أنتَ صديقي ـــ خير الدين عبيد

قصص للأطفال ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2005

Updated: Sunday, January 29, 2006 01:20 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

المستقبل

ـ أنا أكرهُ المدرسةَ، لن أذهبَ إليها، سأتركُها.‏

ورمى حقيبتَه، فتناثرت على الأرضِ، كتبٌ ودفاترُ وأقلام.‏

نظرتِ الأمُّ إلى صغيرها الوحيدِ بحزنٍ، قالت:‏

ـ لماذا؟‏

ـ الدّراسةُ تتعبُ رأسي.‏

ـ ومستقبلُك؟‍!‏

نظرَ صبحي إلى كتبه المرميّةِ، قال:‏

ـ إذا تابعتُ الدراسةَ، سيؤلمني رأسي، ربّما أجنُّ، ولن أصلَ إلى مستقبلي.‏

عملَ صبحي في ورشة النّجارة ثلاثة أيام، لكنّه في صباح اليوم الرّابع، رمى المطرقة، وركضَ إلى البيت.‏

في غرفة الجلوس، وبينما كانت أمُّه تكتبُ رسالةً إلى أبيه المسافر، دخلَ صبحي لاهثاً.‏

ـ ما بك؟‏

ـ أنا أكرهُ النّجارةَ، لن أذهبَ إلى الورشة سأترُكها.‏

حكّتِ الأمُّ أنفَها بغطاءِ القلم، سألت:‏

ـ لماذا؟‏

ـ لأنّها خطِرة.‏

ـ ومستقبلُك؟!‏

فتحَ صبحي كفّه، تأمّلَها، قال:‏

إذا تابعتُ العملَ، ربّما تُقطعُ أصابعي، كما قطعَ المنشارُ الكهربائيّ إصبعَ معلّمِ النجارة...‏

وقتها... كيف سأمسك بمستقبلي؟!‏

استمرّ صبحي يعملُ في دكّان الخيّاط شهراً كاملاً، بعثتِ الأمُّ خلالَه ثلاثَ رسائلَ إلى زوجها تشرحُ لـه حالَ وحيدِها، كتبت لـه أنّها متفائلةٌ، وأنّها كثيراً ما تُغمضُ عينيها لتتخيّلَه خيّاطاً مُحترفاً، يقصدُه الزبائن من كلّ مكان، ومع هذا لم تنسَ أن تخبرَه في نهاية كلّ رسالةٍ أنّ غيابَه طال، وأنّها مشتاقة.‏

اليوم. وبعد مُضِيِّ الشّهر، دخلَ صبحي البيتَ في غير موعدِه.‏

ـ خيراً؟‍! هل نسيتَ شيئاً؟!‏

ـ لا.‏

طيّب، لماذا أتيتَ... ما القصّة؟‏

ـ أنا أكرهُ الخياطةَ، لن أذهبَ إلى الدّكان، سأتركه.‏

أحسّتِ الأمُّ بوخزة في قلبها، كأنّ ابنها وخزَها بإبرةِ خياطة. أخذت نَفَساً عميقاً، قالت:‏

ـ ومستقبلُك؟‏

نظرَ صبحي إلى ثوبِ أمّه المزركش، قال:‏

ـ الخياطة صنعةٌ دقيقةٌ، إنّها مرهقةٌ للعيون، تصوّري إنّ معلّمي يضعُ على عينيه نظارةً سميكةً، سميكةٌ جداً. آه... لا يمكن أن استمرّ... ربّما أفقدُ بصري، ساعتها...‏

كيف سأرى مستقبلي؟!‏

ويكبر صبحي دونَ أن يتعلّمَ صنعةً، وكلّما شجّعته أمّه على العمل، يقول:‏

ـ قرّرتُ أن أنتظرَ والدي، سيأتي ومعه أموالٌ كثيرة.‏

ثمَّ أخرجَ كرسيّاً وجلسَ أمامَ البيت.‏

وتمضي الأيام والأسابيعُ والشّهور، وصبحي جالسٌ أمامَ البيتِ في أوّلِ الزّقاق، يتنقّلُ من فيءِ حائطٍ إلى فيءِ شجرة.‏

ومرّةً. وقفَ أمامَه متسوّلٌ عجوز، رثُّ الثّيابِ قبيحُ المنظرِ، نتنُ الرّائحة، قال:‏

ـ صبحي. مرحباً.‏

ـ كيف عرفتَ اسمي؟‏

ضحكَ المتسوّلُ، قال:‏

ـ أعرفُ اسمَكَ من زمان. لقد قرأته على أغلفةِ دفاترِكَ وكتبِكَ التي رميتَها، يومَ قرّرتَ تركَ المدرسةِ، وسمعتُه من الخيّاط والنجّار عندما رفضتَ العمل.‏

وقفَ صبحي مشدوهاً... تأمّلَ المتسوّلَ بفضول، صرخ:‏

ـ من أنتَ؟‏

قهقهَ المتسوّلُ، صرخَ:‏

ـ أنا مستقبلُك.‏

انهارَ صبحي على كرسيّه، غطّى وجهَه بكفّيه، وراحتِ الدّموعُ تنهمرُ من عينيه...‏

بينما كان المتسوّل يجتازُ الزّقاقَ الضيّقَ، بقدمينِ حافيتينِ مُشقّقتين.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | دليل الأعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244