|
||||||
| Updated: Tuesday, June 15, 2004 04:20 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
مسرح فرحـان بلبـل - نديم معلا محمد يعد فرحان بلبل نموذجاً للكاتب الذي يمتلك القدرة على التطور والحركة دون تحفظ أو عناد. إنه يفتح نوافذه ليتلقى المؤثرات, منسجماً بذلك مع حركة الحياة. فتراه ينتقل من الإشارة المبهمة العائمة إلى التحديد, من الدوران في فلك العموميات, إلى تسمية الأشياء بأسمائها وهو في ذلك يجد المعادل الفني, الذي يساير التطور الفكري, محققاً جدلية الشكل والمضمون. ينتقل من الإشارة إلى الظلم الاجتماعي إلى تحديد قوى هذا الظلم، ومن تغليف الصراع الطبقي بالشعور القومي إلى الحديث صراحة, عن هذا الصراع كقوة محركة وفاعلة في المجتمع والحياة، ومن الدراما التقليدية والميلودراما إلى (البريختية) ثم إلى المزج بين كليهما. وقد يكون كونه على رأس فرقة من الهواة, وممارسته الإخراج, عاملاً مهماً وربما أساسياً, من عوامل تطوره. إنه يرتكز على التجربة, وما تطرحه هذه التجربة, من إشكالات واحتمالات وردود أفعال. إلا أن التطور لا يسير وفق خط مستقيم بل يمر بمنحنيات, بمعنى أن التماسك الفكري والجودة الفنية يتفاوتان من عمل إلى آخر. لقد ربط فرحان بلبل مصيره الإبداعي والفكري (بفرقة المسرح العمالي في حمص). فكان لذلك تأثيره المباشر على إنتاجه, من حيث الالتزام بالطبقة العاملة وقضاياها ومشاكلها, ومحاولة تجسيد هذا الالتزام. وقد أدى ذلك إلى المباشرة في الطرح والإغراق في التعليمية حيناً, والإفلات من إسارهما حيناً آخر. لكن ما يلفت النظر في إبداع بلبل, هو ذلك الإصرار العنيد على الاستمرار وغزارة الإنتاج. إذ أنه يكتب مسرحية جديدة كل عام. بيد أن الأهم هو أن الكاتب قد أمسك بالطريق الصحيح وبدأ يسير عليه بخطا ثابتة وواثقة. وصار المسرح عنده هاجساً يومياً وقلقاً إبداعياً, ورسالة إنسانية. إنه إيمان مطلق بجدوى المسرح وما يمكن أن يفعله في الجمهور. وهو من هذا المنطلق يتحسس مشاكله ويعتمد على رد فعله الحي, أثناء العرض, فيعود ويصنع ويعدل في كتاباته (يمكننا أن نقول إن النص الأدبي يمر بامتحان العرض. والتعديل يأتي غالباً على ضوء هذا الامتحان). لقد وجد بلبل نفسه عندما بدأ الكتابة - في أواخر الستينات - وسط جو مسرحي جريء ونشيط كثرت فيه تجارب التسييس الطليعية, وبدأ المسرح القومي يهتم بالنصوص المحلية, والجمهور يُقبل متعطشاً على المسرح. لقد كانت الطريق ممهدة, والرؤية واضحة. ولا يمكن إلا أن يترك هذا الجو بصماته على الكاتب. كان الخيار حاسماً وضرورياً. إما أن يغلق بلبل أبوابه في وجه الجديد القادم, أو أن يغرق في القديم السائد. ولم يتردد طويلاً فاختار أن يكون مع الجديد, المنفتح على التجارب العالمية, والذي يسعى إلى مد الجسور مع الواقع المحلي, عن طريق تمثل هذا الواقع وعكسه. يعتبر بلبل - قياساً إلى معاصريه - كاتباً غزير الإنتاج. فقد كتب - خلال عقد - أكثر من عشر مسرحيات, بمعدل مسرحية كل عام. وتعليل ذلك ارتباطه بالفرقة التي يشرف عليها, والتي حرصت على المشاركة الدائمة في مهرجانات الهواة العمالية وغير العمالية. سنورد مسرحياته حسب (1) تسلسلها الزمني، وسنحاول دراستها من خلال تقسيم إنتاج الكاتب إلى ثلاث مراحل مع الأخذ بعين الاعتبار إمكانية تداخل هذه المراحل. ولذلك فنحن لا نرسم حدوداً فاصلة أو نهائية. إنه توالد طبيعي طالما أن خطاً من التطور يربط المراحل الثلاث. إن التطور, الذي لم يأت على شكل قفزة هو الذي يملي هذا التقسيم: المرحلة الأولى: 1- "الحفلة دارت في الحارة" (2). 2- " العيون ذات الاتساع الضيق" (3). 3- "الجدران القرمزية" (4). 4- "الممثلون يتراشقون الحجارة" (5). يتناول فرحان بلبل في هذه المرحلة جملة من القضايا الاجتماعية والوطنية والسياسية. وعلى الرغم من أن هذه القضايا تتداخل وتلتحم في العمل الواحد, إلا أن القضية الاجتماعية هي الأكثر بروزاً وهي الأصل الذي تتفرع عنه القضايا الأخرى. إنه يمسك بأطراف معادلة الصراع الاجتماعي. لكنك تشعر أن الأطراف المتصارعة - أحياناً - غير محدودة الانتماء أو الهوية. بعبارة أخرى, إن القوى المتصارعة على السلطة أو الأرض لا تكشف عن مواقعها الحقيقية أو اتجاهاتها الفكرية بل نراها تدور في إطار من العموميات, وفي منأى عن التحديد أو التفصيل. ومن هنا يكون الحل غير واضح المعالم. في "الحفلة دارت في الحارة" يأخذ (السيد الكبير) الذهب ولا يوزع منه إلا الفتات، ويهيمن على المدينة ويشدد قبضته على ثرواتها, معطياً لنفسه حق التصرف بقدراتها, دون حسيب أو رقيب. و(المصلح) ليس أكثر من داعية إلى بناء مدينة فاضلة, يكافح الشر, ويناضل ضد الفساد: (مهنتي (6) أعرفها. حياتي كفاح مع الفساد وعهدي على نفسي إخضاع الشر لإرادة الخير. أنا والشر عدوا حرب قديمة, ودائماً أنتصر عليه). و(الشاعر) و(أصدقاؤه) يعبثون ويلهون ويعيشون حياة فوضى. إنهم ليسوا أكثر من منشدين في جوقة السيد الكبير. أما (الفقراء الثلاثة), فأناس مغلوبون على أمرهم, مهددون بلقمة عيشهم. في الطرف الآخر, يقف (الرجلان) و(السجين الهارب) الذي لا يظهر على خشبة المسرح ولا نعرف من أفكاره أو طروحاته إلا القليل ومن خلال الرجلين اللذين لهما علاقة وثيقة به. قد يكون الكاتب رأى, في انهيار المصلح انهياراً للنـزعة الإصلاحية, التي تعزل نفسها عن الواقع وتضع حلولاً أخلاقية, تنقصها الرؤيا الواقعية. ولكنه لا يرسم صورة واضحة المعالم للبديل الثوري (السجين الهارب). إنه سجين هارب فحسب. إن بلبل يرفض الحل الإصلاحي ويرفض أنصاف الحلول. لكنه بالمقابل, يترك البديل غائماً وفي إطار عام. ومن هنا نرى أيضاً أن حل القضية الاجتماعية لا يتعدى العموميات الثورية إذا صح هذا التعبير. في "العيون ذات الاتساع الضيق" ينحرف الصراع الاجتماعي ليأخذ وجهة عائلية. بمعنى آخر, يغدو صراعاً عائلياً. فالنـزاع على الأرض يمزق العائلة ويستغرقها تماماً. يفشل الأب في إدارة الأرض نتيجة مغامراته العاطفية وتبديده لأموال الأسرة, والابن " هشام " يصر على استلام الأرض بأية وسيلة ليحقق أهدافه الشخصية, والأم تقف حريصة على أن لا تضيع الأرض. أما الأخوان الباقيان فأحدهما فوضوي عابث. والآخر لا يدري ماذا يفعل وسط هذا الجو المشبع بالمشاحنات والصراعات. يقف الحفيد "نزار" بديلاً للجميع وأمل المستقبل. يُهزم الأب ويرحل "هشام" ويقتل الأصغرُ زوجتَه، ويمضي "معتز" إلى أرض بعيدة. هكذا ينهي الكاتب هذه الدراما العائلية. وعلى الرغم من أن الأرض ليست نقطة الصراع الوحيدة وأن عيب أو أزمة هذه الأسرة تكمن في ذوات أبنائها وحياتهم وعقولهم كما تقول الزوجة هيام: "عيبكم من الداخل (7) من حياتكم وعقولكم ولا احترام لأمثالكم"، إلا أن بلبل لم يعمِّق النقطة, بل تركها ثانوية هامشية. لقد انهارت الأسرة ولكننا لا نجد سبباً لانهيارها, سوى النـزاع على الأرض. أما الجوانب الاجتماعية فقد أغفلها المؤلف. وإذا كان في المسرحية السابقة قد أبرز جوانب الصراع الاجتماعي - السياسي وإشكالاته فإنه هنا يحولـه صراعاً عائلياً معزولاً عن ظروفه الاجتماعية - السياسية داعياً إلى التمسك بالأرض والعمل فيها حتى النهاية. إضافة إلى ذلك نراه يعقد تحالفاً بين الماضي والمستقبل, عبر شخصيتي الأم والحفيد, لاغياً مسألة صراع الأجيال. في "الجدران القرمزية" يربط بلبل بين القضية الوطنية والقضية الاجتماعية ويكشف تأثير هذه الأخيرة على الأولى. إن الثائر الذي ينتهي تاجراً مستغلاً يكنـز الأموال لا تهمه القضية الوطنية وليس مستعداً للقتال في سبيلها. "فسلمان" الذي طردوا أهلَه من وطنه "فلسطين" واستقر في بلد مجاور يمارس التجارة. وعوضاً عن الانتقام للوطن, ينتقم من الفقر والجوع بتكديس المزيد من المال: "... واشتغلت ليل نهار (8) حتى صرت غنياً. قهرت المرض والتعب لأصبح غنياً..". وعلى الرغم من أن (سلمان) هذا يموت إلا أن فكره وسلوكه يستمران في الحياة, من خلال أخيه (خليل) الذي كان يمكن أن يسلك طريقاً مغايراً, لولا أنه تشرب حياة أخيه وفكره. في الطرف المقابل نجد كلاً من (سعاد) خطيبة خليل الرافضة للاستسلام والخنوع واستبدال الوطن بمتجر حقير, إنها والعم (أحمد) المناضل القديم, الصورة المشرقة, والطرف المقاوم, الذي لا ينسى الوطن, ولا يركن لحياة الذل والهوان. وإذا كانت المسرحية تنتهي و(خليل) يضم دفتر حساباته إلى صدره، فإنها تنتهي أيضاً, وفي الوقت نفسه بخروج سعاد والعم أحمد, من الجدران التي أحاطت بخليل ومنعته من الالتحاق بالثوار. لقد كتب فرحان بلبل هذه المسرحية في أواخر الستينات والعملُ الفدائي الفلسطيني في ذروة نشاطه وانتصاراته, وأضحى الرد العملي الوحيد على هزيمة الخامس من حزيران. ولذلك لا نجد لديه ذلك الموقف الحماسي - الخطابي الذي كان سائداً في كثير من الأعمال التي تناولت القضية الفلسطينية, والتي جردت هذه القضية من مضمونها الاجتماعي, محولة إياها إلى تعلق صوفي بائس. إلا أن القضية الاجتماعية لم تتحدد إلا من طرف واحد (سلمان وخليل) التاجرين, بينما بقي الطرف الآخر (سعاد والعم أحمد) في أطر وطنية عامة, غير كاشف بعمق, عن حقيقة موقفه الطبقي. يتحدد الموقف الطبقي, ومن ثم الفرز الطبقي, بشكل أوضح في (الممثلون يتراشقون الحجارة) حيث "تتراشق فرقة مسرحية الحجارة" من مواقع طبقية. الأزمة المالية التي تعاني منها تدفع بعضاً من أفرادها إلى الانزلاق نحو المسرح التجاري. والأزمة المالية هنا, تلازم الفرق المسرحية التي تقدم أعمالاً جادة. والأزمة المالية أيضاً تشكل دافع الانقسام وسببه. إن (وفاء) و(عمر) يشكوان من قلة دخل الفرقة. و(زينب) تتشاجر مع زوجها لأن الديون تراكمت وكثرت. وهم يقدمون مسوغات الانزلاق ومبرراته, بينما يعلن (سعيد) عن تمسكه بالفن الجاد, وعامل البوفيه (صالح), الذي تعلق بالفرقة وأعمالها يطالب ببقاء الفرقة واستمرارها في الخط الجاد. وفي حين أن سعيد يلين, وتلين معه مقاومته, يظل صالح الرافض الوحيد والنقطة المضيئة في عالم الفرقة المتداعي. لقد استطاع الكاتب رسم الجو الاجتماعي - الاقتصادي العام ورصد تأثيره, في الشخصيات. فحمى الاستهلاك خربت النفوس من الداخل, وأزاحت قيمة الفن, إنسانياً وجمالياً وحدت من دوره المعرفي - الاجتماعي, وحولت هاجس المسرح الجاد إلى هاجس النقود. إن ثبات صالح - العامل يعني ثبات الطبقة التي ينتمي إليها. وهكذا نجد أن الكاتب قد ربط القضية الفكرية - الفنية بالقضية الاجتماعية, ربطاً جدلياً وأوضح أن النـزاع الفني - إذا صح هذا التعبير - ما هو إلا نزاع اجتماعي - طبقي في أصوله. وإذا استثنينا هذه المسرحية, نجد أن فرحان بلبل - في هذه المرحلة - يلامس القضية الاجتماعية بخطوطها وأطرها العامة دونما تحديد لأطراف الصراع الاجتماعي ووجهته. وحل القضية الاجتماعية - على هذا الأساس - غير واضح الأبعاد والملامح. إلا أن المؤلف يخطو خطوة متقدمة إلى الأمام, في المرحلة الثانية, إذ يسمي الأشياء بأسمائها. في المرحلة الأولى يختار فرحان بلبل الدراما التقليدية شكلاً لطروحاته, وإن كان في "الممثلون يتراشقون الحجارة" يلجأ إلى "المسرح داخل المسرح" ليزاوج بين التاريخي والمعاصر. والصراع الدرامي عنده يأتي كنتيجة للتصادم الفكري. وقد يكون هذا سبب كثرة الكلام وقلة الفعل. ففي "الحفلة دارت في الحارة" يغطي النقاش مساحة كبيرة من المسرحية ولا يفسح المجال أمام الفعل إلا في النهاية حين تحدث المواجهة بين السيد الكبير وأنصار السجين الهارب. وإذا كان الصراع الدرامي يولِّد الفعل، فإن كثرة النقاش تحدُّ من تصاعده وتوتره وتفقده الكثير من دراميته. فعملياً لا وجود للسجين الهارب وإن كان الصراع الدرامي يولد. وينطبق هذا أيضاً على "الوحش". أضف إلى ذلك كثرة الشخصيات الثانوية التي لا يؤثر وجودها على البيئة الدرامية (لو حذفنا الشاعر وأصدقاءه - مثلا - لما تأثرت البنية الدرامية بهذا الحذف) وقد يكون الوضع أفضل في "الممثلون يتراشقون الحجارة" حيث يستحيل فصل الشخصية عن ظرفها الاجتماعي وعن البنية الدرامية, ويبدو العمل أكثر تماسكاً وتكثيفاً. إن فرحان بلبل لا يقدم شخصيات ساكنة. لكن حركة هذه الشخصيات تأخذ خطاً درامياً مستقيماً بنموها وتطورها. وعندما يحاول الكاتب إحداث نقطة التحول أو الانعطاف في الخط الدرامي يقحم المواقف الميلودرامية (العلاقة الفجائية وغير الممهد لها بين السيد الكبير وابنة أخت المصلح في "الحفلة دارت في الحارة"، وقتل ماجد لهيام في "العيون ذات الاتساع الضيق" ثم تحول خليل بعد العبث والتردد والاقتناع بضرورة العمل الوطني - المفاجئ وما يصحبه من مبالغة إلى الموقع المضاد). اللغة, عند بلبل, تشغل حيزاً هاماً من اهتمامه, ويعيرها أهمية استثنائية. إنه يشعر أن المسافة التي تفصل الفصحى عن العامية تحتاج إلى تضييق وتقريب. ويشعر أيضاً - وهو رجل المسرح الذي يكتب ويخرج - أن الازدواجية عائق أمام التوصيل. ولذلك فقد لجأ إلى حل وسط بتركيزه على ما "يسمى اللغة الثالثة" وهي العامية المفصحة أو الفصحى القريبة من العامية - إذا صح التعبير -. إنه يحاول استنطاق الشخصية, في حوارها، مفردات وجملاً مألوفة وبسيطة وشائعة التداول محاولاً بذلك الوصول إلى الأكثرية الساحقة التي ما زالت الغالبية منها شبه أمية, إن لم تكن أمية. إنه ضد تكريس العامية وفي الوقت نفسه, لا يميل إلى اللغة الأدبية الخالصة. وقد تكون اللغة, إضافة إلى طموحاته في الوصول إلى أكبر عدد ممكن من المتفرجين - أحد العوامل التي حدت من اندفاعه نحو الرمز. فظل هذا الأخير, ممزوجاً بالواقع. إن "السيد الكبير" رمز للسلطة المطلقة والديكتاتورية في "الحفلة دارت في الحارة"، والوحش والغابة يرمزان إلى الثروة الطبيعية للبلاد ومستقبلها ولعله - أي الكاتب - يريد من خلال هذا الرمز إضفاء قيمة جمالية على النص, وتخفيف المباشرة فيه. وقد شاع وانتشر مثل هذا الرمز في الأدب - الشعر بخاصة - في الستينات, ولا يبدو ضرورياً سواء على المستوى الفكري أو الدرامي. المرحلة الثانية: إذا كانت المرحلة الأولى مرحلة العموميات فإن المرحلة الثانية هي مرحلة التفاصيل المحددة. هي مرحلة تسمية الأشياء بأسمائها - كما قلنا - آنفاً. مسرحيات هذه المرحلة. 7- "العشاق لا يفشلون" (9). 8- "لا تنظر من ثقب الباب" (10). 9- "القرى تصعد إلى القمر" (11). 10- "يا حاضر يا زمان" (12). وليس ثمة شك, بأن لارتباطه بفرقة عمال حمص, الدورَ الأساسي في تكوين توجه المرحلة الثانية وتعميقه. لقد فرضت طبيعة هذا الارتباط وطبيعة المتلقي (العامل) الخطوط العريضة لهذه المرحلة, فكراً وفناً. تطلب الالتزامُ بالطبقة العاملة الالتزامَ أيضاً بفكرها وتجليات هذا الفكر، والشكلَ الفني الملائم (المنهج البريخيتي) من "تعليمية وملحمية ومباشرة". إلا أنه من الضرورة بمكان الإشارة إلى أن هذه المرحلة, ليست طفرة, وإنما جاءت ضمن سياق منطقي. إذ كانت هناك بذور أو بالأحرى إشارات ما لبثت أن تعمقت وترسخت لتصبح أفضل وأشمل. من هنا نعاود القول بأن الانتقال من العام الغائم إلى الخاص المحدد هو الذي يميز هذه المرحلة ويطبعها بطابعه. لقد تدرج فرحان بلبل، بموقفه وفكره، تدرجاً منطقياً متسلسلاً. ففي حين نراه يعالج الموضوعة الطبقية باستحياء في "العشاق لا يفشلون"، نراه يندفع, بقناعة تامة، وصراحة إلى القول في "لا تنظر من ثقب الباب" وعلى لسان (رشيد): "من فقد حقده الطبقي مرة فقد إنسانيته إلى الأبد". ويستمر هذا الموقف, ثابتاً واضحاً في المسرحيتين التاليتين. في "العشاق لا يفشلون" يغلف الكاتب الموضوعة الطبقية, بغلاف وطني - قومي ويحاول إقامة نوع من "التوفيق" بين الموضوعة الطبقية, والموضوعة الوطنية - القومية. إن (سامر) - بطل المسرحية - نقابي واع يسعى إلى التأثير في العمال, ودفعِهم إلى زيادة الإنتاج, ويصطدم - نتيجة لذلك - بالإدارة التي تحس بخطره فتلجأ إلى أسلوب الترغيب في البداية، ثم الترهيب فيما بعد. لكن (سامر) يصمد ويقاوم حتى يسقط الإدارة الانتهازية. لكنه يعجز وهو النقابي الواعي عن فهم طبيعة البورجوازية الصغيرة المتذبذبة. فالبقال - والد حبيبة سامر - يغش الفقراء, ويُقرض بفائدة فاحشة، ويستغل دون رادع من ضمير أو أخلاق. ومع ذلك يراهن سامر على الحرب لتغيير طبيعته فيصبح أكثر إنسانية وأكثر خيراً. لا شك أن الحرب - كظرف استثنائي - تغير الناس في جو عام من الشعور الوطني, لكنها لا تنفذ إلى قاع بعضهم, لتغير من طبيعتهم وانتمائهم الطبقي. صحيح أن (سامر) ينتصر في النهاية وانتصاره انتصار للنقابي الشريف الذي يناضل في سبيل إنجاح تجربة القطاع العام, والذي تهمه قبل كل شيء مصلحة المعمل. لكن الصحيح أيضاً أنه لا ينبغي للنقابي الشريف أن ينغلق ويبقى أسير جدران المعمل, فلا يلتفت إلى الحياة اليومية خارجه. في المسرحية أيضاً نظرة تقليدية إلى القضية الفلسطينية تبدو بالمقارنة مع "الجدران القرمزية" متخلفة لأنها تعزف لحناً قديماً على وتر قديم وهو المرأة - المغتصبة - التي اغتصبها الغزاة الإسرائيليون والتي لا تحاول أو تسعى إلى انتزاع اعتراف المجتمع بها, من خلال شرف المقاومة قدر سعيها إلى استجداء الشفقة في مجتمع شرقي متزمت. وإذا كان كاتبنا - كما ذكرنا آنفاً - ينظر إلى الموضوعة الطبقية "من ثقب الباب" فإنه في "لا تنظر من ثقب الباب" قد دخل إلى الموضوعة الطبقية, معلناً تمكسه بالصراع الطبقي كمحرك للتاريخ والحياة الاجتماعية. وهكذا سقطت أوهام "المصالحات" و "التوفيقات" وبدا الأمر جلياً واضحاً: "من ينسلخ عن طبقته ويتنكر لمنشئه ويفقد حقده الطبقي ساقط لا محالة". هكذا يقول بلبل في مسرحيته هذه. لقد نشأ العامل (فؤاد) في أسرة فقيرة لها تقاليدها النضالية العريقة (مقاومة الأب للمحتلين الفرنسيين ونضاله ضد البورجوازية المحلية)، والتحق برفاقه في المعمل وعرف - عن كثب - ماذا يعني أن يكون المعمل للعمال. لكنه سقط لأنه اعتبر أيضاً, أن الصراع مع البورجوازية تصفية حساب شخصي مع أحد أفرادها (مروان بك) وليس معها كطبقة قائمة بحد ذاتها. (فؤاد) ليس البطل الإيجابي وسقوطه سقوط للمواجهة الفردية. هناك (رشيد) (الذي أُحرِق بيته وقُتِلت زوجته). وهناك أيضاً نجوى وأيمن. هذه المجموعة هي البطل الإيجابي الذي يؤكد عليه فرحان بلبل والذي يطرح فكرة المسرحية من خلاله. على الرغم من أن الكاتب كرس معظم مسرحياته للحديث عن الطبقة العاملة ومشاكلها إلا أنه لم ينس الحليف التوأم لهذه الطبقة. لم ينس الفلاحين ومشاكلهم فكانت (القرى تصعد إلى القمر) التي اقتبسها المؤلف عن "دائرة الطباشير القوقازية" لبرتولت بريخت. والواقع أن بلبل أعاد كتابة هذه المسرحية آخذاً من بريخت الهيكل العام (الحكاية والمشكلة). لقد بنى على هذا الهيكل نصاً قريباً من الواقع المحلي, يتوجه ويخاطب بالدرجة الأولى المتفرج السوري - ولا نقول العربي - بسبب خصوصية التجربة السورية. وتعرَّض لقانون الإصلاح الزراعي ولظروف وملابسات تطبيق هذا القانون وما جره من صراعات لا يعرفها المجتمع الرأسمالي ولا المجتمع الاشتراكي. أكد على فكرة "الأرض لمن يعمل بها". لكنه لم يقف عند حدود هذه الفكرة - التي تحولت إلى مجرد شعار - لا أكثر - بل حاول أن يصل إلى جوهر المشكلة الأساسية: تحوُّل الفلاح الذي يتملك قطعة أرض - تدريجياً - إلى امتلاك شبيه بذلك الذي أخذ الأرضَ منه. عندها سيظهر ملاّ جديد على الساحة وسيقف في وجهه فلاح أجير. وهكذا ستتكرر المشكلة وستبقى دون حل. يقول القاضي آدم مخاطباً الفلاح (حمدان) وقد تملك هذا الأخير الأرض مستفيداً من الإصلاح الزراعي: "آدم :(13) ملكت الأرض يا حمدان. وسوف تعمرها خيراً وشجراً. حمدان : بفأسي وتعبي. آدم : سوف تصير آغا صغيراً جديداً, توسع أرضك وتستأجر لها الفلاحين. ويمر منها لصوصك وتجارك. فيظهر حمدان آخر يقف ضدك ليملك الأرض عنك. فترفع في وجهه سند الملكية. لكنه بفأسه وتعبه يأخذ الأرض منك. ثم يظهر حمدان ثالث ورابع وخامس وتظل الدائرة تدور". هذه هي المشكلة الأساسية. فالمسألة إذن ليست مسألة توزيع الأرض على الفلاح ومنحه سند ملكيتها وتركه ليتحول إلى إقطاعي جديد, مع مرور الزمن بازدياد دخله واستثماراته فنكون أمام مشكلة جديدة. الحل يكمن في الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج, في خلق علاقات إنتاجية جديدة: "الأرض (14) للقرية.. للجميع. اسمع حكمي يا حمدان. تعاون مع فلاحي قريتك. مزِّقوا سندات الملكية. اهدموا فواصل الأرض بينكم. اجعلوها أرضاً واحدة. اشتروا لها الجرار وسيارات النقل. اخلقوا تعاونية حقيقية تخدم كل الفلاحين. عند ذلك فقط تقضون على كل الأغوات والتجار والملاكين, صغيرهم وكبيرهم القدماء منهم والجدد". إن الاستغلال مرهون ببقاء الملكية الفردية. وسيظهر باستمرار مستغلون جدد ولذلك فهدْمُ الملكية الفردية هدمٌ للاستغلال. لا شك أن هذه المسرحية, لا تكتسب أهميتها الخاصة والمتفردة, من الموضوع الذي تعالجه فحسب وإنما من طبيعة المعالجة وراهنيتها ودعوتها إلى حل اشتراكي علمي صحيح, بعيداً عن المعالجات السطحية, والشعارات الإنسانية - الأخلاقية, التي سادت معظم الأعمال الأدبية في الستينات وأوائل السبعينات على وجه الخصوص. لقد كانت تلك الأعمال تنظر إلى النتيجة فقط متجاهلة السبب. إن "القرى تصعد إلى القمر" تعتبر بحق, من أنضج الأعمال, التي تناولت موضوع الأرض والإقطاعي والفلاح, وأكثرها جدية وعمقا وفهما للقوانين والنظم التي تحكم الواقع. لئن كانت "القرى تصعد إلى القمر" تعالج المسألة الزراعية في إطارها الراهن, مشددة ومركزة على ضرورة جماعية وسائل الإنتاج, كبديل للملكية الفردية، فإن "يا حاضر يا زمان " هي الأخرى تعالج موضوعاً راهناً ومعاصراً وهو "البورجوازية الطفيلية" التي رافق ظهورُها الاتجاهَ الاستهلاكي في الحياة الاقتصادية للبلاد. إن "طفيليتها" تنبع من عطالتها وعدم إنتاجيتها أو مشاركتها في الإنتاج. وهذه البورجوازية الطفيلية - كما يقول الكاتب - "علقة على جسد البلد ولا بد من تنظيف البلد - لتسقط هذه العلقة". بمعنى آخر: إنها قذارة لا بد من التخلص منها. إن (سعيد) - الشخصية الرئيسية - يرى كيف تنتشر "القطط السمان" حوله وتمتد أذرعها كالأخطبوط لتمسك برقاب الضعفاء والفقراء البسطاء. وهو يحلم بالثروة - العدوى, يحلم بأن يكون غنياً, يودُّ لو "يطمر زوجته بالحرير والذهب والمجوهرات". من أجل هذا، مستعدٌّ لأن يفعل أي شيء وكل شيء. ولذلك فهو يقايض بدم ابنه لقاء المال ! الابن يموت دهساً, تحت عجلات سيارة ابن أحد الأثرياء (الطفيليين). فيقبض الأب الثمن, مبلغاً من المال له رائحة الدم ولونه. يبدأ يوظف هذا المبلغ في التعهدات ليدخل الساحة الحبلى بالمتعهدين والوسطاء والسماسرة. ومن خلال علاقة سعيد بأحد المسؤولين "أسعد بك" يكشف الكاتب الغطاء عن حلقة متكاملة ومتصلة, من الذين يستغلون منصبهم الرسمي, لحماية أولئك الطفيليين ومن الطفيليين أنفسهم. ثمة قاسم مشترك بينهم جميعاً وهو الإثراء السريع وغير المشروع. وإذا كانت الموضوعة النقابية, في الأعمال السابقة تحتل المكان الأول، فإنها هنا في "يا حاضر يا زمان" تغدو خلفية, أو أرضية لا أكثر. وفي هذا إشارة مباشرة إلى قوة البورجوازية الطفيلية وخطرها, في الوقت نفسه. بالتأكيد لا يُلغي بلبل دور النقابيين "حسن" و "محمود". ولكن دورهما - رغم ذلك - يبدو ضئيلاً. وحماستهما واندفاعهما لا تضاهي حماسةَ واندفاع رفاقهما في "لا تنظر من ثقب الباب" مثلاً. والصراع لا يحمل ذلك التوتر والسخونة, اللتين تميز بهما في الأعمال السابقة. وقد يكون لذلك ما يبرره. فالواقع أن مقاومة الطفيليين, هشة وضعيفة, بشكل عام. ولولا جريمة حرق معمل الكهرباء ومقتل ثلاثة عمال, لما سقط سعيد وشركاه. والمسرحية من هذه الزاوية دعوة للقضاء على البورجوازية الطفيلية, قبل أن يستفحل أمرها وتتجذَّر في أرض الواقع. إن أهمية المسرحية - رغم ضعف جانبها الفني - تأتي من تسميتها للأشياء بأسمائها في الوقت الذي يجنح فيه كثير من الكتاب إلى الإشارات المبهمة والرموز للحديث عن القضايا والمسائل المعاصرة. يبحث بلبل في هذه المرحلة عن شكل يلائم المضمون الذي يطرحه فلا يجد أمامه إلا "البريختية" والجانب التعليمي منها بخاصة. لكنه لا يتخلى عن الدراما التقليدية بل يسعى إلى المزج بينها وبين التعليمية البريختية ليخلق تركيباً يرضي نزعته الاستقلالية من جهة، ويضفي بعضاً من الملامح المحلية على النص من جهة أخرى. لكنه - رغم ذلك - لم ينجح في التخلص من الجانب الرديء من هذه الدراما التقليدية التي أبقى عليها وهو "الميلودراما". وكان هذا واضحاً في كل من "العشاق لا يفشلون" (لقاء الأب العائد بأسرته)، وفي "لا تنظر من ثقب الباب" (الصور العارية واعتماد المفاجأة الصاعقة). إلا أن الكاتب لم يتوقف عن البحث وظل ذلك "التركيب" الذي أشرنا إليه (15) هاجساً إبداعياً لديه. فكانت "القرى تصعد إلى القمر" حيث نجح في تحقيق ما يصبو إليه, واستطاع إبراز أسلوبه الخاص من خلال المنهج البريختي. لقد أخذ المشكلة والحكاية من "دائرة االطباشير القوقازية"، وقدم صياغة جديدة تختلف من حيث طبيعة المشكلة والحكاية والخلفية التاريخية - السياسية - الاجتماعية للمشكلة والحكاية معاً. المشكلة تنبع من ريفنا. وقد نجمت عما رافق تجربةَ الإصلاح الزراعي والجمعيات التعاونية من أخطاء وتجاوزات. الأمرُ الذي جعل النظام الزراعي هجيناً لا هو بالرأسمالي ولا هو بالاشتراكي. والحكاية أخذها من تاريخنا (العهد العثماني) وهي قريبة من المتفرج, تسهِّل استيعابَه للمسرحية, ومتابعته لها. لقد أرضى طموحه ونزعته الإبداعية الاستقلالية وأفلت من إسار التقليد في هذه المسرحية التي تعد من أفضل مسرحياته. لكننا نجد أنه لم يوفق في المحافظة على استعارة المنهج البريختي وتأكيد الأسلوب الإبداعي المستقل في المسرحية التي أعقبت "القرى تصعد إلى القمر" إذ تحولت "يا حاضر يا زمان" إلى مسرحية خطابية مباشرة, تفتقر إلى المتعة ولا تعير الجمالية - الفنية أي اهتمام. كانت صحة الطرح الفكري وسلامته, على حساب الجانب الفني. فموت الابن لم يكن إلا مصادفة لا تصمد أمام المنطق وسياق المسرحية. ففكرة أن البورجوازية الطفيلية تبيع كل شيء وتقبض ثمنه جعلت الكاتب يفتعل حادثة موت الابن, ليصل من خلالها إلى تحقيق هذه الفكرة. هذا يدفعنا إلى القول: إن فرحان بلبل ما زال يبحث عن وجهه المستقل وما يزال يبحث عن جمالية غير هجينة. وسنرى في أعمال المرحلة الثالثة كيف أنه عاد إلى الدراما التقليدية مع شيء من التجديد. المرحلة الثالثة: تتميز هذه المرحلة بالعزوف عن المباشرة في الطرح والعودة إلى الدراما التقليدية مع شيء من التجديد يتجلى في استخدام عنصر الحكاية العربية, والحديث عن الحاضر من خلال الماضي كما في "لا ترهب حد السيف" (16) كما تتميز بالتركيز على دور الملكية الفردية والمال في تخريب العلاقات الإنسانية كما في مجموعة "ثلاث (17) مسرحيات غير محايدة" التي تضم ثلاث مسرحيات هي على التوالي: "الصخرة والحفرة" و "قطعة العملة" وهما مسرحيتان قصيرتان، و"الميراث" مسرحية في فصلين. وقد يكون من الضرورة بمكان الإشارةُ إلى أن ما حدث من تغيير في هذه المرحلة, كان تغييراً في الشكل وليس في المضمون. إذ حافظ بلبل على الخط التقدمي الذي تعمق ونضج في المرحلة الثانية وأضاف مؤكداً على أن التغيير ينبغي أن يتناول الجوهر والأساس, وأنه ليس أكثر من فقاعة صابون إذا لامس السطح فقط. وهكذا نجده في "لا ترهب حد السيف" (18) يدعو إلى تغيير السلطة التي تسن القوانين, لأنها لا تسن إلا القوانين التي تخدمها طبقياً وبالتالي لا يمكن نشر العدل وإحقاق الحق, في ظل هكذا قوانين. إن بطل المسرحية يبحث عن السعادة. وهو في سبيل ذلك يجوب أصقاع العالم, آملاً أن يعثر عليها في نهاية المطاف. وكما يقول المؤلف فهو رجل عالم وموظف كبير في بيت الحكمة يجالس العلماء وأهل المعرفة. ولكي يرتاح قلبه ويطمئن يفتش عن السعادة وينصح الآخرين بأن يحذوا حذوه. يقول مخاطباً الوزير: "يا سيدي الوزير إذا أردت أن تفهم الدنيا, ويطمئن قلبك, وترتاح حياتك ففتش عن السعادة". ولكي يصل به المؤلف إلى النهاية - السعادة كما يفهمها, يضعه في سلسلة من المواقف والحالات تمثل عملية البحث بمراحلها المتعاقبة. فها هو يصبح ملكاً على بلاد, حكماؤها منجِّمون مشعوذون. وتلعب المصادفة دوراً أساسياً في تنصيبه ملكاً: (يُقتل الملك السابق فيُصدِر المنجمون الثلاثة نبوءةً تقول: إن الملك الجديد وقاتل الملك القديم يظهران معاً في لحظة واحدة. القاتل يخرج من شمال المدينة والملك يدخل من جنوبها. وبما أنهم قبضوا على القاتل في شمال المدينة فالملك الجديد إذن هو (عبادة) المتشرد والباحث عن السعادة والذي يجدونه على باب المدينة الجنوبي). الملك الجديد لا يجد السعادة في السلطة. فينضم إلى جماعة ثورية تقاتل السلطة للحصول على حقوقها. الجماعة الثورية, عند بلبل هي البديل للسلطة الملكية والطرف المقابل طبقياً وفكرياً. فهي مجموعة من العبيد والفلاحين والصناع الفقراء الذين ينقمون على الأغنياء سارقي قوتهم. لكن عبادة (الزعيم) لا يجد سعادته أيضاً مع هذه الجماعة، بل يتحول إلى إنسان غارق في الملذات. ينتهي عالمه عند حدود الخمرة والنساء والذهب. ولذلك فهو يدخل في صراع مع الثوري الحقيقي "صعب" الذي يرى أن عبادة قد انحرف عن خط الجماعة وسار بها إلى درك قطاع الطرق - كما يسميها الملك وأعوانه. وتستمر رحلة البحث عن السعادة المفقودة فنراه وقد أصبح قاضياً. لكنه لا يحصل على السعادة. يربط المؤلف بين الثورة والسعادة, بين صعب والسعادة لأن الأخير يجسد النقاء والصفاء الثوريين. ولذلك تظل الجسور قائمة بين عبادة وصعب, لأن الكاتب يريد أن يصل ببطله إلى الثورة - السعادة عبر صعب نفسه. وصعب ليس مهماً كفرد بقدر ما هو مهم كجماعة. ولذلك ومن هذا المنطلق, يحرص الكاتب على كشف الخلفية الاجتماعية الطبقية لهذه الجماعة. صعب يجيب على السؤال - اللازمة - الذي يتردد على مدى المسرحية كلها والذي يشكل محورها. والسؤال المقلق للبطل "كيف يكون الناس سعداء؟" (19). يقول صعب: "حين نحفظ لهم لقمة العيش وكرامة الإنسان والغوص في بحر المعرفة. وإذا نال الجميع حظاً متساوياً من هذه الحاجات, كنت أنت مثلهم, وواحداً منهم. لك ما لهم من الحق, وعليك ما عليهم من الواجب فيطمئن قلبك إلى العدالة. لا تشعر أنك ظالم ولا تحس أنك مظلوم والظالم والمظلوم, كلاهما في التعاسة سواء". وهكذا يحدد صعب طريق السعادة, سعادة الآخرين, ويربطها بالطبقة المسحوقة ويلغي السعادة الفردية, أو بعبارة أخرى الطريق الفردي إلى السعادة. ويجيب الكاتب من خلاله على هذا التساؤل الأساسي الذي تقوم عليه المسرحية والذي تسعى للإجابة عليه. ومن هذه الزاوية كان طبيعياً أن ينضم عبادة إلى الثوار بعد أن اقتنع بأفكار صعب. ثمة فكرة أخرى يلح عليها, بلبل وهي ضرورة المعرفة وضرورة الوعي, الذي يفضي بتراكمه إلى الثورة ولذلك يصر على أن العدل لا يتحقق إلا بنسف القوانين التي تسنها الطبقة الحاكمة. وتتجلى هذه الفكرة في المشهد الذي يصبح فيه عبادة قاضياً ويتلمس هذه الحقيقية عملياً وعن كثب. في "لا ترهب حد السيف" يورد الكاتب أكثر من فكرة, تصلح كل منها لأن تكون موضوعاً لمسرحية مستقلة، الأمرُ الذي جعل الثانوي يختلط بالرئيسي مما خلق نوعاً من التشويش وعدم التركيز في المعالجة. أضف إلى ذلك أن هذه الأفكار (المعرفة - السعادة - تغيير القانون يتطلب تغيير السلطة) تبدو منفصلة حينا ومتداخلة حينا آخر, لا تصب في بوتقة واحدة. لقد حاول بلبل الانتقال من العام إلى الخاص عندما طرح فكرة السعادة كسؤال تتمحور حوله أحداث المسرحية . ثم أراد بعد ذلك تفصيل عناصرها, بحيث تأتي تحصيل حاصل, إلى أن أدخَلَ هذه العناصر مجتمعة في مفهوم الثورة, ليضفي الشمولية والعمومية. لكن وكما قلنا - إن كل فكرة تصلح لأن تكون موضوعاً مستقلاً لمسرحية مستقلة. ومن هذا الموقع فهو لم يستطع جمع شتات الأفكار لتشكل نسيجاً فكرياً واحداً. في النهاية يخلص فرحان بلبل إلى القول: إن سعادتنا جزء من سعادة الآخرين. وهي لن تتحقق تلقائياً, أو عن طريق الإصلاحات, بل لا بد من العنف الثوري. في "ثلاث مسرحيات غير محايدة" لا يتخلى الكاتب عن السياسية وإن كان يتخلى عن المباشرة في الطرح. فنراه يرسم لوحة دقيقة بتفاصيلها ومعاصرة في موضوعها, في مسرحية "الميراث" لأسرة بورجوازية منحلة ومتهتكة يتصارع أفرادها ويقتتلون في سبيل الميراث. وإلى جانب هذا الخط ثمة خط آخر يعرض سقوط أفراد الطبقة المسحوقة في شرك البورجوازية, تدريجياً ودون أن يشعروا بفظاظة هذا السقوط وهذا الانسلاخ والتنكر لطبقتهم. الميراث - وهو مجموعة عقارات وأراضٍ وشركات وأموال يملكها الأب, الذي ما زال حياً - موضوعُ الصراع. كلٌّ يريد أن يفوز به, وكلٌّ يسعى إلى إلغاء حصة الآخر. وبين الأولاد المتصارعين يقف الأب ضعيفاً, متردداً مستلباً أمام أولاده وزوجته غير قادر على اتخاذ القرار. يلقي الكاتب الضوء على الماضي لكي يكشف الحاضر ويستشرف آفاق المستقبل. فالأم امرأة متسلطة شرسة قاسية ما زالت تبحث عن متعها الخاصة متجاهلة الأولاد والزوج. إنها أسيرة ماض ذهب ومخزونِ ذكريات يسكن حياتها الحاضرة. والزوج أيضاً لا يستطيع الإفلات من سجن الماضي - أيام العز - لكنه لا يقوى على البحث عن بديل لهذا الماضي في الحاضر - كزوجته التي تتحصن بالمال - الوسيلة القادرة على إعادة كل شيء كما كان. المال هو قوتها السحرية. ولذلك تحاول الاحتفاظ بالثروة لنفسها: المرأة: "بالمال والذكاء (20) كنت قوية وقادرة حتى على القتل وصحبة الشخصيات الهامة". وتتابع مخاطبة الصهر: "أنت أيضاً ستصير قوياً بالمال...". وتضيف: "نعم. نعم. المال يعطي القدرة والقوة". تلك هي فلسفة الزوجة - الأم وفلسفة أولادها أيضاً. ومن أجل المال يقتل الأبناءُ أباهم وتقتل الأم ابنها. ومن أجل المال أيضاً يتراجع الصهر عن موقفه الطبقي وقناعاته, وإن كان لم يصرح بذلك علانية. لقد ارتبط بالأسرة البورجوازية, ارتبط بالبيت الفاخر الذي تحول إلى مملكة الأم وصار واحداً من الأسرة, لأنه غدا يحلم بأحلامها ويشاركها أفعالها فهو إذن - وكما تقول الأم -: "فهو منا حتى لو كان مختلفاً عنا". لا شك أن بلبل, ومن خلال إبرازه لماضي الأسرة, يعري الطبقة البورجوازية ويكشف تحللها وتهتكها من الداخل والدور والنفوذ اللذين كانا لها. لكنه ومن خلال الصدام بين الطبقتين الهابطة (البورجوازية) والصاعدة (المسحوقة) يُنهي هذا الصدامَ لصالح البورجوازية التي تسعى إلى إعادة احتلال مواقعها واحتواء الطبقة المسحوقة. وعلى الرغم من أنه يدين انزلاق الصهر وتحوله إلا أننا لا يمكن إلا أن نسجل تحفظنا على النهاية التي انتهى إليها الصدام. فالصهر حالة فردية استثنائية لا يجوز تعميمها وإن كنا بالفعل نشهد حالات مشابهة على أرض الواقع. إن محاولة البورجوازية استعادة ما فقدته - نتيجة للتحولات الاجتماعية والاقتصادية التي جرت - لا تعني انتصارَها الوشيك فهذا يخالف حركة التاريخ والواقع. لا شك أيضاً أن في المسرحية دعوةً غير مباشرة إلى إنهاء الملكية (الميراث) والتوزيع المجحف للثروة. لكن هذه الدعوة لم تأخذ مداها ولم تخفف من حدة النهاية وتشاؤمها. وإذا كان المال سبباً للجريمة في "الميراث" ونقطة الصراع الأساسية، فإنه أيضاً يلعب الدور ذاته في المسرحية القصيرة "قطعة العملة" حيث يسقط الاثنان ضحية المال. إن قطعة العملة تحرك خيال ومشاعر الاثنين وتدفعهما إلى رسم المشاريع والخطط والسيطرة والاستغلال. وتتحول القطعة الصغيرة إلى سحر, قوة سحرية تحقق الرغبات والأحلام المكبوتة (شخصية الجني هي الرمز لتلك القوة السحرية). إلا أن الكاتب رغم الإشارات العرضية, إلى تباين واختلاف الموقع الطبقي والحديث عن الجوع والفقر والأولاد يضع الطرفين في كفة واحدة، الأمرُ الذي يُفقد المسرحية حرارة الصراع الطبقي والدرامي معاً. ميزة هذه المسرحية تكمن في الربط بين الرأسمالية والحروب والدمار والغزو الذي حل ويحل بالعالم. في المسرحية الأخرى - ذات الفصل الواحد أيضاً (الصخرة والحفرة) ينتصر الإنسان المسحوق المضطهد على من يستغله ويضطهده ويرمي به في الحفرة, عندما يحطم هذا الإنسان قيودَه, ويتخلص إلى الأبد من تردده وخوفه. الأول متسلط ومتنفِّذ وانتهازي. يصعد السلم الاجتماعي على جثة القيم والمبادئ والأخلاق. يقلد من هم أعلى منه في درجات هذا السلم منتقماً من الضعفاء الذين يرفضون طريقته وعهره في التعامل والسلوك. يمنح نفسه الحق في كل شيء وينكر على الثاني أبسط الحقوق الإنسانية. ينعكس عهره الداخلي وفساده على كل شيء معتبراً أن الآخرين نسخ مصغرة عنه. والصراع هنا أخلاقي - اجتماعي يبرز طرفاه قطبين مختلفين فكراً وسلوكاً وإن كان الثاني يبدو في البداية مجرد أخلاقي فإنه في النهاية يدرك أن الأخلاق مجردةٌ من ظرفها الاجتماعي - الاقتصادي ولذلك ينتقل إلى موقع الهجوم ويضع حداً لاستغلاله واضطهاده. يقول بلبل, في هذه المسرحية إن هدم الظلم الاجتماعي وتقويض أركانه لا يكون بالأحلام الوردية والأخلاق المجردة بل يكون بكسر القيد والثورة على الذين يضعونه. وهكذا يتضح أن "ثلاث مسرحيات غير محايدة" هي غير محايدة فعلاً لأنها تنحاز إلى الإنسان المقهور وتنادي برفع القهر والقمع عنه، وتفضح البورجوازية وتناقضاتها وعبادتها للمال وإشهارَها سلاحاً في وجه الإنسان. بعبارة واحدة إنها مسرحيات منحازة إلى التقدم. أما جماليات هذه المرحلة فتتميز ببعدها عن المباشرة والعودة إلى الدراما التقليدية - كما ذكرنا أنفا - عبر توظيف جديد للحكاية التاريخية (لاترهب حد السيف) حيث يحاول الكاتب الاستفادة من قربها من روح الشعب. لكنه بالمقابل ركَّب الأحداث والشخصيات ولوى عنقها لتخدم الفكرة. فافتقدت المسرحيةُ الحيوية والإقناع عندما سيطرت عليها النـزعة الخطابية - التقريرية. أما الصراع الدرامي - الذي يجسد الصدام بين قوتين - فإننا لا نحس به إلا في النهاية عندما تصطدم جماعة صعب الثورية بالملك صداماً مباشراً. وقد أعاق تأخر الصراع هذا تنامي الشخصيات. لقد كانت الحكاية بطابعها السردي عبئاً على درامية الشخصيات والمواقف وكنت تحس أن الخط المستقيم الذي سارت عليه الأحداث ينكشف, لا من خلال الشخصيات بعلاقاتها المتبادلة, وإنما من خلال الحوار فحسب. إن لقاء "صعب" بعبادة (الزعيم) مفتعل يخلقه الكاتب لكي ينجز رحلة بطله وهو يفتش عن السعادة. والتحول الذي يطرأ على شخصية عبادة - في هذا اللقاء - ليس مقنعاً كأن يعلم جيداً طبيعة الجماعة وتوجهها. وأن مجرد إنقاذه لحياة بعض من أفرادها لا يبرر الانحراف بها انحرافاً مضاداً. لكننا نجد أن الأمر يختلف في "ثلاث مسرحيات غير محايدة". فقد قدم لنا بلبل دراما متماسكة وشخصيات حيوية ومقنعة إلى حد كبير. فشخصية الزوجة - الأم في "الميراث" شخصية حيوية ومقنعة نتابعها فنحس بأنها من لحم ودم. جبروتها قسوتها سيطرتها الطاغية على من حولها, لا تنكشف لنا من خلال الخطاب المباشر وإنما من خلال علاقاتها بالشخصيات الأخرى ومن خلال علاقتها بالظرف أو الحالة الراهنة والوسط الذي تعيش فيه. لقد وظف بلبل ماضي الشخصية (الأم) بمهارة للكشف عن حاضرها, فأظهر مدى فاعلية هذا الماضي, (الثروة, الشباب) وتأثيره في الحاضر. وعلى العموم فإن جمالية هذه المرحلة تبدو عودة إلى المرحلة الأولى. لكنها عودة ناضجة. "فالبريختية" تسحب ظلها عن هذه المرحلة. وقد يكون ذلك محاولة من الكاتب للتخلي عن التعليمية التي بلغت أوجها في المرحلة الثانية بخاصة. وقد يكون السبب أيضاً في رغبة بلبل الخروج من الموضوعات العمالية إلى عالم أرحب وأوسع, دون التخلي عن الخط الفكري الذي بدأه. بل نستطيع القول إنه بدأ يبحث عن توظيفات جديدة لهذا الخط عبر تقنية مختلفة, قد لا تكون جديدة تماماً. والمتتبع لأعماله يدرك حقيقة تلازم الشكل والمضمون فيها. ونعني بذلك أن التطور بمراحله المختلفة لم يكن يقف عند حدود أحدهما, بل كان يتعداه ليشمل الآخر. إن ميزة فرحان بلبل تكمن في استعداده وقابليته للانتقال إلى الأمام. والذي يقارن بين بداياته, في أواخر الستينات وما صار عليه في أواخر الثمانينات يدرك هذه الحقيقة. وعلى الرغم من أنه كان يدور في إطار العموميات, من حيث تحديده للصراع الاجتماعي, إلا أنه لم يجر وراء الصراعات والتيارات العبثية والوجودية التي كانت سائدة والتي وقع في شركها معظم الكتاب المسرحيين. لقد تفاوت موقفه من القضية الاجتماعية إلا أنه لم ينحرف عن خطها الأساسي. وهو الآن على رأس - فرقة اتحاد عمال حمص المسرحية - يتابع بإصرار ويتبنى قضية التقدم وتجلياتها في الفن المسرحي. إنه رجل مسرح يرى في العملية المسرحية, كلاً متكاملاً وعندما يكتب. فهو قبل كل شيء يكتب للخشبة. (1) تاريخ النشر ليس مطابقاً بالضرورة لتاريخ الكتابة . (2) " الحفلة دارت في الحارة " – الطبعة الأولى -وزارة الثقافة - دمشق 1973 . الطبعة الثانية – مكتبة ميسلون - (3) " العيون ذات الاتساع الضيق " غراتيب – الطبعة الأولى مؤسسة الدراسات والأعمال الفنية - دمشق 1971. الطبعة الثانية – اتحاد الكتاب العرب - دمشق (4) " الجدران القرمزية " مجلة الموقف الأدبي . العدد 4- 5 لعام 1975 . (5) " الممثلون يتراشقون الحجارة " – الطبعة الأولى - وزارة الثقافة - دمشق 1976 . الطبعة الثانية – مكتبة ميسلون (6) ص27 . (7) ص112 . (8) ص 167 . (9) " العشاق لا يفشلون " وزارة الثقافة -دمشق 1977 . (10) " لا تنظر من ثقب الباب " اتحاد الكتاب - دمشق 1978 . (11) " القرى تصعد إلى القمر " دار الكلمة - بيروت 1980. (12) " يا حاضر يا زمان " وزارة الثقافة - دمشق 1982 . (13) ص 125 . (14) ص 126 . (15) انظر المقدمة التي كتبها لمسرحيته " القرى تصعد إلى القمر " ص 12 . (16) نشرت في مجلة " الأقلام " العراقية . العدد -6- 1980 . ثم صدرت عن اتحاد الكتاب العرب – عام 1984. (17) " ثلاث مسرحيات غير محايدة " دار الحقائق - بيروت 1981 . (18) " لا ترهب حد السيف " ص 228 . (19) المصدر السابق ص 255 . (20) ص 143 . |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |