أنتَ صديقي ـــ خير الدين عبيد

قصص للأطفال ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2005

Updated: Sunday, January 29, 2006 01:20 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الحائط

تنهّدُ الحائطُ... قال:‏

ـ آهٍ. من أين أبدأ... وماذا أقول؟.‏

أتذكّر أنّني قبل عشرِ سنواتٍ، كنت تراباً، أشربُ المطرَ وآكلُ البذورَ، لكنّ شرُبي وأكلي مختلفان عن شرابِ وطعامِ البشر، فأنا في الّربيع... أُخرِجُ من جوفي تلك البذورَ، على شكلِ زهورٍ مُلَوّنةٍ، وحشائشَ خضراء تبهجُ العين.‏

وأذكرُ أنّ أمَّ عدنانَ جاءت ذاتَ صباحٍ تحملُ سطلاً ومِجْرَفَةً، جرفتني... وضعَتني... في السّطلِ وأفرَغَتني أمامَ بيتِها، وبعدَ أن ملأت عِدّةَ سطولٍ على شكلِ كومةٍ، جاءتْ بالقشِّ والماءِ، عجَنتنا مع بعضنا وراحت تَبني منّا حائَطاً بينَ دارِها ودارِ جيرانِها.‏

بعدَ أيّامٍ تصلّبتُ، شعرتُ بأنني صرتُ قاسيا... فحزِنت.‏

لكنْ... في اليوم التالي، وبعد أن طَلَتني أمّ عدنانَ بالكلسِ الأبيضِ، فرِحتُ، لقد بَدَوتُ كحمامةٍ بيضاء. وبدأت قصّةُ سعادتي.‏

ففي الصباح، يقفزُ الدّيكُ الملوّنُ على ظهري، يصَفِّقُ بجناحَيه ويصيحُ معلِناً ولادةَ أملٍ جديد.‏

تُهرَعُ إليه الدّجاجات بفرحٍ... وتنبِشُ عندَ قدمي، باحثةً عن حبّاتٍ لذيذةٍ تتسابـقُ إلى نَقرِها.‏

ويفيقُ الأولادُ، ينادونَ بعضهم، يجتمعونَ بجانبي... ويبدأُ اللّعب.‏

سعفانُ ومحمودٌ، يتباريانِ بالقفزِ فوقي، يرجعانِ إلى الخلفِ، يركضانِ... ويقفزان واضعينِ أيدَيهما على ظهري، فيبدوانِ كمُهرَينِ رشيقينِ يقفزانِ العوارضَ الخشبيّةَ.‏

حمدانُ وخلفانُ وجدعانُ، يلعبونَ لعبةَ الاختباء، ويختبئ حمدانُ خلفي كأرنبٍ خائفٍ، فأحنو عليه كأُمٍّ.‏

أمّا ريمُ. فتُقبِلُ نحوي، حامِلَةً قطعةً من الفحمِ، وتبدأُ الرّسمَ على وجهي الأبيضِ، أحياناَ ترسمُ سِربَ سنونو، أو مزهريّةً، أو...‏

وكلّما امتلأَ وجهي بالرّسومِ والأسماءِ والأشعارِ، طلَتْني أمُّ عدنانَ بالأبيض، وهذا الطّلاءُ يُغري الأولادَ بالرّسمِ والكتابةِ من جديد، يحملونَ قطعَ الفحمِ، ويُهروِلونَ نحوي كأنّني مدرسةٌ فتحت أبوابَها لليومِ الأوّلِ.‏

وعندَ العصرِ، وفوق ظلّي الكثيفِ، تمدُّ أُمُّ عدنانَ سجادةً من الخِرقِ الملوّنةِ، وتنامُ قيلولتَها، وتشخر.‏

على الرّغمِ من كلّ ذلك، لم أنسَ صداقتي للزّهورِ والحشائشِ، فبعدَ كلّ شتاءٍ، تنتشُ البذورُ الّتي أحملُها في جوفي، فتمُطّ الحشائشُ والأزهارُ رؤوسَها من شقوقي وتكبرُ، وكم كانَ مدهشاً منظرُ إحدى الزّهورِ البنفسجيةِ الّتي نمتْ فوقَ المزهريّةِ الفارغةِ التي رسّمتها ريم، حتّى إنَّ أهالي الضّيعةِ كلّهم جاؤوا ليَروا تِلكَ المصادفةَ الرائعة.‏

وتمرُّ السَنونُ، وتتوالى الفصولُ، ويزدادُ تشقُّقي... وأشعرُ أنّني لا أقوى حتّى على حَملِ ديكٍ خفيفِ الوزنِ، و...‏

أسمعُ عدنانَ يريدُ هدمي! نعم... هدمي. فاليوم... جلسَ معَ أمِّهِ في ظلّي، أسندَ ظهرَهُ إليَّ، قال:‏

ـ سأهدمُ الحائطَ، إنّهُ مُتداعٍ ويكادُ ينهار.‏

ردّتْ أمُّ عدنان:‏

ـ ونبقى دونَ حائط؟‍!‏

ـ مَنْ قالَ إنّنا سنبقى دونَ حائط؟ سأبني بدلاً عنهُ سُوراً منَ الحجارةِ المصقولةِ.‏

ثمَّ دخلَ البيتَ، مُخرجاً مَهدّةً حديديّةً كبيرة.‏

ارتَجَفتُ خوفاً، كدتُ أنهارُ... لكنّني تماسكتُ عندما رأيتُ أُمَّ عدنانَ تنظرُ إليَّ بعينينِ حزينتين، وتقول:‏

ـ أرجِعِ المهدّةَ، أنا راضيةٌ بالحائط.‏

ـ لكنّه قديم!‏

ـ ابنِ لنفسِكَ بيتاً جديداً، وسَوِّرْهُ بحائطٍ من الحجر، أمّا أنا فسأرمِّمُه.‏

ثمَّ مسحتْ بيدها الحانيةِ على ظهري، وسَكَبتْ دمعتينِ ساخنتين.‏

زالَ خوفي...‏

وأقسمتُ أن أهدي أمَّ عدنانَ في الرّبيعِ القادمِ، زهرتينِ بيضاوينِ ستنبتانِ مكانَ الدّمعتينِ بالضّبط.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | دليل الأعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244