دراسات وشهادات في تكريم الأديب والفنان المسرحي فرحان بلبل ـــ مجموعة من الأدباء

أدباء مكرمون ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2004

Updated: Tuesday, June 15, 2004 04:20 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الزمان والمكان فــي مســـرح فرحان بلبل - بقلم: وليد فاضل

نحاول، بدءاً، تعريف المكان المسرحي كي لا نقع في إشكالية ما. فالمكان المسرحي من ناحية هو المكان الجغرافي الكائن على منصة المسرح وما يحتويه من عمارة سواء أكانت ديكوراً أم قطع إكسسوار مجردة. و في حالة خلو المنصة من أية عمارة أو قطعة إكسسوار يبقى التعريف صالحاً لأن أجساد الممثلين ستملأ فراغ المنصة بشكل يوحي بشخصية المكان. ومن ناحية أخرى, فإن المكان المسرحي يتضمن الشروط الاجتماعية أو الاقتصادية والتاريخية التي يتم ضمنها الفعلُ المسرحي. وهذه تملك، بنحو ما, منطقَ القدر والمصير والحتمية والضرورة.‏

أما الزمان المسرحي فهو من ناحية، الزمان الفيزيائي أي تتابع الحدث. وللزمن المسرحي عدة وجوه منها أن يكون تتابعياً تراتبياً دون قطع في تسلسل الحدث، أو أن يكون زمناً متوازياً كأن يتمّ فعل حدثين في آنٍ واحد. وهذا يتمّ بتجميد المشهد, للانتقال إلى حدث آخر يتم حدوثه في الوقت ذاته. وهناك زمن (الفلاش الباك) أي العودة إلى الوراء. ومن ناحية أخرى فإن الزمن المسرحي يعني الحياة النفسية الداخلية للممثل وما يستتبع ذلك من انفعالات ومشاعر ومنولوجات داخلية.‏

لنلق نظرة على المكان في مسرحية (الحفلة دارت في الحارة).‏

"في القسم الخلفي من المسرح جدارٌ في شارع. ومن الضروري أن يكون الجدار غير واضح المعالم, يمكن أن يكون فيه بقعٌ دائرية, أو خطوطٌ دالة على حركة دورانية. القسم الأيمن من المسرح غرفة المصلح, والأثاث فيها يدلّ على تواضعها. منضدةٌ صغيرة شبيهة بالموجود في المساجد, والمستخدمة لوضع المصاحف, خلفها مفرشٌ على الأرض. في الطرف الأيمن البعيد كرسيٌ, ويشترط ألاّ يكون من الخيزران المعروف, وإلى جانبه ومن ورائه شكل مكتبةٍ صغيرة. هذه الغرفة لا تأخذ أكثر من ثلث المسرح. وحين يدور العمل في الجزء الثاني يمكن أن تعتبر غير موجودة.‏

إلى اليسار في وسط المسرح دكاكين ثلاثة منفصلة عن بعضها, وكلٌ منها مؤلف من إطار خشبي بعرض متر وطول 2.5 م, مسدود من الأسفل بمقدار 75سم ومفتوح من الأعلى بحيث يظهر الشخص الواقف خلفه. المسرح يوحي بساحة بلدة صغيرة. يؤدي إلى الساحة عدة منافذ. واحد من اليمين من أمام غرفة المصلح, وواحد من اليسار, والثالث في وسط الجدار الخلفي, وواحد من اليمين من خلف غرفة المصلح, وواحد إلى اليسار مقابل له, المنفذ الأمامي اليساري يدلُ على مفترق طرق.‏

ترتفع الستارة والساحة معتمة. غرفة المصلح مضاءة إضاءة خفيفة. المصلح جالس على الأرض يقرأ في كتاب موضوع على المنضدة الصغيرة, وإلى جانبه دفتر يسجل عليه بعض الملاحظات الصغيرة. لباسه خفيف لا يعيقه عن الحركة. المصلح في حوالي الخامسة والأربعين. مهيب الطلعة مكتنـز في غير سمنة. ورغم كهولته يبدو قوياً، فتياً. وترافقه ملامح القوّة والعظمة وشدّة المراس حتى النهاية.‏

موسيقى رصينة. بعد حوالي دقيقتين, ينطفئ النور في غرفة المصلح تدريجياً, وتنار الساحة إنارة خفيفة تدلّ على وقت الفجر قبل شروق الشمس. تتحوّل الموسيقى قليلاً قليلاً, إلى الخفّة والإيقاع السريع.‏

يأتي من خارج المسرح صوت ضحكٍ ماجنٍ لشباب يمرحون. يدخل الشاعر وأصدقاؤه الثلاثة من زاوية المسرح اليسرى الأمامية, كأنهم قادمون لساعتهم من خمّارة. يتوقفون في الطرف الأيسر ويضحكون "‏

ص 7 – 8 (الحفلة دارت في الحارة)‏

بالإضافة لمخطط المكان السابق, هناك مكان لا مرئيٌ للجمهور, يلعب دوراً هاماً في أحداث المسرحية. إنه المكان الكائن خلف الكواليس والذي يمثل للمكان المسرحي: الغابة, المرفأ, ومدى البحر حيث يمكن أن ترى سفينة ما. من ذاك المكان اللامرئي ترد زمجرة الوحش بإيقاعات معينة, تضبط تطور الحدث المسرحي بشكل دقيق وصارم, وهي زمجرة لها دلالتها الرمزية, الموحية بجو الوحش العام. وكذلك في المكان اللامرئي ذاته يوجد السجين الهارب من سجون السيد الكبير, ظل الوحش في المدينة. والسجين الهارب يلعب دوراً حاسماً أيضاً في تطور الفعل المسرحي. إذن المكان الأشد مصيرية في تقرير مصير الحدث المسرحي يكمن خارج منصة المسرح.‏

من دراسة المخطط المكاني نلاحظ أن المركز.. مركز البصر للعين يقع في نقطة تقع في منتصف الجدار الذي يقع في القسم الخلفي في المسرح. إن الجدار غير الواضح المعالم, ذا البقع الدائرية والتي تدل على خطوط دورانية, يقف شامخاً, مهيمناً على جوّ المسرحية, بسديميته الغامضة, والتي توحي بحركة دورانية حول الدائرة, أشبه بحركة الكواكب حول محور الشمس. وهي حركة فيها نظام. لكنها تكرر نفسها باستمرار بآلية صارمة, قاسية, لا تحمل أي جديد. ويشبه أيضاً دورات الحلقة الصوفية حول القطب القائم في مركز الحركة, يشدها ويضبط إيقاعها, في تناسقية غائمة الملامح كالسديم الغائم ذاته الكائن في الجدار, والتي تجد صداها, وتماثلاً لها في دوران أصدقاء الشاعر الثلاثة حول الشاعر ينشدون مرددين خلف الشاعر:‏

الشاعر: دوري دوري يا دوّارةْ.‏

الحفلـةُ دارت في الحارةْ‏

أتصيدُ الوحشَ ببلـدتنا‏

في هـذا اليوم الصنّارةْ؟‏

ص 81‏

ولو تابعنا المخططَ المكاني لوجدنا غرفة المصلح تشغل ثلثَ القسم الأيمن. أما الجانب اليساري من المسرح فتشغله ثلاثةُ دكاكين للباعة في السوق. غرفة المصلح تشكل مع الدكاكين ضلعي مثلث قاعدته مقدمة المسرح, ورأسه في نقطة المحرق البصري أي منتصف الجدار. يحتوي هذا المثلث في داخله دائرةً هي مساحة السوق. وهو أيضاً يقع على محيط دائرة خارجية تمثلها الطرقات الجانبية من خلف الدكاكين الثلاثة وغرفة المصلح مع مقدمة المسرح. نحن إذن أمام متاهة متداخلة الخطوط والطرقات وإن بدت منظّمة هندسياً. وكل طريق يقود لكافة الأمكنة. وكل مكانٍ يقود لنقيضه. والأمكنة غنية بالدلالات التعبيرية البسيطة والقوية في آنٍ واحد. فغرفة المصلح تحتوي ما يدلُ على شخصيته المفعمة بروح التراث, وسديمية الجدار مع الخطوط الدائرية الملتفة توحي بالأفلاك التي تدور حول مركز القطب, حيث توجد النقطة مستكِنَّة في حضن العماء. فهناك تكمن القوة الضابطة للقوى, السيد المهيمن, الخفي عن الأنظار. وهنا تكتسي النقطة الهندسية المجردة مفهوم الرمز. فهي كنقطة هندسية تنتمي للمكان وكرمز تنتمي للزمان. هذا التداخل بين الزماني قادنا بسلاسة إلى قراءة أطروحة الزمان في المسرحية, ومدى تطابقها مع مقولة المكان.‏

في البداية نلاحظ أن الإنارة استُخدمت كتعبير عن مرور الوقت: زوال الليل واقتراب لحظة الفجر. كذلك فإن الموسيقى الرصينة والمصاحبة لمشهد الافتتاح والتي تدوم دقيقتين تنتمي لعامل الزمن. وهي رصينة في الليل, أكثر خفة وإيقاعاً مع إشراق الفجر. لقد عبرت عن روح اللحظة الراهنة. ما هي القوى الاجتماعية التي تمتُّ إلى هذا المكان؟ هناك أولاً المصلح القابع في غرفته إلى يمين المسرح. ولنصرف النظر قليلاً عن دلالة اليمين واليسار. يقابله أصحاب الدكاكين الثلاثة إلى اليسار. ثم هناك الوحش الذي يقدّم للسيد الكبير المشرف على المدينة رطلَ ذهب كل يوم, يأخذ السيد الكبير نصفه, ويبقى النصف الثاني لكامل أفراد البلدة. الوحش والسيد الكبير مكانهما خارج منصة المسرح. وإن كان السيد الكبير قد برز على المنصة ليصارع المصلح فإن الوحش يبقى لنهاية المسرحية خلف الستار وخلف حجاب لا يمكن اختراقه, يدير ويرعى لعبة جهنمية غايتُها سحقُ المدينة والسيطرة عليها, عن طريق مندوبه في المدينة السيد الأكبر, والذي هو مجرد ظلّ مطيع للوحش الكائن في أعماق الظلمات, ذاك المكان كنا نشعر به بإحساسنا وبوجوده على منصة المسرح رغم عدم ظهوره. بالإضافة لهذه القوى الرئيسية هناك قوىً أقل حسماً في الصراع تتمثل في الشاعر وأصدقائه الثلاثة الذين يلتزمون الجهة اليسرى من المسرح. وهناك الفقراء الثلاثة والمراسل من أعوان المصلح الذين يلتزمون الجهة اليمنى. ومن عمق المسرح يدخل الرجلان رعاة السجين الهارب.‏

الزمان يبرز هنا بصيغة الصيرورة, صيرورة الوعي وتطوره الذي سيؤدي لتطور المواقف. وفي لعبةٍ, كل مكانٍ فيها يؤدي لنقيضه, عبر شبكة خطوطها المتداخلة, بدا أن الزمان يدخل المتاهة ذاتها, فيتأرجح بين لامبالاة الشاعر وأصدقائه المغرمين بفلسفة المتعة واللامعنى, وأصحاب الدكاكين الساعين خلف طموح الثروة. وحين تتمّ المواجهة الأساسية بين المصلح والسيد الكبير, تنتهي بهزيمة المصلح, الذي يحمل شعار الأخلاق المثالية بعكس السيد الكبير الذي يَعِدُ بحمولة سفينةٍ من الغذاء والمعونات والذهب. وبين الذهب والفضيلة تضيع المدينة ويتميَّع الزمن, ويدخل في متاهة مطابقة لمتاهة المكان. هذه المتاهة تصنع مصير الأبطال ذاتهم. فالمصلح حين يعلم أنّ ابنة أخيه واقعة في غرام السيد الكبير يقتل نفسه منتحراً. بعد انتحار المصلح تنتقل دفة القيادة للرجلين رعاة السجين الهارب, الذي يرى أن النجاة هي في القضاء على الوحش والسيد الكبير والسفينة المثقّلة بأوهام الرفاه. أما الجموع فهي تائهة بين عظات المصلح وفلسفة الرجلين وبين أحلام الثروة. وتنتهي المسرحية باستمرار المواجهة بين مجموعة السجين الهارب والسيد الكبير دون أن يبدو أن للمواجهة نهايةً محدّدة وإن كانت تحمل إرهاصاً بانتصار مجموعة السجين. ويجري هذا الصراع مدعوماً برقص الشاعر وأصدقائه ليزيد اللوحة ضياعاً, وغماميَّة. إن زمن المسرحية عُبِّر عنه بالأمل والشوق والرغبة لتحرر البلدة من سيطرة السيد الكبير. لكن لأن اللعبة ممتدّة بين مثلثات ودوائر وطرق فرعية رئيسية, كان من الطبيعي أن يكون الزمان غائماً مترهلاً, ضائعاً مأساوياً. فهو زمن الضياع, أي عدم وصول العقل لدرجة الوعي الحاسم. وحتى حين يتولد الوعي الحاسم, فإنه يؤدي لموت المصلح منتحراً أو بمعركة قد تكون قد جرت في غير أوانها بين السيد الكبير ومجموعة السجين الهارب. أما الأكثرية أصحاب المتاجر.. المواطنون.. الشباب, فإن عينهم تكمن على السفينة المحملة بالرفاه والطعام والثياب وحلّ الأزمات الاقتصادية. وفي مثل هكذا وضع, من المفترض أن يرسو مؤشرُ النجاح حيث ترسو السفينة. فالسيد الكبير يملك القوة الاقتصادية والمادية, ويملك حلم الجموع المرهقة. إذن, سيبقى كل شيء كما هو كائن. إنه زمن فارغ, يدور حول ذاته, لأن المكان سديمي, ملتفٌ على ذاته, وهذه دارة مفرغة. وهكذا يثبت المكان, ومعه يثبت الزمان ويستكين.‏

إن زمان المسرحية ذكي, ساحق, وشرس, كصورة المكان ذاته. ذكي لأنه طرح سؤالاً وأبقاه نافذة مفتوحة غير قابلة للانسداد. إنه ينبّه القارئ والمتفرج, ويحرّض المشاهد على التروي والتأمل فيما يجري. يعرض أنموذجاً واقعياً بأسلوب رمزي, لما يمكن أن يحدث في شروط مشابهة لشروط أحداث المسرحية. أبقى مكاناً فارغاً على منصة المسرح يشغله المتفرج والمتفرج وحده. وهو ساحق لأنه أدّى بأبطاله إما للانتحار أو القتل. وهو شرس لأنه قاد النخبة المثقفة لعالم اللامعنى، فلا تجد الحماية والاحتجاج فيه على ما يجري. المكان قدّم مخطط اللعبة, والزمان وضَّح مصير اللعبة. وفي أية لعبة, فإن إخفاء الهدف, وسرعة تبديل الأماكن ضروري للنجاح. وهذا ما حدث في النص المسرحي. فالانتقال بين مكان وآخر كان يجري بسرعة متوازنة. فكان الزمن المسرحي يسير كالنهر الهدّار لكن العميق القرار. فكان الإيقاع متزناً سريعاً لعب دوراًَ هاماً في توليد الحدث بانسيابية.‏

لكن إن كانت العلاقة بين الزمان والمكان متطابقة فلا يعني هذا أنها متماثلة. إن المكان بطبيعته يميل للثبات لتأكيد الكتلة والثقل, ثباتِ التقاليد وأنماط الحياة وطرقِ السيطرة. أمّا الزمان فإنه يحاول الخروج من طوق الضرورة والحتمية إلى فضاء الحرية. لكن، كما لاحظنا، فإن جاذبية المكان أشد من أن يستطيع المصلح أو الشاعر وأصدقاؤه الخروج منها. لقد دفع المصلح حياته ثمناً لفشله في الخروج من أسر المكان. وانقذف الشاعر إلى حياة الخواء واللامعنى يجد فيها سلوى لفشله, وتعبيراً عن رفضه لسطوة المكان.‏

في سير حياته اللاحقة حاول فرحان بلبل إزالة المفارقة بين الزمان المكان. فحاول أن يحوّل التطابق بينهما إلى تماثل, أي تأكيد سيطرة المكان وقيمه ومثله الراسخة الواضحة, الشديدة التمييز الطبقي, والانحياز الطبقي باعتبار أنّ ذاك الوضوح والتحديد المفرط في الثقل, يعادل الحقيقة. لكن الحقيقة متى أُدرِكت وتحققت, كفّت عن كونها حقيقة, وصارت شيئاً من الأشياء, وبدأت تميل لكي تحافظ على هويتها بفرز ضدها. هكذا قانون جدلية الأشياء. لذلك يعود فرحان بلبل في مسرحية (لا ترهب حدّ السيف) - وهي من أعماله الأخيرة - إلى المفارقة بين الزمان والمكان, وإلى توهج نار التنافر بينهما. هذا التنافر زجّ (عبادة) في طريق الوحدة والغربة, والعودة إلى قريته وحيداً, باحثاً عن السعادة والحق والعدالة, منفصلاً عن زوجته (سكينة) التي اختارت منطق السيف طريقاً للعدالة والحق, في الوقت الذي أنكر فيه عبادة أن يكون الدم وسيلة للسعادة أو للحقيقة, فعاد متشرداً. فالشاعر في مسرحية (الحفلة دارت في الحارة) ينقِّب عن ذاته في الآفاق, عن السعادة والحقيقة والعدل. فعبادة والشاعر كلاهما في حالة بحث ودوران. أليس في هذا اكتمالُ الدائرة الدرامية, عودةُ النهاية لنقطة البدء؟ لكن.. إن كان الشاعر قد انطلق في بداية طريقه للبحث، فإن عبادة بعد انتهاء طريقه عاد للبحث والدوران متخلياً عن زوجته سكينة التي تسلك طريقاً آخر غير طريقه. أليس في هذا استبطانٌ بأن الخلاص من أسر المكان يكمن في الدوران حوله.. الدوران وزيادة حدّة الدوران, أي الالتصاق بالواقع والتفاعل معه بشكل أعمق وأعمق؟ وبالطبع زيادةُ سرعة الدوران ستؤدي بالكائن في لحظة ما, وبقوة تأثير القوة الطاردة, إلى التخلص من أسر ذاك الفلك وجاذبيةِ مركز الفلك الساحق للذات والمجتمعات على حدٍّ سواء. لعل عبادة قدّم الجواب للشاعر عن مغزى الدوران. الخلاصُ من جاذبية المكان هو في التحرر من أسر الدوائر, وليس أن تكون كوكباً صالحاً يدور في ذلك القطب الواحد, الغائر في القوة والعماء, والسديمية.‏

وطوال أعماله المسرحية, حتى في الأكثر رسوخاً في المكانية, لم يكف فرحان بلبل عن السؤال: أكلُّ الحقيقة تكمن هنا, أم أن للحقيقة جانباً آخر؟ وهذا البحث الصادق والشك النبيل قاد المؤلف للتخلص من طقوسية المكان الساحقة, وإلى التحرر من العلاقات التي هي من آلية المكان. لذلك سار عبادة إلى منـزلـه. والمنـزل هو الرحم, هو العودة للبدء, عودة الروح لخميلها وفردوسها السري قبل أن تزجَّ في جحيم العالم, ومنفى الغربة الإنسانية. فالسعادة الحقيقة هي في التلازم مع الذات, عودةِ الذات إلى جذورها الأولى. والنصر هو قهر الظلم, الذي هو خريف الجهل والتدليس و التغرير والمكر والدهاء. فأن ترى ذلك هو القضية. وهذا يقتضي البحث المستمر عن الحقيقة وتوليد السؤال دائماً لأنه متى كفّ السؤال عن التدفق أعلنت الحقيقةُ حدادَها, وتجمدّ الزمان مستبداً على هيئة المكان. لكن فرحان بلبل بقي مخلصاً لمشروعه الفني, والذي هو مشروعه الحياتي. فأبقى على جمرة السؤال متقدّة, سواء أكانت نارها متقدة أم خافتة ساهية. إنها جمرة الروح الإنسانية, والزمان الحي.‏

14/11/2001‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244