيل ـ كالا([58])، وكانت مدة حكم "أدد ـ بيل ـ كالا" مدة سلام مع الآشوريين فعقد الطرفان اتفاقية سلام وتزوج الملك الآشوري من ابنة الملك البابلي، وفي نص يؤرخ لهذه الزيجة السياسية نقرأ "تزوج آشور ـ بيل ـ كالا، ملك آشور من ابنة أدد ـ أبلا ـ أدنا، ملك بابل، وأخذها مع مهرها الضخم إلى آشور، فأتحد شعب آشور وبابل سوية([59]). استمرت العلاقات بين بلاد بابل وآشور بالهدوء والسلام وآخر ما هو معروف عن هذه العلاقات هو اعتلاء الملك الآشوري شمشي ـ أدد الرابع بمساعدة من "أدد ـ أبلا ـ أدنا"([60]) وكان ذلك بإزاحة الملك "اريبا ـ أدد الثاني" عن عرش آشور، وهذا مدون في نص جاء فيه "شمشي ـ ادد، بن تجلاتبلصر الأول زحف من بلاد بابل فأزاح اريبا ـ ادد الثاني، بن آشور بيل ـ كالا، عن العرش، فأخذ العرش له، وحكم أربع سنوات([61])". لم تشهد العلاقات بين الطرفين أحداثاً تذكر فقد حلت مدة ضعف استمرت حتى نهاية سلالة إيسن الثانية بحدود عام 1026 ق.م. العلاقات البابلية ـ العيلامية خلال حكم سلالة إيسن الثانية: شهدت السنوات الأخيرة من حك الكشيين حملات عسكرية قام بها الملوك العيلاميين نتج عنها تدمير واسع للمدن البابلية، ففي سنة 1160 ق.م قام الملك العيلامي "كودور ـ ناخونتي" بهجوم على بلاد بابل أسقط فيه الحكم الكشي ودمر العاصمة([62])، وأخذ معه الكثير من الغنائم كان من بينها نفائس فنية رائعة مثل مسلة الملك الأكدي "مانشتوسو"([63])، ومسلة ابنه "نرام ـ سين" كما أخذوا بعض من النسخ الحجرية لشريعة حمورابي([64]). بعد عودة "كودور ـ ناخونتي" إلى عيلام نصب إبنه حاكماً على بابل ولكنْ أحد الأمراء البابليين واسمه "إنليل ـ اخي " ظل يقاوم لمدة ثلاث سنوات، وفي عام 1157ق.م غزا العيلاميون بلاد بابل بقيادة ملكهم "شيلاك ـ انشوشناك"([65])، ولم تسلم حتى الأماكن المقدسة من عمليات السلب والنهب في هذه المرة حيث أخذ العيلاميون ضمن غنائمهم تمثال الأله "مردوخ" الحامي لمدينة بابل وكبير الآلهة البابلية([66]). أن العيلاميين بغزوهم هذا هبطوا معنويات البابليين إلى مستوى لم يعهدوه مسبقً طوال تأريخهم، لكن الحال تغير بعد أن تمكن "مردوخ ـ كابت ـ أخيشو" من تأسيس سلالة وطنية في إيسن([67]). قام "مردوخ ـ كابت ـ أخيشو" بطرد الحامية التي خلفها العيلاميون بعد انسحابهم من بابل، وتعد هذه الحادثة فاتحة العلاقات البابلية ـ العلامية في زمن حكم هذه السلالة، ولا يعرف رد الفعل العيلامي على طرد هذه الحامية، ويعتقد أنهم لم يكونوا بالقوة التي تمكنهم بالقيام بعمل عسكري مضاد([68]). لم تصلنا معلومات عن علاقة الملكين "أتي ـ مردوخ ـ بلاطو" و"ننورتا ـ نادن ـ شمي" مع العيلاميين، ويبدو أنهما قد انشغلا بتوطيد حكمهم وبناء قوة عسكرية لهذه السلالة الجديدة([69]). أما في زمن الملك نبوخذ نصر الأول فقد أخذت هذه العلاقات منحى آخر فتحولت المبادرة الحربية لصالح البابليين، بعد أن تمكن نبوخذ نصر من عسكرة الدولة، ساعده على ذلك ارتفاع معنويات البابليين وإنزلاق بلاد عيلام في هاوية الفوضى في أعقاب حكم ملكها "شيلاك ـ أنشوشناك" مما جعل المسرح السياسي مهيئاً أكثر من أي وقت([70]). لم ينسى البابليون ما فعل العيلاميون بهم وبقيادة هذا الملك عندما دنسوا أرضهم وخربوا معابدهم وسلبوهم أقدس ما عندهم وهو تمثال الأله مردوخ الذي نقلوه معهم إلى سوسة([71]). قام نبوخذ نصر الأول بوضع خطة لتحرير شعبه من مخاوفهم تجاه العيلاميين ولإعادة تمثال الإله "مردوخ" إلى مكانه في بابل في معبد "آي ـ ساكيلا"، فجهز حمله عسكرية على بلاد عيلام لكنه أخفقة في هذه الحملة ولم يحقق هدفه المنشود، كما أشار إلى ذلك في أحد نصوصه قائلاً "طاردني العيلاميون، فوليت منهم فراراً ولذت بفراش البكاء والحسرة"([72])، والراجح أن هذه الحملة قد سلكت الطريق التقليدي إلى بلاد عيلام مروراً بمدينة "دير" بالقرب من مدينة بدرة([73]). ومما يذكر أن تراجع نبوخذ نصر الأول وجنوده كان بسبب تفشي وباء في قطاعاته العسكرية بعد وصولها إلى بلاد عيلام، وفي نقطة على نهر الكرخة([74])، فتراجع إلى مدينة "كار دور ـ آبل سين" إلى الشرق من نهر دجلة لكنه انسحب منها مضطراً يضاً([75]). هذا الإخفاق في الحملة العسكرية على بلاد عيلام لم تثن من عزم نبوخذ نصر، فبعد الفشل البدائي للملك البابلي، اسستمر العيلاميون بتهديد الأراضي البابلية على الحدود على الجانبين، وأخيراً وبعد أن استلم هذا الملك تكهنات واعدة من الآلهة بمساعدته([76]). استجمع نبوخذ نصر قوة كافية لشن هجوم آخر من أجل تخليص البلاد من التهديد العيلامي، فجمع العربات الحربية من مناطق بلاده المختلفة فكون قوة كبيرة زحف بها نحو العاصمة العيلامية "سوسة"([77]). شن نبوخذ نصر هجوماً مفاجئاً في أكثر أشهر الصيف حرارة، وفي وقت كان من الصعب على اليعلاميين توقع أي هجوم من البابليين([78]). اشترك في هذا الهجوم زعيم قبيلة "كرزيابكو"([79]) المسمى "شتي ـ مردوخ"، وقد دونت وقائع تلك الحرب على حجر حدود خاص بأرض وهبت إلى هذا القائد مكافئة لـه على موقفه، يعد هذا النص واحد من أكثر التقارير الحربية القديمة شاعرية([80])، النص يتألف من عمودين طويلين، يضم كل منهما (60) سطراً، ويمكن تقسيم النص إلى أربعة أقسام عالج القسم الأول تفاصيل الحملة العسكرية ويشمل الأسطر (1-43)، بينما يصف القسم الثاني المكانة التي احتلها "شتي ـ مردوخ" تقديراً لشجاعته([81])، والامتيازات التي حصل عليها وشغلت هذه الأسطر (44ـ60) من العمود الأول و(1-12) من العمود الثاني، أما القسم الثالث فهو قائمة بأسماء الأشخاص الذين حضروا إعلان هذه الوثيقة والبالغ عددهم ثلاثة عشر شاهداً فضلاً عن اسم كاتبها([82])، وهذا ما ضمته الأسطر (13-25) من العمود الثاني، وفي القسم الأخير الذي يحوي الأسطر (26-60) من العمود الثاني جاء فيه دعاء موجه إلى الآلهة العظمى لإنزال لعناتها وإلحاق الأذى بكل من يحاول تحريف أو كسر هذه الوثيقة([83]). النص يبدأ بذكر اسم الملك وصفاته ثم يؤكد بعد ذلك على أصالة هذا الملك انتمائه إلى الوطن، ويعود إلى ذكر صفاته مرة أخرى فهو شمس بلاده والحاكم العادل بعدها يذكر إنجازات نبوخذ نصر الذي دحر اللولبيين بحد سيفه وقهر الآموريين وسلب الكشيين، وهذا أول ذكر لهم في نصوص ملوك سلالة إيسن الثانية ولا يعرف غير الإشارة عن العلاقة مع الكشيين. فيما يأتي قراءة جديدة للنص التاريخي الذي يذكر تفاصيل تلك الحملة معتمدين ترجمة جديدة من النص الأكدي مباشرة: ـ "عندما نبوخذ نصر، الأمير الورع، نسل بابل، بطل الملوك، الأمير المحارب، الوصي على بابل، شمس كل البلدان، الذي أنعش ناسه (شعبه)، (5-9) الذي يحمي الحدود ويصون التخوم، الملك المكين الذي يصدر قرارات العدالة، الفحل المحارب الذي كرس قوته للقتال، الذي يحمل قوس مرعباً، الذي لا يخشى النزال، الذي قهر بلاد اللولبو القوية بسلاحه(10) هزم بلاد ألاموريين وأسر الكشيين، البارز بين الملوك، الأمير المحبوب للإله مردوخ، كبير الآلهة، فوضه الإله مردوخ فرفع سلاحه لينتقم لبلاد أكد (14-24) من مدينة الدير مركز عبادة الإله آنو قطع مسافة ثلاثين فرسخاً في شهر تموز، شرع في حملة حربية، خلاها تصاعد الحرارة كاللهيب، وتوهجت المسالك كاللظى، لم يكن هناك ماء في مواضع التي كانت فائضة بالماء، وجفت مواضع الشرب (20) كلت أفضل الخيول وتراخت سيقان أقوى المحاربين، الملك البارز، يستمر والآلهة سائرة معه، يتقدم نبوخذ نصر الذي لا مثيل لـه لم يخشى المشاق، فيحث الخطى (25 –34) شتي ـ مردوخ رئيس قبيلة بيت كرزيابكو، الذي كانت عرباته مرابطة على الجناح الأيمن من سيده، لم يتلكأ بل حافظ على عرباته جاهزة، أسرع الملك إلى ضفة نهر أولايا، تقابل الملكان واشتبكا في القتال (30) استمرت المعركة فيما بينها، وأظلم وجه الشمس بالغبار، هبت العواصف الترابية، واكتسحت ما حولها، في عاصفة قتالهما لم يكن المحارب في العربة يرى الآخر (35-43) "شتي ـ مردوخ"، رئيس قبيلة بيت كرزيابكو، الذي ترابط عرباته إلى يمين الملك، لم يتلكأ بل حافظ على عرباته جاهزة ولم يخشى القتال، نزل ضد الأعداء، اخترق صفوفهم (40) بأمر الآلهة عشتار والإله أدد، والآلهة أرباب القتال، جبر "خلتيلودش" “Hulteludis”، ملك عيلام على الفرار، اختفى، وهكذا وفق نبوخذ نصر بظفر واستولى على بلاد عيلام فأخذ ثرواتها"([84]). بعد انتهاء عصر نبوخذ نصر الأول شهدت العلاقات البابلية العيلامية ركوداً كان سببه المشاكل الداخلية التي عانت منها عيلام حيث بدأ الميديون يسيطرون عليها شيئاً فشيئاً([85])، أما بلاد بابل فكانت في نزاع مع الدولة الآشورية بلغ أشده في هذا الوقت. ([1]) ـ ايلوما ـ ايلو: ـ مؤسس سلالة القطر البحري (سلالة بابل الثانية) في القسم الجنوبي من البلاد واستمر حكمها من 1740 إلى 1500 ق. م وحكم بعده أحد عشر ملكاً. ([8]) ـ أدد ـ شما ـ أدنا: أحد الملوك الكشيين وترتيبه بينهم هو الحادي والثلاثين حكم في المدة (1224 ـ 1219 ق.م). ([9])([9])([9]) ـ كتن ـ ختران: ـ ملك عيلامي زامن من الملوك الكشيين أنليل ـ نادن ـ شمي وأدد ـ شما ـ أدنا ومن الأشوريين توكلتي ـ ننورتا وحكم لفي المدة "1235 ـ 1210 ق.م" /ينظر Kuhart, A., The Ancient Near East, P.369. ([17]) ـ ننورتا ـ توكلتي ـ آشور: ملك آشوري خلف أباه أشور ـ دان الأول، لم يدم حكمه إلا بضعة أشهر وكان يرغب بانفصال بابل عن آشور وبعد تنحيته من الحكم استقر في بابل ينظر حول ذلك: ـ Weidner, E, in AFE, 10,p20 ([25]) ـ ورد في نصوص الملك الآشوري "أشور ـ دان الأول" أنها قام بحملة قوية على بلاد بابل وكان ذلك قبل تأسيس سلالة ايسن "الثانية بأربعة أعوام فأخذ فيها غنائم كثيرة وسيطر على مدن عديدة وكان ذلك في عهد الملك الكشي "زبابا ـ شما ـ أدنا" (1160 ق. م)، ينظر: ـ - Grayson, A., Assyrian Royal Inscriptions. (Wiesbaden, 1972), Vol. 1,P. 143. ([47]) ـ صالح، وليد محمد، العلاقات السياسية للدولة الآشورية، ص 65 وينظر كذلك: ـ ـ King, L. and Budge, E., “Annals of the kings of Assyria” – in Iraq, I, (1902), P.20. ([53]) ـ دور ـ كوريكالزو: ـ تعرف بقاياها باسم عقرقوف، تقع على بعد 33 كم غرب بغداد الحالية، اسمها يعني "حصن كوريكازو، يعود بناءها إلى الملك كوريكازو الأول وجددها كوريكازو الثاني. ([54]) ـ Grayson, A, K., .”Problematical Battles in Mesopotamia History”, in AS< 16, (1965), P. 338. ([66]) الراوي، فاروق، "الوثائق المسمارية شواهد على انتصاراتنا في عيلام"، بين النهرين 34، (1981)، 148. ([79]) قبيلة كرزيابكو (Bit – Karziabku) واحدة من أكبر القبائل الجزيرية (الآرامية) التي كانت تستوطن في المنطقة الواقعة إلى الشرق من نهر دجلة (الأحواز الحالية). |