|
||||||
| Updated: Tuesday, June 15, 2004 04:21 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الشـــــــهادات: ـ شهادة في تكريم الكاتب المسرحي فرحان بلبل – د.مروان غصب* المبدعون، كما القادة العظام، يصنعون تاريخ أممهم، لأنهم أوتوا عزائم الجبابرة في معاندة الأقدار، وصفاتِ العباقرة في التعبير عن المشاعر والأفكار. فكانوا الشمعةَ التي تحرق روحها لتنير السبيل للآخرين، والسحابةَ التي تذيب عنها قطراتٍ تحيي بها مُواتَ الأرض. هذه هي حال المبدعين التي رضعت الحياة مع النور وشربت الجمال مع المهد. إنها تدرج إلى الكون مصفقةً الجناحَ محلقةً في كل سماء. وهل مكان المربي الفاضل الفنان الأديب الأستاذ فرحان بلبل إلاّ واحداً من هؤلاء المبدعين الذين أطلوا علينا بصفحة مشرقة تمخر عباب التاريخ؟ وهل كان من الممكن تكريم هذا الأديب لو لم يكن تاريخاً حقاً؟ في كل حرف كتبه يلتمع الضوء ساطعاً، وكأن قلبه هو الذي ينطق كي تتراءى النفس على سجيتها الموهوبة ونقائها الأصيل. لقد استطاع هذا الأديب الكبير قراءة واقعه برؤية موضوعية جاعلاً هدفه الأمثل الدفاعَ عن الإنسان وكرامة الإنسان والوقوف في وجه الظلم والطغيان، فأمطرت المشاعر الوطنية في صدره. وبذلك غدا هو وأمته كائناً واحداً. إنه شجرة مباركة فينا تألق فعلاً وبراعة، استطلع الآفاق واستشرف المستجدات وجابه المتغيرات، وأبدع المواقف برؤية قومية مبدئية ونظرة وطنية شاملة لأهداف الشعب. تسلّح بتراث الأمة وقيمها، هزم اليأس والضعف وصنع النصر وكتب المسرح بإرادة الجماهير مجيداً زاهياً. ومن يقرأ أعماله المسرحية ويمحّص فيها يلاحظ أن شعوراً ملحاً كان يهتف في أعماق هذا الأديب: إنك رسول هذا الفن لأمتك في هذه الأرض. فانهض بعبء الرسالة، وكن سيفاً ومشعلاً تذود به عن حق أمتك في الحياة وتضيء لها في محنتها دروبَ المجد. بمثل هذا الشعور نذر فرحان بلبل نفسه للقضايا الكبرى الاجتماعية والإنسانية والوطنية والقومية التي استقطرها من أمجاد أمته ورضعها من لبان وطنه وغذّاها بصادق حسه. فيا له من قلب كبير طهّره الحب حتى بات يرى سعادته في سعادة أمته وشقاءه في شقائها. فكان بذلك أحد أفراد دهره وشمس عصره. ومن كان كذلك سيزهِرُ التاريخُ له فيخلّد أعماله ليبعثها من جديد. إنّ ما قدمه فرحان بلبل من أعمال إبداعية هو مفتاح شخصيته وآية إبداعه وسيكون سرَّ خلوده. وهل ينسى المرء مثل هذا المبدع الذي لم يبخل يوماً بتقديم كل إمكاناته، إذ مدّ لي يدَه الكريمة يوم كنت أراسله من فرنسا، ولا زلت احتفظ برسائله لي والتي حملت كل خير في إبداء ملاحظاته النقدية الموضوعية والعلمية؟ لذلك نذرت على نفسي أن أكون وفياً له ولأعلام المسرح السوري الذي نعتزّ به ونفخر. فكانت رسالة الدكتوراه التي أعددتها في جامعة السوريون في باريس مخصصة للمبدعين الأعلام في مسرحنا السوري، وكان في مقدمة هؤلاء : المحتفى به هذا اليوم رجل المسرح الأول على صعيد الوطن العربي. فهو الكاتب والناقد والمخرج والمؤرخ، وكلّ ذلك تجارب شخصية تابعها شخصياً دون دراستها في أية مدرسة أو أكاديمية. إنها مجرد قراءات داعية وناضجة لهذا الفن الجديد في أدبنا العربي، أحدث فيه قفزة نوعية على صعيدي المضمون والشكل مستفيداً من تجارب الآخرين. ولا أخفيكم أيها الأعزاء وأنا في طور تحضير الأطروحة في الثمانينات ما كان لهذا الأديب من وقع كبير عندما وقع اختياري عليه لتقديم محاضرة عن علم مسرحي سوري يشكل ظاهرة فريدة في هذا الجانب أمام طلبة الدكتوراه. وما إن غصت في تحليل مسرحيتين له هما (الممثلون يتراشقون الحجارة) و(القرى تصعد إلى القمر)، حتى سمعت أستاذي المشرف يقول بالحرف الواحد وبالفرنسية (لقد اخترت كاتباً بعثياً. إنه كاتب تقدمي اشتراكي). ولا تتصوروا كم كانت سعادتي كبيرة وأنا أسمع مثل هذه العبارة. ولا يخفى على أحد مثلُ هذه الحقيقة. فأنت عندما تقرأ فرحان بلبل تقرأ معه الفكر التقدمي الاشتراكي. فهو يمثل انعطافاً كبيراً في تاريخ الفكر المسرحي. وعندما ناقشت الرسالة عام 1989 كان لفرحان بلبل النصيب الأوفر في المناقشة، لأن مسرحياته احتلت مكانة مرموقة فيها على الرغم من تعدد موضوعاتها. وإشارة بسيطة إلى مادار دار بيني وبين أحد أعضاء اللجنة في مسرحية (الممثلون يتراشقون الحجارة) والتي تُعدّ عملاً إبداعياً حقيقياً عندما سألني : هل شخصية عبد المطلب شخصية واقعية وأنت تقول في تحليلك له : إنه نموذج وطني مخلص صادق شريف يؤمن بالحرب ويطالب بها لأنها الحلّ الأوحد لطرد العدو وهزيمته؟ وهل هذا النموذج موجود فعلاً على أرض الواقع؟ فأجبته لو لم يكن لهذه الشخصية وجود حقيقي لما دخلت مسرح فرحان بلبل، لأن مسرحه مسرح الواقعية الاشتراكية. وهذا المسرح هو مسرح المستقبل لأنه يدافع عن طبقة تقدمية صاعدة هي طبقة العمال والفلاحين. وإذا أردت فعلاً تسمية الأشياء بأسمائها سأقولها لك بعد المناقشة. وإن دلّ هذا على شيء فإنما يدلّ على أن أفكار فرحان بلبل وطروحات فرحان بلبل كانت لافتة للنظر ولذلك توقف عضوان في اللجنة عند مسألة الصراع الطبقي عنده وماذا يعني هذا الصراع فعلاً وهل هو حقيقة واقعة، وأنت قد أكدت في المسرحيات التي عالجت هذا الموضوع موقف الكاتب من البرجوازية الطفيلية في مسرحية (يا حاضر يا زمان) وموقفه من الملكية في مسرحية (القرى تصعد إلى القمر) ثم دور الطبقة العاملة في مسرحية (العشاق لا يفشلون) ومسرحية (لا تنظر من ثقب الباب). معرّجاً في كلامه بأن هذه المفاهيم قد تجاوزها الزمن وهي مفاهيم مختلفة تماماً عن مفاهيم الغرب لها. فما كان مني إلاّ أن أكدت في حواري أن هذه المسائل لا تزال قائمة وهي جوهرية. وإن اختلفت نظرة كل مجتمع لها من زاوية معينة، فهي قائمة في مجتمعنا ولا بد من معالجتها في الفنون الأدبية. ومن هنا يأتي صدى فرحان بلبل. إنه يختار موضوعات تهمّ الجمهور ولذلك سوف تنفرد أعماله بالبقاء وتغدو شاهداً في أنه أفلح في الدفاع عن قضايا أمته بإيمان راسخ بالمبادئ وولاء ثابت للأمة وكلمة سديدة وشجاعة فائقة. إن تجربة فرحان بلبل رائدة في مضمار الفن المسرحي قدّمت فائدة منقطعة النظير للمكتبة المسرحية العربية سواء في أعماله الإبداعية أو في كتبه النقدية. وإذا كان من حق الشعوب أن تفتخر بمبدعيها، فتفخر فرنسا بمولييرها وبريطانيا بشكسبيرها وألمانيا ببريختها وروسيا بتشيخوفها، فمن حقنا نحن العرب بل من أنفسنا علينا أن نفتخر ببلبلنا والإبداعات التي صنعها لنا ونحافظ عليها لأنها وصلت إلى مصاف أعمال الكتاب الكبار العالميين، وشكلت إرثاً حضارياً نتنشق فيه نسمات الحرية ونذوق حلاوة التسامح والإخاء. ومن هنا كان لمبدعنا نصيبٌ وافر في البحث العلمي الخارجي الذي أعددته في جامعة السوريون عام 1996 "حول المؤتمرات الغربية في المسرح السوري المعاصر" وبيّنتُ في هذا البحث كيف استطاع فرحان بلبل أن يستفيد من تجارب كبار المسرحيين العالميين أمثال صموئيل بيكيت وبريخت وتشيخوف وشكسبير، وكيف يفيد هذا الفن المسرحي العربي وكيف يخضع ويقلّب موضوعات تلك المسرحيات العاطفية ويجعلها قريبة من ذوق المتفرّج العربي وتخدم الجمهور العربي. إنها محاولات جادة وهادفة من مبدعنا لتطوير المسرح بشكل سريع. إن إبداعات فرحان بلبل امتداد لمشروع ثقافي مسرحي عربي حضاري بدأه مارون النقاش فأرسى دعائمه بما قدّمه من نتاجات غزيرة انطوت على سمات الأصالة العربية حتى أصبح كالحصاة الصلدة. وها نحن نلتقي اليوم لتتعطر الذاكرة بحصاد السنين. وإذا كان مصير تماثيل الجليد أن تذوب تحت الشمس التي يستحيل حجبها بغربال، فإن ما رسخه وما أنتجه فرحان بلبل على صعيد الفن المسرحي سيبقى شمساً ساطعة نحييها كل صباح ومساء. مباركٌ لك يا أديبنا الكبير هذه المكرمة. فأنت مفخرة عربية حقيقية في الإبداع والنقد والإخراج. وإلى مزيد من الإبداعات لنرفع ترنيمة الشكر وعرفان الجميل رسالة محبة إلى أولئك الذين كرّموا أديبنا فرحان بلبل. إنه عمل مثمر دائب وخير عميم دائم. * (أستاذ الأدب الحديث في جامعة البعث). |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |