أنتَ صديقي ـــ خير الدين عبيد

قصص للأطفال ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2005

Updated: Sunday, January 29, 2006 01:21 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

أغنية القرد العجوز

وقفَ الببّغاءُ الملوّنُ، قربَ القردِ العجوز، فوقَ شجرةِ السّنديان الكبيرة، وسـطَ الغابة... على طرف جدولٍ رقراق.‏

القرد: سلّمَ الله منقارَك، الكلماتُ تقطرُ منه كالعسل.‏

الببّغاء: شكراً. أنا شاطرٌ بالحكي... صدقت.‏

ـ شاطر فقط؟! أنت حكواتي.‏

قهقه الببغاء، قال:‏

ـ حكواتي!! ذكّرتني بالمقهى، حيث يجلس رجلٌ ذو طربوش أحمر، ويحكي قصصاً تُسلّي البشر.‏

داعبَ القردُ شَعرَ رأسه الأبيض بأصابعه، وبعد تفكير، قال:‏

ـ ببغاء، ما رأيك أن نجعلَ هذه الشّجرةَ مقهىً، وتكون الحكواتي؟‏

ـ حكواتي؟!‏

ـ نعم. السّنديانة هذه، أكبرُ أشجارِ الغابة، وظلّها كثيفٌ كما ترى، إنّها مقهى يبهجُ النفسَ، والله... لَشُربُ ماءِ جوزِ الهند تحت ظلّها يطيلُ العمرَ، خصوصاً عندما تغمسُ قدميكَ بماء الجدول... وتغنّي.‏

ـ فكرتك طريفةٌ، لكنّها أشبهُ بحلم.‏

ـ بل حقيقة. سأخبرُ حيواناتِ الغابة بالفكرة، سأغريها بحكاياتك، وبالطّعامِ والشّرابِ الّذي سيقدّمه لَها ابني قرّود بسعرٍ رمزيّ.‏

ـ طيّب. لنفترض أنّ الحيواناتِ المفترسةَ وافقتكَ، ماذا عن البقيّة؟‏

ـ ببغاء، فكّرْ معي، إذا تعاهدنا أن نتصالَح ساعتين يوميّاً، وقتَ القيلولة، تحتَ شجرةِ السّنديان تحديداً، أعتقدُ أنّنا سننجح، ما رأيك؟‏

ـ والله يا قرد. المسألةُ صعبةٌ زيادةٌ عن الّلزوم، لكنْ... لا يمنع أن تحاولَ جمعَها أسبوعاً على الأقل.‏

ـ تقصدُ أن نحاولَ معاً؟‏

ـ بالضّبط. هذا ما قصدتُه.‏

وانطلقا شارحَين الفكرةَ للحيوانات.‏

صراحةً... لم يحضر في البداية غيرُ الثّعلب والأرنبِ، جلسا على طرفي الظل، كانا يقظَين، القردُ يجلس قربَ الأرنبِ، والببّغاءُ يحكي للثّعلب قصّةَ الصّداقة.‏

انتشرَ خبرُ الّلقاء في الغابة، زالَ الخوفً... ونجحتِ الفكرة.‏

الببغاء... يقف على الغصن، لسانه لا يدخل إلى منقاره، يُنهي قصّة ويبدأ بأخرى.‏

قرّود... يطوف على الحيوانات بما لذّ وطاب من طعام وشراب، جوز هند... توت برّي... بلّوط... كلّ ذلك يُقدَّمُ في أوراق كبيرة خضراء، تُوضعُ على جذوعٍ قصيرة موزّعةٍ تحت السّنديانة.‏

أمّأ القردُ العجوزُ، فكان يسندُ ظهرَه إلى جذع السّنديانة، يراقبُ حيواناتِ المقهى مسروراً، ويغنّي.‏

الغريب أنَّ الحيواناتِ المجتمعةِ حولَ الجذوعِ، طباعُها متعاكسة.‏

مثلاً... كان النّمرُ لا يجلس إلا قبالةَ الغزالِ، ينظرُ إليه مليّاً، ويقول:‏

ـ ما شاء الله، ما أحلى عينيك؟ أنا أعرفك منذ ولادتي، لكنّني لم أنظر قطّ إلى عينيك الجميلتين.‏

ـ شكراً نمر. الجمالُ ليس حِكراً على عينَيّ، فوجهُكَ أيضاً مدوّرٌ كقمر.‏

ـ أخجلتني يا غزال، آهٍ... لماذا لم نتصالح منذ زمن؟‏

ـ لمن تكن تسمحُ بالصّلح، كنتَ دائماً مستعدّاً للافتراس.‏

ـ لا تذكّرني، كنتُ جاهلاً، لكنَّ قردَنا العجوزَ وصديقَه البّبغاءَ نوّرَا عقلي.‏

ويطلبُ النّمرُ للغزال توتاً بريّاً، ويلبّي قرّودُ مبتسماً، وما إن يضعُه على الجذعِ حتّى يسمعَ نداءَ الثّعلب.‏

ـ قرّود... ملفوفةٌ كبيرةٌ وغضّة، لأرنبي العزيز.‏

ـ حاضر.‏

ويقتربُ الأرنبُ من صديقِه الثّعلب، يتلامسُ فِراءاهُما، يقول:‏

ـ ثعلوب. أخجلتني بكرمِكَ، منذ ساعةٍ وأنتَ تُطعمُني، الجزرَ... الخسَّ، وأخيراً الملفوف.‏

ـ صحتين وهَنا، كُلْ يا صديق، أريدُك سميناً، ألا يكفي أنّني أذبتُ شحمَكَ لكثرة مطاردتِك؟‏

كُلْ، أريدُ أن أكفّرَ عن ذنوبي.‏

ـ ثعلوب... أخشى أن يكونَ كرمُكَ خدعةً، كي أسمنَ و......‏

ـ لا تكمل أرنوب فعلت ذلك قبل التعرّف عليك، وسماع حديثك، صحيح أنّني ما زلت آكلُ الّلحمَ، لكن لحمَ مَن؟ لحمَ الحيوانات الّتي فارقتها الحياة.‏

ـ لم أقصد إزعاجكَ، أنا أشعرُ بصدق حديثك.‏

ـ لا بأس. استعد للأكل، ها قد حَضَرَتْ الملفوفة، ولا تنسَ أن تكمِلَ لي كيف تعرّفتَ على أرنوبة الجميلة.‏

ويمضي الأسبوع، وتغصّ شجرةُ المقهى بالحيوانات، وينتشرُ الوِفاقُ من ظلّها إلى ظلالِ الأشجار المجاورة، و... تستيقظُ الحيواناتُ على صراخ القرد العجوز... تَهرَعُ نحوهُ، راكضةً وطائرةً، لترى المشهدَ المخيف!!‏

شجرةُ المقهى مكسورةٌ... كتلةٌ خضراء هائلةٌ مرميّةٌ على الأرض.‏

هاجتِ الحيوانات.‏

قالت: هذا عملُ طيور نقّارِ الخشب، نقرَتْ ساقَها فانكسرت.‏

وقالت: بل السّناجبُ. إنّها أسرعُ؟‏

وقالت: ربَّما حيواناتُ الغابةِ المجاورة.‏

قالَ الببغاءُ: وربما حيواناتٌ من غابتنا نفسِها.‏

مسحَ الغزالُ دموعَهُ... أشارَ إلى سنديانة قريبةٍ، قال:‏

ـ ستكونُ تلك الشجّرةُ مقهانا الجديد.‏

قالتِ الحيواناتُ: لكنّها صغيرة.‏

وقالت: ظلّها لا يَسَعُ نصفَنا.‏

وقالت: لننتظر ريثما تكبُر.‏

قالَ الببّغاءُ: هل سنبقى محافظينَ على عهدِنا، حتّى تكبر؟‏

صرخ قرّود قائلاً: أين أبي؟‍‏

تلفّتتِ الحيواناتُ حولَها... لم ترَهُ، نادت... لم تسمعْ ردّاً.‏

سكتَ الجميعَ، وحدَه الجدولُ كان يجري، تنعكس على وجهه صورةُ السنديانة المكسورةِ، فيترقرقُ مُصدِراً خريراً، أشبهَ بأغنيةِ قردٍ عجوز.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | دليل الأعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244