أنتَ صديقي ـــ خير الدين عبيد

قصص للأطفال ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2005

Updated: Sunday, January 29, 2006 01:21 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الجَدّة

العصفورُ يحكي حكاية الغناء.‏

القطّة تحكي حكايةَ الّلعب.‏

وأنا سأحكي حكايةَ الجَدّة.‏

منذ ستّة أشهر، اشترتِ الجدّة لحفيدتها صدّارةً مدرسيةً زرقاءَ بلون عينيها، لَها جيبٌ على شكل سلّة طرّزتِ الجدّة عليه زهرةً لَها سبعُ بتَلات، ملونةٌ بألوان قوس قزح:‏

أحمر... برتقالي... أصفر... أخضر... أزرق... بنفسجي... وكحلي.‏

منذ ستة أشهر والجَدّة تستيقظ باكراً، تشعل المدفأةَ، تضعُ القفصَ على حافّة النافذة، يزقزقُ العصفورُ منتشياً بالضّياء، تتمسّح القطّة الكسلى بقدمَي الجدّة، تتقوّسُ... تموءُ:‏

ـ فطورك جاهزا.‏

ـ مياو... مياو.‏

ـ حاضر. حليب فاتر.‏

ـ مياووو.‏

القطّة تلعقُ الحليب، الحفيدة تفطر، العصفور يغمس منقاره في الماء، والجدّة تضع السكاكر داخل الجيب.‏

في المدرسة، يحسّ الجيب بكفٍّ صغيرة تدخل جوفه، جوفه المليء بالسكاكر. الأصابع اللطيفة تمسك سُكّرةً، فمُ الحفيدة يمصّها، تذوبُ الحلاوة فيه، فترسمُ عليه ابتسامةً حلوة.‏

والجيبُ الّذي له شكلُ سلّة، المطرّز بزهرةِ قوس قزح، لا يحتوي دائماً على السّكاكر، فأحياناً تملؤه الجدّة بالزّبيب الجاف، أو بقلب الجوز، أو قطعة نقودٍ معدنية فضيّة الّلونِ تخرجها الحفيدةُ بسبّابتها وإبهامها، وتركض لتشتري الكعك.‏

منذ ستّة أشهر والجيب يعيش أحلى الأوقات، سلّة مملوءة بهدايا الجدّة، هدايا يومية لذيذة ومفرحة.‏

مرّة غسلت الجَدّة الصدّارة، ورشّتها بماء الورد، شعَرَ الجيب بانتعاش، فلون الصّدارة أزرق كسماء صافية، وهو... أي الجيب... على شكل سلّة، المطرز بزهرة قوس قزح، يحلق فيها.‏

منذ ستة أشهر لم يحزن الجيب كما حزن اليوم.‏

كفّ الحفيدة تدخل جوفه، تبحث داخله ولا تجد شيئاً. الأصابع المتوتّرة تفتّش في أطرافه دون فائدة.‏

تتكرّر محاولات التفتيش، الأصابع الخمس تبحث، تضغط على طُعَن الخياطة...‏

زهرته تذبل، والأصابع الخمس تزداد عصبيّة، طُعَنُ الخياطةِ تنفتق، يتمزق، تتساقط البتلات السّبع لزهرته، الأصابعُ تخرج من طرفه الآخر، دون أن تجد شيئاً.‏

خرجتِ الحفيدةُ من المدرسة، ركضت تحت المطر صوبَ البيت كي تطمئنَّ على صحّة جدّتِها...‏

إنّها لم تستطعْ أن تنهضَ من فراشها صباحاً، وصلت لاهثة، الباب موارب، دخلت بِهدوء...‏

الجَدّةُ مستلقيةٌ في فراشها، القفصُ على الطّاولة قرب رأسها...‏

لحنٌ حزينٌ يغنّيه العصفور، اقتربت... لَمحتْ صحنَ الحليب ملآنَ، والقطّة نائمة على صدر الجَدّة.‏

الحفيدةُ تقتربُ من جدّتِها... تناديها... تَهزّها...‏

تنسلّ القطّة خارجَ البيت، ويسكتُ العصفور.‏

لقد أغمضتِ الجَدّةُ عينيها إلى الأبد.‏

بكتِ الحفيدةُ بحرقة، نظرت عبر النّافذة إلى السّماء، رأتْ قوسَ قزح يتحوّلُ إلى زهرة هائلة...‏

زهرة لَها سبع بتلات، كلُّ واحدةٍ بلون، فتحتِ النافذةَ، هبّتْ نسمةٌ رطبة...‏

شمّت رائحةً عطرة... رائحةً منعشةً تملأ الدنيا.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | دليل الأعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244