أنتَ صديقي ـــ خير الدين عبيد

قصص للأطفال ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2005

Updated: Sunday, January 29, 2006 01:20 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

خيوط الحليب

الشّمسُ دينارٌ ذهبيّ.‏

والقمرُ درهمٌ فضّي.‏

وحسّانُ ـ لكثرةِ ما يحلمُ برؤيةِ الدّراهم والدّنانير ـ أصبحَ وجههُ مدوّراً.‏

صراحةً... الدّنانيرُ والدّراهمُ مغريةٌ، نقوشُها النّافرة رائعة، الخطوطُ الكوفيّة حلوة، والأحلى لمعانُها وصوتُ رنينها.‏

طيّب... إذا كنتُ أنا كاتبُ القصّةِ معجباً بالدّنانيرِ على الرّغمِ من كَبرِ سنّي، فماذا سأحكي عن حسّان الصّغير عندما لمحَ أوّلَ مرّةٍ دنانيرَ ذهبيّة معَ ابنِ الملك داخلَ السوق؟‏

باختصار... جحظت عيناه، اقتربَ منهُ رغمَ كثرةِ الحرّاس، قائلا:‏

ـ ما هذه؟‏

ـ دنانير.‏

ـ ماذا ستشتري بها؟‏

ردّ أحدُ الحرّاس غاضباً:‏

ـ حصاناً... هيا.. اذهب لشأنك.‏

بعدَ أسبوعٍ، تقابلَ حسّانُ مع ابنةِ الوزيرِ في المكانِ نفسه، لكنّ الحرّاس كانوا أقلَّ عدداً.‏

لن أصفَ لكم كيفَ رأى الدّراهمَ الفضّية وبماذا شعر، فخيالكم خصب، سأكتفي بسردِ الحديث الّذي دار بينهما:‏

ـ يمكنني لَمسَ دراهِمكِ؟‏

ـ ماذا؟‍ ألم تلمس دراهِمَ في حياتك؟‏

قلَبَ حسّانُ شفتيه، واحمرّتْ أذناه.‏

ـ خُذها.‏

فجأةً نطَّ أحدُ الحرّاس صائحاً:‏

ـ ماذا يفعلُ هذا المتشرّد بالدّراهم؟ تفضّلي يا مولاتي الصغيرة... ألن تشتري الثوبَ الحريريّ المطرّزَ الذي أعجبَكِ البارحة؟‏

تبادلَ الصّغيرانِ النظرات، وسارا باتّجاهين مختلفين.‏

عادَ حسّانُ حزيناً إلى كوخِهِ في طرفِ المملكةِ، قرفَصَ بجانبِ الباب متأمّلاً أباه الذي يكسرُ الحطب، وأمَّه التي تمسكُ النّعجةَ لتحلبَها في وعاءٍ نحاسيّ.‏

وقفَ فجأةً، اقتربَ من الوعاءِ اللامعِ كقرصِ الشمس. آه... إنّه يشبِهُ ديناراً كبيراً من الذهب، يكفي لشراء حصانٍ أصيل.‏

أمسكتِ الأمُّ ضرعي النّعجةِ بكفّيها، وراحت تحلب.‏

خيوطُ الحليب البيضاء تصدِرُ لحناً طروباً.‏

الّلحنُ حرّكَ خيالَ حسّان، لقد وضعَ التاج وصارَ ملكاً، ها هو يركبُ حصانَهُ متفقّداً‏

أطفالَ مملكتِه.‏

الحليبُ يغمُرُ أرضَ الوعاء، تغيبُ الشمس ويطلعُ القمر، أوووه... درهمٌ فضّيٌ عملاق...‏

ـ تعالوا يا أطفال، احْملوا القمر... أقصدُ الدّرهمَ الفضّيَّ العملاق، اذهبوا إلى السوقِ واشتروا ما تحتاجون: ثياباً... حلوى... ألعاباً؟ ولا تَنسوا أن تُهدوا ابنةَ الوزيرِ اللّطيفة ثوباً حريرياً مطرّزاً بخيوطِ الذهبِ والفضة.‏

آه... ما أحلاكم، اصطفّوا. سأضعُ التّاجَ على رأسِ كلّ واحدٍ منكم مدّةَ دقيقةٍ، فأنتم أصدقائي.‏

هل أنتم جاهزون؟‏

وأفاقَ حسّانُ من شرودِهِ على ضحكةِ أم‍ّه الرّنانة:‏

ـ حسّان! أما زلتَ تحلمُ كعادتك؟ هيا... احملِ الوعاءَ، ظهري يؤلمني.‏

انحنى... حملَ الوعاء... ارتجّ الحليبُ وبدأت فقاعاتُ الهواءِ على حوافه بالانفجار.‏

وكلّما انفجرت فقاعةٌ، انفجرَ حلمٌ من أحلامِه.‏

اغرورقت عيناهُ بالدّموع، و....‏

تعثّرَ... انقلبَ الوعاءُ على قفاه، فبدا كدينارٍ صدئٍ حزين.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | دليل الأعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244