|
||||||
| Updated: Sunday, January 29, 2006 01:21 PM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الملك والبومة ما سرُّ البومة؟ لماذا أحبَّها الأهالي في مملكة التّلال البعيدة...؟ لماذا نحتوا لها قلائدَ صغيرةً من الفخّار وعلّقوها في رقابِ أطفالِِهم؟ سأروي القصّةَ من بدايتها. كان يحكمُ مملكةَ التّلالِ البعيدة، ملكٌ ظالمٌ، يسلبُ أموالَ الأهالي ويسمحُ لحاشيته بالاعتداءِ عليهم. مرّةً... استدعى كبيرَ النّحاتينَ، قائلاً له: ـ ستبدأ غداً بنحتِ تمثالٍ لي. ـ هذا شرفُ كبيرٌ لي يا مولاي. ـ ماذا يلزمُك؟ ـ قطعةَ رخامٍ بحجمِكَ، وساعةً من الزّمنِ، أراكَ فيها كلّ يومٍ، ليصبحَ التّمثالُ مشابهاً لكَ تماماً. ـ لك ما تريد. انصرف. مضتْ ثلاثةُ شهورٍ، عملَ النحّاتُ بكلّ طاقتِه، وأنجزَ العمل. أنشأ رئيسُ التشريفات ساحةً جديدةً، نجميةَ الشّكل، لَها خمسةُ رؤوسٍ، ثبّتَ على كلِّ رأسٍ سمكةً نُحِتَتْ من المرمر، يتدفّقُ الماءُ من فمها، ليصبّ في بركةٍ محاطةٍ بالزّهور، يتوسّطُها عمودٌ أخضر، وُضِعَ فوقَه تمثالُ الملكِ المنحوتِ من الرّخام الأبيض. أُنجزَ العملُ تماماً ليلةَ عيدِ التتويج، نام الجميعُ، استعداداً لصباحِ الغدِ، حيث سيُدشّنُ الملكُ تمثالَه. وصلَ موكبُ الملك، الطّبولُ والمزاميرُ تعزفُ لحنَ الخلودِ، والأهالي الواقفون بعيداً عن السّاحة يصفّقون بفتور، ناظرين بطرفِ عيونهم إلى حرّاس الملكِ ذوي السيوف الطّويلة، والوجوه المقلوبة. رأى الملكُ تمثالَه، انفرجتْ شفتاه عن ابتسامةٍ عريضة، فابتسمت حاشيته كلّها. اقتربَ من التمثال، حدّقَ إليه... وفجأةً... صرخَ ثائراً: ـ أغبياء. كيف تسمحونَ بذلك؟ تبادلَ أفرادُ الحاشيةِ نظراتِ الدّهشةِ، سألَ رئيسُ التشريفات متلعثماً: ـ ماذا حدثَ يا مولاي؟ ـ أأنتَ أعمى؟! انظرْ إلى رأس التمثال. حَملق رئيسُ التشريفاتِ إلى رأس التّمثال، شَهقَ قائلاً: ـ المعذرة... المعذرة يا مولاي، إنّها فعلُ طائر، الطيورُ لا عقلَ لَها! لكنْ... متى حدَث ذلك؟ أكيدٌ في الّليل... ربَّما كانت بومة. وقفتْ على رأسِـك وفعلتها، أقصدُ على رأسِ التمثال، إنّها بلهاءُ وقليلةُ أدب. تململَ رئيسُ الحرسِ، قال: ـ لا تغضبْ يا مولاي، سأصطادُها وآتيك بها كي تنتفَها ريشةً ريشةً، أقسمُ بشرفي. ثمَّ التفتَ إلى أحدِ الجنود، قائلاً: ـ اصعدْ إلى التمثال، وامسحْ رأسَهُ. استدارَ الملكُ راجعاً إلى قصرِه وهو يرتعدُ غضباً. مضتْ ليلتان، والجنودُ الخمسةُ المأمورونَ بصيدِ البومةِ، مختبئونَ بين أغصان الأشجارِ المحيطةِ بالتمثال، مُمسكينَ بسهامهم، منتظرينَ قدومَها. عند منتصفِ الّليلةِ الثالثة، سمعَ الجنودُ نعيباً، شدّوا أوتارَ سهامِهم، وحينما لَمحوا البومةَ تُرفرفُ قربَ التمثالِ، أطلقوا السّهامَ، فأخطأ أحدُها وأصابَ التّمثال... تشظّى الرّخامُ... تطايرَ الشّررُ، نعبتِ البومةُ مذعورةً، وهربت مُختفيةً في العتمة. في الصّباح... عَلِمَ الملكُ بما حلّ بتمثالِه، فاستشاطَ غضباً، وهرولَ إلى السّاحة. وقف أمَامه، ناظراً بذهولٍ إلى عينيه المفقوءة...الحاشيةُ صـامتةٌ... خائفةٌ... تنتظرُ الأوامرَ. قال لوزيرِه: ـ استدعِ كبيرَ النّحاتين، ليرمّمَ العين. ثمَّ التفتَ إلى رئيس الحرس، قائلاً: ـ اسجنِ الرّماةَ، وعذّبهم جميعاً. لقد شجّعتهم البومةُ فأصابوا تمثالي عَمداً. صارت مملكةُ التّلال البعيدة أشبهَ بمقبرة، فلا الأهالي خرجوا من بيوتِهم خشيةَ أن يصيبَهم مكروهٌ ولا ظهرت البومةُ في السّاحة... وكأنّها أحسّت بالعطب. وعادَ الملكُ إلى سَمَره ومُجُونه كالعادة، حيث الطعامُ والشّراب... والرّقصُ والغناء. ومرّةً... بينما كان يأكلُ حبّاتِ العنب، دخلَ عليه رئيسُ الحرس: ـ المعذرة يا سيدي. لقد حدثَ أمرٌ مزعج. ـ بصقَ الملكُ حبّةَ العنبِ من فمه، قال: ـ ماذا حدث؟ ـ وجدنا يدَ التمثال مبتورةً. هبَّ الملكُ واقفاً كالمجنون، ركضَ كالملسوعِ إلى باب القصر، خارجاً لأوّل مرّةٍ دون أن يضعَ التاج... أو يرتدي عباءةَ الحريرِ المزركشة. كانت يدُ التمثال اليمنى مبتورةً من الرّسغ، لقد سقطت أرضاً وتكسّرت أصابعُ الكفِّ وصارت كالحصى. تجمّدَ الملكُ كالتمثال، عندما رأى المشهدَ، لقد احتوت السّاحةُ تلك اللحظة تمثالين! كسرَ الوزيرُ الصّمتَ، بقوله: ـ ماذا تأمر يا مولاي؟ ـ أنزلوا التمثالَ، خذوه إلى القصر. بعد ذهابِ الملك، لم يبقَ في السّاحة غيرُ رئيسِ الحرس، لقد قرّر أن يصطادَ البومةَ بنفسه. في القصر... سألَ الملكُ وزيرَه: ـ أيّها الوزير... مَن لـه مصلحةٌ بِبتر يدِ تمثالي؟ ـ يا مولاي، الظّاهرُ أنَّ بعضَ الأهالي لا... ـ أكملْ. ـ البعضُ فقط لا يحبّونَك. ـ وما ذنبُ تمثالي؟ ـ تمثالُكَ هو أنت. ودخلَ الحاجبُ، قال: ـ رئيسُ الحرسِ بالباب يا مولاي. ـ ليدخل. دخلَ رئيسُ الحرسِ ماسكاً سهماً ملَوّناً بالدّم. ـ مولاي. أصبتُ البومةَ بسهمي هذا. ـ وأين البومةُ؟! ـ هربتْ، لكنّها ستموتُ لا محالة. سُرّ الملكُ... أمسكَ السّهمَ، جلس على كرسيّه مسترخياً، وانصرفَ الوزيرُ ورئيسُ الحرسِ، تاركَين الملكَ مُنتشياً بالنّصر. وبعد لحظاتٍٍ من خروجهما، سمعَ الملك نعيبَ بومةٍ! نعيبٌ حادّ يتردّدُ في أنحاء القاعة. تجهّم وجهُه... وقفَ متلفتاً، ازدادَ النّعيبُ حدّةً، وامتزجَ مع نعيبِ بومة ثانيةٍ وثالثةٍ وعاشرةٍ. وضعَ كفّيه على أذنيه ودارَ حولَ نفسِه، وقد تملّكهُ الخوفُ... نعيبُ البومِ يملأ فضاءَ القصر، ضغطَ على أذنيه مهرولاً نحو تمثاله... النعيبُ يصمُّ أذنيه... إنّه يضربُ بالسّهم أذني التمثالِ فيكسرهُما... يطعنُ بهِ رأسَه الرّخاميَّ... جذعَه... رجليه، فيترنّح ويهوي محطّماً. انقطعَ النعيبُ، هدأ الملكُ، جلس على كرسيّه، مسحَ العرَقَ المتصبّبَ عن وجهه، فشعرَ بالرّاحة: ـ أيّها الحاجب. ـ أمرُ مولاي. ـ استدعِ كبيرَ النحاتين. وفورَ مُثولِه، قالَ له: ـ ستبدأ غداً بنحتِ تمثالٍ للبومة. فتحَ النحّاتُ فمه مُتعجباً، ابتسمَ الملكُ، اقتربَ منه، ربّتَ على كتفه، قال: ـ اسمعْ يا صديقي. سأعترفُ أن البومةَ كانت أحكمَ منّي، لقد أجبرتني على تحطيمِ غطرستي... أنا أعلمُ أن الأهالي أحبّوها ونحتوا لها قلائدَ من الفخّار. لذا... فهي تستحقُّ أن تَنْحَتَ لَها تمثالاً من الرّخام الأبيض، وتثبّتهُ فوقَ العمودِ الأخضر، وسطَ السّاحةِ النجميّة. هذا ما حصلَ في مملكة التّلالِ البعيدة، فهل عرفتمْ سرَّ البومة؟. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | دليل الأعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |