|
||||||
| Updated: Sunday, January 29, 2006 01:20 PM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
حوار في السّاعة العاشرة بالضّبط، مساءَ الثلاثاء، التقى كلبان. لم يكن لقاؤهُما على وجبة عظام، أمام دكّان جزّار، بل مصادفةً. كان بارود يجلس على المقعد الخلفيّ، في سيّارة جيب، ويمطّ رأسَه من النافذة. عفواً... بارود هو اسم كلب صيد سلوقي، أبيضُ اللّون منقّطٌ بالرّمادي، قوائمُه دقيقة وطويلة، وعيناه تلمعان أكثرَ من الطّوقِ المذهّبِ في رقبته، أمّا فتحتا منخريه فتنفتحان وتنغلقان كأنّهما تشمّان رائحةً مجهولةً. الكلبُ الآخر ـ أسميتُه الآخر لأنَّه بلا اسم ـ فهو كلبٌ شارد، متّسخ... هزيلٌ وهرِم. عندما نزل السّائق من سيّارة الجيب لشراء بعضِ الأغراض، مطَّ بارود رأسه من النافذة، تلفّت... لمح كلباً قربَ الحاوية، يحاول بعجَ كيسٍ أسود. ـ هيه... يا كلب. ترك الكلب الكيس، نظرَ بريبةٍ إلى بارود، قال: ـ ما بك؟ اقتربْ. سأحدّثك. نقّلَ الكلبُ نظرهَ بين الكيس الأسود وبارود، ثمّ مشى نحوَه بخطىً بطيئة. ـ ما اسمك؟ ـ كلب. تقصد كلباً شارداً؟ ـ تماماً. ـ أنا بارود، كلبٌ سلوقي. ـ تشرّفنا، أتسمح لي بالانصراف، أنا جوعان، وأظنُّ أنّ الكيسَ الأسودَ يحتوي مأكولاتٍ لذيذة. نبحَ بارود غاضباً، قال: ـ إلى متى ستبقون على هذا الحال، كلابٌ شاردة، بلا كرامة، تأكلون بقايا الأطعمة، تنامون في المزابل، انظر إلى شكلك... أهذا منظر كلب؟! أغمضَ الكلبُ الشاردُ عينيه، قال: ـ معك حق، سأحاول أن أبدو بمظهرٍ أفضل. ـ كلّ مرّةٍ أرى كلباً مثلَك، ويقولُ لي كلاماً مثلَ كلامِك. ـ صح. كلُّنا نتكلّمُ مثلَ بعضنا. ـ ونحن. أقصدُ الكلاب السّلوقيّة، إلى متى سيبقى النّاسُ يقارنوننا بكم؟ تصوّر... البارحة انزعج منّي صاحبي، فخاطبني بنبرةٍ قويّة: (كلاب....... كلّكم كلاب. طِباعكم واحدة، إذا أزعجتَني مرّةً أخرى سأرميك إلى المِزبلة). اقتربَ الكلبُ الشّارد من النافذة، هامساً: ـ نحنُ السّبب، أعرف، شوّهنا صورةَ كلِّ الكلاب، لكن ماذا يمكُننا أن نفعل؟ ـ كم أكرهُ هذا السؤال، انظر إليّ، ماذا تظنُّ أنّني فعلت حتّى وصلتُ إلى هذه المرتبة من الكرامة؟ ببساطة... استغللت قدراتي، لي حاسّةُ شمِّ... أشمُّ بِها رائحة الطّريدة على بعدِ أميال، لي قوائمُ سريعةٌ أعدو خلفَها، لي أنيابٌ... أنقضُّ بِها على طريدتي فأصطادها بمهارة فائقة. ـ كلامُكَ سليم، سأحاولُ جاهداً أن أفعلَ مثلكَ. أنا أعرفُ أنَكَ مدلّلٌ، تأكلُ لحوماً خاصّة، معبّأةً في علبٍ جَميلة، وتنامُ في بيتٍ سقفُهُ هرميّ، صدّقني... سأحاول أن أفعلَ مثلَك. ـ سأحاول... سأحاول، كم سمعتُ هذه الكلمةَ من الشّاردينَ القذرين أمثالك. فجأةً. نطّ الشّاردُ نابحاً، مكشّراً عن أنيابٍ طويلةٍ، قائلاً: ـ أخرس يا كلب. صارَ لكَ ساعة وأنتَ تعطيني دروساً في الكرامة، ناسياً أنّني أكبرُ من أبيك، اسمع... طالما أنّ الله وهبَكَ هذه القُدُرات، لماذا لم تستغلّها لصالحنا؟ لماذا تركضُ خلفَ صاحبكَ كذليل، ولا تركضُ أمامنا كبطل؟ لماذا تصطادُ الطّريدة وتقدّمُها للإنسان طالما تعرفُ أنّ الجوعَ ينهشُ بطونَنا، لماذا ترضى أن يُوضعَ في رقَبتِكَ طوق؟ لماذا...؟ ـ كفى أرجوك. أنتَ تُهينُني أكثرَ من اللازم. هدأ الكلبُ الشّارد، وقال: ـ لا تزعل منّي يا بني، كلانا بلا كرامة، ما قلتَهُ لي صحيحٌ، وما قلتُه لكَ صحيحٌ. إيه... مرّةً قال لي جدّي: (إذا نَبحتِ الكلابُ في وجهِ بعضها ضاعت كرامتُها) لذا سأتركُكَ... كفانا نُباحاً! استدارَ الكلبُ الشّاردُ الهرِمُ، مرَّ قُربَ الكيسِ الأسود دونَ أن يبعجَه، كان يمشي برشاقة، يركضُ... يقفزُ... كأنّه جروٌ صغير لم تُسلَب كرامتُهُ بعد. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | دليل الأعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |