|
||||||
| Updated: Tuesday, June 15, 2004 04:21 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
حول ثلاثة كتب نقدية لـفـــرحان بلــبل - بقلم: جــوان جــــان فرحان بلبل اسم من الأسماء اللامعة في فضاء المسرح السوري. فهو كاتب ومخرج مسرحي, ارتبط اسمه بالعديد من الأعمال المسرحية الهامة كـ "الممثلون يتراشقون الحجارة " و "القرى تصعد إلى القمر" و "لا ترهب حد السيف". كما ارتبط اسمه بفرقة عمال حمص المسرحية التي جعل منها أشهر فرقة عمالية مسرحية سورية، وأكثرها محافظة على تدفق عروضها واستمرارها. وفرحان بلبل شأنه شأن العديد من الكتّاب المسرحيين السوريين الذين ظهروا في عقدي الستينيات والسبعينيات والذين قدموا معظم أعمالهم في تلك الفترة ثم انكفؤوا على أنفسهم لسبب أو لآخر على صعيد الكتابة للمسرح, ولكنهم ظلوا على علاقة معه فكتبوا عنه الدراسات والبحوث والمقالات النقدية, أو جربوا حظهم في الإخراج له. ومنهم من مارس الفعل الدراسي والبحثي والفعل الإخراجي معاً, بالإضافة إلى محاولة تقديم نص مسرحي كل عدة سنوات. وهذا هو بالضبط حال المسرحي فرحان بلبل الذي يواظب على عمله كمخرجٍ في فرقة عمال حمص ودارسٍ وباحث وناقد في المسرح السوري. وتكثف نشاطه في الفترة الأخيرة فنشر عدداً من الكتب التي تبحث في المسرح توثيقاً ورصداً وتحليلاً, بالإضافة إلى العديد من المقالات النقدية المتناثرة في الصحف والمجلات السورية. ويأتي كتاب "المسرح السوري في مئة عام" من الكتب التي بذل فيها فرحان بلبل جهداً كبيراً في جمع المعلومات المتعلقة بتاريخ المسرح السوري في الفترة الواقعة بين عامي 1847-1946 كما يمكن أن نستنتج من الأربعمئة صفحة التي تحتاج ولا شك إلى دأب وبحث لايلينان. يقسم المؤلف كتابه هذا إلى قسمين. الأول يتحدث فيه عن طلائع ريادة المسرح العربي في لبنان وسورية ومصر, ويختمه ببحث يلخص فيه الاستنتاجات المستخلصة حول نشأة المسرح العربي. أما القسم الثاني وهو القسم الأكبر والأوسع فيخصصه للحديث بشكل مفصل عن المراحل المختلفة التي مر بها المسرح السوري خلال مئة عام من عمره. في مقدمة الكتاب يشير المؤلف إلى أنه في المعلومات والأخبار الواردة في كتابه عاد إلى مصادر تاريخية مختلفة من كتب وأبحاث كتبها دارسون ومؤرخون, كالمذكرات الشخصية والسير الذاتية, فقام بترتيبها واستخلاص ما اعتبره السيرة الصحيحة لنشأة وتطور المسرح السوري. ويؤكد المؤلف أنه أراد من هذا الكتاب أن يكون سيرة للمسرح السوري, بأخباره وذكرياته وطرائفه, آخذاً على بعض الدارسين لهذا المسرح تحجيمهم له وحصره في مدينة دمشق معتبرين أن المسرح في دمشق هو المسرح السوري, فكان أن ظهر هذا المسرح حسب هذه النظرة أقصر قامة من حقيقته الفارعة - على حد تعبير المؤلف -. ولكن هل استطاع فرحان بلبل في هذا الكتاب أن يقدم صورة بانورامية حقيقية عن المسرح السوري خلال الفترة التي يرصدها الكتاب؟ يفتتح المؤلف القسم الأول من الكتاب فيعرض لبدايات المسرح في لبنان منذ أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر عندما دخل المسرح في منهاج التعليم في المدارس الكنسية, وكان مدعواً لخدمة الدعوة الدينية, حيث كان للمسرح في لبنان وجود أرسخ وأقوى منذ أواخر القرن الثامن عشر وأوائل التاسع عشر. ثم يعرج المؤلف على الرائد المسرحي اللبناني الأول مارون نقاش منذ ولادته عام 1817 وحتى تقديمه أواخر أعماله المسرحية فيشير إلى أن النقاش لم يكن عالماً باللغة وآدابها فحسب على طريقة من سبقوه, بل كان واحداً من المطلعين على الثقافة الأجنبية ومن المساهمين في نشر الوعي ومن أركان النهضة الحديثة التي كانت قد بدأت في لبنان في وقت مبكر من القرن التاسع عشر, ويعرض المؤلف للمسرحيات التي قدمها النقاش والتي كانت مسرحية "البخيل" في المقدمة منها, وهي المسرحية المقتبسة عن نص موليير الشهير "البخيل" التي دعي لمشاهدتها قناصل الدول الأجنبية ووجهاء البلد, وتقدمتها خطبة شرح فيها النقاش مبادرته هذه وسببها وأهميتها. ولكن المؤلف هنا يؤكد على أن النقّاش لم يكن مقتبساً فحسب بل مبتكراً ومؤلفاً لـ "البخيل" عندما وضع هذا النص في قالب عربي, الأمر الذي يعني أن فرحان بلبل يدافع ولو بشكل غير مباشر عن قضية مسرحية اختلفت الآراء حول شرعيتها ألا وهي قضية الاقتباس والإعداد من النصوص المسرحية الأجنبية ووضعها ضمن سياق عربي صرف. بعد ذلك ينتقل المؤلف للحديث عن بداية المسرح في سورية, فيفتتح حديثه بتفنيد المعلومة الشائعة التي تقول إن المسرح السوري قد ولد على يدي الرائد أبو خليل القباني في دمشق عام 1867, ويؤكد على أن المسرح السوري قد ولد في مدينة حمص (مدينة المؤلف) عام 1860, وبالتحديد في حديقة منزل السيد سليمان صافي عندما كانت تُقدم مسرحيات حوارية مؤلفة من شخصيتين أو ثلاث. والواقع أن هذا الطرح من قبل المؤلف يفتح الباب واسعاً أمام الكثيرين كي يجتهدوا بدروهم في تحديد المكان الحقيقي الذي ولد فيه المسرح السوري والشخص الذي ولد على يديه, لأن احتمال وجود تجارب معاصرة أو حتى سابقة لتجربة سليمان صافي يبقى أمراً وارداً ولا يعيب هذه التجارب أو ينقص من قيمتها الاتفاق على أن الولادة الحقيقية والواعية للمسرح السوري قد تمت على يديّ أبو خليل القباني في دمشق وهو الأمر الذي يؤكده المؤلف عندما يقول: " مهما كان من شأن تلك الحواريات في حمص والتي قدمت عام 1860 فإن ريادة المسرح السوري تمت على يد أبي خليل القباني" الذي يفرد له المؤلف مساحة واسعة في الحديث عن تجربته فيقسمها إلى مراحل ويشير إلى أنه كتب العديد من النصوص المسرحية ضاع أكثرها, اعتمد فيها على حكايات "ألف ليلة وليلة" وعلى التراث الشعبي والتاريخ العربي, وأخذ التنسيق الخارجي فيها من أصول وبناء المسرح الأجنبي, وكان ينتقي من المواضيع ما يحمل في طياته هدفاً أخلاقياً واجتماعياً شبيهاً بما كان يطرحه النقاش من أهداف ترمي إلى إصلاح النفوس وتهذيبها وتنوير العقول والقلوب. ويؤكد المؤلف في هذا السياق أن القباني لم يكن رجل مسرح فحسب بل رجل موسيقا أيضاً بما أبدعه من ألحان ما زال يشدو بها المغنون حتى اليوم, ويأخذ المؤلف على من ينسون القباني الموسيقي عندما يتحدثون عن القباني المسرحي, أو العكس, ويختم المؤلف الحديث عن القباني بما قاله تلميذ القباني في مصر كامل الخلعي: "... أما التمثيل فقد بلغ فيه أستاذنا من الإجادة ما فوق الإرادة, يجسّم الوهم ويقربه إلى الفهم, يلبس المجاز بالحقيقة وما تكلّف ولكن أملت عليه السليقة, وكان بعد انتهاء كل رؤية يلقي من القطع الموسيقية شذوراً تنزو لها الأكباد ويتحرك لحسن وقعها الفؤاد, حتى أحرزت مصرنا من إقامته فنوناً جزيلة وفضائل جليلة". ويعرج المؤلف أخيراً على مصر فيعرض لكيفية نشوء المسرح فيها وظهور المسرحي الرائد يعقوب صنوع الذي وجد في فن المسرح أداة فعالة في إنهاض الشعوب, فقدم المسرحية الغنائية والكوميدية والتراجيدية, منتقداً الإدارة الحكومية وما فيها من فساد, معالجاً موضوع الفقر, محتجاً على الظلم والفوارق الاجتماعية, مشاركاً في نشاط الحركة الوطنية الشعبية ضد تعسف سلطة الخديوي. ثم يقدم في نهاية القسم الأول من الكتاب بعض الاستنتاجات حول نشأة المسرح العربي, ومنها أن حياة رواد المسرح العربي الثلاثة ( النقاش - القباني - صنوع ) تكاد تكون متشابهة في كثير من جوانبها المؤدية إلى ابتداع المسرح وأنهم جميعاً سعوا إلى تقريب فن المسرح من الذوق العربي على اختلاف أقطارهم وتباعد الزمن بين الواحد والآخر, وأن تهذيب النفوس وإصلاح العيوب كان غايتهم في خلق المسرح العربي والتوجه به إلى الناس على الرغم من انتماءاتهم الجغرافية والاجتماعية المختلفة. إن ما يؤخذ على القسم الأول من الكتاب هو عدم انسجامه تماماً مع عنوان الكتاب في تطرقه إلى نشوء المسرح في كل من لبنان ومصر بما لا ينسجم والحيز الجغرافي موضوع البحث, وإذا اعتبرنا أن لبنان في ذاك الزمن كان جزءاً من سورية الطبيعية (المؤلف تحدث عن المسرح في لبنان بشكل منفصل عن المسرح في سورية وليس كجزء منه) فإن الحديث عن نشأة المسرح في مصر يبدو أمراً غير مسوغ ويستدعي التساؤل عن عدم تطرق المؤلف أيضاً إلى ظروف نشأة المسرح في دول عربية أخرى. في القسم الثاني الذي يشكل الجزء الأول من الكتاب يدخل المؤلف إلى لب الموضوع فيخصص الفصل الأول من هذا القسم للحديث عن المسرح السوري في الفترة ما بين 1870-1914 ويقصر الحديث في هذه الفترة عن المسرح في كل من حمص ودمشق مشيراً إلى أن المراجع المتوفرة لا تؤمن من المعلومات حول المسرح السوري في هذه الفترة إلا في حمص ودمشق, ما عدا إشارة سريعة إلى كاتب مسرحي حلبي هو توما أيوب. ويوجز المؤلف سمات المسرح السوري في هذه المرحلة بـ: إطلاق لفظة الكوميضة على المسرحية الكوميدية لغلبة الطابع الكوميدي على العروض المقدمة في تلك الفترة, وقد شاعت هذه اللفظة في دمشق وحمص ولم تشع في بيروت والقاهرة، وتمحورت الموضوعات حول الحياة العربية واهتمامات عصر النهضة والقضايا الاجتماعية والوطنية التي عرفتها بلاد الشام. وقد تعددت المصادر التي استقى منها المؤلفون حكاياتهم, بينما كان البناء الدرامي للأعمال المسرحية ضعيفاً ويفتقد الكثير من عناصر الدراما بمعناها الغربي, ويرجع هذا الضعف إلى قيام القصة المسرحية على السرد القصصي أكثر من قيامها على الصراع, وغياب الصراع أو ضعفه أدى إلى الشحوب في رسم ملامح الشخصيات وإلى العيوب في تطور الحبكة وتصاعدها, في الوقت الذي كان فيه الغناء أهم أركان المسرح, وبذلك كان للموسيقيين وكبار المطربين الفضل في تأسيس المسرح ونشره بين الناس. ولأن الغناء كان يحتل مكان الصدارة في المسرحية فإنه كان يدخل إلى المسرحية الأجنبية المترجمة كما يدخل إلى المسرحية المؤلفة محلياً. ويخلص المؤلف في نهاية الحديث عن هذه المرحلة إلى أنها طرحت واحدة من أهم قضايا المسرح العربي, هي قضية الفصحى والعامية, ويشار في هذا الصدد إلى اعتماد مسرح فرحان بلبل على الفصحى كخيار أدبي وفني بغض النظر عن المكان والزمان الذي تدور به أحداث كل مسرحية من مسرحياته على حدة. في الفصل الثاني من القسم الثاني ينتقل المؤلف للحديث عن المسرح في سورية خلال سبع سنوات 1918- 1925 أي فترة الاستقلال عن الاحتلال العثماني والبالغة عامين وأول خمس سنوات من الاحتلال الفرنسي حتى الثورة السورية حيث يعتبر المؤلف أن فترة الاستقلال التي تلت خروج الأتراك من سورية مهدت لنشأة الأدب المسرحي في سورية, إذ ظهرت فيها بواكير التأليف المسرحي الحديث لعدد من الكتّاب: معروف الأرناؤوط - أمين الكيلاني - عبد الوهاب أبو السعود. ويشير المؤلف إلى أن التأليف المسرحي في سورية ولد سياسياً فكان رداً حاسماً على المتغيرات السياسية الكبيرة التي اجتاحت سورية بدءاً من خروج الأتراك وانتهاءً بالانتداب الفرنسي. ويورد المؤلف عدداً من عناوين المسرحيات ذات الطابع السياسي: "جمال باشا السفاح - خالد بن الوليد - تتويج الملك فيصل". ويلاحظ المؤلف أن المسرح السوري لم يظل محافظاً على هذا الطابع السياسي وحده أو على الطابع الاجتماعي وحده, بل دخل على الخط المسرح الذي يعتمد على تقديم المتعة بالدرجة الأولى أو ما نطلق عليه الآن المسرح التجاري الذي شاع منذ بداية الثلاثينيات وبقي محصوراً في دمشق وحلب. ويخلص المؤلف إلى أن الملامح العامة للمسرح السوري في تلك المرحلة كانت واحدة, سواء في المدن التي خطا فيها المسرح خطوات واسعة أم في المدن التي كان المسرح يحبو فيها. الفصل الثالث من القسم الثاني يخصص له المؤلف حيزاً واسعاً من الكتاب, وهو الفصل الذي يغطي الفترة الممتدة من 1928 وحتى الاستقلال 1946. ومن الملاحظ هنا أن ثلاث سنوات قد أغفلها المؤلف هي 1925- 1928 ويعلل ذلك بقوله أن المسرح في هذه الفترة قد توقف توقفاً كاملاً في كل المدن السورية بسبب أحداث الثورة, فقد انحلت الفرق المسرحية وطورد الممثلون والعاملون في المسرح وأجُبر الكتاب على الصمت واشترك قسم كبير من فناني المسرح في الثورة. فلما عاد المسرح من جديد في العام 1928 كان لا بد من قيام فرق مسرحية جديدة تنهض بعبء العمل المسرحي الذي أخذ يمتد إلى المدن السورية كافة. فلم يبلغ عقد الثلاثينيات حتى كان قد امتد على رقعة واسعة من الأرض السورية, وأصبحت المسارح السورية تستقبل الفرق العربية الفنية الزائرة وبشكل خاص من لبنان ومصر سواء أكانت عروض الفرق الفنية الجادة كفرقة رمسيس ليوسف وفرقة فاطمة رشدي وبعض الفرق الفرنسية أو عروض الفرق الاستعراضية الهزلية كفرقة أمين عطا الله وفرقة نجيب الريحاني. وهذان النوعان من العروض (الجادة والهزلية) كانا محور النشاط المسرحي السوري كما يشير المؤلف منذ العام 1928 وحتى اليوم, ويعرّف المؤلف المسرح الجلد (أو كما يسميه المسرح الراقي) بأنه المسرح الذي ألقى على نفسه مهام حضارية تتجلى في تجويد التأليف المسرحي والارتقاء بالذوق الجمالي لدى المتفرج ومعالجة الأمراض الاجتماعية وإحياء الشعور القومي وبث الروح الوطنية. وقد تمركز هذا المسرح في العديد من الأندية والفرق والجمعيات الفنية الجادة التي يورد المؤلف أسماء العديد منها: "نادي الكشاف الرياضي 1928 - نادي الفنون الجميلة 1930 - نادي دار الألحان والتمثيل 1931 - نادي إيزيس 1938 - معهد الآداب والفنون 1948 الفرقة السورية للتمثيل والموسيقا 1948.... الخ. أما النوع الثاني من المسرح فهو التجاري (أو المحترف حسب تعبير المؤلف) الذي يقول عنه بأنه يقدم الفن غير النظيف, ويعدد الفرق التي كانت تقدمه كفرقة حسن حمدان التي تأسست عام 1933 وفرقة الكواكب 1938 والفرقة الاستعراضية 1945 وفرقة اتحاد الفنانين 1946 وفرقة العهد الجديد 1947 وفرقة سعد الدين بقدونس 1952... الخ, وهنا لا بد من الإشارة إلى أن التصنيفات التي يطلقها الأستاذ بلبل على مستويات الفرق في تلك الفترة (فن نظيف وفن غير نظيف) قد لا تنسجم مع المفاهيم الحديثة لفن المسرح, ذلك أن الظروف التي كانت سائدة في تلك الفترة ليست هي الظروف السائدة الآن في مختلف المجالات, هذا بالإضافة إلى اختلاف المفاهيم وطبيعة التقييم للأعمال الفنية. وبالإضافة إلى الإشارة للفرق المسرحية الجادة والهزلية التي نشطت في المرحلة الثالثة والأخيرة التي يعرض لها الكتاب يتطرق المؤلف وبكثير من التفصيل لتجارب أربعة من الأسماء المسرحية البارزة في تلك الفترة: عبد الوهاب أبو السعود - توفيق العطري - مراد السباعي - محمد بشير العباسي. ويختتم المؤلف كتابه بتحديد السمات العامة للمسرح السوري في فترة ما قبل الاستقلال وهي الاهتمام بالجانب الفني في العرض المسرحي حيث كان الاهتمام بهذا الجانب نبراساًً للمسرحيين منذ الخطوة الأولى في تشكيل الأندية الفنية في سورية. وبروز دور المخرج المسرحي الذي يقوم على عاتقه تقديم العرض المسرحي المتقن الجميل والاتجاه نحو الأسلوب الواقعي والاهتمام بالقضايا الاجتماعية التي كان موقف المسرح منها عنيفاً وحاداً استدعى في بعض المدن غضب الفئات المحافظة والرجعية, وأخيراً غلبة الطابع الاستعراضي في المسرح المحترف. في نهاية الكتاب يقدم المؤلف ثبتاً بالعروض المسرحية السورية من 1847 وحتى 1946. في كتابه هذا لا يبدو فرحان بلبل معنياً بقضايا التحليل والتفسير بقدر ما هو معني بالتأريخ والتوثيق لحركة مسرحية ناشئة. وحسبه أنه أعاد إلى الأذهان تاريخاً فنياً طواه الزمن أو كاد.. ويبقى السؤال المطروح في بداية هذا الحديث وارداً وينتظر الإجابة: " هل استطاع فرحان بلبل في هذا الكتاب أن يقدم صورة بانورامية حقيقية عن المسرح السوري خلال الفترة التي يرصدها الكتاب؟ ". في كتابه "مراجعات في المسرح العربي" يجمع فرحان بلبل بين مهمتين: أولاهما تحليل واقع المسرح العربي في جانبين من جوانبه الهامة وهما خصائص واتجاهات تناول المادة التاريخية في المسرح العربي, ونشأة النقد المسرحي العربي وتطوره. والمهمة الثانية العودة إلى تقمص شخصية المؤرخ التي يبدو أنه لا يستطيع الابتعاد عنها طويلاً عبر تقديمه رؤية تاريخية للمسرح العربي ومراحل تطوره. في بداية الفصل الأول الذي يحمل عنوان "تناول المادة التاريخية في المسرح العربي: خصائصه واتجاهاته" يؤكد المؤلف على أن المسرح العربي اعتمد منذ نشأته على أحداث الماضي، فشق لنفسه طريق الوصول إلى القلوب والعقول. ثم يعرض لخصائص المادة التاريخية في المسرح العربي, وأولها أن الكاتب المسرحي العربي وجد أمامه فسحة زمانية ومكانية في انتقاء ما يشاء من أحداث تاريخية, وأي حدث تاريخي سوف يتلقاه المتفرج العربي باعتباره جزءاً من تاريخه وسوف يكون له التأثير البليغ في نفسه. وثانيها أن المسرح العربي حين ولادته وأثناء نشوئه وامتداده كانت الأقطار العربية تحت السيطرة العثمانية, فلما انزاحت هذه السيطرة جاء الاستعمار الغربي. ونتيجة ذلك ولدت المسرحية التاريخية في ظل العثمانيين ثم ترعرعت في مرحلة الاستعمار الفرنسي ومن ثم في ظل الاستقلال. وكانت هذه المسرحيات تمس المواطن العربي في مختلف أقطاره. من هنا ندرك - يقول المؤلف - لماذا أمكن تقديم المسرحيات التاريخية في العديد من الأقطار العربية في حين لم تستطع المسرحيات الواقعية تجاوز أقطارها إلى غيرها إلا بصعوبة وبعد كثير من التعديل والإعداد. وثالثها أن المسرحيين العرب كانوا يخوضون معركة مزدوجة. فهم يسعون إلى تثبيت وجود المسرح لتحويله من فن طارئ إلى فن مقيم له أصالته في الحياة الثقافية والاجتماعية العربية، ويسعون في الوقت نفسه إلى تطوير أدواتهم الفنية. وفي هذه المعركة المزدوجة كانت المسرحية السلاحَ الأقوى بما تقدمه للناس من أحداث تاريخية يعتبرونها النماذج العليا من العزة والشموخ. رابعها إدراك المسرحيين العرب وهم يتناولون التاريخ أنهم ليسوا مؤرخين وإن اعتمدوا الحدث التاريخي لمسرحياتهم. فكانوا يغيرون في سير الأحداث لأن بناء القصة التاريخية يختلف عن كتابة التاريخ. فالأولى قوامها الخيال، والثاني قوامه الحقائق، ولأن المسرحية التاريخية لم تكن غايتها الوقوف عند الماضي بل التغلغل في أسرار الحاضر. خامسها معاناة المسرحيين من مشكلة العامية والفصحى في المسرح. ومنشأ هذه المشكلة يعود إلى البون الشاسع بين عامية الحديث اليومي وبين لغة الأدب. فاتجه بعض الكتّاب المسرحيين العرب إلى العامية في المسرحيات الواقعية, وانحاز بعضهم الآخر إلى الفصحى في المسرحيات التاريخية. سادسها أن نشأة المسرح العربي منذ أواسط القرن التاسع عشر كانت تلبية لحاجة اجتماعية وثقافية وجد المجتمع العربي نفسه مدفوعاً إليها. بعد تحديد خصائص المادة التاريخية في المسرح العربي ينتقل المؤلف إلى الحديث عن اتجاهات المادة التاريخية في المسرح العربي من خلال ثلاثة محاور هي: 1- التنوير والإنهاض السياسي لمقارعة المستعمر, إذ كانت الحروب الصليبية المادة التاريخية الأكثر تداولاً بين كتّاب المسرح العربي, وكان خالد بن الوليد وصلاح الدين الأيوبي أبرز الشخصيات التي دارت حولها المسرحيات في تلك الفترة. وكانت سلطات الاحتلال تتصدى لهذه المسرحيات بالمراقبة والحذف والمنع واقتحام مكان العرض وفرض العقوبات على المسرحيين. 2- الدفاع عن الثورات العربية والمجتمع الجديد من خلال تراجع المسرحية التاريخية وظهور المسرحية الواقعية وشيوع الأفكار الثورية ضد الفساد والظلم الاجتماعي والتفاوت الطبقي, والانتقال من تصوير التصدي للدخلاء الأجانب إلى تصوير التصدي للسلطات الحاكمة, والتأكيد على انتقاء الفترات المظلمة من التاريخ العربي بدل الفترات التاريخية الزاهية بالانتصارات والتغيير في طبيعة البطل الذي أصبح من الشهداء أو من عامة الناس بعد أن كان من القادة المشهورين بانتصاراتهم, فبرزت شخصيات من أمثال أبي ذر الغفاري والحسين بن علي وصاحب الزنج وأبي خليل القباني ورفاعة الطهطاوي والحلاج. 3- إعادة النظر في التاريخ لأن التوافق بين المسرحية التاريخية والحدث التاريخي جعلها عاجزة عن تحريض الأفكار والعقول والقلوب على التمرد, رغم شدة تحريض هذه المسرحيات على ذلك. فكان أن ظهر اتجاه جديد يعيد النظر في الحدث التاريخي, وأخذ الكتاب المسرحيون يتساءلون عن صحة ما ورد في كتب التاريخ ويتهمون المؤرخين بممالأة السلطات الحاكمة فبرز نوع جديد من المسرحية التاريخية يقرأ الحدث التاريخي قراءة جديدة. وهذا الاتجاه كان وليدَ اتجاه فكري جديد في الوطن العربي يقوم على قراءة التراث العربي كله قراءة جديدة. ويختم المؤلف الفصل الأول بالتأكيد على أن أهم ما تميزت به المسرحية التاريخية أنها كانت قابلة للانتقال السريع من بلد عربي إلى آخر, وأن المسرحية الواقعية كانت أكثر حرية في محاولة اختراق الدراما لأنها غير مقيدة بحدث معروف إلا أنها أقل انتشاراً في الوطن العربي. في الفصل الثاني من الكتاب يتعرض المؤلف للنقد المسرحي العربي في نشأته وتطوره, ويرسم مسيرته من خلال مرحلتين: المرحلة الأولى ابتدأت في بيروت مع رائد المسرح العربي مارون النقاش الذي يعتبره المؤلف أنه أول ناقد مسرحي عربي من خلال خطبته التي ألقاها في بيته عند تقديمه أولى مسرحياته. وهو في هذه الخطبة يتحدث عن أنواع المسرح ويبين دوره. ومن جهته يقدم نقولا النقاش شقيق مارون محاولة لتعريف المسرح, كما انبرى أبو خليل في دمشق لتبيان قيمة هذا الفن. ويتقدم يعقوب صنوع في مصر إلى متفرجيه ليلة عرض أول مسرحية له بخطبة عرّف فيها المسرح وشرح أهدافه, ممهداً السبيل لهذا الفن إلى قلوب متفرجيه وعقولهم. وفي فترة لاحقة يستمر المسرحيون العرب, وبشكل خاص كتّاب المسرح منهم, في الدفاع عن المسرح وفي شرح أصوله وقواعده وأهدافه. وقد قامت الصحافة بدورها في دعم المسرح وتأييده فكان صدرها مفتوحاً للمقالات التي تدافع عن المسرح, بالإضافة إلى نشر أخبار الفرق المسرحية بما يرغّب المشاهدين بحضورها. كما قامت الصحافة بنشر مقالات نقدية عن العروض المسرحية يحتكم فيها النقاد إلى أذواقهم فيما يصدرونه من أحكام ومقالات عن المسرح والتمثيل والتأليف المسرحي. وكانت هذه المقالات تحاول أن تقدم وصفاً للواقع المسرحي العربي كما تحاول أن تهدي المسرحيين إلى سبل تطوير المسرح. ويحدد المؤلف نهاية هذه المرحلة بمنتصف القرن العشرين. يشير المؤلف إلى أنه في المرحلة الثانية ومع بداية النصف الثاني من القرن العشرين أخذ المسرحيون العرب يطَّلعون على المسرحيات الأجنبية من خلال الترجمات التي أخذت المطابع ترمي بها. ولم يكتفِ المسرحيون بأخذ المسرحيات المترجمة, بل كانوا يقومون بتعريبها (نقل أحداثها إلى البيئة العربية) ما يعني - حسب استنتاج المؤلف - أن معرفة المسرحيين العرب بأصول التأليف المسرحي الأجنبي كانت مشوهة ومنقوصة ولم يكونوا يعرفون أصول الدراما على حقيقتها. كما اهتم المترجمون بالإضافة إلى اهتمامهم بالنصوص المسرحية بالكتب النقدية القديمة منها والحديثة, وواكبوا الأبحاث المسرحية التي كانت تنشرها المجلات الأجنبية سواء منها التي تدور حول النظريات المسرحية أو حول العروض. ولم يمض على نهاية الحرب العالمية الثانية أربعون عاماً حتى كان القسم الأعظم من التراث المسرحي الأجنبي قد ترجم إلى العربية. وبسبب هذا الاهتمام بالثقافة المسرحية أخذت الصحافة تهتم بالمسرح، وبدأت تظهر المجلات المتخصصة بالمسرح والتي توقف معظمها الآن باستثناء مجلة "الحياة المسرحية" السورية التي ما زالت مواظبة على الصدور. ويؤكد المؤلف أن الناقد المسرحي العربي قد تلقف تراث المسرح العالمي بكل ما فيه من إبداع ونقد. وبهذه الذخيرة النقدية قابل الناقدُ الكاتبَ والممثل والمخرج. وحاول النفاذ إلى ما قدموه لتقويمه محاولاً التمسك بالأصول النقدية التي تعلمها مازجاً في بحوثه النقدية بين مذاهب ومناهج متعددة. ويخلص المؤلف إلى أن النقد المسرحي العربي كان ضعيفاً في مواكبة النشاط المسرحي وفي رصد تطوره ورغبته في إقامة مسرح عربي رغم إسدائه إلى الحركة المسرحية أجلّ الخدمات ومنها نشر أخبار العروض المسرحية والكتب والمسرحيات الصادرة والمتابعة الصحفية للحركة المسرحية في الصحف والمجلات ووضع كتب عديدة عن تاريخ المسارح العربية وظهور محاولة نقدية لخلق نظرية عربية في الدراما. الفصل الثالث والذي يحمل عنوان "المسرح العربي كيف بدأ وإلى أين انتهى؟" يبدو أكثر شمولاً من الفصلين السابقين. لذلك كان من الأولى لو أتى كفصل أول لا أخير, لأن الابتداء بالكليات والانطلاق منها باتجاه الجزئيات أكثر جدوى وفائدة من عكس الآية والبداية بالجزئيات باتجاه الكليات. في بداية هذا الفصل يطرح المؤلف مجوعة من التساؤلات حول أسباب انحسار المسرح العربي. وللإجابة على هذه التساؤلات يستعرض تاريخ المسرح العربي في المئة والخمسين سنة الأخيرة, وهي عمر المسرح العربي. يبدأ المؤلف حديثه عن المسرح العربي بتحديد ملامحه الخاصة وهي أن المسرح العربي كان وليد الحاجة ولم يكن وليد الموروث الثقافي. ذلك أن العرب لم يعرفوا المسرح لا لأنهم لم يشاهدوه بل لأنهم لم يحبوه, وأن المسرح العربي هو ابن النهضة العربية وتقليد للغرب. وهكذا وقع المسرح العربي منذ نشأته في براثن هذه المشكلة بوجهيها. ثم يعرض المؤلف لمراحل المسرح العربي ويحدها بثلاث مراحل: الأولى تبدأ مع بداية المسرح العربي حتى الحرب العالمية الأولى, وفيها ولد المسرح العربي بين عامي 1847 و 1871 ووضع رواد المسرح العربي الأسس الأولى لهذا الفن وسار اللاحقون بعدهم على هديهم. ومن أبرز ما فعلوه أنهم نقلوا هذا الفن عن الغرب وحاولوا إدخاله في بوتقة الذوق العربي وجعلوه وجهاً من وجوه التمدن والحضارة. ومن خصائص هذه المرحلة اتساعُ النشاط المسرحي, هذا النشاط الذي أدى إلى توالد سريع للفرق المسرحية وبشكل خاص في مصر، والنقلُ عن المسرح الأوربي, إذ نقل الرواد شكل المسرح الظاهري من تقسيم الفصول وعرض الحكاية عن طريق الحوار دون معرفة وافية بطريقة بناء النص، والاهتمامُ بنص العرض لا بالنص الأدبي. فالمسرحيون لم يكونوا يحسبون حساب الأدب المسرحي بل كانوا يسعون وراء نص العرض وسيطرة الصبغة السياسية من خلال التطرق لمواضيع تعالج فترة الاحتلال العثماني وطغيان الحكام الذين نصبّهم هذا الاحتلال في مراكز السلطة, ولم يكن الوعظ والإرشاد والتوجه الأخلاقي إلا تأكيداً لهذه الغاية. أما المرحلة الثانية فيحدد بدايتها المؤلف بنهاية الحرب العالمية الأولى ومع الانعطاف الكبير في حياة الأمة العربية الذي وضعها فوق نار تغلي لتتفجر عن مرحلة جديدة من الحياة وعن مرحلة جديدة من المسرح, هذا الانعطاف الذي يأخذ من المرحلة الأولى أقل ملامحها ويكتسب لنفسه ملامح جديدة تجعله متمايزاً عن المرحلة السابقة أشد التمايز, حيث بدأ المسرح يدخل الأقطار العربية التي لم يكن قد دخلها في المرحلة السابقة. وقد تميز مسرح هذه المرحلة بالتوجه السياسي النضالي ضد المستعمر الذي أصبح غربياً بعد أن كان تركياً فلاحق المسرحَ في كل الأقطار العربية بسبب إحساسه بخطر التوسع المسرحي، وسيطرة الهواة على المسرح لا المحترفين. وكلمة الهواة هنا لا تعني المبتدئين في العمل المسرحي, بل تعني الذين لا يبغون من ورائه ربحاً. وهؤلاء كانوا يعتبرون المسرح وجهاً حضارياً وموقفاً ونضالاً وطنياً. وظهور المسرح التجاري الذي كان لا بد له أن يظهر وأن يكبر ويتسع ويستهلك قوى المثقفين المسرحيين في محاربته دون أن يستطيعوا, ويعود ذلك إلى النظام الرأسمالي بطبيعة تكوينه وقيامه على الاستغلال وامتصاص الأرباح الذي أفرز نوعاً خطيراً من النتاج الفني هو فن الملاهي. ومثل هذا المسرح لم يكن موجوداً في المرحلة الأولى لأن النظام الاقتصادي كان إقطاعياً تجارياً في الدرجة الأولى, والفن في هذا النظام لا يظهر منه إلا الوجه الوقور الذي يقدمه وجهاء المجتمع المثقفون المتنورون وتقليد المسرح الأجنبي واستماتة المسرحيين في إتقان هذا التقليد دون جدوى لأن مسرحيي تلك الفترة كانوا جاهلين لأصول هذا الفن كما كانوا مقتنعين بضرورة إتقان تقليده الذي كان بالدرجة الأولى على صعيد كتابة النص المحلي على طريقة بناء الدراما في المسرح الأجنبي, وفي الدرجة الثانية كان على صعيد تقديم المسرحيات الأجنبية دون تحوير إلا في الحدود الضيقة. وبمقدار ما أباح مسرحيو المرحلة الأولى لأنفسهم من حرية في التحوير والتعديل حرّم مسرحيو هذه المرحلة على أنفسهم هذه الحرية التي اعتبروها ضلالاً بغية إظهار أنهم متقنون لأصول المسرح الأجنبي. وفي المرحلة الثالثة كان المسرح في الأقطار العربية قد استكمل بنيانه الفني والفكري واتسم بالجرأة والوضوح والصراحة في معالجة الأوضاع الاجتماعية والسياسية وتطرق إلى مواضيع اجتماعية وسياسية واستطاع استقطاب الجماهير الواسعة وظهرت محاولات تأصيل المسرح العربي. وفي سبيل ذلك ظهر في سورية المسرح التجريبي وفي مصر المسرح الطليعي وفي المغرب المسرح الاحتفالي.. الخ, وتم اتخاذ منهجين أساسيين في الكتابة للمسرح العربي هما المنهج التجريبي ومنهج مسرح العبث. وفي نهاية هذا الفصل يشير المؤلف إلى مرحلة رابعة في المسرح العربي سماها مرحلة ما بعد الثالثة وهي تشغل العشرين سنة الأخيرة, وفيها أنشئت المعاهد المسرحية وازداد عدد الممثلين وتضاعف عدد العروض وتسللت المواضيع الحياتية الإنسانية الصغيرة وأخذت تزيح المواضيع الكبيرة. وأخيراً يؤكد المؤلف أن المسرح العربي اليوم قادر على أن يتحول من كونه حالة يدفع إليها المجتمع إلى موروث ثقافي يصبح مهماً بذاته دون أن يرتبط بمواقف فكرية معينة. في كتابه "المسرح العربي المعاصر في مواجهة الحياة" يواصل فرحان بلبل مساعيه الحثيثة لإلقاء الضوء على واقع المسرح العربي عموماً والسوري خصوصاً, بادئاً بالتأكيد على أن المسرح هو أكثر الفنون الأدبية التصاقاً بحركة المجتمع, وأنه لن يحقق دوره الاجتماعي إلا إذا تعرّض لواقع الحياة لا بوضعه القائم فحسب, بل وبصيرورته أيضاً, عارضاً ظواهر الحياة الاجتماعية ورابطاً إياها بأسبابها تحليلاً إلى عواملها المحركة لتطور المجتمع. ويؤكد المؤلف أن المسرح لن يستطيع القيام بهذه المهمة إلا إذا أظهر الطبقات الاجتماعية المتصارعة. وبذلك فإن فرحان بلبل لا ينظر إلى المسرح كفعالية إيجابية إلا من خلال قدرته على التغلغل في نسيج المجتمع وتجسيد معاناته ومساعدته على تجاوز هذه المعاناة بمختلف السبل والوسائل. ومن هذا المنطلق ينظر إلى واقع الحركة المسرحية في سورية فيجدها مقسمة إلى أقسام ثلاثة هي: أ- المسرح الرسمي الذي يأخذ عليه اهتمامه بالمسرح الأجنبي أكثر من المسرح المحلي أو العربي وعجزه عن جر الجماهير إليه وحياديته حيال القضايا الملحة في حياتنا الاجتماعية وعدم وجود خطة واضحة له في انتقاء مسرحياته بحيث يترك الأمر لأذواق المخرجين, بمعنى أن المؤلف لم يلمس في عروض المسرح القومي حدوداً دنيا تؤهله كي يأخذ دوره المطلوب في حركة المجتمع ورسم ملامحه. وبذلك يكون المسرح القومي - حسبما يمكن أن نستنتج أنه رأي المؤلف - فاقداً لفعاليته بسبب ابتعاده عن المتلقي طبيعة وطموحاًً ومعاناة وتطلعات ووقائع وآفاقاً. والواقع أن هذا الرأي لا يبدو دقيقاً تماماً لأنه يطلق حكماً واحداً على جميع الأعمال التي قدمها المسرح القومي دون تفريق بين عمل وآخر, في الوقت الذي استطاعت فيه بعض عروض المسرح القومي الاقتراب من الجمهور العريض. ب- المسرح التجاري الذي يميز المؤلف بين نوعيه: الملتزم الساعي وراء الكلمة النظيفة والفن الراقي, والمبتذل الساعي وراء شباك التذاكر. ج- مسرح المنظمات والهيئات الشعبية الذي يعاني من عدم وجود نظام داخلي لفرقه المسرحية, مما يترتب عليه عدم وضوح المسؤولية وعدم وجود خطة فكرية وفنية وعدم وجود ميزانية تدعم العمل المسرحي وتعطيه استقلاليته, بالإضافة إلى تجاهل أجهزة الإعلام لهذه المسارح مما يحرمها من الظهور الذي يساعد على الاستمرار ويحرمها من النقد الواعي الذي يسدد لها خطاها ويعطيها قيمتها. يكرس المؤلف الجزء الثاني من القسم الأول لدراسات تطبيقية على بعض العروض التي قدمها المسرح القومي بدمشق ومسرح الشعب بحلب والمسرح الجوال والمسرح التجريبي وبعض عروض المسرح الخاص. القسم الثاني من الكتاب يخصصه المؤلف لمعالجة قضية حساسة في طبيعة العمل المسرحي وهي العلاقة مع الجمهور الذي بدونه لا تقوم للعمل المسرحي قائمة. ويعالج المؤلف هذه القضية تحت عنوانين رئيسين هما (علاقة المسرح بالجمهور) و(خصوصية المسرح وعمومية الجمهور). تحت العنوان الأول يؤكد المؤلف أن موضوع المسرح والجمهور من أهم المواضيع عند العاملين في المسرح لأن معرفة المسرحيين بنوعية الجمهور الذي يتوجهون إليه تجعلهم قادرين على النفاذ إلى عقله وقلبه. ولن يجد المسرحيون حلاً لمشاكلهم مع الجمهور ولن يستطيعوا شد الناس إليهم إلا إذا أدركوا أن الجمهور هو مجموعة من الناس تعاني من أوضاع اجتماعية معينة. وحينما يستطيع المسرح تحليل طبيعة المجتمع وربطه بظروفه التاريخية، وحين يسير بالمسرح عبر مشاكل المجتمع وقضاياه فسوف يرى من الجمهور إقبالاً عجيباً لأن الناس هم السائل الرجراج الحي المتدفق الذي يملأ وعاء هذا الظرف الاجتماعي ويعطيه صفته وهويته. وفي هذا الإطار يشير المؤلف إلى وجود نوعين من المسرح في سورية (بورجوازي وجماهيري) هما التعبير الحي عن حركة المجتمع الذي ينحو في طموحه وهمومه إلى الاشتراكية. ويعرض المؤلف للعقبات التي تواجه المسرح الجماهيري الذي يطرح أمام الجمهور قضاياه الأساسية. وهذه العقبات يقسمها المؤلف إلى ثلاثة أقسام رئيسية: قسم يتعلق بالجمهور, وقسم بالتأليف, وقسم بالإخراج. وبعد أن يسهب المؤلف في شرح هذه النقاط الثلاث ينتقل إلى العنوان الثاني والأخير من بحثه "المسرح والجمهور" والذي أتى تحت عنوان "خصوصية المسرح وعمومية الجمهور". وفيه يرى المؤلف أن المسرح كان دائماً فناً خاصاً بطبقة وموقوفاً عليها, لكنه يتوجه إلى عموم الجمهور. وهو يفعل ذلك لأنه وعي اجتماعي يعكس واقعاً اقتصادياً يكتسي أردية الفن ومسوح الجمال. هذه الرؤية تأتي ضمن عرض تاريخي موسع عن المسرح والجمهور منذ المسرح الإغريقي (500 ق.م) وحتى المسرح الحديث. ويخلص المؤلف إلى أن المسرح في كل هذا التاريخ المتنوع المتبدل حسب أنماط الحياة الاقتصادية كان ينمّي أنبل القيم الإنسانية ويساهم في تمدين الإنسان وجعل حياته أفضل وأسمى. ويلاحظ المؤلف أن المسرح في كل مرحلة من مراحل التطور البشري كان يقوم بشيئين هامين: أولهما أنه كان يرث القيم الأخلاقية والاجتماعية السامية التي أكدتها الطبقة القديمة ويضيف إليها ما حملته الطبقة الجديدة من قيم وأخلاق. ثانيهما أنه كان يرث الأساليب الفنية السابقة عليه ويطورها ويخلصها من ثغراتها, ثم يضيف إليها أساليب جديدة. وهو في عملية التشذيب والإضافة إنما كان يفتش عن وسائل فنية تحمل المضمون الجديد الذي طرحه واقع اجتماعي جديد لطبقة أخذت تسود وتستفيد من التطور الحضاري العام. ولعل من المهم أن ندرك - يقول المؤلف - أن أعظم الآثار المسرحية هي التي دافعت عن الطبقات في بداية نشوئها أو مع صعودها حين كانت وجهاً من وجوه التطور البشري. وأخيراً يورد المؤلف نقاطاً ثلاث يمكن ملاحظتها في فهم تطور المسرح. الأولى أن البنية الفنية للمسرحية كانت تتغير مع تغير الطبقات. وبذلك لم يدخل المسرح قانون الصراع الطبقي فحسب, بل كانت بناه الفنية وأساليبه تنسجم مع هذا الصراع وتعبر عنه. الثانية هي أن نماذج الشخصيات المسرحية كانت تتغير مع تغير الطبقات السائدة. فمن الأبطال أنصاف الآلهة إلى السادة النبلاء, إلى البرجوازيين الكبار والصغار, إلى العمال والفلاحين. الثالثة هي أن مسرح الواقعية الاشتراكية هو مسرح المستقبل لأنه يدافع عن طبقة تقدمية صاعدة هي طبقة العمال والفلاحين. ويختم المؤلف هذا القسم من الكتاب بقوله إن خصوصية المسرح وعمومية توجهه إلى الجمهور هي مفتاح فهمنا لتطوره ودوره الاجتماعي، ودليلٌ على أن المسرح كان يساير التقدم ويكرس نضال الإنسان فيما مضى من عصور, ودليلٌ على أنه سوف يستمر في القيام بهذه المهمة في الحاضر والمستقبل. في القسم الثالث من الكتاب يطرح المؤلف بعض القضايا التي شكلت هاجساً مزمناً في المسرح العربي وعند المسرحين العرب من عاملين فيه ومهتمين به. وهذه القضايا هي هوية المسرح العربي وشخصية المؤلف المسرحي العربي والاتجاهات الفكرية في المسرح العربي. فيما يتعلق بهوية المسرح العربي يبحث الكاتب في مسألتين أساسيتين هما الأشكال الفنية ومدلولاتها, والتأريخ النقدي للمسرح العربي, بادئاً بالتأكيد على أن البحث عن هوية للمسرح العربي من أهم ما يشغل بال كتاب المسرح العرب سواء في إيجاد الموضوعات التي تنبع من الواقع العربي وتراثه وتقاليده أو في إيجاد الشكل الفني الخاص بالمسرح العربي والمعبر عن تلك الموضوعات. ويحاول المؤلف أن يحدد معنى كلمة الهوية فيشير إلى أنها تعني التميز ووجود صفات خاصة مميزة ووجود تقاليد مسرحية وأشكال فنية منبثقة عن مضمون يحتوي الواقع الاجتماعي تبرز وجوداً عربياً قومياً وإنسانياً من خلال رؤية فكرية وسياسية معينة بحيث يتلمس القارئ الأجنبي مسرحاً عربياً مختلفاً في خصائصه عما يراه في بلده أو غيره من البلدان. ولو نظرنا إلى واقعنا المحلي والعربي من خلال هذه النظرة أمكننا أن ندرك أن هذا الركام من الأشكال والنماذج والأنواع الموجودة على خشبات المسارح ليست مجرد تخبطات فنية فقط وليست مجرد تأثيرات بثقافات أجنبية مختلفة فحسب بل هي بالدرجة الأولى تعبير عن صراع سياسي وفكري ينقسم فيه رجال المسرح إلى قسمين متقابلين يجملهما المؤلف بـ: أصحاب المسرح البرجوازي من تجار المسرح الذين حولوه إلى ملهى يقدم أسوأ أنواع المتع وأشدها ابتذالاً من جهة, ومن يريد لهذه الأمة أن تحدد لنفسها هويتها من جهة ثانية. وينهي المؤلف بحثه حول هوية المسرح العربي بالتأكيد على أن البحث عن هوية للمسرح العربي هو البحث عن تحقيق الوجود القومي ضمن ظروف الواقع الاقتصادي الواحد والتجمع السياسي الواحد مدعوماً بالتاريخ المسرحي لكل قطر عربي لا من خلال سكون المجتمعات العربية الإقليمية بل من خلال حركتها النقدية الجمعية. ينتقل المؤلف بعد ذلك للبحث في موضوعة شخصية المؤلف المسرحي العربي وتأثره بالتيارات المسرحية العالمية, فيشير إلى أن كاتبنا المسرحي العربي تعلم فن المسرح من مختلف تيارات المسرح العالمية. لكنه ارتبك بسبب هذا التعلم لغياب التخطيط الثقافي واضطراب الواقع العربي الذي لم يتكامل بناؤه الاقتصادي ولم يستقر بنيانه السياسي. كما أن كاتبنا المسرحي انتقل إليه تراث المسرح العالمي دفعة واحدة دون أن يتكئ على تراث مسرحي عربي يعينه على التمييز والتقييم ودون أن يجد ذلك التبويب والتصنيف المنهجي الذي يهديه سواء السبيل فيما يأخذ أو ينبذ. ويذهب المؤلف إلى تحديد مظاهر تأثر الكاتب العربي بالمسرح الآخر وهي كما يراها: تفاوت مصادر التيارات من بلد إلى بلد وتفاوت مصادر التيارات في البلد الواحد وكثرة التجريب عند الكتاب المسرحيين, ووجود مشكلة في العلاقة بين الشكل والمضمون تترك آثاراً مدمرة على تأليفنا المسرحي. ويخلص إلى وضع اقتراحات لدفع حركة الكتابة المسرحية والارتقاء بالنص المسرحي العربي وهي التخلص من الترجمات العشوائية وذلك بالعودة إلى تصنيف المسرحيات الأجنبية حسب عصورها ومدارسها وظروفها الاجتماعية التي أوجدتها، ووضع خطة واضحة لمسارحنا الرسمية فلا نترك الأمور لأهواء المخرجين ينتقون من المسرحيات الأجنبية ما يقف أحياناً عائقاً أمام وعينا، ووضع اتفاقات بين وزارات الثقافة في الدول العربية لتوزيع المسرحيات العربية بين الدول العربية, وتوجه الكاتب المسرحي العربي إلى الجمهور العريض ومخاطبته باعتباره القوى الحقيقية في المجتمع والأداة الفعالة في بنائه بناء صحيحاً. في الجزء الثالث والأخير من القسم الثالث يعرض المؤلف للاتجاهات الفكرية في المسرح العربي فيلاحظ أن المسرحية السياسية العربية هي الأكثر انتشاراً نتيجة لكثرة الضغوط الخارجية على الوطن العربي ولهزيمة حزيران ولغليان حركة التحرر العالمي والإحساس القاهر بوطأة التجزئة والاحتلال. في المقابل يرى المؤلف أن المسرحيات ذات البعد الاجتماعي قليلة في مسرحنا العربي مع أنها تقوم بتحليل الواقع وتحقق بعدها السياسي والإنساني معاً, كما يلاحظ أن المسرحية ذات البعد الوطني أو القومي هي نتيجة للظروف الجغرافية التي وجد فيها الشعب العربي نفسه. ويحدد ثلاثة أقسام للجانب الوطني في المسرحية العربية هي: دخول المسرح السياسي تحت جناح الجانب الوطني نتيجة هزيمة حزيران, وامتزاج القضية الفلسطينية بالاتجاه الوطني, وإيلاء الاهتمام للجانب الحربي العسكري في تصوير مقاومة الاحتلال. ويشير المؤلف إلى أن المسرحيات التي تناولت حرب تشرين الأول 1973 قليلة. ويعيد السبب في ذلك إلى أن وضوح الهزيمة في حرب 1967 استطاع أن يقدم ويخدم المسرحَ السياسي القائم على مهاجمة الأنظمة الحاكمة, بينما تحتاج حرب تشرين بما جرته من تعقيدات سياسية واجتماعية إلى إيقاف المسرح على قدميه والغوص في المظاهر الاجتماعية والاقتصادية لتحليل أسباب الحرب ونتائجها. أما القسم الرابع والأخير من الكتاب فيخصصه المؤلف للحديث عن تجربة فرقة المسرح العمالي بحمص التي يترأسها منذ تأسيسها. فيشرح كيف واجهت الفرقة مشاكل المسرح في سورية والوطن العربي كقضية علاقة المسرح بالجمهور وبالنقد وبالمضمون وبأساليب التوجه الفني وأشكاله, وكيف حاولت الفرقة إيجاد الحلول لهذه القضايا لا بواسطة التعرف إلى أصول المسرح والتقيد بها لخلق الجو المسرحي الصحيح فحسب بل, وبواسطة التكيف والتحوير والتعديل لتلك الأصول حتى تحقق غايتها في التواصل مع الجمهور لتقديم الكلمة التي تؤمن بها. أخيراً.. لقد تمكن فرحان في كتبه ودراساته المنشورة في الصحف والمجلات من الإحاطة بكافة تفاصيل الحياة المسرحية العربية عامة والسورية خاصة, ووازن بين ما هو نظري وما هو عملي, فقدم لوحة بانورامية شملت العديد من القضايا التي تشغل بال المسرحي العربي, وربط هذه القضايا بالإنسان ولم يتركها معلقة في الهواء. وإذا كان في بعض الحالات اكتفى بدور المؤرخ حسبما يقتضيه واقع الحال حيث لا مجال للاجتهاد سوى ما تقدمه المراجع فإنه في حالات أخرى أخذ يقوم بدور المحلل والمستنتج, بل والمستكشف لآفاق المسرح السوري. وهو في تأريخه لمراحل هامة من تاريخ المسرح السوري يكون قد قدم خدمة جليلة لهذا المسرح وساهم في نشله من غياهب النسيان. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |