سيفُ الحرِّية نَبُوخَذ نَصَّر ـــ محمد بري العواني

مسرحية موسيقية للفتيان ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2005

Updated: Sunday, January 29, 2006 01:26 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

"المشهد السابع"

(المكان ذاته -يخبط صدِقيَّا برجله فوق منصة العرش فيقوم الحمّالون الخدم بإنزال المنصة ووضعها في وسط عمق المكان، ويقف اثنان منهم عن يمينه، وآخران عن يساره وبعيداً قليلاً.‏

أمّا سارايا فقد توقف ليس بعيداً عن ملكه -ينظر صدقيا نحو سارايا..)‏

صدقيّا: سارايا..‏

لم أسمعْ رأْيَكْ‏

بعصابِتَنَا...‏

وَعَساكِرِنا؟!!‏

سارايا: (بفرح) رؤيَتُهُمْ كانتْ تسحَرُني‏

بلْ -حقّاً -كادتْ تُلْهِمُني‏

أنْ أكتبَ شعراً نارِيّاً‏

حينَ هجمنا مْثلَ وحوشٍ‏

وذبَحْنَاهُمْ.‏

لو أبصَرْتَ -كما أبصَرْتُ -رماحاً‏

تبعَجُ، وَنِصالا،‏

وَسُيوفاً بدماءِ العربِ الأوغادِ الكَفَرةْ‏

تَقْطُرُ شلاّلا.‏

صدقيّا: (بنشوة) بلْ أُبصِرُ يا سارايا..‏

بلْ أُبصِرْ!!‏

كانتْ ضَرَباتٍ مُؤْلمةً‏

لمْ تتوقَّعْها بابلْ!!‏

سارايا: سنكرِّرُها يا مولايْ.‏

صدقيّا: لكنَّ نَبوخَذَ نصَّرْ‏

سوفَ يردُّ علينا حالاً‏

بسيوفٍ لا ترحَمْ،‏

حتّى يَثْأَرْ!!‏

سارايا: (بثقة) لنْ يَفْعَلَها!‏

صدقيّا: ما أدراكْ؟!‏

سارايا: سَنُخادِعُهُ.. وَنوادِعُهُ.‏

(بحيوية) سَيُصَدِّقُنا إنْ قُلنا:‏

لا دَخْلَ لنا في الأمرِ الحاصِلْ.‏

قُطَّاعُ طريقٍ‏

ولصوصٌ‏

غَدَرُوا بِقوافلِ بابلْ!!‏

(يضجّ صدقيّا بالضحك من اقتراح سارايا)‏

صدقيّا: هلْ هوَ أبلَهُ، أو أَحْمَقْ‏

لِيصَدِّقَنَا؟!!‏

سارايا: (منفعلاً) هذا المجنونُ المتكَبِّرْ‏

سيصَدِّقُنا رغماً عنهُ.‏

إنكَ تُعطيهِ عبيداً‏

مِنْ شعبِ الله المختارْ‏

ليواليَنَا، ويُصَدِّقَنَا!!‏

صدقيّا: (ينهض غاضباً من كلام سارايا)‏

بلْ أُعطيه يهوداً مِنّا دونَ مُقَابِلْ...‏

(يؤكد كلامه) دونَ مُقابلْ‏

يا سارايا‏

ليكونوا عُملاءَ لَنا،‏

وجَواسيساً في بابلْ!!‏

سارايا: (بعد ارتباك خفيف)‏

أنتَ تُغامِرُ يا مولايْ!!‏

اعْذُرْني، أنتَ تُغامِرْ!!‏

صدقيّا: (بكبرياء) يا سارايا..‏

إنكَ لا تعرِفُ ما أعْرِفْ!!‏

بلْ لا تفهمُ ما أفهَمْ!!!‏

(يحاول سارايا أن يتكلم)‏

سارايا: يا مولاي‏

صدقيّا: (يوقفه بإشارة حاسمة من يده -ويتابع بثقة)‏

نظريَّةُ ذاكَ المجنونِ نبوخَذَ نصَّرْ‏

مُكْتَمِلَةْ.‏

حُلُمُ الجدِّ الأكبرْ‏

سَرجونَ الثاني يتكرَّرْ..‏

في الوحدةْ!!‏

في الدولةْ!!‏

في الأُمَّةْ!!‏

سارايا: (بسرعة) حُلُمٌ لا أكثرْ. والأحلامُ تطيرُ تطيرْ..‏

تَتَبخَّرْ!!‏

صدقيّا: (بثقة) إلاّ مِنْ عقلِ نبوخذَ نصَّرْ.‏

(يسرح ببصره وخياله في البعيد، كمن يرى شيئاً)‏

إنّي أُبصرُ يا سارايا مملكةَ العَرَبِ المتَّحِدَةْ.‏

وسَتَقْذِفُنَا يا سارايا نحوَ البحرِ‏

زَوْبعةٌ مِنْ مَرَدَةْ!!‏

سارايا: (بخوف) أنتَ تُبالغ يا مولايْ.‏

صِدْقيّا: بلْ إنكَ لا تدري شيئاً مما يجري‏

في السِّرِّ!!.‏

(يشرح أكثر) أن تَنقُلَ ناساً مِنْ بابلْ‏

لِيَعيشوا في سوريَّة،‏

أو لبنانْ،‏

والعكسُ صحيحٌ أيضاً،‏

هوَ تذكيرٌ بِعُروبَتِهمْ!!‏

هوَ تأكيدٌ لِقَرابَتِهمْ!!‏

لأُخُوَّتِهِمْ!!‏

وأَصالَتهِمْ!!.‏

إنّ نبوخذَ نصَّرَ‏

يؤمِنُ أنَّ شعوبَ الأرضِ العربيةْ‏

هيَ مِنْ أصْلِ واحدْ،‏

ولسانَهُمُ مِنْ جَذْرٍ لُغَوِيٍّ واحِدْ.‏

والتاريخُ العربيُّ المشْتَرَكُ الواحِدْ‏

هو مفتاحُ نبوخذَ نصّرْ.‏

هو تفكيرُ نبوخذَ نصَّرْ.‏

فإذا قامَتْ هذي الدَّوْلةْ..‏

سيكونُ لبابلَ سطوَةْ‏

تَتَحَكَّمُ بالعالمْ!!‏

سارايا: (برعب) هذا يعني أنّ يهودا سوفَ تصيرُ خَرَابا،‏

وَسَتَمْحُوها بابلُ مَحْيَاً لتعودَ يَبَابا!!‏

صدقيّا ولِكَيْ لا نُمحَا أبداً،‏

سنُدَمِّرُ مشروعَ الوحدةْ،‏

فَنُخَلْخِلُهُ ونُزَعْزِعُهُ من أركانِه.‏

سارايا: (مأخوذاً) هلْ تُخْبِرُني؟!‏

صدقيّا: نَفْضَحُ حُلْمَ نبوخذَ نصَّرْ‏

عِندَ الحكّامِ العَرَبِ‏

سارايا: أَوضِحْ أَكثَرْ!!.‏

صدقيّا: نُظْهِرُهُ كَعَدُوٍّ غاصِبْ‏

في سوريّةْ،‏

في صُورَ الفينيقيَّةْ..‏

(يرفع صوته) بلْ في مِصْرَ الفِرْعَوْنِيَّةْ!!‏

فيثورونَ عليه جميعاً.‏

سارايا: لكنْ..‏

هذي اللعبَةُ يا مولانا..‏

خَطِرةْ!!‏

صدقيّا: (يؤكد) ليستْ خَطِرَةْ!!.‏

ليستْ خَطرَةْ!!‏

لنْ يرضى مَلِكٌ عربيٌ‏

أنْ يَحْكُمَهُ مَلِكٌ آخَرْ،‏

أنْ يَسْلِبَهُ عَرْشاً برّاقاً وهّاجا،‏

أو يَنْزِعَ عنهُ التّاجا!!‏

(سارايا مندهش ومستغرب، كأنه لم يفهم شيئاً)‏

سارايا: وإذا رفضوا، أو خانوا؟!‏

صدقيّا: سَنُحَرِّضُ كُلَّ التجّارِ‏

ضِدَّ الجِزْيَةْ،‏

لا يَدْفَعُها أَحَدٌ مِنهمْ بالمرَّةْ.‏

(حالماً) سترى يا سارايا، سترى!!.‏

سَيَهُبُّونَ كَثَوْرٍ أعمى،‏

ويَثُورونَ الكَرَّةَ تِلْوَ الكَرَّةْ!!‏

سارايا: ما أسْمَعُهُ يُذْهِلُني ويُحيّرني.‏

تمنَعُهُمْ عُنْ دفَعِ الجِزْيَةْ‏

وغداً تَمضي كيْ تَدْفَعَها في بابلْ؟!‏

فَلْتَعْذُرني يا مولايْ..‏

هلْ يَفْعَلُ هذا عاقِلْ؟!!‏

(مرتبكاً) كلا.. كلا..‏

لا أرتاحُ لِهذي اللُّعبَةْ!!‏

(يتوسل) يا مولانا، هيَ نارٌ قدْ تَحْرِقُنا!!‏

صدقيّا: إهدأْ.. إهدأ..‏

نحنُ الآنْ..‏

في مَوْضِعِ شَكٍّ وخَطَرْ‏

عِنْدَ نبوخذَ نصّر!!‏

(يسأله) هلْ خمَّنْتَ لماذا؟!!‏

(بعد صمت) لمْ نَدْفَعْ جِزْيَتَنَا.‏

وقوافِلُهُ نَنْهَبُهَا.‏

بلْ إنَّا نقتلُ عَسْكَرَهَا.‏

سارايا: هذا ما أَعْرِفهُ!!‏

صدقيّا: ولكيْ نُخفيَ ما نُضْمِرُهُ مِنْ أَحقادٍ فينا،‏

سوفَ نسيرُ إلى بابلْ‏

كَوَلاءٍ وتحيَّةْ!!‏

سارايا: هذا ما أَبْغُضُهُ.‏

صدقيّا: وأنا أيضاً أَبغُضُ هذا. أكْرَهُهُ!!..‏

لكنْ.. تنفيذُ الخُطَّةُ‏

يَسْتَدعي مِنّا ذلكْ!!.‏

سوفَ نسيرُ إلى بابلْ‏

ونقابِلُهُ.‏

نَسْتَسْمِحُهُ كيْ نوهِمَهُ‏

أنّا لمْ ندفَعْ جزْيَتَنَا‏

رغماً عَنّا!!.‏

سارايا: لم أَفْهَمْ!!.‏

صدقيّا: (يبتسم) لِفسادِ مواسِمِنا،‏

وكَسادِ تجارَتِنا‏

وبَوارِ أراضينا.(1)‏

سارايا: (ساخراً) وَلسَوفَ يُصدِّقُنا حالاً؟!!‏

صدقيّا: طبعاً...‏

سارايا: إنكَ تَحلُمُ يا مولايْ.‏

إنّ نبوخذَ نصّرْ‏

لنْ يَسْتقبِلَنَا، بلْ‏

صدقيّا: (يقاطعه) يَطرُدُنَا؟!!‏

سارايا: وَسَيَفْعَلُها، إنْ لمْ يُلْقِ القَبْضَ علينا.‏

صدقيّا: لكنّ زيارَتنا، وهدايانا‏

سَتُؤَجّلُ غَضْبَتهُ...‏

سارايا: (ساخراً) أو نَقْمَتَهُ.‏

صدقيّا: فنزيلُ شُكُوكاً عَنَّا،‏

لِنقيمَ علاقاتٍ أقوى‏

معَ صَيْدونَ ومِصْرَ وصُورْ.‏

ساعَتَها يا سارايا‏

تغدو بابلُ كالعُصْفورْ‏

في عاصِفَةٍ ملعونةْ!!‏

(بفرح) ويهودا...‏

تَغدو صيّادا!!‏

(بعد صمت قصير) إني أحْلُمُ يا سارايا ليلَ نهارْ..‏

هلْ نبني مملكةَ الرّبِّ؟!!‏

هلْ نتحدّى دولةَ بابلْ؟!!‏

سارايا: (بحماس) أحْلُمُ مثلَكَ يا مولاي،‏

وأراها كأصابِع كفّي غيرَ بعيدةْ!!‏

وسنَفَعلُها، لكنْ..‏

صدقيّا: ماذا؟!‏

سارايا: شعبُ يهودا يَتَمرَّدْ،‏

وإرمْيَا‏

ذاكَ المجنونُ الأحمقُ لا يتردَّدْ‏

في فَضْحِ عساكِرِنا،‏

وجُباةِ ضرائِبنَا،‏

ورجالِ عِصابَتنا!!‏

صدقيّا: (يضج بالضحك)‏

يا سارايا.. يا سارايا‏

أنتَ تُضَخِّمُ ثورَتَهمْ.‏

كِسْرَةُ خُبز يابِسَةٌ تُخْرِسُهُمْ.‏

(يتقدم من ساريا ويربت على كتفه مشجعاً إيّاه)‏

جَرِّبْ..‏

جَرِّبْ وارْمِ لهُمْ كِسْرَةْ.‏

إنْ تَفْعَلْها...‏

تَحْصُدْ طاعَتَهُمْ،‏

ويكونون على أعدائِكْ‏

صَخْرَةْ!!‏

سارايا: مَعَ ذلكْ..‏

لِنفكِّرْ بإِرمْيَا.‏

صدقيّا: (بإصرار) لِنفكِّرْ بنبوخذَ نصَّرْ.‏

إنْ أفلحْنَا فُزْنا بكنوزِ العالمْ.‏

(ويسرح بخياله بعيداً جداً)‏

سوفَ تصيرُ يهودا‏

سُرَّةَ هذا العالمْ.‏

كهفَ كُنُوزِ العالمْ.‏

رَبَّةَ هذا العالمْ.‏

(فجأة يخرج من أحلامه، ويأمر سارايا)‏

أَرْسِلْ للحلفاءِ بأَنِّي‏

سوفَ أزورُ نبوخذَ نصَّرْ‏

في بابِلْ،‏

كيْ أخدَعَهُ عمّا نُخْفي للمستقبلْ!!‏

سارايا: (مقتنعاً) حاضِرْ!!‏

صدقيّا: سَتُرافِقُني!!‏

سارايا: أمرُكْ!!‏

صدقيّا: أمّا الآنَ فهيّا نلهو.‏

(يعود صدقيا فيجلس على عرشه -يصفق سارايا بكفيه ثلاث صفقات -اليهود الأربعة يحملون عرش صدقيا -إظلام تدريجي وعبر ستارة خيال الظل نشاهد مجلس الشراب والغناء اليهودي -تصدحُ الموسيقا وأصواتُ ضحكات نسائية ورجالية. يندغم موكب الملك صدقيّا بخيال الظل ويصبحان مشهداً واحداً، بحيث ترتفع الشاشة، ليظهر خلفها مشهد آخر).‏

(1) - بوار الأرض: الأرض تبور، لا تنتج زرعاً لفقدان المياه اللازمة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | دليل الأعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244