دراسات وشهادات في تكريم الأديب والفنان المسرحي فرحان بلبل ـــ مجموعة من الأدباء

أدباء مكرمون ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2004

Updated: Tuesday, June 15, 2004 04:20 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

دراسة عن مسرح فرحان بلبل المواضيع والشخصيات - د. علـي سـلطان

تيسر لي أن حصلت على أربع مسرحيات في محفوظات اتحاد الكتاب العرب يضم بعضُها مسرحيات صغيرة متعددة. وكان لدي مسرحية أخرى. درست هذه المسرحيات مركزاً على المواضيع والشخصيات. وخرجت بهذا البحث المتواضع (الذي أعترف منذ البداية أنه كان من الأفضل ألا يتلى في حفل تكريم للأستاذ فرحان، لأن البحث جاء ناقداً لا يتناسب كثيراً مع جو التكريم. وأحببت أن أنوه بذلك حتى لا يعُد علي خروجاً عن المألوف بهذه المناسبات وانتقاء العذب واللطيف احتفاءً بالمكرَّم الذي أتمنى له كل الخير والتوفيق.‏

المسرحيات المقدمة هنا هي:‏

1- العشاق لا يفشلون 1977.‏

2- لا تنظر من ثقب الباب 1978.‏

3- ثلاث مسرحيات في كتاب واحد 1980. وهي:‏

4- البيت والوهم كتبت سنة 1969.‏

5- الطائر يسجن الغرفة 1971.‏

6- العيون ذات الاتساع الضيق يفترض 1980 سنة الطبع.‏

7- مجموعة أخرى من ثلاث مسرحيات للأطفال 1982. وهي‏

8- الصندوق الأخضر.‏

7- البئر المهجورة.‏

8- حارسو الغابة.‏

مواضيع هذه المسرحيات جميعاً تدور حول العمل, في المعمل أو في الأرض أو البستان أو البئر أو في البحث في السفر للخروج من التعاسة إلى السعادة أو البيت والأسرة. وهذه المواضيع في غالبها حادةٌ وغير عادية, (وقد يكون في طرحها إحراج), وخاصة ما يقرأه القارئ في أثناء الحوار. هي مواضيع إشكالية كان كاتبها يبحث عن سبب لخلق صراع اجتماعي كأنه يبدو صراعاً طبيعياً دون الحاجة إلى برهان عليه. لكن قارئ هذا النوع من الكتابة والكلام يحس لفوره أنه (أمام كتابة حادة ذات حدود بارزة معه أو أنه ضده, دون برهان أيضاً) أي لا توجد حيادية في كتابة هذه المسرحيات. (فهي يسارية جداً إن لم أقل ماركسية). ومفاهيمها وقيمها وأسلوبها وآراؤها (جاهزة) وواضحة ولا لبس فيها, مع أنه لم يذكر فيها ولو كلمة واحدة عن تلك المفاهيم (العقيدة) اليسارية. وتدور مواضيع معظم مسرحياته عن العمل والعدل والظلم والفوارق الاجتماعية حتى الحادة منها. ويختار لها الشخصيات ذات السمعة السيئة كالمرتشين والفاسدين واللصوص والمستغِلين. لكن المواضيع تتجنب الكثير من القضايا العادية مثلِ الحب وأخذ الناس بالعدل والمساواة سواء كانوا أغنياء أو فقراء, مثلِ الدراسة والثقافة، مثلِ حياة الناس العادية دون نظرية تطبق عليهم مثل الصداقة الشخصية خارجاً عن صداقة العمال في المعمل لغاية اقتصادية أو سياسية أو حزبية أو لهدف معين. على كل فرد عند الأستاذ فرحان أن يكون ملتزماً منتمياً لعقل واحد وفكر واحد. وأشخاصه يطرقون أسلوباً واحداً: حب العمل, كره الأغنياء, ملاحقة العدل, محاربة الظلم, مع أن هناك كثيراً جداً غير هذه في الحياة. ومع هذا فلكل رأيه.‏

ويؤيد قولي هذا عن مواضيع المسرحيات, اختيار الشخصيات. فهم أيضاً فقراء محبوبون يعملون في معمل. بعضهم يتابع العمل بشرف وإخلاص. وبعضهم ينـزلق أو يميل قليلاً, وتنـزل على رأسه الطامة بعدها, وأغنياء فاسدون فاسقون لصوص لا يردعهم مفهوم أو قيمة. ويبلغ في هذا النوع حداً متطرفاً, وكأن ثأراً بينه وبين هؤلاء, وما من أمل يُرتجى منهم.‏

حتى مسرحيات الأطفال تدور حول القضايا الاجتماعية كالاستغلال والتعرض لهجوم الحشرات والأفاعي والغيلان, وحب العمل والانقياد للأناشيد الوطنية والهتاف للوطن وكأنهم كبار لا يلعبون لعباً أخرى. وهم يريدهم نوعاً جديداً من الأطفال, لا الأطفال كما هم عند أهلهم في البيت والمدرسة والملعب واللعب. ولا نستغرب هذا, لأن هذه المسرحيات مثلما جاء فيها أنها مثلت على مسارح بعض المدن, لكنها ضمن مسارح الطلائع أو ما يشبهه وأقصد الكتابة الموجهة.‏

يكتب الأستاذ فرحان عن الشخصيات ذات الصفات غير المحبوبة أو المحترمة لدى كثير من الناس كالسكير والمقامر والمرتشي والفاسد, مع أن هؤلاء هم أصل الشباب الذين يعملون بالمعامل بإخلاص وشرف. بعضهم يظل كذلك, وبعضهم يرتد متأثراً بتربية أهله. ولم أجد واحداً من أسرة دينية مثلاً ولا من الطبقة المتوسطة, ولا من الداعين لمذهب أخلاقي يتعلق بالشرف والقيم التي ما تزال متوارثة في المجتمع أو ممن يدعون الاستقامة. لم أجد واحداً من هؤلاء يحمل هذه الصفات في كل مسرحياته, وإنما يختارهم عاديين يفعلون ما يحب الناس أو يكرهون, لا فرق.‏

وسوف أضرب أمثلة من بعض الحوارات التي جرت في هذه المسرحيات كأحاديث وأحداث لما قلت في هذه الأسطر القليلة.‏

في مسرحية العشاق لا يفشلون يتحدث المؤلف حديثاً ممتعاً عن شخصين لطيفين: (الطبال والزمار). ويقول عن الطبال وعلى لسانه إنه أعظم رجال الوطن، وكاتب تاريخ الوطن من على رصيفه، ومسجِّلٌ على جلدة طبلته الرنانة كل الإنجازات الرائعة أحسن من كل آلات التسجيل في العالم. وطبلتُه مطمعُ الناس ومطلبُهم إلى الارتفاع. وسعر التطبيل متهاود فمن يزيد؟.. والزمار هو واضع الموسيقى الوطنية وبوق الحضارة ونغم التقدم ويردد إيقاعه الملايين, ويرقص عليها الجميع في الملمات والأزمات. هي أعظم المهن من عهد آدم. ويحدث صراع بين الطرفين ثم يتصالحان لكن يتفقان على أن الأغبى منهما هم من يشترون خدماتهما, ثم يتصافحان كما تصافح بعضَها العرب...‏

والحادُّ في هذه المسرحية رغم أخبار الطبال والزمار هي أنها تبدأ بفتاة اغتصبها اليهود أمام أهلها, ولم يقبل أحدٌ الزواجَ بها , فزوَّجها أهلُها من رجل سكير عربيد وزير نساء لا نفع فيه, وسجلوا له بيتاً باسمه ومالاً. ولهذا الرجل صديقان: موظف مرتش وآخر مرابٍ. والثلاثة سكيرون. ولهذا الزوج ابن يدعى (سامر), مخلص يحاول إصلاح الفساد ضد الموظف المرتشي والمرابي أبي حبيبته التي يريد أن يخطبها. ونحن نقدِّر ماذا سيحدث بين سامر والمرابي وابنته بأن تُقْدِم البنتُ على الزواج من صديقها رغم أنف أبيها. ويتابع هذا العملَ في المعمل بإخلاص بينما يتابع معه بعض زملائه ويسقط آخرون. وتبقى أمه ثابتة محافظة على البيت رافضة الإغراء بهدمه, ورافضة زوجها وصديقه. ويخاطبها زوجها السكير الذي رحل دهراً وأولادُه أطفالٌ، وعاد وهم شباب.. رجع مفلساً وقال لها: أنا زوجك العجوز الذي أحبك وأنجب منك الأولاد, أنا رفيق سنوات الحزن الباقية. فترد عليه: لا أنت بقية العار الذي يملأ حياتي.‏

وفي حوار بين سامر وصديقته غمرة.‏

سامر : ألم تستحي مني وأنا أخلع ثيابي؟‏

غمرة : هل تخجل المرأة من عري زوجها؟ يجب أن تأتي معي, سنتزوج على طريقتنا.‏

ويتبع الأستاذ فرحان أسلوب تمثيل شخصيات المسرحية لأدوارهم في قلب المسرحية. وبعد نهايتها ربما أحس سامر وزملاؤه بشيء ما فقال للمشاهدين:‏

سامر : امرأة واحدة منكم قد تقول لزوجها وهي تتمطى وتتهيأ للنوم: هذا الممثل النحيف لم يعجبني يقطع عمره, تكلم كثيراً.‏

غمرة: ابن واحد يقول: هذه مسرحية عظيمة. آخر يقول: مسرحية تافهة, صدعوا رأسي.‏

مسرحية (لا ترهب حدَّ السيف)‏

تتحدث عن فلاح وهو في الوقت نفسه عالم جوال (لكن لم يظهر أثر لعلمه في المسرحية)، يتجول مع زوجته الجميلة بحثاً عن السعادة. الإشكال هنا أن عبادة يحب العدل ويكره الظلم والفساد. لكن الملك والوزير المتنفذ وزبانيته من مُنجِّم وعرّافٍ وضاربِ رمل ومعاونين هم من اللصوص والمرتشين. وعندما يعينون (عبادة) ملكاً بعد عزل الملك الطيب لاستغلاله، تستمرئ زوجتُه (سكينة) الـمُلْكَ والفساد والمال والجاه. لكن عبادة يغضب فيتآمر الوزير عليه ويطردونه. ثم يعينونه قاضياً فيفشل في تحقيق العدل لأن القانون كان سيئاً فهو من صُنع الملك. ويقف إلى جانب عبادة الصعاليك والفقراء. ويقف إلى جانب الملك الذي كان وزيراً المرتشون والفاسدون. وكان الصعاليك يتحدثون عن الاستمرار في القتال ضد الملك فيرفض وتقف زوجته إلى جانبهم وعندما يرحل عبادة عنهم تلحق به زوجته وتسحب السيف من يد زوجها.‏

ونعود إلى الإشكال ذاته: لماذا الصعاليك الفقراء هم أهل العدل وخصوم الملك والفساد؟ ولماذا تخلى عبادة عنهم؟ ولماذا لم يساند الناس والشعب عبادة أيضاً؟ وكيف تسنى لثلاثة صعاليك القيامُ بتلك الأعمال الخطيرة؟ وماذا فعل الصعاليك في الجاهلية أساساً في تاريخ العرب؟ وإلى أي حد كان لهم تأثير في ذلك التاريخ؟ ولماذا وقع اختيار المؤلف على هاتين المجموعتين غير المتكافئين والذي لا يمكن التصالح بينهما أولاً, ولا لانتصار الصعاليك ثانياً؟ موضوعٌ غير قابل للحل ولا للوصول إلى نتيجة. وربما هو مفتوح إلى الأبد. موضوعٌ يُطرَق, لكنه عديم الغاية. فالشخصيات قاصرة.‏

مسرحية (البيت والوهم)‏

إشكالية جديدة وحادة جداً وعصية أكثر عن الوصول إلى نتيجة: أم مريضة وأب شيخ وابنٌ لهما ملك بيتاً بجهده, بينما كان أخوه لا مبالياً وظل عالة على أهله, وأخذ يطالب أخاه ببيع بيته لدفع أجرة عملية والدته. لكن هذا يحرمه من الزواج وتأسيس الأسرة, وأخذ يضع اللوم على أبيه الذي بذَّر ماله, حتى إنه لم يشتر بيتاً. لم يضع المؤلف حلاً لهذه الحكاية المشكلة وترك للآخرين من القراء أو المشاهدين أن يضعوا الحلول التي يرونها مناسبة. وهذه هي أيضاً مشكلة ليس لها حل سليم تماماً يرضي الجميع.‏

لكن المؤلف عرض المشكلة وأدار ظهره.‏

مسرحية (الطائر يسجن الغرفة)‏

قصة بين شاب وامرأة دامت عشرين سنة. قصة تتكرر كثيراً. لكن المؤلف لا يطرقها كعادتها بين الحكايات إذ يختار الشاب الذي يحافظ على حبه عذرياً نظرياً وهمياً أفلاطونياً طهوراً, حتى لا يمس قدسية الحب بالزواج من حبيبته. وهنا القضية في ذات الرجل ونفسيته غير السوية. ظل الأمر كذلك بينهما عشرين سنة. وكان اللقاء يتم مرة واحدة كل سنة في غرفة بائسة قديمة يملؤها الغبار. وكبرت المرأة وأخذت تطالبه بالزواج. فيرفض الرجل التخلي عن وهمه. وعندما تحدثه بما يؤول إليه مصيرها (ومصيرها مثَّله المؤلف بشخص غريب) كانت تتردد كثيراً في تركه, وتحت إلحاح حبيبته ومصيرها يقبل هنا العاشق بالزواج.‏

ثم يدخل شاب هو ابن أخ الرجل ويخبره بوجوب الذهاب إلى المستشفى للتبرع لابن أخيه الآخر بالدم لإجراء عملية جراحية وإلا مات. فتشترط المرأة عليه لهذا الزواج ألا يذهب إلى المستشفى وتخيره بين الأمرين. وتصبح القضية بالغة الخطورة والميلودرامية. وكان ابن أخيه في ذلك الوقت يلح عليه بالذهاب إلى المستشفى ويشده من كمه مستعجلاً إياه قبل موت أخيه. وعندما سألها الغريب (مصيرُها) لماذا وضعت الشرط الأخير قالت إنها تريد المعرفة حقاً, وأنه إذا لم يذهب إلى المستشفى لذهبت هي بدله حتى تنقذ ابن أخيه. ويخبرها الغريب (مصيرها) أن تترك الغرفة بعد أن خرج الرجل منها مع ابن أخيه. فتطلب من الغريب تركَها قليلاً في الغرفة حيث تجلس متذكرة متأملة الوهم والذكريات.‏

الملاحظ أن هذه القضية تشبه القضية السابقة بوجوب بيع الابن بيته من أجل أمه. وهنا أيضاً لم يضع المؤلف حلاً وإنما ابتكر مشكلة مستعصية قد تحدث في المجتمع بشكل قليل لا يشكل أصلاً مشكلة اجتماعية واسعة. وهي موقف جاء أصلاً محرجاً في أساسه. وشخصياتُه غير طبيعية تعيش الوهم عشرين سنة.‏

مسرحية (العيون ذات الاتساع الضيق)‏

أسرة منعَّمة متوسطة تملك أرضاً تساوي الكثير. ابتُليت بجار يغتصب أجزاء من الأرض. (الأب) كبير يحاول استرجاع أرضه. ابنه الكبير (هشام) لا يحب أساليب أبيه القديمة. وأخوه (معتز) لا مبالٍٍ. وهناك أخ ثالث هو (ماجد) متزوج من امرأة كانت تحب أخاه هشاماً وكانت تخون زوجها مع أخيه هشام. وهشام له من زوجته ولد (نزار) متعلق بجدته كثيراً.‏

ويدور حوار صريح في أزمات البيت عن اعتراف المرأة بحبها لأخي زوجها. وهذا بحد ذاته صادمٌ للعقلية العربية. الابن هشام يتحايل ويشتري من أبيه الأرض ويحرم إخوته. ثم يصرف الأب المال ويفلس الابن. وتذهب الأرض إلى الجار الذي اشتراها. ويتبين أن الأب مقامر خسر المال. كما استمر هشام بالعلاقة مع زوجة أخيه. ثم يهرب هشام ويرحل داعياً ابنه نزار للحاق به خارج البلد. ويرجع الأب ويرجع بعد سنين فيسمح له حفيده بالسكن في البيت المتبقي له. وكان شعارٌ بشكل فأس معلقاً في صدر المسرح. ويظهر جلياً في الفصل الأخير حين تقدمه الجدة هدية لنـزار للعمل بالأرض. وهو شعار من شعارات اليسار إن لم يكن الشيوعية.‏

لا بأس أن نذكر بعض الحوار الصادم, وخاصة فيما يتعلق بطلب معتز من زوجة أخيه الخائنة أن تقبل مشاركة أخويه بها أيضاً... (ص117).‏

(معتز: وما دام الأخوان مشتركين في المرأة الجميلة فلا مـانع من اشتراك الأخ الثالث.‏

ثلاثة أخوة وامرأة واحدة نسكنها في منـزلنا ونعطيها حناننا فتوزع علينا حبها..‏

اطمئني. لا أحـد يعرف سرك الخفي الجميل غيري, وأنا لا أهتم بشيء. عنـاق بسيط من ذراعيك المترفين يكفي لشراء صمتي, ولتذهب الأخـوة والشرف إلى الطابق السابع في السماء الخامسة.‏

(تقترب هيام منكسرة الجناح)‏

هيام : سأحقد عليك طويلاً.‏

معتز : اقتربي, ستنسين كل الأحقاد.)‏

وهنا تقترب فيهجم أخوه ماجد وقد عرف الحقيقة. ثم يعرف الحقيقة بينها وبين هشام بحوار بين ماجد وزوجته هيام. ثم تعلم الأم نزار والجميع بالقصة.‏

والمدهش في هذه المسرحية تلك الأسرة التي تضم رجلاً مقامراً وابناً سارقاً لأبيه وخائناً مع زوجة أخيه وابناً آخر لا يدري بشيء ويسرق أيضاً أباه وابناً ثالثاً لا مبالياً ولا يهتم بشيء وأماً طيبة وأرضاً مسروقة. فكيف تحولت هذه الأسرة إلى أسرة تحب العمل والأرض ما بين الجدِة والحفيد ابن الفاسق, بينما التناقضات التي سمعناها لا توحي بحلٍ من هذا النوع العظيم؟‏

مسرحية (لا تنظر من ثقب الباب)‏

مسرحية عن مجموعة من العمال يعملون في معمل يملكه (البيك), ثم يؤمم وتدور أحداثه ببيع العمال للدواء الذي يتقاضونه لأنهم فقراء. وأصبح (فؤاد) العامل فيه مديراً للمعمل وهو يحب زميلته. ويصطدم بزيادة مطالب زملائه في النقابة. ويستغل البيك ماله ونفوذه ويعين ابنه في المعمل كمستشار. ويقيم فؤاد علاقات مع امرأة مرسلَة من البيك. وتُلتقط لهما صور عارية فيرضخ المدير. ثم يبدأ صراع ويقتل فؤاد ابنَ البيك ويحاكم. ويقف إلى صفه (رشيد) رئيس النقابة العنيف جداً وأمه ونساء في الحارة ورجال. ويتنازل البيك عن قتل ابنه مقابل أمور مالية وأن يعمل فؤاد كمدير للمعمل. وتعيره أم فؤاد بأن الذي يجري في عروقه ليس دماً لأنه يتخلى عن ابنه مقابل المال.‏

وتظهر مفاهيم العمال وهدفهم ضد هذا البيك المكروه في حوار يظهر لنا خشناً.‏

فؤاد : اتركي أحقادي نائمة فهي وحش قاتل.‏

نجوى : (حبيبته) أيقِظِ الوحشَ في قلبك بعد موت الحب.‏

رشيد : بين الفضيحة والجريمة اخترت القتل.‏

الراوي : الفقير كرَّ بسيفه على الغني. لكنه لم يعرف كيف. (كل هذا من ثقب الباب).‏

نجوى : هل سامحتني يا فؤاد لأني حرضتك على قتل مروان؟‏

فؤاد : لو كان ذلك صحيحاً لكنت شاكراً لك هذا التحريض لأني أحسست بحبـك أعلى ما يكون في تلك اللحظة. وما شعرت بالهدوء في حياتي كما شعرت حين سقط أمامي قتيلاً. ثلاثون عاماً من الذكريات الفائرة, هدأت حينما كان جسده يسقط أمامي.‏

الأم: كان أبوك فهيماً,كان اشتراكياً, كان عاملاً في المعمل وأنا كناسة.‏

رشيد: من فقد حقده الطبيعي فقد إنسانيته إلى الأبد, خذه جيفةً نتنة تُطعمه كلابك.‏

ومع ذلك يتقرب منه البيك لفائدتهما المشتركة ويخبره أنه سيجعله ابنه بدلاً من ابنه المقتول.‏

وقالت الأم: لقد كان البيك مع الفرنساوي. عندما وقفت هي هذه مع جاراتها, أين كان البيك العكروت أبوه؟ كان يسكر مع الفرنسيين, وكانت زوجته - الله لا يرحمها - تلبس الذهب والحرير.‏

يعلق المؤلف اجتماعياً فيقول: إن الخيوط الدقيقة التي يصنع منها المجتمع حياتنا تجرنا وتسوقنا في تيارها. ألا تريدون من أعماقكم هروبَ هذين العاشقين إلى برية خالية (نجوى وفؤاد)؟ وقد أصبح فؤاد عنصراً من عناصر الصراع الاجتماعي الذي بنته الحياة, الصراع لا يرحم.‏

مسرحية الأطفال (الصندوق الأخضر) 1980‏

صراع الأطفال مع العفاريت والأشباح والجان الذين يسرقون رزق العائلة, ومسيرة طويلة للأطفال وحضهم على العمل وحبه وعدم الركون إلى الأوهام وأن الصندوق الأخضر لا يقدم لهم شيئاً إذا لم يعملوا. والمشكلة في بداية صراع الأطفال مع العفاريت و الأشباح شيء فوق طاقة وإدراك الأطفال.‏

مسرحية الأطفال (البئر المهجورة) 1982‏

رجل احتكر بئر ماء. يبيع أهل القرية الماء ويأخذ كل دخلهم، ويدَّعي وزبانيتُه وجودَ عفاريت وأفاعٍ وعقارب في جب القرية حتى لا ينظفوه ويخرج الماء. ويحضهم عجوز على العمل فينظفون البئر ويخرج الماء ويتخلصون من هذا الجشع.‏

مسرحية الأطفال (حارسو الغابة) 1981‏

ضد الغيلان الذين يحاولون احتلال الغابة. ويدافع عنها الأطفال. ويسقط قتلى وجرحى. لكن الأطفال ينتصرون. ويشاركهم في النضال الحمام والحصان.‏

***‏

وأخيراً, يجب الاعتراف أن المؤلف الأستاذ فرحان بلبل قد طرق مواضيع حادة ذات إشكالية صعبة ليس عليها إجماع في الحل. لكنها مع ذلك جديدة وغريبة وخارجة عن سياق المطروق أو المألوف, مما يثير الانتباه ويحرك الذهن ويجعل القارئ يفكر مع أن هذا القارئ لا يرى مخرجاً لما يقرأ.‏

كما أن القارئ يقف مندهشاً للغاية عندما يقرأ مواضيع بعيدة جداً عن سياق الحياة العادية للناس. ولا شك في أن القارئ يتساءل: هل مثل هذا يحدث, كعلاقة نافرة في أسرة شاذة كاشتراك ثلاثة أخوة في امرأة واحدة هي زوجة لأحدهم؟ ولماذا؟ وماذا يقصد المؤلف؟ ويستعصي تفسير المسألة. إذ كيف يُنتج هذا المزيجُ المقامر الفاسق اللاأخلاقي شاباً ثورياً (شعاره الفأس أو المنجل). ويترك القارئ المسرحية بعد نهايتها وهو مندهش, لكنه قرأ شيئاً غريباً.‏

وبعد قراءة مسرحية أو اثنتين, يتوقع قارئ الأستاذ أن يسمع شيئاً جديداً آخر لا يشبهه شيء في الواقع المعاش. وربما لا يعود القارئ تصدمه هذه المواضيع المبتدعة بإرادة عارفة, وليس مجرد مصادفة, هي تلك كمن يسير على هونه في طريق مألوف, فيخرج له من إحدى زواياه باب صلب يسد الطريق. فيقف أمامه مهدوماً مبهوراً.‏

ومن يبحث في شخصيات مسرحيات الأستاذ فرحان, لا يجد إلا نوعين: نوعاً فاسقاً فاسداً مرتشياً مرابياً, ونوعاً خارجاً من هذه الفئات يحاول أن يكون شريفاً عادلاً عاملاً يسير بالمعمل ورفاقه سيرة حسنة. (ولا يكون غني بين الصالحين).‏

ولا يمكن العثور على رجل دين أو أستاذ عادي أو جار طيب أو كلمة (الله) أو (النبي) أو الأعياد, أو لعب الأطفال في الشوارع أوكل ما يمت للحياة العادية بشكل صريح, فهذه مفاهيم مألوفة. ويستثني الأستاذ فرحان كثيراً من شرائح المجتمع وشخصياته المألوفة العادية, فلا يطرقها في كتابته كالحب مثلاً.‏

إن الذين يقرؤون كتابات الأستاذ فرحان, هم على حِدَّةٍ تشبه حدة كتاباته. فإما موافق له محب ومؤيد، وإما يظل بعيداً مندهشاً لمدة طويلة. إما عقائدي أو بالأحرى إيديولوجي مثله, وإما مخاصم شديد رافض غير محب ولا يستمتع, وهم من المخالفين له إيديولوجياً أيضاً. وهم أولئك الذين يبحثون عن كلمة أو نهاية طيبة لقصة كأنها حدثت في حارته.‏

وهناك نوع آخر من القراء, وهم على الأغلب من الأدباء أو المثقفين والمطلعين ومن محترفي القراءة والمعرفة, يقرؤونه ويرددون: هكذا رأى ورأينا وكلٌّ حر في ذلك. وتظل المتعة شخصية. وأنا الذي كتبت هذه الصفحات القليلة أقول إني بعد قراءتي لهذه المسرحيات عدة مرات أدهشتني وتمتعت باستحالة النهايات فيها أو الوصول إلى حل. وأدهشتني بكثرة المواضيع وتنوعها وملاحقتها أثناء القراءة محاولاً معرفة ما يريد المؤلف قوله. وتخيلت أنه وقف هكذا وقبض أصابع يده ثم أطلقها وأطلق منها نثار قصصٍ في كل جهة لكن من منبع واحد. ولو وجدت للمؤلف أي كتاب لقرأته برغبة شديدة ودون تردد وأنا موقن أني سأسمع جديداً وممتعاً. وحتى يفعل أي قارئ ذلك, عليه أن يفتح عينيه وفهمه لما لا يتوقع. وبرأيي, تظل المواضيع عند الأستاذ فرحان أعلى بكثير من الشخصيات التي يمثلها وتتحدث عنها ومبروك على الأستاذ فرحان التكريم والكتابة أيضاً والسلام.‏

دمشق 9/10/2001‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244