دراسات وشهادات في تكريم الأديب والفنان المسرحي فرحان بلبل ـــ مجموعة من الأدباء

أدباء مكرمون ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2004

Updated: Tuesday, June 15, 2004 04:20 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 
الطفولــــة في مسرح فرحـان بلبـل - د.حمـدي مـوصللي

الطفولــــة في مسرح فرحـان بلبـل - د.حمـدي مـوصللي

تمهيـد

يشكل الطفل بنيةً حيويةً متكاملةً يصعبُ الكشفُ عن جانبٍ من مكوناتِهِ الأساسية دونَ العودةِ إلى تلك البنية الكلية.

لقد أدرك معظمُ العاملينَ في حقل التربية والتعليم من مربين ومختصين في العالم أنَّ التربيةَ كعمليةٍ فاعلةٍ وموجهةٍ نحو تنميةِ وتعديلِ وتطويرِ السلوكِ الفكري والحركي للأفرادِ  هي شكلٌ منسجمٌ مع العقيدة الفكريةِ لبلدٍ ما وحاجاتهِ التنموية، وأنَّ هذه العملية مستمرة لأن المتعلم يستحسن مؤثرات الوسط المحيط ويستجيب لها.. (1) ومن المعروف أن هذه المؤثرات عديدة ومتنوعة / مدرسة - كلمة - صحيفة - مجلة - قصة - أغنية - قصيدة - مسرح - سينما - تلفاز - حاسب.. الخ /.. فمصدر المعرفة في التكوين التربوي كبير ومتنوع. وعملية تعلم المفاهيم والمهارات وتنميتها يتعاظم يوماً بعد يوم, في ظل تكامل تربوي شامل يحمل كل الأسباب الناجعة لتطوره واستمراره. فإذا كانت الكلمة, وهي إحدى المؤثرات الهامة في العملية التربوية مصدرها الأسرة أو معلم المدرسة..الخ.. فالوسط التربوي هنا تجاوز حدود المدرسة أو الأسرة أي حدود المكان, وزمنُ التعلم أصبح أكبر مما تحدده مثلاً الخطة المدرسية من حصص دراسية خلال سنة / النظام الدراسي /, ولم يعد مفاجأة أن نقول إن المسرح المدرسي / التعليمي / وكذلك الشاشة التلفزيونية التعليمية والحاسب / الكمبيوتر/ وغيرها من وسائل التأثير والتعليم أخذت تحتل موقعاً أساسياًً فاعلاً في عملية التكامل التربوي.

الطفل والمسرح في سورية: (2)  

المسرح فنٌ شرطيٌٌ أولاً. ولأنهُ يتطلبُ الإلمامَ بتخصصاتٍ عدةٍ, أدبيةٍ وعلميةٍ وتربويةٍ وفنيةٍ وبيولوجية، فهو يعتمد على مجموعةٍ من الوسائل التعبيرية التي يشتركُ فيها السمعي بالبصري بالحركي بالسيكولوجي بالحدسي. أي أنه لا يعتمد على اللغة الأبجدية كما هو حال أغلب الأجناس الأدبية كالرواية والشعر والقصة. كما أنه لا يعتمد على الصورة التعبيرية أو التشكيل فقط كما هو حال الفنون التشكيلية. ولا يعتمد على اللغة المنطوقة وإنما يستمد شمولية خطابه من هذا التعدد اللغوي بمختلف فصائله التعبيرية.

- ثانياً: هو فن شرطي لأنه يتعامل مع العلامات. إذ يُعتبَر كل ما فوق خشبة المسرح علامة دالة. وهذا يعني أن الطفل مطالب في هذه الحالة بتفكيك العلامة. وهنا تكمن مهمة المبدع المسرحي التربوية والجماليةُ, لأنه مطالب بتهيئة الطفل لفك رموزِ العلامة وتحديدِ وظيفتها داخل السياق الخاص للعرض المسرحي.

- ثالثاً: هو فن شرطي لأنه إلى جانب كل ما ذكرنا, لا بد من أن يكون المبدع المسرحي مؤهلاً معرفياً وتربوياً ليتعامل مع الطفل.. (أي ينبغي على المبدع المسرحي أن يتواصل مع البرامج التعليمية الجديدة وفق أحدث ما توصلت إليه, وخاصة تلك التي تخص الجانب الاجتماعي. والتربوي والاقتصادي. وهذا يعزز ويقوي من شخصية الطفل ونوعية نموه..)

- مسرح الطفل في سورية حديث النشأة شأن مبدعات أدب الأطفال الأخرى:

فقد كان حتى مطلع السبعينات يتبع للمؤسسة التربوية التعليمية, ولم يحظَ باهتمام الأدباء إلا في وقت متأخر. وعلى الرغم من مرور أكثر من عقدين من الزمن لم يلقَ مسرح الطفل في سورية حتى الآن الاهتمام الكافي والعناية التي يجب أن يلقاها, مع أن وزارة الثقافة على الرغم من قلة عروض مسرحها الطفلي وعروض مسرح عرائسها الخاص بالأطفال دون السادسة, ورغم انشغالها بعثرات مسرح الكبار, ومعها منظمة طلائع البعث، أسستا لهذا المسرح, وقدمتا الإمكانات المتاحة لهما. إلا أن هذا لم ينتج مسرحاً يتمتع بكل مقومات مسرح الطفل على مستوى العرض والنص, ومستويات أخرى.. / الممثل - المتلقي - المكان والبيئة - الزمان - الموسيقى - الغناء - الرقص - الديكور - الملابس /.. وأيضاً حاول القطاع الخاص في سورية ركوب موجة الاهتمام بمسرح الطفل بغية تحقيق أكبر ربح على حسابه. فقدم جملة من العروض الهابطة في صالات وقاعات الفنادق الكبرى, وفي أماكن لا تصلح أصلاً لإقامة مثل هذه العروض المخصصة. ومع هذا عزف هذا القطاع عن خوض هذه التجربة ثانية لأنه غير مؤهل لها. وإذا أردنا الحديث عن مسرح الطفل في سورية فلا بد من الحديث عن دور هذا المسرح فعلياً في العملية التربوية, والتعليمية والترفيهية, والمساهمة الفعلية في حياة هذا الطفل كأحد أهم وسائل التأثير, والإسهام في تنمية شخصية الطفل وتقويم سلوكه, والاستفادة من الخبرات العلمية والاجتماعية والتاريخية, وبالتالي إذا اتفقنا على أن مسرح الطفل هو نشاط إبداعي فعالٌ جيد للتربية السليمة ومساهم في خلق جيل مثقف واع مؤمن بشرعية انتمائه لوطنه, وبقوميته, وللإنسانية جمعاء نكون قد حددنا الخطوط العريضة للسير بمسرح الطفل, والارتقاء به.

إشكاليات مسرح الطفل في سورية:

على الرغم من مرور أكثر من عقدين من الزمن على البدايات الأولى لمسرح الطفل في سورية إلا أنه ما زال يحبو على أرض وعرة لم يستطع سالكوها تسهيلها بوعي طبيعة هذا الفن الجماعي الخلاق. يعاني هذا المسرح من إشكاليات عديدة تكاد تكون أقرب إلى إشكاليات مسرح الكبار في سورية الذي يعاني من أزمة لا تفصله عن أزمة المسرح العربي ككل.. / أزمات على مستوى النص وقضاياه من تأليف وإعداد, واقتباس وتناص ولغة وحوار. وأخرى على مستوى العرض إخراجاً وإعداد الممثل, والتقنيات والعمل عليها - الديكور - أماكن العرض وتجهيزاتها - جهة الإشراف والدعم المادي.. الخ - سوف أكتفي هنا بدراسة بعض أزمة النص والعرض. على أن أتوسع مستقبلاً بالإحاطة بكافة جوانب الأزمة التي تعصف بمسرح الطفل.

- أزمة النص: هل تكمن في ندرة النصوص التي تعي أن الأطفال هم الذين يصنعون مسرحهم على الرغم من أن الكبار يكتبونه؟.. أم أن المواضيع التي تتضمنها النصوص غير قادرة على الولوج إلى عالمهم بوعي طبيعة هذا الفن الجماعي الخلاق؟

أغلب النصوص المسرحية المكتوبة للطفل تخفي عيوبها الدرامية والمعرفية للجهل بعلوم الدرامة المكونة أصلاً للنص من لغة وحوار وشخصيات, ومكان وزمان ونتيجة. وبالتالي وفرة مثل هذه النصوص تؤكد ندرة النص الناجز والمكتمل الذي يعي عالم الطفل تربوياً ومعرفياً وقيمياً. والجهل بالكتابة الدرامية.. (3) / ينتج نصاً فيه الكثير من اللغة الفائضة عن الحاجة والقليل من الدرامة, ويبدأ ذلك عادة بتبسيط الحكاية, وتسطيح الشخصيات, وتحييد الصراع, وإبراز الرؤى أحادية الجانب للخير والشر.. /

- أزمة العرض: (4).. إن وصاية الكبار على مسرح الطفل وعروضه أكثر خطراً في الواقع السوري الراهن من ندرة النصوص المسرحية. ذلك أن هذه الوصاية سرعان ما تغدو فكرية تترجم مسرح الطفل على أنه وسيلة لنقل المعارف والقيم خلال العرض. وضمن هذه الوسيلة لا أهمية لرأي الأطفال ومشاركتهم ومراقبتهم أثناء العرض, وملاحقتهم بعده لمعرفة أثره فيهم. وشيئاً فشيئاً يغدو هذا المسرح نسخة ثانية عن المدرسة, ومنبراً لنقل أفكار الكبار إلى الأطفال, سواء أَكان هذا الكبير مؤلف المسرحية أم مخرجها أم الجهة المشرفة على الاثنين معاً.  هنا ينبغي فعل ما يلي:

1- التهيؤ حاجة ضرورية تربوية سيكولوجية اجتماعية فنية تعني بالضرورة إشباع حاجات الطفل النفسية ويجب تحقيقها في النص وفي العرض.

2- إذا كانت الغاية من العرض المسرحي تدريب الطفل على بعض التقنيات المركبة التي تخاطب الذاكرة الذهنية بغرض تنمية المهارات العقلية عند الطفل فإن العرض المسرحي ينبغي أن ينصب على تحقيق الفرجة (المتعة) وذلك بتوفير أسباب المرح والانبساط لتفكيك الرتابة التي قد تسببها تلك التقنيات ذات الطابع التركيبي.. (5) / لقد أبانت التجارب أن المشاهد المضحكة أو المثيرة هي أكثر المشاهد إغراء بالنسبة إلى الأطفال. ولكن الضحك هنا لا يعني التسلية المجانية لأن الضحك من أهم الوسائل التربوية لتنمية مدارك الطفل. إذ كلما كانت أسباب الضحك معقولة وهادفة، كان الطفل أكثر قرباً والتصاقاً بالمسرح. لهذا ينصح بأن يكثر المخرج من شخصيات الحيوانات والأقنعة, وما إلى ذلك مما يقربه من الطبيعة ومخلوقاتها العجيبة. والقصد من ذلك خلق الفضول والإثارة عند الطفل. إذ كلما كثر الفضول اشتغل الذهن والإحساس بنشاط أكثر قوة../ وهنا يتضافر عمل الموسيقى بتنوع إيقاعاتها الحركية مع دلالات الإنارة وألوانها الجميلة ومع التمثيل والديكور واللغة لتشكل عرضاً سمعياً بصرياً حركياً يسهم في تربية وتنمية الذوق الجمالي لدى الطفل, وتكريس ما هو نبيل في ذهنه. ويجب الملاحظة هنا أنّ اللغة المنطوقة في العرض المسرحي ينبغي أن تكون سليمة وبسيطة وسهلة التلقي وخالية من عيوب الأخطاء اللغوية والنحوية, وأن يتقنها الممثل بشكل جيد. وكذلك التمثيل ينبغي أن يكون بسيط الأداء بعيداً عن التكلف قريباً من عالم الطفل لأن الغاية أولاً وأخيراً من العرض المسرحي تكمن في تحضير الطفل ليكون رجل الغد.

- أخيراً رغم الطريق الوعرة التي يسلكها مسرح الأطفال في سورية، فإنها ما زالت مفتوحة ويمكن أن يركن المرء إليها ما دامت هناك فئة من المسرحيين تذللها, وتنظر إلى عملها بجدية ووعي ورغبة في الاقتراب من عالم الأطفال.

عديدة هي الأسماء التي أسهمت تأليفاً وأسهمت إخراجاً ولا زالت تمد الساحة المسرحية الطفلية بنصوص تقترب كثيراً من عالم الطفولة. من هذه الأسماء نذكر (محمد أبو معتوق - جان ألكسان - عيسى أيوب - عبدو محمد - منير الحافظ - أحمد إسماعيل - بسام بليبل وخيري عبد ربه وهيثم يحيى الخواجة وآخرين - تأليفاً: وفرحان بلبل ومحمد بري العواني ونور الدين الهاشمي وحمدي موصللي, ومحمد قار صلي وسمير الحكيم, ومحمد شيخ الزور وأمل حويجة تأليفاً وإخراجاً. وعدنان سلوم وسامر الزرقا ومأمون الخطيب ونضال السيجري ووليد العمر وعجاج سليم, ورضوان السالم ونضال حمود وآخرين إخراجا).

مسرح الطفولة عند الكاتب والمخرج فرحان بلبل: *

الكاتب ومنهجه:

المنهج: اعتمد فرحان بلبل في كتابه (ثلاث مسرحيات للأطفال) الصادرة عن اتحاد الكتاب العرب عام 1983 ومسرحية الجزيرة الخضراء للأطفال المنشورة في العدد (48) مجلة الحياة المسرحية الصادرة بدمشق عام 2003 م منهجاً قائماًعلى التهيؤ التربوي والسيكولوجي والاجتماعي والفني الضروري لإشباع الحاجات النفسية لدى الطفل في المراحل المتوسطة والمتقدمة من عمره، ولتحقيق الغايات التربوية الملائمة عبر تحريك مشاعر الطفل / عالم الخيال والعاطفة / بقصد تنمية وعيه بعالم الخير والفضيلة. وقد اتكأ فرحان بلبل على مايلي:

1- استلهام التراث وخاصة الشعبي منه هو الأبرز في هذه الأعمال. وهي إعادة جديدة لقراءة بعض الحكايات المتوارثة في التراث الشعبي مسرحياً. كما في مسرحيتي (الصندوق الأخضر) و(البئر المهجورة).

2        - الأنسنة: وتعني إضفاء صفات الإنسان على الحيوان أو الأشياء (6). وبتعريف آخر (نقل سلوك الإنسان الثقافي المعرفي الاجتماعي إلى عالم الحيوان أو النبات أو الجماد بحيث يغدو هذا العالم شبيهاً, وإلى حد المطابقة أحياناً، بعالم الإنسان عدا الشكل الإنساني. وهذا يعني أن جميع القوانين والأعراف التي تنطبق على المجتمع الإنساني تنطبق على المجتمع الحيواني المؤنسن والموضوع في شرط غير شرطه). ويضيف المعرّف (إننا وعلى الدوام مضطرون إلى إبراز سمة ما من سمات هذا العالم غير الإنساني كأحد طبائع جنسه الحيواني أو النباتي أو الجماد للتذكير بأصل النوع، ولمنع التباس أو تماهي العالم الإنساني بغيره. وهذا يحدده قانون الإسقاط أو الإضفاء القائم على التوهم من قبل الأطفال الذي يزيل الحدود ما بين عالمهم وعالم الحيوان أو النبات أو الجماد). ونلمس ذلك عند بلبل في مسرحية (الجزيرة الخضراء)..

3- الحياتي (الاجتماعي).. اليومي المعاش, والذي يتعرض لعلاقة الطفل مع أسرته وأصدقائه نموذجاً لفكرة التعاون وتحقيق الخير والقضاء على الشر كما في مسرحية (حارسو الغابة).

4- الرمز كما في مسرحيات / الجزيرة الخضراء والصندوق الأخضر والبئر المهجورة.. لنتوقف عند هذه الجوانب فرادى.

استلهام التراث (7)..

إنّ ظاهرة استلهام التراث في المسرح العربي هي ظاهرة مبكرة عرفها المسرح العربي في سنوات الريادة عند مارون النقاش والقباني وصنوع واليازجي ومصطفى كامل والبستاني، وعند الجيل الذي تلاهم أمثال أحمد شوقي وعزيز أباظة وتوفيق الحكيم وآخرين، الذين وجدوا في التراث ضالتهم إمّا ليمارسوا حنينهم نحوه أو وجدوا أنفسهم مضطرين للعودة إليه بقصد الكشف عن روح الأصالة فيه. أما في مسرح الأطفال فكان الاتجاه للتراث ولا سيما التراث الشعبي هو الأبرز في معظم المسرحيات المكتوبة للطفل. لأنه يحقق شروطه في التعليم والتربية أولاً ثم البحث عن أشكال فنية وقيم جديدة، أو ليمارسوا حنينهم وهذا ثانياً. وما إعادة كتابة, أو اقتباس أو إعداد القصص أو الحكايات الشفوية أو السير الشعبية والأخبار, وأبطال المقامات وأدب أهل الكدية إلا معينٌ لا ينضب للمسرحين, وتبدو مسرحيات فرحان بلبل (الصندوق الأخضر) و(البئر المهجورة) نموذجاً لحكايات معروفة ومتوارثة في الوطن العربي والإسلامي أيضاً.

مسرحية الصندوق الأخضر:

المعالجة والأسلوب:

صياغةٌ مسرحية بمعالجة جديدة لحكاية شعبية معروفة لدى العامة في أغلب أقطار الوطن العربي. وقد عالج هذه الحكاية مسرحيون عرب منهم: يوسف العاني في مسرحيته (المفتاح) عام /1980/ وأخرجها أسعد فضة للمسرح السوري في منتصف الثمانينات من القرن الماضي.. اعتمد الكاتب فرحان بلبل في صياغة المسرحية أسلوب التفكيك إلى وحدات متعددة حذف منها, وأضاف إليها ما رآه مناسباً وأبقى على الخطوط العامة للحكاية الأصلية.

خطوط الحكاية الأصلية: تعود البنت (زهرة) من المدرسة وبيدها صك نجاحها ليفرح البيت وتفرح الأسرة معها بعد انتظار طويل للأب والأم. إلا أن (الجار اللئيم) يقطع عليهم الفرحة بطرد الأب (حسن) والعم (سميح) من العمل. ويطلب من البنت زهرة أن تعمل لديه خدامة, فترفض, وتقترح زهرة على أفراد أسرتها أن يغنوا معاً أغنية الأجداد المعروفة. فهي الحل المناسب لهم جميعاً وخيرٌ لهم من العمل عند الجار اللئيم الذي يساومهم على لقمة عيشهم. وبالفعل يغنون معاً أغنية الأجداد:

يا خشبية حودي حودي

ودّيني على جدودي,

وجدودي بطرف عكا

يعطوني ثوب وكعكة

والكعكة بالصندوق

والصندوق بدو مفتاح

والمفتاح عند الحداد

والحداد بدو فلوس

والفلوس عند العروس

والعروس في الحمام

والحمام بدو قنديل

والقنديل واقع في البير

والبير بريد الحبل

والحبل بقرون الثور

والثور يريد شعير

والشعير بدو مطر

أو

والشعير "في البستان "

والبستان بدو مطر.. الخ

وبالفعل يغادر الجميع إلى عكا موطن الأغنية لزيارة الأجداد والحصول على الصندوق. ينهض الأجداد من القبور, ويقدم الجد الثاني الصندوق الأخضر لهم، في الوقت الذي يظهر فيه العفريت / الجار اللئيم صاحب العمل / الذي يحاول الحصول على الصندوق ولا يفلح /.. وتبدأ رحلة البحث المضنية للحصول على المفتاح كما تقول الأغنية, وتحصل مفارقات وصعوبات حتى يتم تجاوزها. وتكون النتيجة الفوز بحكمة لها أوجه متعددة: من يزرع يحصد, من جد وجد, من يعمل يعيش. ويبقى المفتاح هنا رمز العلم والعمل.

- سير الحكاية عند فرحان بلبل واحد. أي الخطوط العامة من (حدث ونتيجة). ولكن ما فعله فرحان بلبل:

1- الشخصيات: رسم بعض شخصيات عمله بطريقة أخرجها من ثوبها القديم وألبسها ثوبها الجديد. (الأب) حسن رجل كسول ينام كثيراً ولا يحب العمل, متردد أحياناً، ويتحاشى ببلادةٍ جارَه الذي يعتدي على ممتلكاته ويسرق بعضها أمام عينيه وبحضور أسرته دون أن يفعل له شيئاً. فقط يتوعد بإعادتها.

الأم الزوجة        : (إلى الأب) أتظل نائماً طول النهار؟

الأب     : ماذا تريدين؟

الأم      : نريد أن نأكل يا ابن الحلال.

الأب     : اليوم نأكل البيض, وغداً ندبر رأسنا

          من مقطع آخر:

          / يدخل العم سميح لاهثاً /

العم      : حسن. حسن. قم وانظر ماذا جرى.

الأب     : ماذا جرى؟

العم      : جارنا اللئيم. جارنا اللئيم.

الأب     : ماذا فعل؟

العم      : سرق دجاجاتنا. رأيته بعيني يكسر باب القن ويسرق الدجاجات.

الأم      : (إلى الأب) انهض وارجع الدجاجات.

الأب     : سأكلم جارنا اللئيم وآخذ منه الدجاجات.

الأم      : جارنا اللئيم سرق لنا الغنمة, والخضراوات والآن يسرق الدجاجات, وكل مرة تقول: سأكلمه, وأعيد المسروقات ثم تنام وتنسى.

الأب     : سأكلمه ولا داعي لكثرة الكلام.

- مثل هذه الشخصية الكسولة في متن الحكاية الأصلية غير مرسومة على هذا الشكل. بل هي قوية وصاحبة كرامة, وتعمل بجد لتؤمن لقمة العيش لأسرتها. في النص الذي بين أيدينا نجد أن الكاتب لم ينـزع عنها قوتها وكرامتها لكن ببلادتها شعرنا للوهلة الأولى بضعفها. ولكن فيما بعد ومن سير الأحداث, ورغم قلقها أحياناً هي مستمرة في النضال مع فريقها (الأسرة). وهذه الاستمرارية تتناسب وحالة الوعي التدريجي التي تنتابها بفعل تواتر الأحداث مصاحبة لتطور الشخصية حتى تستقرا معاً / حالة الوعي وثبات الشخصية /.

- شخصية الأم: قوتها أكثر من طيبتها. وتمثل الجانب المضيء والواعي في الأسرة بخلاف وضعها من عطف وطيبة زائدة في الحكاية الأصلية. هنا تعمل على أكثر من صعيد. فهي حازمة تأمر وتنهي وتوجه بوعي وتشجع:

الأم      : (إلى الأب) انهض وأرجع لنا الدجاجات.. / ص 13 - مسرحية الصندوق الأخضر /.

الأم      : فكر بأولادك يا ابن الحلال.. كل الأولاد يذهبون إلى المدارس إلا أولادنا / ص 14 /.

الأم      : حديقتنا واسعة تطعمنا إذا زرعناها.. الخ / ص14 /.

الأم      : سيظل هذا العفريت وراءنا حتى يأخذ الصندوق.. لكنه فشر / ص 34 /.

الأب     : أتعبنا الأولاد.

الأم      : لا تخف عليهم.. المهم أن لا تتعب أنت.. (إلى العم).. المهم أن تمشي وتترك الخوف /ص 44/.

- هذه الشخصية لم يحصل لها تبدل في مواقفها, وأفعالها على عكس شخصية الأب التي أصابها التبدل بشكل متدرج, وإلى حد ما شخصية العم سميح المتناقضة في أفعالها.

- شخصية العم سميح:

شخصية مركبة قلقة متوترة, خائفة, مترددة دائماً. تجعلنا أحياناً نسخر منها لدرجة أننا لا نقبل التعاطف معها. والكاتب رسمها بحرفية لما لها من أهمية كنموذج للتدليل على أن هناك في كل أسرة قد يوجد شخصٌ أو أشخاصٌ يخافون الواقع أو يجهلونه لخوفهم من التصدي لإشكالياتٍ يتطلب التصدي لها الجرأةَ في اتخاذ القرار، أو خوفاً من المغامرة المحفوفة بالمخاطر مسبقاً, حتى ولو على حساب كرامة الأسرة وحياتها أحياناً.

- العم يتحدث عن الجار اللئيم مع الأم قائلاً:

سرق دجاجاتنا.. رأيته بعيني يكسر باب القن ويسرق الدجاج..

الأم      : رأيته بعينك يكسر باب القن ويسرق الدجاج, ووقفت تتفرج عليه؟!.

العم      : كان معه فأسٌ كبيرة.. خفت أن يضربني بها /ص 13/.

          من مقطع آخر:

العم      : تعالوا نرجع إلى البيت.. يكفينا مصائب من العفريت النحس.

الأم      : لن نرجع إلى البيت /ص42/.

العم      : (للأب).. هؤلاء الأطفال يلعبون بعقلك وأنت تمشي معهم.

الأم      : امش ولا تتكلم /43/..

الأم      : لم يظهر العفريت.. ابن الحرام.

العم      : (خائفاً) لا تذكريه على لسانك ‍!

الأم      : وإذا ظهر؟

العم      : نهرب.

الأم      : ألا تفكر إلا بالهرب؟

العم      : وماذا أفعل؟ أضع يدي في يده وأتمشى معه على البحر..؟. (يبكي).

          المقاطع كثيرة في المسرحية تدلل على ما قلناه حول هذه الشخصية التي لا تشبه الشخصية في الحكاية الأصلية، ولكنها تلتقي معها في مسألة الخوف والتردد أحياناً، وتحمل في جوانيتها الإصرار على الاستمرار بشكل جدي.

          أيمن - زهرة - عماد: أطفال العائلة:

أيمن: العمر (12 سنة) الولد الأكبر. وزهرة الفتاة البالغة من العمر (11 سنة).. بقعتا ضوء المسرحية, وهما المرتكز واللذان عولّ الكاتب عليهما في إدارة اللعبة, وحمّلهما تبعات النجاح أو الإخفاق بمساعدة مباشرة من الأم, وغير مباشرة من الأب والولد عماد الابن الأصغر للعائلة. فهما أصحاب الفكرة التي حملتها الأغنية إليهم, وهم من عرضها على بقية أفراد العائلة لغاية أدركوا مغزاها ونتائجها سلفاً فيما بينهم لو استمرت اللعبة حتى نهايتها، على الرغم من أنه لم يفصح عن ذلك المغزى.

- كانوا أذكياء كما أراد لهم الكاتب. وهذا حق لأن مشروعية مثل هذه المغامرة الصعبة, وما تحمله من صعوبات بالغة ومواقف تثير الفزع والخوف تجعل من هذه الصفة مرتكزاً أساسياً لاستمرارها. في حين كان الطفل عماد ابن التاسعة يهوى الرسم ويحب المدرسة على عكس أخيه الذي يكره ذلك في البدء ثم في نهاية المسرحية نجده قد أحب المدرسة واقتنع بضرورة العلم لأن الأحداث أعطته مفاتيح المحبة لكل الأشياء. بينما الرسام الصغير عماد لا يطرأ عليه تغير ملحوظ قد يكون الكاتب تقصد ذلك, ليؤكد على أهمية العمر أو (كل مرحلة عمرية لها دلالاتها النفسية والمعرفية).

شخصية الجار اللئيم والعفريت: شخصية مركبة تعمل على مستويين أو مرحلتين:

المرحلة الأولى: مرحلة الجار اللئيم, والتي يظهر فيها الجار على حالة لص معتد على ممتلكات العائلة: سرق الغنمة وادَّعى أنها كانت تلعب بالجمباز. وسرق الخضراوات من حديقة المنـزل وادعى أنها تحب الرقص. وكذلك الدجاجات من القن, وادعى أنها طارت ونزلت عنده. شخصية لئيمة وخبيثة. فهو يتعاطف بكذب مع جيرانه, ويرثي لحالهم, ويعرض عليهم المساعدة بأن يوفر العمل لأطفالهم مقابل تركهم للمدرسة والعمل عنده كخدم وبأجر زهيد قدره / رغيف وبيضة / في اليوم الواحد فهو نموذج للاستغلال والجهل في آن واحد.

الأب     : ما هو الاقتراح؟

الجار اللئيم        : عندي شغل لهؤلاء الأولاد.

الأب     : شغل للأولاد؟!

الجار اللئيم        : هذه البنت ما شاء الله ذكية وشاطرة.. تذهب إلى بيتي وتساعد زوجتي.

الأم      : تُشغِّل ابنتي خدامه؟!

الجار اللئيم        : أعطيها كل يوم رغيفاً.

زهرة    : أنا لا أشتغل خدامة.

الجار اللئيم        : وهذان الولدان, ما شاء الله يشتغلان عندي في الدكان. فقط من الصباح إلى المساء.   وأعطيهما في النهار بيضة.

أيمن     : أنا لا أشتغل عندك.

عماد     : وأنا أريد الذهاب إلى المدرسة.

الجار اللئيم        : وبهذه الطريقة تأكلون وتشبعون وتبيعون نصف الرغيف
                                                          ونصف البيضة.

المرحلة الثانية (التنكر):

يحلو للجار أن يتنكر بزي عفريت ويطلق على نفسه اسم (شمديت بن خرتيت مدمر الجبال, ومرسل الزلازل والأمطار). يلاحق العائلة أثناء الرحلة يريد سرقة الصندوق بأية طريقة. فهو يتنكر بزي حداد بدل الحداد الأصلي صاحب دكان الحدادة فينفضح سره, وتنكشف لعبته, وتارة يغلق باب الحمام على العروس حتى لا تخرج حتى يأتي القنديل ليكتمل شرط الأغنية:

والعروس في الحمام

والحمام بدو قنديل

والقنديل واقع في البير

ويستمر فشله, ولا يستطيع النيل من الأسرة عبر تخويفها أو الهجوم عليها أو وضع العثرات في طريقها لكي يتم له الانتصارُ عليها والحصولُ أخيراً على الصندوق الأخضر صندوق المعرفة, فيضطر في الأخير إلى الرضوخ للحق ويقبل بدفع الغرامة وهي ثمن ما سرقه للعائلة من ممتلكات.

الشخصيات الأخرى:

الأجداد في عكا - الحداد - البئر - الرجل الحارس - الفلاح - البستان:

هي عناصر أساسية (موضوع سير الأحداث) المكمل للحبكة الدرامية وأعني الصراع. ويغلب على أفعالها طابع السكون لأنها لا تشارك في الفعل بشكل مباشر ولكن تؤثر فيه وتحفزه من الداخل ليتابع خطه العام. وهذا ما تكشف عنه المسرحية في النهاية فنعرف أدوارهم الحقيقة في اللعبة, لأنهم ساهموا مع الأطفال في إكمال اللعبة من جهة, ولأنهم أرادوا النتيجة ذاتها التي خطط لها الأطفال مسبقاً من جهة أخرى.

عماد     : (للفلاح).. هذا هو الشعير والقمح.

الفلاح    : وهذا هو الحبل. خذوه واحتفظوا بالشعير والقمح.

العم      : لماذا أرسلتنا نشقى, ولم تعطنا الحبل من أول مرة؟

الفلاح    : لكي تتعلموا.

الأم      : وماذا نفعل بالشعير والقمح؟

زهرة    : نزرعه في حديقتنا.

أيمن     : ونأكل منه.

الفلاح    : والآن.. اذهبوا إلى البئر إنه بانتظاركم.

          (يدخل البئر)

العم      : أحضرنا لك الحبل.

البئر     : لا لزوم له.

الأب     : والقنديل؟

البئر     : تأخذونه, على شرط.

الأم      : ما هو الشرط؟

البئر     : هذا القنديل قنديل العلم. أعطيه لهؤلاء الأطفال إذا كانوا في المدرسة, لكي يحفظوا دروسهم على نوره.. / صفحات 71،70،69 /.

اللغة والحوار:

عندما نتحدث عن اللغة في (مسرحية الصندوق الأخضر) عند فرحان بلبل فإننا نتحدث عن اللغة في بقية مسرحيات الطفل (البئر المهجور - حارسو الغابة - الجزيرة الخضراء).  إن مسرح الطفل كما يحدده أحد الدارسين (9).. /عالم كامل مستقل وليس مجرد مبنى مستقل. إنه عالم الخيال والعاطفة في أرض الأحلام. وإذا نحن لم نضع هذا الفهم في اعتبارنا أو تدخلت مفهوماتنا الخاصة ككبار في إبعاده عنها, فإن النتيجة ستكون مسرحاً بعيداً عما نريد.. / وهذا يعني أن المبدع مطالب بمراعاة شروط الطفل وسنه ومؤهلاته وذوقه ورغباته (10).. / فالنص المسرحي الموجه للأطفال ينطلق من القدرة الطبيعية على الخلق والإبداع الأدبي فهماً فطرياً عميقاً وحميماً لعقلية الطفل ونفسيته، وإحساساً رهيفاً بمشاعره وتقديراً لسعة خياله ومفتاحاً للدخول إلى عالمه وإثارة تحمسه وتطلعه ورغبته في التعلم والاستزادة من المعرفة إلى قدر كبير من الطفولة وعربدتها.. الخ / فالإلمام بخبايا اللغة القريبة من إدراك الطفل وعالمه / يعني أن النص ينطلق من مرجع قريب من وجدان الطفل وعقله. لقد استطاع فرحان بلبل أن يدرك هذه المسألة وأهميتها فأدرك الاعتبارات التربوية والفنية في مخاطبة الطفل حسب المراحل العمرية وخاصة (11) المرحلة الثانية من ست إلى تسع سنوات والثالثة من سن العاشرة, وحتى الثالثة عشرة فعمد إلى:

1- التبسيط والتوصيف: فجاءت اللغة سهلة التراكيب منسجمة إلى حد ما مع القدرات العقلية للأطفال وقادرة على تلبية اهتماماتهم, وميولهم من خلال التوصيف الذي يسكن داخل جملها القصيرة ومفرداتها المرنة فكانت سهلة التداول.

2- اعتمد الحوار على اللغة المنطوقة /الفصحى/: إذ أن من أهداف مسرح الطفل التعلم /أي تعليم الطفل لغته العربية بشكل سليم / قواعد النحو والنطق. وقد حرص الكاتب بلبل على إظهار الكلمات مضبوطة بالشكل حتى يتمكن الممثل من إيصالها سليمة إلى أذن الطفل, فتألفها وترسخ على لسانه. ولكن علينا أن نعترف أن آثار الكتابة في نص الكبار عند فرحان بلبل انتقل عفوياً إلى نصوص الأطفال وعلى ألسنتهم فتكلم الصغار مثل الكبار أحياناً, وفكروا بحلول أكبر من عمرهم للمشكلات المطروحة, مثل تخطيطهم لفكرة البحث عن القنديل من خلال الأغنية التي تحمل الحل المشروع لفكرتهم, والتي فعّلت حالة الكسل لدى رب الأسرة والتعاون لدى الجميع, ونمو حب المغامرة والبحث والجرأة والقضاء على الخوف في تحدي الوحش / العفريت / والتصدي له.

3- النشيد / الغناء /.. جاء زخرفياً في أغلبه لأن النثرية غلبت الشعرية في رسم وبناء الشخصيات وتنامي الحدث طيلة المسرحية، بينما الشعرية لم تكن ضمن النسيج العام والمخصص للحكاية. ولن يؤثر عدم وجودها على البناء العام للحبكة بل جاءت لتكمل الحالة التعليمية التربوية من جهة, وتضفي البهجة والمتعة لدى الطفل من جهة أخرى. ونستثني فقط الأغنية الشعبية الرئيسة التي بنيت عليها الأحداث بموجبها. هذا الكلام ينطبق على أغلب الأشعار في بقية مسرحيات الطفل عند فرحان بلبل, والأمثلة كثيرة منها:

الكبار: هيا نمشي يا أطفال

 

أنتم تحيون الآمال

زهرة:

يا ماما أطلب لعبة

 

تجلس قربي في الكنبة

 

تغمض عيناً حين تنام

 

رقصتها رقص الدبة../ص80 /

ومن مقطع آخر نجد:

أيمن:

ياعمي هيا احملني

 

فوق الكتف ولاعبني

 

سأكون مجداً مجتهداً

 

لا يوجد أشطر مني.. /ص81/

ومن مسرحية البئر المهجورة الكبار والصغار يغنون:

نمرح مرة نلعب مرة

 

ندرس في كل الأوقات

نؤمن أنَّ الوطن جميل

 

أسمى من كل الغايات.. /ص 160/

ومن مسرحية حارسو الغابة نجد الجميع يغني:

وفي معسكراتنا

 

وفي معسكراتنا

ننام باكراً

 

نفيق باكراً

 

ونرفع العلم

 

ندرب الأجسام

 

ندرب العقول

 

لنحمي الوطن / ص 198 /

 

 

 

 

 

 

مسرحية البئر المهجورة: أكتفي بتلخيص فكرة المسرحية لأن الكثير مما كتبناه سابقاً حول المنهج الذي يتضمن / المعالجة والأسلوب / النموذج ذاته في استلهام التراث الذي نهجه الكاتب بلبل في مسرحية (الصندوق الأخضر).

مسرحية البئر المهجورة في الأصل حكاية شعبية "(16).. عمد الكاتب إلى تطويرها عبر فكرتها الرئيسية التي تقول / الماء هو الحياة / حيث بين أهمية الماء, ونبه إلى أن المشاكل والاختلافات التي حدثت كانت بسببه.

القرية عطشى والماء موفور في البئر, والبئر مملوءة بالأفاعي والحشرات السامة, ويحرسها الجني الأكبر وأولاده العفاريت, وكل من ينـزل إليها يموت أو يُمسَخ فيصبح قرداً, وكل من يتكلم عن العفاريت بسوء يجلسون في الليل على رأسه حتى يموت خنقاً, أو قد يمسخونه على شكل دب. هذا الوهم سكن عقول أهل القرية جميعاً عدا ذاك العجوز الحكيم الذي يعرف سر اللعبة التي حاك خيوطَها صاحبُ النبع المستغل, والذي يتحكم بالماء فيبيعه لأهل القرية بأسعار مضاعفة يحددها هو فيسرق محاصيلهم وأموالهم على مرأى من عيونهم وهم يتفرجون. حتى إن أحدهم (الرجل الكئيب) حثّ الأطفال على الركوع أمام وكيل المتنفذ ليشفع لهم عنده ويُبقي أسعارَ الماء على ما هي عليه سابقاً فرفضوا جميعاً إلا الرجل الكئيب رمز الخوف والذل فركع. في الأخير ينجح الشيخ والأطفال ومعهم سكان القرية في القضاء على عدو القرية, وينتصرون على الخوف.

الأنسنة: مسرحية (الجزيرة الخضراء أنموذجاً):

كنا قد أشرنا سابقاً إلى أن الأنسنة تعني إضفاء صفات الإنسان على الحيوان أو الأشياء. وتعتبر مسرحية الجزيرة الخضراء أنموذجاً مسرحياً يمثل حالة أنسنة الأشياء.

فكرة المسرحية: مأخوذة عن مسرحية "الجزيرة المجزأة". وهي حكاية جزيرة وادعة جميلة وآمنة يقطنها سكان طيبون" مقبلون على الحياة بهمة ونشاط. يحبون العمل ويكرهون الكسل. يحبون الغناء والموسيقى. وأصدقاؤهم العودُ والكمان والطبل والدربكة. ولكن الحظ السيئ يقف لهم بالمرصاد. يعاقبهم ويرسل فيهم لعنته الأولى, فيعكر عليهم صفوة حياتهم وهناءة عيشهم, ويصدر فيهم الأحكام القاسية.

صوت الحظ الشرير: يا أهل الجزيرة الخضراء, أنا الحظ الشرير. لأنكم تزعجوني بفرحكم وعملكم, فقد حكمت عليكـم ألا تغنوا معاً, ولا تعملوا معاً, ولاتفكـروا معاً. ارجـعوا إلى بيوتكم متفرقين.. /مسرحية الجزيرة الخضراء ص 140 مجلة الحياة المسرحية /.

وبالفعل يتم للحظ السيء ما يأمل. الجزيرة باتت جرداء قاحلة وانقلب الناس رأساً على عقب / أصابهم المحل لقلة المطر, ولم يعد بمقدورهم التغلب على الجفاف, وأصبحوا متفرقين, يكرهون العمل والأغاني والألحان. وغادرها بعض الأصدقاء / العود - الكمان / للبحث عن بلاد غنية سعيدة تحب الأغاني والألحان. ولكن نداء الواجب / نداء العهد والقسم الذي قطعاه أمام الطبل / بالعودة فيما لو احتاج إليهما يدعوهما. وبالفعل ورغم الجوع الشديد الذي ألم بالعود يقرر العودة مع صديقه الكمان.

وتبدأ رحلة العودة. والعودة ليست بالأمر السهل. فهي تُحَفُّ بالمخاطر والمزالق قد تصل إلى التضحية والموت من أجل تلبية النداء.

يتحرك الحظ الشرير بسرعة ويقرر تنفيذ لعنته الأخيرة للقضاء نهائياً على الجزيرة ومن عليها خوفاً من أن يمد إليهم أحدٌ يدَ العون. ويغنون أغنية مشتركة فيتحدون من جديد. فيأمر مساعده بالاستعداد للعمل من أجل تنفيذ خطته الخطيرة:

الحظ الشرير       : لكي أكون سعيداً.. حكمت على أهل الجزيرة بالمحل وقلة المطر وجعلتهم متفرقين.

المعاون  : وهل يمكن أن يتحدوا؟

الحظ الشرير       : حتى الآن يمكن. وهنا الخطر الأكبر.

المعاون  : كيف يمكن أن يتحدوا؟

الحظ الشرير       : إذا غنوا معاً أغنية مشتركة. لكني سوف أمنعهم.

المعاون  : كيف؟

الحظ الشرير       : يا أهل الجزيرة الخضراء. إذا لم تغنوا معاً أغنيتكم المشتركة, فسوف تظلون متفرقين إلى الأبد.وسوف

          تصابون بالكسل وقلة العمل. كل واحد منكم يغني وحده ويفكر وحـده وتسمى جزيرتكم الجزيرة الجرداء.

المعاون  : هذه لعنة قاسية يا سيدي. (مصدر المسرحية السابق)..

ويبدأ المعاون بأمر من الحظ الشرير في حراسة شاطئ الجزيرة وحراسة الطريق المؤدية إلى قلب الجزيرة وهو على معرفة تامة بخفايا وأسرار الشاطئ والطريق معاً.

الحظ الشرير       : (للمعاون) وإذا غفلت عينك عن الشاطئ أو عن الطريق لحظة واحدة أو همست لأحد كلمة عن أسرارنا قطّعتك إلى عشرين قطعة, ورميت كل قطعة في مكان بعيد.. مفهوم؟. (مصدر المسرحية السابق)..

يتوصل الأصدقاء بمساعدة معاون الحظ الشرير الذي بطبعه لا يعرف كتمان الأسرار إلى معرفة سر الشاطئ المسحور الذي يمنع السفن من الاقتراب منه ويهددها بالغرق وسر الطريق المؤدية إلى داخل الجزيرة. والأسرار هي:

المعاون  : سيدي سحر الشاطئ حتى لا يقترب منه أحد.

الطبل    : ساعِدْنا على فك السحر.

المعاون  : فك السحر من أسرار سيدي.

الطبل    : القارب يكاد ينقلب. سيغرق أصدقائي.. قاربنا في خطر.

المعاون  : لن أبوح بالسر.

الطبل    : أتقبل لنفسك أن يغرق أصدقائي؟

المعاون  : أعوذ بالله.

الطبل    : ساعدنا إذن.

المعاون  : إذا سار القارب بالمقلوب اقترب من الشاطئ بأمان..

                    (المسرحية المصدر السابق)

وبالفعل يساعدهم المعاون ويفشي بأسرار معلمه الشرير رغم التهديد بقتله وتقطيعه وبعثرته. وهكذا  يلتقي الأصدقاء من جديد ويقررون تخليص الجزيرة من لعنة الشرير. ولكن كيف يعبرون الطريق المفخخه بالحجارة الحية التي تأكل من يمر عليها؟.. ما هو الحل؟ يفكرون وبعد جهد يستطيع العود إيجاد الحل التالي:

العود:.... وجدت فكرة.

الطبل: ما هي؟

العود: هذه الحجارة حية. وهذا يعني أنها تسمع وتضحك.

الطبل: مضبوط.

العود: سأغني لها أغنية تجعلها تغشى من الضحك فترتخي. وعندما ترتخي نقفز فوقها. (المسرحية المصدر السابق)

ومع ذلك يحذرهم الحارس من خطورة ما قد يقع لهم فيما لو توقف المغني عن الغناء أثناء القفز فوق الحجارة. يحار الأصدقاء ويقررون أخيراً أن يضحي واحد منهم بنفسه حتى ينجو الآخران ويصلا بأمان إلى الساحة في الجزيرة, وعندها يخبران السكان بضرورة الاتحاد والغناء معاً من أجل القضاء على الشرير والعودة إلى حياتهم الطبيعية؛ حياة العمل والفرح والغناء والبناء لإعمار الجزيرة من جديد. ولكن الذي يحدث أن جميعهم يعبرون بلا خوف والحجارة تقف عاجزة أمام شجاعتهم.

الكمان   : (متسائلة).. لماذا لم تأكلني الحجارة؟

الحارس  : (للكمان) لأنها عاجزة أمام شجاعة الإنسان.. (المسرحية المصدر السابق).

وأخيراً يتم الانتصار على الشرير بفضل الشجاعة والاتحاد بين الجميع والغناء معاً, فيعود للجزيرة رونقها وتنبت أشجارها وتزهر وتبدأ رحلة العطاء والبناء من جديد. وتسود القلوبَ المحبةُ والجرأة بين السكان، ويزول الخوف ويبقى الوطن الجزيرة رمزَ الخصب والحرية والفرح الدائم.

الشخصيات:

فرحان بلبل في المسرحية رسم أبطاله بتؤدة فكانوا قريبين جداً من عالم الطفل. ولعلها المسرحية الأقرب إلى عالم الطفل من بين مسرحياته. فقد استطاعت أن تبني وحداتها على أسس تربوية سيكولوجية ومعرفية مجتمعة, وتدخل وجدانَ الطفل وذهنه بقصد المساهمة في تنمية مداركه العقلية والوجدانية حتى تمكنه من اكتساب شخصية قوية وقادرة على مواجهة التحديات.

الشخصيات الرئيسة جمعت بين أنسنة الأشياء بما تحمله من مضامين محددة ومعان سامية / العود - الكمان - الطبل / وبين الرمز / الحظ الشرير - الخوف / وبين الناس العاديين سكان الجزيرة.

ملاحظة: في كتابنا مسرح الطفل في سورية دراسة موسعة عن الشخصيات والزمان والمكان عند المسرحي فرحان بلبل يمكن العودة إليه والاستزادة منه.

أخيراً يبقى بلبل في مسرحه الطفلي مبدعاً مهماً في مسيرة المسرحية الطفلية العربية , وعلماً من أعلامها.



(1) إذاعة وتلفاز الأطفال - حلقة بحث التلفاز التربوي - إعداد الدكتور سليمان الخطيب - منشورات طلائع البعث /1983/.

(2) د. مطصفى رمضاني - كلية المتلقي والخطاب في مسرح الطفل - مجلة الموقف الأدبي / العددان 283/284 / تشرين ثاني - كانون الأول.

(3) أفكار حول الكتابة المسرحية للأطفال - محمد بري العواني / مجلة الحياة المسرحية العدد 49 عام 2001 / إصدار الثقافة السورية.

(4) د. سمر روحي الفيصل / مسرح الطفل في سوريا / مجلة الموقف الأدبي السورية لعام 1986 / العددان / 178-179/ شباط (فبراير) وآذار (مارس).

(5) د. مصطفى رمضاني - كلية المتلقي والخطاب في مسرح الطفل - مجلة الموقف الأدبي / العددان 283/284 / تشرين ثاني - كانون الأول.

* فرحان بلبل في سطور :

- ولد عام 1937 في مدينة حمص.

- تخرج في جامعة دمشق / قسم اللغة العربية م عام 1960 وعمل مدرساً.

- قُدم أول عمل مسرحي له بعنوان / الجدران القرمزية / عام 1969 من إخراج محمود حمدي.

- أخرج أول مسرحية له / الحفلة دارت في الحارة / عام 1972.

- عضو اتحاد الكتاب العرب في سوريا.

- أسس فرقة المسرح العمالي بحمص وهي أول فرقة مسرحية عمالية في الوطن العربي عام 1973 وضمن هذه الفرقة أنجز أهم أعماله المسرحية كتابة وإخراجا, وما يزال مديراً للفرقة ومخرجاً لأعمالها, وبلغ عدد المسرحيات التي أخرجها 31 عملاً.

- يعمل مدرساً لمادة الإلقاء المسرحي في المعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق.

- شارك في أغلب المهرجانات المسرحية السورية, وفي عدد من المهرجانات العربية.

- كرمته جمهورية مصر العربية في مهرجان القاهرة الدولي عام 1995 مع أهم عشرة مسرحيين في العالم, وكرّم في سورية من جهات رسمية عدة - اتحاد الكتاب العرب عام 2001 - نقابة الفنانين 1998 – فرع نقابة الفنانين في حمص عام 2003 - مديرية ثقافة حلب عام 1997 - اتحاد عمال حمص عام 2003 - نقابة المعلمين 2003 بحمص.

- أقيمت ندوة تكريمية عن أعماله شارك فيها أهم النقاد وكتاب المسرح في سورية.

- المؤلفات المطبوعة كثيرة بلغت (19) مسرحية و(7) كتب في البحث والنقد نذكر من أعماله:

- المسرحية : الجدران القرمزية - إصدار وزارة الثقافة. دمشق - 1980

الحفلة دارت في الحارة – وزارة الثقافة – 1974 – مكتبة ميسلون – دمشق عام 1982.

الممثلون يتراشقون الحجارة - وزارة الثقافة - 1975 - مكتبة ميسلون بدمشق - 1982

العشاق لا يفشلون - وزارة الثقافة - 1977.

لا تنظر من ثقب الباب - اتحاد الكتاب العرب بدمشق -1978.

لا ترهب حد السيف - اتحاد الكتاب العرب بدمشق - 1984.

ثلاث مسرحيات غير محايدة – دار الحقائق – بيروت - 1981

القرى تصعد إلى القمر – دار الكلمة – بيروت - 1980

- الكتب المطبوعة :

 

المسرح العربي المعاصر في مواجهة الحياة – دراسة – وزارة الثقافة - 1984.

 

المسرح التجريبي الحديث عالمياً وعربياً - دراسة وزارة الثقافة المصرية - منشورات مهرجان المسرح التجريبي بالقاهرة - 1998. الطبعة الثانية – دار حوران – دمشق - 2002

من التقليد إلى التجديد في الأدب المسرحي السوري.. - دراسة منشورات المعهد العالي للفنون المسرحية 2002.

هناك العديد من المسرحيات والكتب المطبوعة والمعدة للطبع لم نذكرها.

(6) أفكار حول الكتابة المسرحية للأطفال - محمد بري العواني / مجلة الحياة المسرحية العدد 49 عام 2001 / إصدار وزارة الثقافة السورية.

(7) د. حمدي موصللي - دراسة / سعد الله ونوس, والبحث عن مسرح عربي / - مجلة الموقف الأدبي السورية العددان / 245-246 / لعام 1991.

(9) عن بيتر مالاد عن رأفت السويركي / الطفل بين أزمة مسرح الكبار وغياب مسرح الصغار / راجع مجلة الموقف الأدبي / العددان 283و284 لعام 1994 / د. مصطفى رمضاني / كلية المتلقي والخطاب في مسرح الطفل.

 

(10) د. مصطفى رمضاني - كلية المتلقي والخطاب في مسرح الطفل - مجلة الموقف الأدبي / العددان 283و284 / تشرين ثاني - كانون الأول.

(11) د. آرليت قاضي - حلقة بحث إذاعة وتلفاز الأطفال - منشورات منظمة طلائع البعث - دمشق سوريا لعام 1983 / ص 213 وما بعد /..

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244