أنتَ صديقي ـــ خير الدين عبيد

قصص للأطفال ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2005

Updated: Sunday, January 29, 2006 01:21 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

القط الأسودُ الهرِم

جلسَ القطُّ الأسودُ الهَرِمُ، على حائطٍ طينيّ، ناظراً إلى السماء.‏

كانت عيناه تلاحقان الغيوم، والغيومُ تتبدّلُ أشكالُها بفعل الرّيح، فتبدو كعصفورٍ... أو فأر... أو مكنسة.‏

ارتجفَ جلدُه، كأنّ الكهرباءَ لسعته، حينما تذكّرَ المكنسةَ التي ضُرِبَ بها قبل ساعة.‏

أغمضَ عينيه متنهّداً، قال:‏

ـ إيه. بعدَ كلّ هذا العمرِ أُضرَبُ؟ فعلاً... لا يوجدُ أقسى من البشر.‏

فتحَ عينيه، نظر خلسةً إلى السماء، متمنّياً أن تكونَ المكنسةُ قد تلاشت، لكنّه فوجئَ بغيمةٍ تتشكلُ مثلَ قطّ، قطٌ يشبهه تماماً، تقَنفَذَ شَعرُه، نظرَ مُحملقاً، ها هو قطّ الغيم يهبطُ إليه متأرجحاً، كطيّارة ورقيّة. القطّ الهَرِمُ ينكمشُ على نفسه، وقطّ الغيم يقتربُ منه... يدنو، يحطّ على الحائط ذاته، جاثماً قبالتَه وجهاً لوجه.‏

تبادلَ القطّان النظراتِ، وتحوّلَ الخطّ المستقيمُ في عينيّ القطّ الهَرِمِ إلى إشارة تعجّب!‏

قال قطّ الغيمِ بصوتٍ نديٍّ:‏

ـ مرحباً.‏

ردّ الهَرِمُ مُتلعثماً:‏

ـ أ... أهلاً.‏

وتفرّسَ في شكلِ قطّ الغيمِ، قائلاً في نفسه:‏

ـ غير معقول!! إنّه يشبهني، الفرقُ الوحيد أنّه أضخمُ ولونُه أبيض.‏

قال قطّ الغيم:‏

ـ صدقت.‏

لفّ الهَرِمُ ذيلَه على جسمه بعصبيّة، قال دهِشاً:‏

ـ وتقرأ أفكاري؟!‏

ـ مؤكّد.‏

تماسكَ الهَرِمُ، قال:‏

ـ ماذا تريد منّي؟‏

ـ أريدُ محاكمتَك.‏

ـ ماذا؟!‏

ـ اسمعْ. طوالَ حياتِكَ تتسلّقُ الحيطانَ، تنزلُ الدّورَ، تجلسُ قربَ النّوافِذ، تَرى ما يحدثُ وتَسمعُ ما يقالُ، دون إذنٍ من أحد.‏

ـ القططُ لا تأخذُ إذناً من أحد.‏

ـ صحيحٌ... لكنّها لا تؤذي.‏

قال الهَرِمُ مدافعاً:‏

ـ أنا لم أؤذِ أحداً طوالَ حياتي.‏

قال قطّ الغيم:‏

ـ قبل ستِّ سنوات، عشتَ عند أمّ ياسر التي تحيا وحيدةً، كانت ترعاكَ وتطعمُك يومياً مئةَ غرامٍ من اللّحم.‏

ـ تذكّرت.‏

ـ وعندما ذهبتْ لزيارة جارتِها، سمحتَ لنفسكَ بمناداةِ خمس قططٍ شاردة، أدخلتَها البيتَ، أجلستَها قربَ المدفأة، ثمَّ أكَلَتْ وشَرِبَتْ على هواها، ولم تنسَ أن تعبثَ بأثاثِ الغرفة.‏

ـ لا علاقةَ لي. القططُ الخمسةُ تحبُّ الّلعبَ.‏

ـ طالما تعرفُ أنّها تحبّ الّلعبَ، لماذا أدخلتَها؟‏

ـ أشفقتُ عليها. كان الطّقسُ بارداً، والمطرُ...‏

ـ ها ها. قلتَ المطر! قبل سـنةٍ... وجدَكَ سامرٌ على عتبةِ دارهِ، كنتَ مبلّلاً بالمطر... ومريضاً.‏

قال الهَرِمُ واثقاً:‏

ـ سامرٌ صديقي.‏

ـ صديقُك؟! لماذا إذن ألْهَيتَهُ عن دراسته، وأخّرتَه عن مواعيدِ نومه. لقد رسبَ بسببك.‏

ـ لا، الكسلُ سببُ رسوبٍه، كم حاولتُ الاختباءَ كي يدرسَ، لكنّه كان يبحثُ عنّي حتّى يجدَني... إنّه يحبّ ملاعبتي... ثمَّ لماذا لا تذكرُ إلا التصرّفاتِ السيّئة؟ نسيتَ أنّني آكلُ الفئرانَ والصراصير في كلّ بيتٍ أدخلُه، ألم تكن ضحكاتُ الأشخاصِ الّذينَ لعبوا معي تملأ المكانَ فرحاً؟‏

قال قطّ الغيم:‏

ـ أنتَ لا تعترفُ بأخطائك، على كلّ حالٍ... تفضّلْ واشرحْ ليَ السببَ الذي ضربَك الخبّازُ من أجلِه بالمكنسة.‏

ـ الحسد. يحسدني لكثرة جلوسي وتفكيري في الحياة، إنّه لا يحبّ التفكير.‏

ـ قلْ لا يحبّ الكسل. أنتَ لم تكن تفكّر. إنّك دائمُ النّوم والتمطّي، هو يعجنُ... والفئرانُ تأكلُ الطّحينَ من الأكياس أمامَ عينيك، دون أن تتحرّك. وفوق هذا تريدُه ألا يضربَك؟!‏

ـ كيف تريدني أن أصطادَ الفئرانَ وأنا هَرِمٌ، مفاصلي تؤلمني، عضلاتي فقدَتْ مرونتَها، حتّى مخالبي تثلّمتْ. آهٍ... ما أقسى البشر!!‏

وهَرَّتْ من عيني الهَرِمِ دمعتانِ ساخنتانِ.‏

نظرَ قطّ الغيمِ إليه بمودّةٍ وعطفٍ، قال:‏

ـ لا تبـكِ. أنت صادقٌ في كلّ ما قلتَه، يااه... أنتَ مَن أبحثُ عنه منذ سنوات.‏

مسحَ الهَرِمُ عينيه، قال:‏

ـ أنا! تبحثُ عني... لماذا؟‏

ـ كي أنقلَكَ إلى السّماء، ستُدَحرِجُ النّجومَ كالكرات، وتطاردُ الشّهبَ، وعندما تتعبُ ستنامُ على الغيوم.‏

سألَ الهَرِمُ بجديّة:‏

ـ من أنت؟‏

ابتسمَ قطّ الغيم، قال:‏

ـ أنا أنت. أقصدُ أنّني روحُكَ الخيّرة، لقد انتهتْ حياتي على الأرض، سأسافر إلى السّماء، وداعاً.‏

وبدأ قطّ الغيم بالارتفاع، متحوّلاً إلى قلبٍ أبيض.‏

كان القطّ الأسودُ الهَرِمُ جالساً دونَ حراك، على حائطٍ طينيّ، ناظراً إلى السّماء... وكأنّه نمرٌ منحوتٌ من البازلت، وُضِعَ على بابِ مُتحف.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | دليل الأعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244