|
||||||
| Updated: Tuesday, June 15, 2004 04:21 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
ـ شهادة في تكريم فرحان بلبل - عبد القادر الحبال* اعتادت أقلامنا أن تكتب في تكريم أدبائها وفنانيها وأصدقائها بعد رحيلهم. واعتادت هذه الأقلام الصدقَ في الكتابة عنهم لأنهم رحلوا. وتكريمُ فرحان بلبل اليوم من المرات القلائل التي يحدث فيها لواحد من الأحياء. فهل نتمتع بالصدق نفسه الذي يكون في الحديث عن الراحلين؟ عندما طُلِب مني تقديمُ شهادة في فرحان - مدَّ الله في عمره - شعرت أن العجز يترصَّد بي. وكادت تتفلت مني العزيمة في الكتابة. لكن شيئاً من الوفاء والحب أمسكا مني الأعصاب والمخاوف. وبدأت بالكتابة وسألت نفسي: ترى؟ من أين أبدأ؟ من جوع الطفولة وشقاء اليتم والإحساسِ بالقهر الاجتماعي والحنين إلى جو الأسرة ضمن الليالي الباردة الحزينة؟ أم من فتوة الشباب والعزيمة على خلق نفسه كاتباً ومخرجاً مسرحياً؟ أم من محبته للمرأة التي كان يراها أكثر من ضجيعة الفراش، يراها مزيجاً من الأم والزوجة والعشيقة ورفيقة الدرب وهو القائل فيها: حبيبتي أحبها لأنها تحبني وتعشقُ القمرْ استطلعت برنامجَ التكريم، فوجدت أنه استوفى المواضيعَ المسرحية التي كنت أستطيع الدخول في أحدها للكتابة. استطلعت ذهني وعدت بالذاكرة إلى عام 1965 حين كنت طالباً والتقيت به في قاعة الدرس. انتابني يومها خوفٌ ما. فقد كنت أسمع عنه أنه شديد في دروسه. وقف أمامي بشَيْبِه وشبابه هالةً ووقاراً. ولم أعرف يومها كيف مضت ساعة الدرس وأنا أحملق فيه غيرَ قادر على حسن التقدير والتقييم. وتشاء الظروف ألا يُكمِل عامه الدراسي معنا فانتقل إلى مدرسة أخرى. ولم أره بعدها إلا في عام 1973. دخلت إليه في بروفاته على مسرحية (مأساة الحلاج) طالباً انتسابي إلى فرقة المسرح العمالي. ووجدته بالهيبة والوقار نفسه. وانتابني شعورُ الخوف نفسهُ كما في السابق حين كنت تلميذَه قبل سبع سنوات. يومها، وبعد إجراء اختبار صوتي ونفسي وأسئلة عامة، قُبِلتُ في الفرقة. وكانت رحلتي مع فرحان بلبل من أمتع الرحلات بما فيها من شقاء وسعادة. شقاءِ العمل المسرحي وسعادة إنجازِ الإبداع. رحلةٌ عمرها اليوم ثمانية وعشرون عاماً. معه عرفنا فيروزنا. وعرفنا زوربا في داخلنا. عرفت فيه الأخَ والمعلم والصديق والقريب. فكان كلاً وسْط أجزاء. إنه الكاتب الذي يمتلك القدرة على التطور والحركة دون تحفظ أو عناد. إنه يفتح نوافذه ليتلقى المؤثرات منسجماً مع حركة الحياة. فكانت كتابته المسرحية تتطور. وكان يزداد حنكة في ميدان الكتابة. قُدِّر لي أن أكون تلميذاً وصديقاً وصهراً لهذا الرجل. تلميذاً في فرقته المسرحية التي ربط مصيرَه الإبداعيَّ والفكريَّ بها. فكان، لذلك، تأثيرُه المباشر على إنتاجه من حيث الالتزامُ بالطبقة العاملة وقضاياها. صديقاً لم يبتعد يوماً عن صديقه وهمومه وآماله وآلامه: تتلامس ضحكته في ضحكته طيناً لماعاً أحمرْ كنا وصديقي نتلاقى، أو بالأحرى نتوحد كل مساءْ صهراً عاش معه أدق دقائقِ حياته. وعرفته من داخله شفافاً كريماً ودوداً محباً، صانعاً لأحلامه وأمانيه، مغدقاً على من حوله كل الحب والإيمان بالغد. النقطة المركز الجامع في الثلاثة كانت أخلاقَه التي لم تتبدل بتبدل الظروف ولا بتبدل المجالات. لذلك اسمحوا لي أن أتكلم في هذا الجانب. في أخلاقه ينعكس الفهم المتكامل لمغزى الحياة ولمكانة الإنسان ودوره في المجتمع. أخلاقه الطيبة تحتوي عنصراً إنسانياً وهو القائل (من فقد حقده الطبقي مرة فقد إنسانيته إلى الأبد). الذروة كانت هدفه. والحقُّ سمتَه. والصدقُ وسيلتَه. البساطةُ في التعامل كانت أسس نجاحه. أعاد إلى الحس السليم أهميتَه في أي عمل وخاصة في العمل المسرحي في عالم تطحنه المكننة المعقدة والمناخاتُ الثقافية في جانبها الصراعي الادعائي المقيت وحداثتِها التي تصبح قاتلة إذا لم تكن واعية لمعنى الحداثة. فمنح مفهومَ الفطرة معنىً حديثاً متطوراً من خلال عمله ومسيرته ضمن فرقته ومع أعضائها. عاش مع فرقته تجربة فريدة وقال عنها (أنا كاتب خلقتني فرقة المسرح العمالي). جمع الأخلاق إلى العمل الحديث المجدد المتطور لتصبح الأخلاقُ هذه معياراً ضرورياً ومهماً ومنظماً لأي عمل. أبعد الفجور عن أعماله الفنية ليصبح العمل عنده شعبياً هدفُه الوصولُ إلى الإنسان العادي البسيط. كيف لا وهو الذي يشعر بشرف انتمائه إلى الطبقة العاملة. كان شغلُه الشاغلُ حمايةَ نفسه من الانزلاق وراء المغريات المادية أو مغريات الشهرة الزائفة. فلم يعمل خارج فرقة المسرح العمالي مع كل العروض المغرية التي قدمت له. جمع في عمله، وحتى بين أعضاء فرقته، بين رقي المدينة وبين كبرياء الريف. فكان إخراجُه لأعماله المسرحية تمثيلاً للانسجام الرائع بين عطاء الريف وقدرة المدينة. فلم يحصر عمله المسرحي في منطقة أو مجموعة أو طائفة أو مدينة. فكان عاماً لوطنه الصغير سورية ولوطنه العربي الكبير. فرحان بلبل صانعٌ نشيطٌ لحياته العامرة الفنية والمتنوعة. وهو الذي يجمع بين الغنى الروحي والطهر الأخلاقي. ويتحلى برؤية علمية وبمعارف عميقة وشاملة. إن العمل عنده حاجة حياتية أولى مما يلغي التضاد بين وقت الفراغ ووقت العمل. فيغدو العمل بالنسبة إليه نشاطاً إبداعياً. هذا هو فرحان بلبل، المؤمن أن الفن دين يعشقه البشر. واسطته في ذلك الإشارةُ والحركة في صدقها والبساطةُ في عمقها، والصدقُ في إرسالها، والإيمانُ برسالة خلاقة. * (عضو فرقة المسرح العمالي بحمص). |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |