دراسات وشهادات في تكريم الأديب والفنان المسرحي فرحان بلبل ـــ مجموعة من الأدباء

أدباء مكرمون ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2004

Updated: Tuesday, June 15, 2004 04:21 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

نموذج مسرحي لإضاءات تاريخية – د.خالد محيي الدين البرادعي

بعد أن توهج الإسلام في الجزيرة العربية وانغمر بوهج الضوء الجديد, اندفع مثقفو تلك الحقبة برمتهم من مؤرخين ورجال دين وشعراء وخطباء ولغويين لخدمة الدعوة وبالتالي لتفسير كل ظواهر الحضارة المعروفة آنذاك لخدمة الدين.‏

وترتب على ذلك الحماس العربي أن ظهرت حضارة بكاملها هي حضارة الإنسان العربي عبر الأحقاب التي سبقت ظهور الرسول الكريم. وأصبح المؤمنون يتدافعون لرجم تلك الحقبة وتعتيمها وإخفاء كافة معالمها الحضارية. وشاءت الأقدار للشعر فقط أن ينجو وينتقل منه - رغم التشويه - لينغرس في الحقب اللاحقة وإن كان هو الآخر مديناً ببقائه للدين لأن المفسرين والمتدينين استخدموا الشعر الجاهلي لشرح مفردات القرآن وكلمات الحديث الشريف.‏

وأمام التقلبات السياسية الدموية والسليمة التي تبعت ظهور الإسلام، أمست حقبةٌ تطوي حقبةً سبقتها حتى لم يبق للعرب قرن واحد من الزمان نُقِلت أحداثُه للأجيال التالية دون تشويه.‏

العباسيون اغتالوا تاريخ بني أمية وشوَّهوا الوجهَ المشرق لذلك الإحساس القومي الذي سيطر على معظم خلفاء بني أمية مع احتفاظنا بالطبع بالنقاط السود والجوانب السلبية للأمويين.‏

ومن جاء من بعد بني العباس خلط طول تاريخهم بعرضه. وكان كل خليفة يغتال تاريخ خليفة سبقه كما فعل المأمون مثلاً بتاريخ أخيه الأمين ناهيك عن قتله شخصياً. ولعبت التجمعات المذهبية أيضاً لعبتها الخطيرة في إخفاء جزء وإظهار جزء من تلك الحقبة الزمنية أو هذه.‏

وظل الحماس الديني عند كافة المؤمنين عبر الزمن العربي بعد الإسلام يدفعهم لرجم العصر الجاهلي بحجارة الحيف وحصباء اللعنة. فشوهوه وأحسنوا تشويهه, ربما بنفس الطريقة التي شوه بها الشعوبيون والعنصريون تاريخ العرب الإسلامي نفسه، من حيث خلطوا الثورات بالاندفاعات الشخصية وخلطوا الثوار مع اللصوص. ومن يقرأ التاريخ العربي في الأندلس - كما كتب بالطبع - يدرك تماماً إلى أي حد وصل تشويه الوجه العربي بعد الإسلام.‏

ونرى الآن في أفلام التهريج التي تنتجها السينما العربية والمصرية بوجه خاص، ما كنا قرأناه في الكتب حول الإنسان الجاهلي وكيف أن العرب قبل الإسلام كانوا قبائل تئد بناتها، ورجالاً مشتتين لا يشغلهم غير القتل والسلب والزنا والميسر والخمر.‏

وغاب عن أذهان - وربما - كل الناس أن عملية التاريخ غير المنصفة هذه قد انطوت على خطرين أو خطأين أولهما: إظهار الجانب السلبي لعرب ما قبل الإسلام بأطول من قامته وأكبر من حجمه. وثانيهما طمس الجانب الخير الذي حمل في طياته الكرم والنبل والجرأة والتوهج الخيالي وقدرة الإنسان العربي على التكيف وقابليته غير المحدودة للإسهام في صنع الحضارة الإنسانية. وقد ضاع بين الخطأين الخطيرين بديهة نكتشفها ليس من التاريخ المدون بل من واقع لم يؤرخ له أحد. هو أن الإسلام بجملة معطياته الحضارية إنتاج عربي - أولاً - وأن كافة الإشعاعات الفكرية التي أغنت الإسلام في الزمان والمكان عمقاً وأفقاً من نتاج الفكر العربي. ويقول قائل إن طائفة من غير العرب قد خدمت الفكر العربي: لغتَه وتفاعلَه في ثقافات العالم، وإن أفراداً من الروم والأعاجم قد أسهموا في صنع الحضارة العربية عبر التاريخ, والمتمثلة في إعمار كافة مرافقها الثقافية والاقتصادية والسياسية والعسكرية, فنقول: نعم. لكن الحكم خاطئ.. لأن الذين أسهموا في ترسيخ الحضارة العربية تواجدوا وعاشوا في مناخ عربي, وأفرزتهم البيئة العربية بالذات والمتمثلة في لغتها أولاً وتصورها للعالم ثانياً مع إلحاحنا على رفض أن تكون اللغة أداة للتفاهم، بل اعتبارها جزءاً من التركيب الحضاري للأمة. وبذلك يكون كافة الذين أسهموا في صنع الحضارة العربية كجزء من الحضارة الإنسانية عرباً سواء أكانوا من أعراق مضر أم كنانة أو جاؤوا من فصائل إنسانية أخرى.‏

فأنا لست عربياً لأن الدم الذي يركض في شراييني ينتهي إلى الغساسنة أو المناذرة. وعند ذلك أفكر بمنطق نازي تحكمه العرقية الضيقة التي حكم عليها التاريخ بالسقوط. إنما أنا عربي لأني أفكر بهذه اللغة، وأتصور مصيري مرتبطاً بمجموعة الشعب الذي أعيش همومه وعذاباته, وأغرق في أحلامه وتطلعاته. وكل الذين قدموا أنفسهم لتحريك عجلات الحضارة العربية في التاريخ كانوا عرباً من هذا المنظور وليس بالمفهوم العرقي الضيق.‏

إذن هي لاغية كافة الأسلحة التي وجهها ضيقو الأفق إلى تاريخ حضارتنا كما هي لاغية حجة من يجادل في أفضلية العرق وصفاء الدم.‏

هذه خواطر مرت بذهني بعد أن قرأت مسرحية فرحان بلبل (الممثلون يتراشقون الحجارة). واكتشفت فيها إضاءة خاصة تماماً من حيث كونها هاجساً قومياً نبيلاً يهدم الحواجز الإقليمية أولاً، ويؤشر على العوامل المشتركة في هموم العرب عبر التاريخ، ويتناول فترة من فترات العصر الجاهلي بكثير من الروية. ثم يطوع أحداثها لتكون أكثر إيجابية وأقل سكوناً وأبعد تلاحماً معنا نحن عرب القرن العشرين. ويكون فرحان بلبل قد أسهم إسهاماً هاماً في عملية تحديث التاريخ وإعادة صياغة التراث وشيد جسراً مضاء بالشموع التي تربطنا بعرب العصور السحيقة إضافة إلى الهاجس السياسي التقدمي الذي يشكل العصب المحرك لأحداث المسرحية.‏

هي مسرحية في ثلاثة فصول لجأ مؤلفها إلى عملية التداخل أو التزاوج في صياغتها. فبدت وكأنها مسرحيتان ذواتا حدثين سرعان ما تتداخل الواحدة في الثانية لتشكلا حدثاً واحداً في النهاية, تقنعنا بموضوعية منطقها وتتركنا في مواجهة واحدة من أهم هواجسنا الحضارية.‏

مجموعة من الممثلين يعملون في المسرح يرفع المؤلف عنهم الستار ليرينا جانباً من تجارب سوف يجرونها على مسرحية الجمهور. ولا يكتفي برفع الستار وليرينا عملية جنينية، بل يكشف عن الممثلين أستارهم الخاصة. وإذا بنا نراهم ونسمعهم وهم يتحاورون فيما يخصهم, فيتحدثون عن همومهم اليومية المعاشة, وعن أزماتهم المالية وعن بعض مشاكلهم العاطفية. ويلح المؤلف على إبراز حالتهم المادية السيئة لأنها ستخدم حدث المسرحية فيما بعد.‏

ويبدأ الممثلون تجاربهم على مسرحية كتبها أحدهم تدور أحداثها في مكة ويكون زمانها فترة لصيقة بظهور الإسلام تلازم اقتحام أبرهة الحبشي مكة بجيشه اللجب وفيله الشهير. و(عبد المطلب بن هاشم) كزعيم لقريش هو الشخصية المميزة في الحوار من حيث تبدأ خيوط القصة بالانفلات والتجمع من حولـه. ويستمد الكاتب شخصية الكاهن الجاهلي حارس الأصنام كما نعرفه. فيوجد في المسرحية كاهنة تكون شريكة رئيسية في حياكة الأحداث, كما يجسد النذر الذي قطعه عبد المطلب على نفسه, وهو أن يذبح ولداً قرباناً للآلهة فيما لو رزق بأولاد عشرة. ويطلعنا على إعادة حفر بئر زمزم على يد عبد المطلب نفسه. ولكي يتمكن من اختصار الزمن ليتسع لعرض الأحداث، قدمها على شكل قصص من الذاكرة يستحضرها عبد المطلب.‏

حاول الكاتب أن يقدم عبد المطلب عبر ثلاثة أحداث - حفر بئر زمزم - إيفاء النذر - مقاومة الغزو الحبشي - بصورة الإنسان النموذجي الواقعي الذي يستطيع أن يتكيف مع الأحداث لصالح الواقع, ضمن النبل العربي, والإباء البدوي. وفي حواره مع أمية بن حرب والكاهنة وزوجته كان عبد المطلب قريباً إلى النفس حبيباً إلى القلب يطلعنا على طموحنا القومي بالذات. ويستطيع، بأناة، أن يرفض الوهم والتحليق في سماء الخيال من أجل خدمة الواقع.‏

فهو في حفر بئر زمزم لا يستسلم لمحاولات التثبيط ويستمر في نضال يقهر يباس الصحراء: (وما يضيركم إن حفرت البئر؟ أحفر وحدي وتشربون الماء إن وجدته). وعندما يتفجر ماء البئر يصر على أن يكون: (لحجاج بيت الله ثم لي ثم لقريش).‏

ويفي نذر الآلهة ليس بذبح ولده بل بتقديم مائة من الإبل لفقراء مكة وآلهتها وسدنة كعبتها. وعندما يغزو الأحباش الكعبة لا يستسلم عبد المطلب للقدر ولا يجيز ترك الأمور للمصادفات. هو في النصوص التاريخية: ( الإبل إبلي والكعبة لها رب يحميها). لكنه في مسرحية بلبل يتخذ موقفاً معاكساً تماما.ً فيجند من يستطيع حمل السلاح ويقاتل أبرهة حتى يرده مقهوراً هو وفلول جيشه, ويؤجل الرحلة التجارية لقوافل قريش ريثما ينهي خطر الغزو ويزيل آثاره. وهو في هذه المرة يسمو على محاولات التثبيط والتيئيس ويناضل رغم صعوبة الظروف, والإرهاق المادي. فهو لا يخاف على قريش من الفناء عندما يطرح أمية بن حرب هذه المعادلة أمامه بل يخاف على قريش من العار.‏

قلنا إن ما نراه تجربة لمسرحية سوف تُقدَّم لأحد أصدقاء الفرقة - عصمت - الذي يعترض على ترتيب أحداثها ويريد إعادة الحادث التاريخي إلى نصه كما ورد في الكتب القديمة بحجة إرضاء الجمهور. ويستطيع بنفوذه المالي أن يؤلب قلوب الممثلين فيتخلَّون عن النص الفني إلى النص التاريخي ليحدث أهم تحولٍ في المسرحية وهو المطابقة بين سلبية عبد المطلب وسلبية الفرقة وامتصاص زخم المسرحية, بعد أن فرغها - عصمت - من ضوئها الثوري ومحتواها التقدمي وحذف عبارات الحرب والمقاومة والنضال ودور الفقراء.‏

نهاية يائسة وحزينة ولكنها مدهشة ومثيرة من حيث قدرة الكاتب على أحداث حبكتها والتقاء الممثلين المعاصرين بالتاريخيين في موقف سلبي واحد.‏

ولنظل قريبين جداً من الجو التمثيلي الذي وضعنا فيه فرحان بلبل في أول المسرحية كان يعود إلينا بين الحين والحين ليؤكد لنا أن ما يدور هو مجرد تمثيل, ويعود الممثلون إلى طرح مشاكلهم الخاصة.‏

واستطاع أن يصوغ حوار المسرحية في لغتين إن صح التعبير. لغةٍ رفيعة وأصيلة وقريبة جداً من لغة قريش يتخاطب بها الممثلون أثناء التجارب، ولغةٍ مبسطة سهلة وقريبة من الذوق الجماهيري السائد يتخاطب بها الممثلون أثناء طرح مشاكلهم الخاصة مما جعلنا نعيش حالتين وجوين وعصرين.‏

المدهش في المسرحية هو جرأة كاتبها على زحزحة جدران التاريخ وتعمير حدث بصورة تنسجم مع موقف نضالي معاصر. وانتقى المؤلف (عبدَ المطلب) لهذا القصد كأنموذج لإنسان عربي نحبه من خلال عاطفتين, عاطفة دينية بحتة فهو مرتبط بحفيده الرسول العربي الكريم، وعاطفة قومية فهو عربي صميم وشريحة متفوقة لحضارتنا اللغوية قي التاريخ. ومن خلال زخرفة الأمجاد التاريخية حمَّل عبد المطلب هاجساً رئيسياً من هواجسنا السياسية والقومية. وهو بحث فكري عن مناضل يتكيف مع متطلبات واقعه, ويستجيب لضرورات الكفاح المشرف, بعيداً عن الاستسلام للقدر أو المصادفة. فعبد المطلب في رؤية المؤلف إنسان عربي معاصر تماماً في حواره ومواقفه. لكن هذا الإنسان - الشريحة المتفوقة - قد ينهار تحت ضربات من حوله من المستسلمين واليائسين. أهذا حقاً ما يريده المؤلف من مسرحيته؟ لا تهم الإجابة, لأن المسرحية قد خرجت من يد كاتبها ليفهم المتلقي منها ما يريد. وإنه هامٌّ وكبير في مجال الإبداع أن نجد هذا التطابق السياسي أو الفكري بين موقف نعيشه نحن وموقف عاشه جانب من شعبنا منذ خمسة عشر قرناً تقريباً, دون أن نجد ريح الغربة والتشتت تفصل الموقفين. وبهذا تتحول أحداث التاريخ إلى حالات معاشة تخدم نزوعاتنا النضالية ونخدمها نحن بإخراجها من حالات السكون إلى ميدان الحركة.وتخرج بعض الحالات التاريخية من الظلام الحالك إلى ضوء القمر.‏

إن فرحان بلبل أحس بالغبن الذي لحق بعرب ما قبل الإسلام وأراد - بإسهام فردي - أن يُنـزل هذا الغبن عنهم. فرأيناهم في سطور المسرحية يتحاورون. وكانوا نبلاء في مواقفهم خيرين في عطائهم, شرفاء في سلوكهم, يسهمون في صنع التاريخ بجدية ووعي. ولم ينس المؤلف ظاهرة البذل والعطاء التي كانت تتحكم بسلوك الإنسان العربي منذ القديم, فاستخدمها لخدمة طموحاتنا الإنسانية وأبرزها كإحدى ظواهر الإيثار المحبب لدى العربي. وتجيء المسرحية كمحاولة في طريق إبراز الإيجابيات التاريخية من جهة والجرأة على ملء الأحداث التاريخية بفكر طليعي ومواقف تقدمية مثيرة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244