سهرة مع البقرة ,الكلمة اليتيمة ـــ سلام اليماني

مسرحيتان للأطفال ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2005

Updated: Sunday, January 29, 2006 01:27 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

(أحداث المسرحية)

(1) (البقرة تطل من نافذة الحظيرة وتهتف باتجاه بيت الحطّابة).‏

البقرة : (في شبه همس) يا خروفي.. يا خروفي..‏

الخروف : (في دار الحطّابة مقترباً من الجدار) أنا هنا.‏

البقرة : ألا تريد الرِضاعة؟..‏

الخروف : أنا جائعٌ من زمان.‏

البقرة : تعالَ كي أرضِعَك.‏

الخروف : أنا محبوسٌ والبابُ مغلَق.‏

البقرة : افتحْ البابَ واهربْ‏

الخروف : لا أقدر. اهربي أنتِ إليّ.‏

البقرة : أنا محبوسةٌ في الحظيرة.‏

الخروف : أنت قويّةٌ. اكسري البابَ واخرجي.‏

البقرة : حاولتُ ولم أقدِرْ وآذيتُ نفسي.‏

(يُسمع سُعال مِرداس قادماً من الخارج).‏

البقرة : (للخروف وهي تختفي داخل الحظيرة) اهرب.‏

(الخروف يختفي).‏

(مرداس يدخل منهمكاً).‏

مِرداس : شريفة.. يا شريفة.. جارتَنا سوف تأتي ومعها الخروف، فاسكتي واهدئي كي أسمحَ لك بإرضاعِه.‏

(يغلق النافذة ويتأهب للقاء الحطّابة وهو يفرك كفَّاً بكفّ).‏

(الحطّابة تدخل حاملة الخروف بين يديها وعلى ظهرها حزمة حطب).‏

الحطّابة : صباحُ الخيرِ يا جار.‏

مِرداس : (بجفاء) انتصفَ النهارُ ولم نعُدْ في الصباح.‏

(الخروف يدسّ رأسه في صدر الحطّابة). هل معكِ درهمٌ لإرضاعِهِ؟..‏

الحطّابة : لا أملكُ غيرَ مؤونتي من طحين الشعيرِ.‏

مِرداس : لِمَ أحضَرتِ الخروفَ إذن؟.. لكي تثورَ بقرتي وتخربَ الدنيا كالبارحة، وقبلَ البارحة؟...‏

(الخروف ينظر إلى مِرداس ثم يدس رأسه في صدر الحطّابة ويبكي).‏

مِرداس : اسكتْ يا سارقَ الحليبِ فقد أمسكتُكَ بالجرمِ المشهود؛ تتسلّلُ إلى المرعى من وراءِ ظهري، وتشفُطُ الحليبَ من ضروعِ بقرتيّ مجّاناً وسرِقة.‏

الخروف : (يبكي)آااا....‏

الحطّابة : اسكتْ ولا تُغضِبْ جارَنا كي يسمحَ بإرضاعِك. (الخروف يكتم بكاءه).‏

الحطّابة : اعذُرْ بكاءه يا جاري فهو جائعٌ منذُ يومين.‏

مِرداس : بل مُضربٌ عن الطعام منذُ يومين.‏

الحطّابة : وهل إِضْرَابُهُ جريمة؟.. البقرةُ أيضاً مُضربة.‏

مِرداس : هو الذي حرّضَها فتمرّدت عليّ. بسبِبهِ حبستُها في الحظيرة، ولأجلِهِ أضربَتْ عن الطعامِ والماءِ وإِعطاءِ الحليب. ولأجلِهِ سوف تموتُ جوعاً فيموتُ أيضاً.‏

الحطّابة : لا تذكُرْ الموتَ يا جاري، لا قدَّرَ الله.‏

مِرداس : اختصِري؛ ماذا تريدين؟..‏

الحطّابة : أن نرجِعَ كما كنّا؛ الحطبُ مقابلَ الرِضَاعة.‏

مِرداس : لم أعدْ أقبلُ غيرَ الدراهم.‏

الحطّابة : إلى متى تعذّبُنا يا جاري؟.. حرامٌ عليك.‏

مِرداس : اكسبي الوقتَ واذهبي وبيعي الحطب. تحرّكي قبلَ أن يفورَ غضبي.‏

الحطّابة : كما تريدُ يا جاري. كما تريد.(تخرج).‏

البقرة : (من داخل الحظيرة) باع...‏

مِرداس : لا تبعبعي. (يفتح النافذة) الحطّابةُ سوف تعودُ وتدفعُ ثمنَ الحليب، وعندَها تُرضِعينَ الخروفَ كما تشائين. (ثمَّ بإغراء) أمَّا أنَّا فذاهبٌ أحضِرُ لكِ مفاجأة. (يخرج).‏

(2) (عباس يقترب قادماً من الخارج حاملاً سجلّهُ الضخم ويتوقّف).‏

عبّاس : (لنفسه) هذه دارُهُ كما قالوا وهذه بقرتُه.‏

البقرة : (تمازحه بخوار مخيف) باع...‏

عبّاس : يجفل ثم يتماسك) أيتها البقرة، أين صاحبُكِ المسمّى مِرداس؟..‏

البقرة : لعلّهُ في الدارِ خلفَ الحظيرة.‏

عبّاس : الآنَ كنتُ هناكَ وما مِن أحد.‏

البقرة : إذن، صاحبُ الدارِ ليس في الدار.‏

عبّاس : كيف يتركُ الدارَ وهو تاجرُ القريةِ ويؤجّرُ بيتَهُ للمسافرينَ أيضاً؟!...‏

البقرة : أنتَ إِذَنْ غريبٌ مسافر.‏

عبّاس : أنا سائحٌ في بلادِ الله. أبحثُ عن المشكلاتِ وأكتبُها في هيئة حكايات.‏

البقرة : وتريدُ أن تكتبُ حكايتي؟..‏

عبّاس : سمعتُ بها وأتيتُ لأجلِها‏

البقرة : أتريدُ أن أحكيَها بتمامها؟..‏

عبّاس : وأشكُركِ شكراً جزيلاً.‏

البقرة : لا أريدُ شكراً جزيلاً ولا قليلاً...‏

عبّاس : فماذا تريدين؟...‏

البقرة : ساعدْني فأساعدك.‏

عبّاس : وكيف يكونُ ذلك؟...‏

البقرة : أقنِعْ صاحبي أن أُرضِعَ الخروفَ كلَّ يومٍ بلا مقابل.‏

عبّاس : هكذا؟.. بلا مُقابل؟!‏

البقرة : نعم، بلا مقابل. وسأحكي لك حكايتي مع صاحبي ومع الخروفِ منذ البداية.‏

عبّاس : كلاّ، لا يجوز؛ الحليبُ يكونُ مقابلَ ثمنٍ وليس بلا مقابل.‏

البقرة : وأنا لن أحكيَ لكَ الحكاية.‏

عبّاس : أهلُ القريةِ أخبروني الكثيرَ وكتبتُهُ في هذا الكتاب.(يستعينُ بكتابه في الرواية) أنتِ بقرةٌ عاقرٌ لا تستطيعُ الحبلَ وإنجابِ العُجول. وكنتِ مِلكاً لفلاّحٍ من أهلِ القريةِ كريمٍ طيّب، عاملَكِ أحسنَ معاملةٍ وسمّاكِ شريفة، وعِشتِ عندَهُ تحرثينَ الأرضَ وتعيشينَ بأمان. وفي يومٍ من الأيامِ جاءَ مِرداسٌ إلى الفلاّحِ وطالبَهُ بديونٍ كثيرة. وكان الفلاحُ مفلِساً لا يقدِرُ على وفاءِ ديونِهِ، فاقتادَكِ مِرداس من عندِهِ وصرتُ مِلكَه.‏

البقرة : هذا كلُّهُ لا يُهّم.‏

عبّاس : وما المهمُّ إذاً.؟..‏

البقرة : المهمُّ حكايتي مع الخروف؛ فعندَما ماتتَ غنَمُة الجارةِ الحطّابة، أشفقتُ على اليتيمِ الصغيرِ شفقةً عظيمةً وصرتُ أبكي، فامتلأتْ ضروعي بالحليبِ وصارَ يسيلُ منها بلا توقّف. وفرحَ مِرداسٌ كالمجنونِ وبدأ يبيعُ حليبي لإرضاعِ لخروفِ وللجميع.(يُسمع سعال مرداس) هاهو يعود.‏

(تختفي فيتجه عبّاس نحو مدخل الباحة).‏

(3) (يدخل مِرداس حاملاً حزمة عشب.يضعها جانباً ويغلق نافذة الحظيرة ويتقدّم نحو عبّاس).‏

مِرداس : أهلاً وسهلاً .. أهلاً وسهلاً ..‏

عبّاس : أنا عابرُ سبيلٍ وأريدُ النزولَ عندَك.‏

مِرداس : أنا وداري في خدمتك. (ويشير إلى خلف المكان) تفضّلْ من هنا، تفضّل. (يسيران قليلاً) أهلاً وسهلاً... أهلاً وسهلاً ..‏

عبّاس : (يتوقف قبل أن يخرجا) هل عندَكَ غرفةٌ تُطِلُّ على هذه الباحةِ؟‏

مِرداس : ماذا تريدُ من هذهِ الباحةِ؟...‏

عبّاس : أراها واسعةٌ يلعبُ فيها النسيم، وأنا أحبُّ شمَّ النسيم.‏

مِرداس : هذه باحةٌ خلفيّةٌ فيها حظيرة. أمَّا غرفُ الدارِ فتطِلُّ على الباحةِ الأماميّة، وهناكَ النسيمُ النقيُّ العليل. (يمدّ يده مبتسماً) وأجرةُ الشخصِ في اليومِ دِرهَم.‏

عبّاس : سوف أعطيكَ عشرة.‏

مِرداس : (مسروراً) هل ستبقى عشرةَ أيّام؟...‏

عبّاس : يكفيني يومٌ واحد.‏

مِرداس : فهمتُ عليك؛ حليبُ البقرةِ العاقرِ أعجوبةٌ فريدة، فهو غذاءٌ وقوّةٌ للأبدانِ وشفاءٌ من جميعِ الأمراضِ. وسوف أعطيكَ منهُ بتسعةِ دراهِمَ لكنْ ليس الآن.‏

عبّاس : متى إذاً؟‏

مِرداس : ربّما الليلة، وأو صباحَ غدٍ على أبعدِ تقدير.‏

عبّاس : وربّما لا أراهُ ولا أذوقُهُ.‏

مِرداس : ماذا تعني؟...‏

عبّاس : أهلُ القريةِ أخبروني أنَّ البقرةَ مضربةٌ عن الـ....‏

مِرداس : (يقاطعه) أهلُ القريةِ كاذبون.‏

عبّاس : قالوا إنها اتّخذَت خروف الجيرانِ ولداً لها..‏

مِرداس : الناسُ لا تكفُّ عن الثرثرة.. تفضّلْ إلى غرفتِك.‏

عبّاس : دعنا نتحادث يا رجُل.‏

مِرداس : (متشكّكاً وبعدوانية خفيّة) من أنتَ وماذا تريد؟...‏

عبّاس : أنا عبّاسُ بنُ أحمد. عالِمٌ عِراقيٌّ ورحّالةٌ وكاتب. وقد وعدَني قاضي القضاةِ أن يجعلَني قاضياً على مدينةِ بغدادَ عاصمةِ الخلافة، إن كتبتُ كتاباً عن ألفِ مشكلةٍ رأيتُها وقُمتُ بحلِّها بالحقِّ والقانون. وقد كتبتُ حتى الآنَ عن تسعمئِةٍ وتسعٍ وتسعينَ مشكلة، والمشكلةُ الألْفُ عندَك.‏

مِرداس : لا مُشكلَةَ عندي ولا مكانَ للنومِ أيضاً.(يدفعه نحو الخارج) مع السلامة.‏

عبّاس : (يمسكهُ ويهزهُ بقوّة) اسمعْ يا هذا: لا يغُرَّنك أنّي عالِمٌ وكاتبٌ وأنّي غداً قاضٍ على بغداد. أنا نشأتُ حمّالاً وابنَ حمّال، وأنا أقطعُ آفاقَ الأرضِ على قدميَّ من خمسِ سنوات (ويفلته دفعاً)، فتأدَّبْ معي أو أؤدّبُك.‏

مِرداس : أمرُكَ سيّدي. كما تريدُ. (ثم مبتسماً) والدفعُ سلفاً عن كلِّ ليلة.‏

عبّاس : (يخرج درهماً من حزامه) هذا درهم.‏

مِرداس : وعدْتَني بعشرةٍ فبقي تسعة.‏

عبّاس : التسعةُ ثمنُ الحليبِ إنْ جئتَني بالحليب.‏

مِرداس : كما تريد. تفضّلْ من هنا واسكنْ في الغرفةِ التي تُعجِبُك. (ثم بلهجة عدائيّة كالضربة) أهلاً وسهلاً.‏

(عبّاس يلتفت إليه صامتاً، ثم يخرج).‏

(4) (مِرداس يفتح ساتر النافذة فتبرز البقرة، ثم يحمل إليها حزمة العشب. في الوقت نفسه يظهر عبّاس متسللاً يختبئ جانباً ويراقب كل ما سوف يجري).‏

مِرداس : شريفة.. انظري ما أحضرتُهُ لكرشِك؛ عشبٌ نظيفٌ قطفتهُ بيدي. كُلي يا عزيزتي، حشّي.‏

البقرة : (تدير رأسها جانباً).‏

مِرداس : (يحاول مواجهتها) أضربتِ عن الطعام وإِعطاءِ الحليبِ هذا مفهوم. والآنَ تضربينَ حتى عن النظرِ إليَّ والردِّ عليَّ أيضاً؟‍!... (تلتفت إلى الاتجاه الآخر).‏

مِرداس : كما تريدين.(يقذف العشب إلى داخل الحظيرة) تأكلين في وقتٍ آخر. (يخرج من عُبِّه باقة بقلة) أمَّا هذه البقلةُ الطّيبة، فسوف نأكلها معاً أنتِ وأنا.‏

(ينتف بعض البقلة ويمضغها ويتلمّظ) بقلة حامضةٌ تفتحُ الشهيّة. ذوقي يا شريفة، ذوقي.‏

البقرة : (تعضّ يده الممدودة بالبقلة).‏

مِرداس : آخ. (يعيد البقلة إلى جيبه) قاطعتُكِ يا شريفة.‏

البقرة : أحسن.‏

مِرداس : (بضحكة خفيفة) هل صدّقتِ أنّي أزعل؟.. أنا أمزحُ فقط. أمّا الآنَ فإليكِ المفاجأةَ الكبرى: نزهةٌ حلوةٌ في أرضِ الدار، أنت وأنا وحدَنا.‏

(يتحرك بحماسة، فيأخذ الهراوة ثم يفتح باب الحظيرة وتندفع البقرة خارجة).‏

البقرة : وافَرْحَتاه..‏

مِرداس : وافَرْحَتاه...‏

البقرة : (تشير إلى الهراوة) هاتِها.‏

مِرداس : (بتمنّع ممازح) كلاّ..‏

البقرة : (تشدّ الهراوة) ألعبُ بِها.‏

مِرداس : (مشترطاً) لعباً فقط.‏

البقرة : (موافقة) لعباً فقط.‏

مِرداس : تفضّلي (يعطيها الهراوةِ).‏

البقرة : (تتنكّب الهراوة) شكراً.‏

مِرداس : (يمد لها ذراعه) هيّا بنا... (تشبك ذراعها بذراعه ويبدأان المسير في أرض الدار.خلال هذه النزهة يشرح مِرداس للبقرة أفكارَه، فتتجاوب معه وفي الوقتِ نفسه تضربه بالهراوة ضربات خفيفة على أجزاء من جسمه وظهره متظاهرة بالمزاح وهو يضحك مجارياً إيّاها في تمثيلية المزاح الحاقد هذه. ينفصل عنها في بعض المواقف. وربّما تتوقف هي منفصلة عنه، فيدور حولها مناوراً وشارحاً كأستاذ واقف يحاضر).‏

مِرداس : يا الله!! ما أجملَ النزهة.‏

البقرة : النزهةُ جميلة.‏

مِرداس : خصوصاً في أرضِ الدار.‏

البقرة : (برفض ودلال) كلاّ.‏

مِرداس : (متجاهلاً ومتابعاً) وما أجملَ هذه الحظيرة!.. تطلّينَ منها على الدنيا وترَينَ الشمسَ والقمر، وفيها تشمّينَ الهواءَ العليلَ أيضاً. شمّي يا شريفة، شمّي هواءَ الربيعِ المعطّرَ الدافئ، اشعري بالسعادة، ثم كلي واشربي وتنعّمي كما تشائين.‏

البقرة : (تشمُّ الهواءَ بعمق ساخرة ثم تضربه بالهراوة)‏

مِرداس : دارُنا هذه أجملُ من كلِّ الحقول، وكلّ المراعي والسهول؛ أسوارٌ وأبوابٌ متينةٌ تحمينا فنعيشُ بحرّيةٍ وأمانٍ فلا نخافُ من أحدٍ ولا نختلطُ بأحد. فالعاقلُ يعيشُ في دارِهِ مستقلاً ولا يتدخّلُ في شؤونِ الآخرين. العاقلُ يهتمُّ بأبنائِهِ وحدَهُم إن كان لـه أبناءٌ ولا يُشغِلُ بالَهُ بأبناءِ الآخرين.‏

البقرة : هذه حفظتُها عن ظهرِ قلب: (وتتلو محفوظاتها) فالحمامةُ مثلاً تهتمُّ بفراخِها ولا تهتمُّ بفراخِ الغراب. والغنَمَةُ تهتمُّ بخروفِها وليس بصغارِ الفِيلَة. أمَّا البقرة، فتهتمُّ بعجلِها إن كانَ لها عجلٌ رضيع، فإن كانت بلا عجل فالحليبُ كلّهُ لِمَالِكِها خصوصاً إن كانَ مِثلَكِ؛ فقد خلّصتَني من حراثةِ أرضِ الفلاّحِ وجعلتَني كالأميرةِ آكُلُ وأشربُ ولا أعمَل. وكنتُ عاقراً لا أُنْجِبُ فدبّرْتَ لي خروفَ ا لجيرانِ وصارَ مثلَ ولدي...‏

مِرداس : لكنّكِ تآمرتِ معَهُ من وراءِ ظهري، فصار يتسلَّلُ إلى المرعى خِلسةً وتعطينَهُ كلَّ الحليب، فهل هذا وفاءٌ أم خيانة؟..‏

البقرة : (تضربه) هذا واجبٌ وليس خيانة. ليس خيانة.‏

مِرداس : (يتهرّب ضاحكاً) آخ.. آخ.. أنتِ حنونةٌ وعاطفيّة، وأنا لم أحبِسْكِ هنا عقوبةً أو انتقاماً معاذَ الله، بل حرصاً على أخلاقِ الخروفِ الصغير؛ أنا لا أريدُ لهُ تعلُّمَ السرقة. (ينتبه إلى الخارج).‏

البقرة : (تضربه مع كل كلمة) أنت عظيمُ الأخلاق.‏

مِرداس : (خاطفاً الهراوة)، وأنتِ أيضاً، وانتهت النزهة. هيّا ادخُلي. تفضّلي.‏

(يسوقها إلى الحظيرة ويغلق الباب فتطلّ من النافذة، ويسرع خارجاً إلى الطريق).‏

(5) (أبو المذابح يعبر الطريق حاملاً سيفاً ضخماً فيعترض مرداس طريقه).‏

مِرداس : أبو المذابِح؟! يا هلا، يا هلا. (يعانقه، يقبّله، وذاك يتملّص) أهلاً وسهلاً، أهلاً وسهلاً، الحمد لله على السلامة.‏

أبو المذابح: اتركني. ابتعدْ أفّ.‏

مِرداس : أنا مشتاقٌ إليكِ.‏

أبو المذابح: أنت لا تشتاقُ إلى أحدٍ ولا يشتاقُ إليك أحد.‏

مِرداس : سامحَك الله. أنا لا أختلط بالناسِ كي أبتعدَ عن المشاكل. أمّا أنتَ بالذاتِ فأنا واللهِ أحبّك، وأفتخرُ بكَ وأشتاقَ إليك. أنت بطلُ قريتِنا وحاميها من الأشرار، ولو كانَ عندي حليبٌ لَكُنتُ دعوتُك وأكرمتك، لكنّ بقرتي...‏

أبو المذابح: لا تكذبْ عليَّ، أنتَ بخيلٌ لا تكرمُ أحداً ولا يُكرمُكَ أحد.‏

مِرداس : سامحكَ الله يا أخي سامحكَ الله. لكنك لم تخبرْني؛ أين كنتَ وماذا فعلت؟..‏

أبو المذابح: وأين يمكنُ أن أكونْ؟!..‏

مِرداس : أعرفُ أعرف. كنتَ في البراري تطاردُ الأشرار...‏

أبو المذابح: واللصوص وقطّاعَ الطرق.‏

مِرداس : هذا أكيد.‏

أبو المذابح: دعْني أذهبُ فأنا مرهَق. (يحاول الذهاب ومِرداس يعرقله).‏

مِرداس : هذا أكيد؛ مرهّقٌ من المذابِحِ وتطييرِ الرؤوس.‏

أبو المذابح: (يهدده) وسوف أطيّرُ كثيراً من الرؤوس.(يتملّص ليخرج) أعوذُ بالله.‏

مِرداس : خذني بحلمكَ يا أخي واصبِرْ عليَّ. (ثم ناظراً إلى البقرة) أريدُ أن أناقشَكَ في مسألة.‏

أبو المذابح: أنا جاهلٌ في المناقشة؛لا أناقشُ أحداً ولا يناقشُني أحد. (وينصرف).‏

(مِرداس يلمح شخصاً قادماً فيخاطب البقرة).‏

مِرداس : كما ترَينَ يا شريفة؛ الرجُلُ مرهَقٌ من المذابحِ وقطعِ الرؤوس... لكنّي سأدعوهُ إلى هنا في الوقتِ المناسب، (وبتهديد) وسوف أتفاهُمُ معهُ وأكرمُه.‏

(يغلق النافذة ويحمل الهراوة وينتظر).‏

(6) (الحطّابة تدخل حاملة حزمة الحطب).‏

مِرداس : أراكِ لم تُحْضِري الخروفَ كالعادة...‏

الحطّابة : إنَّهُ نائمٌ ويموتُ جوعاً. (تضع الحطب على الأرض).‏

مِرداس : أليسَ في القريةِ كلُّها غَنَمَةٌ أو حمارةٌ ترضعُهُ؟...‏

الحطّابة : توجدُ غنمة. لكنُّهُ لا يقبلُ الحليبَ إلاَّ من هذه البقرة.‏

مِرداس : ما شاء الله! شحّاذُ ومُدلَّل...‏

الحطّابة : أنا لا أطلبُ إرضاعَهُ على حسابِك، لكني لم أستطعْ بيعَ الحَطَبِ لا هنا ولا في القرى القريبة؛.. الطقسُ أصبحَ دافئاً والناسُ لا تشتري الحطب.‏

مِرداس : أنتِ كسلانة؛ لِمَ لم تذهبي إلى بغداد؟..‏

الحطّابة : بغدادُ بعيدةٌ يوماً وليلةً في الذهابِ ومثلَهما في الإياب.‏

مِرداس : وباختصار؟؟....‏

الحطّابة : كنتَ تأخذُ منّي الحزمةَ برضعَتين؛ فخذها الآنَ برضعةٍ واحدة.‏

مِرداس : ماذا أفعلُ بها وبغيرِها.‏

الحطّابة : تفعلُ بها مثلَ غيرِها، تبيعُها لتجّارِ بغداد.‏

مِرداس : كم مرَّةً أعيدُ عليكِ الكلام؟ الشتاءُ انتهى والتجّارُ لا يطلبونَ الحطب.‏

الحطّابة : كنتَ تخزّنُه للشتاءِ وتبيعُهُ بربحٍ مضاعَف.‏

مِرداس : كنتُ أبيعُهُ بعشرةِ أضعاف ولم أعدْ أريدُهُ. هل يعجبُكَ هذا أم أضربُكِ أيضاً؟...‏

الحطّابة : اهدأ ودعْنا نتفاهم؛ أرضِعْهُ بالدَينِ شهراً حتى يقدِرَ على أكلِ الحشيش.‏

مِرداس : هوه، هوه!.. عدتِ إلى الكلامِ الفارغ؟..‏

الحطّابة : أنا دائماً أوفّيكَ دَينَك.‏

مِرداس : وإن مُتِّ غداً فمَنْ يوفّيني؟...‏

الحطّابة : لا تعذّبني تكفيني مصائبي؛ الصاعقةُ أحرقت زوجي وغنَمي في ليلةٍ واحدة، والخروفُ الذي بقيَ لا يأكلُ العشبَ وما زالَ يرضع، والرجالُ اعتبروني منحوسةً وجلاّبةً للمصائبِ فلا يتزوّجُني أحد، وأنت امتنعْتَ فجأةً عن شراءِ حطبي فكيف أعيشُ وكيف أرضعُ هذا اليتيم؟...‏

مِرداس : اقترضي من أهلِ القريةِ،جلودُهم محشوّةٌ بالدراهم.‏

الحطّابة : إنّهم أفقرُ منّي. يعيشونَ مِثلي على خبزِ الشعيرِ وكلّهُم يقترضونَ منك.‏

مِرداس : كلّكم كذابونَ وطمّاعون حتى جعلتموني أفقرَ الفقراء.‏

الحطّابة : أنت جعلْتَنا أفقرَ الفقراء؛ تُقرِضُنا الدرهمَ وتستردّهُ أربعة.‏

مِرداس : (يضربها بالهراوة فتتهرّب) أستردّهُ عشرةً أيضاً، ومن كان لا يعجبُه لا يقترض منّي، أمّا أنتِ فقصّري لسانَكِ وتأدبّي...‏

الحطّابة : (تصرخ) كفى...‏

مِرداس : تأدّبي.‏

الحطّابة : (تصرخ أقوى) كفى...‏

(يضربها فتمسك الهراوة بقوةّ ويتجاذبانها).‏

(7) (عبّاس يندفع داخلاً).‏

عبّاس : يا ويلَكَ، ياويلَكَ. (يمسك مرداساً بقوّة).‏

مِرداس : (متلعثماً ومرعوباً) آء!؟.. ماء؟!‏

عبّاس : (ينتزع الهراوة من مِرداس ويرميها بعيداً ويمعسه أرضاً)، آء، ماء، أليس كذلك؟...‏

الحطّابة : (لعبّاس) يا أخي، يا أخي.‏

عبّاس : ابتعدي...‏

مِرداس : اتركْني، حطّمتَني.‏

عبّاس : أريدُ أن أحطّمَك.‏

الحطّابة : (تحاول التدخّل مذعورة ومرتبكة) يا أخي، اسمعْني.‏

عبّاس : ابتعدي...‏

مِرداس : سأشكوكَ إلى قاضي القضاة.‏

عبّاس : الأحسنُ أن تشكوني إلى الخليفة. والخروفُ سيرضعُ غصباً عنك. (يكفُّ عنه ويعطيه درهماً بكلّ احتقار) انهض، وهذا درهم.‏

مِرداس : لا أقبلُ إلاَّ منها.‏

الحطّابة : (لعبّاس) وأنا لا أقبلُ منكَ صدَقة.‏

عبّاس : أنا أتصدَّقُ على الخروف.‏

الحطّابة : لكنه خروفي أنا؛ وأنا فقيرةٌ لكنّ عندي كرامة.‏

عبّاس : أهذا جزائي بعدَ عنائي؟!...‏

الحطّابة : لن أُرضِعَ الخروفَ إلاَّ على حسابي. أدفعُ حطباً أو مالاً لكنْ على حسابي.‏

عبّاس : (يعيدُ الدرهمَ إلى جيبه حاقداً) كما تريدين.‏

مِرداس : (يقصد طردها) تصبحينَ على خير.‏

(الحطّابة تنقّل النظر بينهما ثم تخرج).‏

مِرداس : وأنتَ يا قاضي المستقبل، غرفتُكَ تنتظر.‏

(عبّاس يرميه بنظرةٍ متحدّية ثم ينصرف).‏

مِرداس : سيصيرُ قاضياً أيضاً، هذا الحمّال!.(يخرج بتصميم).‏

(8) (خارج دار الحطّابة)، (عبّاس يخرج من مخبأ وينادي).‏

عبّاس : يا أرملة، يا أرملة.‏

الحطّابة : (تخرج إليه) ماذا تريدُ بعدَما خربْتَ بيتي؟..‏

عبّاس : لا تعودي إلى لّومي واتّهامي.‏

الحطّابة : اللعينُ سينتقمُ منّي.‏

عبّاس : لن أسمحَ له بإيذائك.‏

الحطّابة : لستَ باقياً هنا إلى الأبد.‏

عبّاس : لذا أتيتُ كي نتشاور.‏

الحطّابة : فيمَ تريدُ أن نتشاور؟...‏

عبّاس : نتشاورُ في المشكلة: كيف أحميكِ من شرِّه، وكيف أقنعهُ بإرضاعِ الخروفِ مقابلَ الحطب؟...‏

الحطّابة : لا تعذبْ نفسَكَ بالتفكيرِ، لا فائدة.‏

عبّاس : أحسُّ بأنه لابدَّ من فائدة. إنَّهُ بخيلٌ طّماعٌ وشرّيرٌ ولكنْ... لابدَّ من طريقةٍ قانونيّة.‏

(صوت أبي المذابح يلعلع بعيداً في الخارج).‏

أبو المذابح: أين هذا القاضي المحتال؟ أين هذا الحمّال؟...‏

الحطّابة : هذا أبو المذابحِ لكنْ، هل أنت قاضٍ أم حمّال؟...‏

عبّاس : كنتُ حمّالاً وسوف أصيرُ قاضياً وسأحكي حكايتي في الوقتِ المناسب.‏

الحطّابة : ابتعدْ بسرعة. أبو المذابحِ قادمٌ وقدْ حرّضَهُ مِرداسٌ عليك.‏

عبّاس : لا داعيَ للخوف.‏

الحطّابة : أبو المذابحِ متهوِّر؛ يضربُ بالسيفِ قبلَ أن يفكِّر.‏

(صوت أبي المذابح أقرب من السابق).‏

أبو المذابح: أينَ هربَ هذا القاضي الكذّاب؟...‏

الحطّابة : اهربْ من القريةِ بسرعة.‏

عبّاس : لن أخرجَ من هنا حتى أحلَّ مشكلَتَكم من أساسِها بالحقِّ والقانون.‏

(صوت أبي المذابح يقترب).‏

أبو المذابح: فلْيعلمْ أَنّي أنا، هذا الحمّالُ الجبان.‏

الحطّابة : أبو المذابحِ لا يزعجُ النساء. تعالَ اختبئْ عندي.‏

عبّاس : عندي مَخبأٌ أفضل، أرى منهُ كلَّ شيءٍ، ولا يخطرُ في بالِ أحد. (يقفز نحو الحظيرة ويدخلها ويغلق الباب وراءه بينما تسير الحطّابة إلى بيتها).‏

(9) (أبو المذابح يدخل شاهراً سيفه وهو يزعق في كلِّ اتجاه، وراءه مِرداس يفركُ كفَّاً بكفّ).‏

أبو المذابح: أين هذا اللصُّ المحتال؟.. أين هذا الحمّال؟ فلْيعلمْ أنّي هنا، أنا أبو المذابح، فمَن يتحدّاني؟ من يقفُ أمامي ولا يخشاني؟ أنا أبو المذابح، قاهرُ اللصوصِ ومُرعِبُ الأنذال، مُطيِّرُ الرؤوسِ ومقطّعُ الأوصال.‏

(الحطّابة تطلّ من دارها).‏

مِرداس : (ساخراً بالحطّابة) أهلاً وسهلاً.‏

أبو المذابح: ابتعدي يا حُرمة، ادخُلي بيتَكِ وتَسَتّري.‏

(الحطّابة تبتعدُ لكنّها تراقبُ خلسة).‏

أبو المذابح: أينَ هربَ اللصُّ أين؟...‏

مِرداس : كفى زعيقاً يا رجُل، لابدَّ أنَّهُ هربَ من القريةِ كلِّها.‏

أبو المذابح: سأطارِدُهُ في الدنيا كلِّها. (يهمُّ بالانطلاقِ فيمسكه مِرداس).‏

مِرداس : دعْكَ منهُ الآن، (ثم هامساً) واهتمَّ بالبقرة.‏

أبو المذابح: ذكّرتَني بالبقرة، وأنا عاتبٌ عليك.‏

مِرداس : عاتِبْني في وقتٍ آخَر.‏

أبو المذابح: لِمَ لَمْ تُخبْرِني قبلَ الآن؟...‏

مِرداس : بأيِّ شيء؟‏

أبو المذابح: بأنها صارت مجنونةً وخطيرة، تهدّدُ القريةَ وترعبُ الأطفال.‏

مِرداس : كانت لطيفةً وشريفةً وأصبحَتْ لا تُطاق. (يعطيه درهماً) فخوِّفْها وهذا درهم.‏

أبو المذابح: على عيني. (يدس الدرهم في جيبه).‏

(مِرداس يفتح النافذة فتبرز البقرة وتملأ النافذة لتمنعه من رؤية داخل الحظيرة).‏

مِرداس : هذا صديقي أبو المذابح، ولا أعرفُ ما يريد.‏

أبو المذابح: (يزعق) اسمعي أيتها البقرةُ المتمرّدة، أيتها المجنونةُ الجبانة، التي تهدّدُ الناسَ وترعِبُ الأطفال.‏

البقرة : (تكشّر في وجهه ساخرة) هوه..‏

أبو المذابح: فلْتعلمي أني هنا، فمن لا يطيعُني؟...‏

البقرة : (مقاطعة) أنا.‏

أبو المذابح: من لا يهابُني؟..‏

البقرة : أنا.‏

أبو المذابح: فشرْتِ يا لعينة. (يهاجمها بالسيف فترتدُ للداخل فيشدّه مِرداس من سرواله إلى الخلف).‏

مِرداس : هيه.. لا تذبحْها.‏

أبو المذابح: إنَّها تتحدَّاني، سأذبحُها.‏

مِرداس : اتفقْنا في بيتِكَ أن تنصحَها.‏

أبو المذابح: سأرعِبُها رَعبةً ألعنَ من الموت.‏

مِرداس : لا ترعبْها، أخشى أن يجِفَّ حليبُها.‏

أبو المذابح: أنا لا يهُمّني حليبُها.‏

مِرداس : أنا يهمُّني حليبُها.‏

أبو المذابح: أنتَ حَيّرْتَني: أذبحُها؟ لا تذبحْها. أخوّفُها؟ لا تخوِّفْها. ماذا تريد؟...‏

مِرداس : أريدُ أن تنصحَها حتى تطيعَني؛ أريدُ أن تربّيها.‏

أبو المذابح: أنا جاهلٌ في التربية. لا ربّيتُ أحداً ولا ربّاني أحد. (يهمُّ بالذهاب فيمسكه مِرداس).‏

مِرداس : ألا تخافُّ على سمعتِكِ؟..سيقولُ الناسُ إنَّ أبا المذابحِ لم يقدِرْ على بقرة.‏

أبو المذابح: فَشَروا. أقدرُ عليها وعلى أبيها.‏

مِرداس : هيّا إذاً. (ثم همساً) خوِّفْها كما اتفقنا.‏

أبو المذابح: على عيني... (يسير ليواجه البقرة ثم يعود ويهمس) نسيتُ الكلامَ الذي اتفقنا عليه هناك.‏

مِرداس : (همساً ) أنا أذكّرُك وأساعدُك.‏

أبو المذابح: على عيني. (يعود إلى مواجهة الحظيرة بينما يبقى مِرداس بعيداً عن رؤية البقرة، فيصبح نظر أبي المذابح موزَّعاً بينها وبين مِرداس، مما سيتيح المجال لعبّاس كي يشعوذ على أبي المذابح من داخل الحظيرة ويخوّفه دون أن يراه).‏

مِرداس : (ملقّناً) اسمعي يا شريفة.‏

أبو المذابح: اسمعي يا شريفة. (ثم ينظر إلى مِرداس).‏

البقرة : نعم؟‏

مِرداس : (ملقناً) أنا رجلٌ طَيّبٌ كما تعلمين.‏

أبو المذابح: أنا رجلٌ طَيّبٌ كما تعلمين، وجئتُ أنصحُكِ فقط، لكنّ يدي تفلتُ أحياناً فاذبح. فاسمعي كلامي وأطيعي.‏

عبّاس : (يجيب من الحظيرة والبقرة مغلقة الفم). أطيعي.‏

أبو المذابح: عَجَبْ!... تتكلّمُ من بطنها.‏

مِرداس : هذا صدى. (ثم يتابع التلقين) لا تعاندي مالِكَكِ بعدَ اليوم.‏

أبو المذابح: لا تعاندي مالككك... هذه صعبة.‏

مِرداس : دبّرْها، غيّرْها...‏

أبو المذابح: لا تعاندي أحداً بعد اليوم.‏

مِرداس : (يزجره) أمري إلى الله.(ثم يلقّنه) ولا تهتمّي بخرافِ الآخَرين.‏

أبو المذابح: ولا تهتمّي بعُجولِ الآخَرين. (يؤكّد كلمة عجول).‏

مِرداس : الآنَ جاءتكَ الفصاحة؟.. قلتُ: بخرافِ الآخَرين.‏

أبو المذابح: أمري إلى الله(ثم للبقرة) ولا تهتمّي بخرافِ الآخرين.‏

عبّاس : (من الحظيرة والبقرة مغلقة الفم) فِ الآخَرين.‏

أبو المذابح: عَجَبْ!...‏

مِرداس : قلتُ لك هذا صدى. صوتُكَ يلعلعُ فيرتدُّ الصدى.‏

أبو المذابح: أمري إلى الله. خلِّصْني.‏

مِرداس : (ملقّناً) تبقَيْنَ هنا ولا تخرجين.‏

(يظهر عبّاس واقفاً ومختبئاً تماماً خلف البقرة، لا تظهر إلاَّ يداه يمدّهما مع يدي البقرة على شكل مروحة فيصبحان بقرة بأربعة أذرُع).‏

أبو المذابح: (خائفاً) تُبقبقينَ ولا تُخرخجين.. (ثم يهرب صارخاً) شيطان.. شيطان..‏

مِرداس : لم يفعلْ أيَّ شيء، وأخذَ الدرهمَ وهرب. (يخرج راكضاً وصارخاً) أرجِع الدرهم، الدرهم.‏

(10) (عبّاس والبقرة يخرجان ضاحكين وتطلّ الحطّابة من دارها)‏

عبّاس : أيتها الحطّابةُ أخبريني؛ أليس لمرداسٍ أقاربُ نقنعُهم فيضغطوا عليه؟...‏

الحطّابة : كلُّنا أقاربُ في هذه القرية. لكنَّه لا يحترمُ أحداً ولا يُراعي قرابة.‏

عبّاس : مم... مشكلةٌ صعبةٌ لكني سأحلّهُا.‏

الحطّابة : لن يقدِرَ على حلِّها أحد.‏

البقرة : حتى أبو المذابح؟...‏

الحطّابة : إنه شجاعٌ وشَهمٌ لكنه أحمق.‏

البقرة : أخبرِيهِ حقيقةَ المشكلة.‏

الحطّابة : سيفورُ غضبُهُ ويقتلُ مرداساً بضربةٍ واحدة (مشيرة بضربة سيف). إنه متهوِّرٌ وجاهل.‏

عبّاس : أنا أفهّمُهُ وأعلّمُه.‏

البقرة : هذا ما يجبُ أن تفعلَهُ.‏

البقرة : (للحّطابة) هيّا نذهب إليه. (وللبقرة) وأنتِ ادخلي ولا تفضحينا.‏

البقرة : كما تريد. (عبّاس والحطّابة يخرجان، والبقرة تحمل الهراوة) وسوف أقاومُ حتى النهاية.‏

(تدخل وتغلق الباب وراءها فيبقى بلا إرتاج ثم تبرز من النافذة وتتظاهر بالنوم).‏

(11) (مِرداس يعود متلصّصاً، وفي يده حبل طويل يصنع من نهايته أنشوطة خلال الحوار).‏

مِرداس : أخيراً وجدتُ الحبلَ المناسب.‏

البقرة : خخخخخخخخخ‏

مِرداس : نائمةٌ إذاً؟!...‏

البقرة : خخخخخخخخخ‏

مِرداس : نوامُ الهناء.‏

البقرة : خخخخخخخخخ‏

مِرداس : اشخُري وودّعي هذه الدارَ بل ودّعي الدنيا كلَّهَا؛ فغداً تكونينَ في بغدادَ معلَّقةً في دكّانِ قصّاب. وبدلاً منكِ يا لعينة، سأشتري بقرةً جيّدة؛ عمياءَ خرساءَ صَمّاءَ لكي تطيعَني.. والآن، سأربطُ رأسَك إلى رجلك، فلا تسيرينَ إلاَّ بصعوبة، ولا تقدرينَ على الأذى.‏

البقرة : (في باب الحظيرة) أهلاً وسهلاً.‏

مِرداس : (هارباً) النجدة...‏

البقرة : (تلحقه وتضربه) تبيعُني للقصّاب، آ؟...‏

مِرداس : كلاّ.كنت أمزح.‏

البقرة : يذبحُني ويعلّقني في الدكّان، آ؟...‏

مِرداس : كُرمى لله.. كنتُ أمزح.‏

البقرة : وأنا (تضربه بقوّة) أمزح.‏

(يسقط فتدعس على صدره وتهدده بالهراوة)‏

البقرة : ما رأيكَ الآن؟.. كيف تريدُ أن تموت؟..‏

(12) (الحطَّابة وأبو المذابح وعبّاس يدخلون ويتوقفون).‏

مِرداس : جارتي، ساعديني.‏

الحطّابة : هل ساعدْتَني أنت؟...‏

مِرداس : يا أهلَ القرية، أنجدوني.‏

أبو المذابح: لن يأتيَ أحد. وكلّهم يكرهونَك، ويتمنّونَ موتَك.‏

مِرداس : (لعبّاس) سيّدي القاضي، سيّدي القاضي.‏

عبّاس : شريفة، اتركيه.‏

أبو المذابح: بل اقتليه.‏

البقرة : لا أستطيعُ أن أقتلَه؛ سيصدِّقُ الناسُ أني مجنونةٌ وخطيرةٌ فيذبحوني.‏

عبّاس : إِذاً، اتركيهِ لي ولن تندمي.‏

(البقرة تبتعد عن مِرداس فينهض).‏

مِرداس : أدامَكَ اللهُ سيّدي القاضي، أدامَكَ الله.‏

عبّاس : الآنَ أصبحتُ قاضياً في نظرِك؟...‏

مِرداس : أنت الآنَ قاضي القضاة، وأنا أقبلُ بحُكمكَ لكنْ بالحقّ لا بالباطل.‏

عبّاس : لن أحكُمَ إلاَّ بالحقِّ والقانون. (ثم للبقرة) هاتي الهِراوةَ وظلّي بعيدة.‏

(البقرة تعطيه الهراوة وتبتعد قليلاً ومرداس يلف الحبل).‏

مِرداس : أكمِلْ معروفَكَ سيّدي، أدخِلْها إلى الحظيرة.‏

عبّاس : ادخلي يا شريفة.‏

(البقرة تدخل فيرتج مِرداس الباب ويغلق النافذة ثم يعلّق الحبل الملفوف بالجدار).‏

عبّاس : هل اطمأنَّ بالُك؟..‏

مِرداس : لن أطمئنَّ حتى تحكُمَ بينَنا بالحقِّ وبالعدالة.‏

الحطّابة : (لِمِرداس) أنا أيضاً أريدُ العدالة. لماذا امتنعْتَ فجأةً عن شراءِ حطبي؟..‏

مِرداس : (للجميع) أنا حرٌّ بِما أشتريهِ وما أبيعُهُ. (ثم لعبّاس) هذا حقّي أليس كذلك؟...‏

عبّاس : (مرتبكاً) طبعاً، طبعاً، كلُّ قوانينِ البشرِ تحمي حقَّ التملُّك....‏

أبو المذابح: (مقاطعاً ومستغرباً) عجبْ!!‏

عبّاس : (لِمرداس) لكنّك تحتكرُ حليبَ البقرة، والاحتكار جريمةٌ في شرعِ الله.‏

مرداس : أمري إلى الله إذاًن ولي سإليك؟‏

عباس : لكنّ الخروف المسكين يستحقّ الشفقة، والشفقةُ من مكارم الأخلاق.‏

مِرداس : وهل يحكمُ القاضي بالقانونِ أم بمكارِمِ الأخلاق؟!..‏

الحطّابة : أنا لا أريدُ منكَ شفقة.‏

مِرداس : (لعبّاس) اسمعْ بأُذُنِك.‏

عبّاس : دعْكَ منها واسمَعْ كلامي. الخروفُ يتيمٌ ومِسكين.‏

مِرداس : لستُ مسؤولاً عن الأيتام والمساكين.‏

أبو المذابح: كلّنُا مسؤولون.‏

مِرداس : (للجميع) لا أحدَ مسؤولٌ عن أحد. إن ماتت بقرتي فمن يعطيني غيرَها؟..(ثم لعبّاس) هل تعطيني أنتَ بقرة؟..(ثم لأبي المذابح) هل تعطيني أنتَ نصفَ بقرة؟...‏

أبو المذابح: واللهِ لو مَلكتُ ألفَ ثورٍ وبقرة، لما أعطيتُكَ ذَيلَ حمار.‏

عبّاس : لماذا تزعجُهُ وتستفزّهُ؟...‏

أبو المذابح: (للحطّابة) تعالَي معي.‏

عبّاس : إلى أين؟...‏

أبو المذابح: نركبُ حصاني ونبحثُ عن غنَمةٍ حلاّبة.‏

الحطّابة : الخروفُ لا يقبلُ إلاَّ هذه البقرة. إنها أمَّهُ الآن.‏

مِرداس : (ساخراً) وبعدَ قليلٍ تقولينَ إني أبوه.‏

أبو المذابح: أبوهُ أحسنُ منك.‏

مِرداس : تأدّبْ أمامَ القاضي.‏

أبو المذابح: (يهجم على مِرداس ويهزّهُ بقوّة) أنا أتأدَّبُ يا مِرداس؟! أنا أتأدّب؟!...‏

عبّاس : (لأبي المذابح) ما هذا؟.. ما هذا؟.. ابعدْ يا رجُل.‏

أبو المذابح: (يدفع عبّاساً دفعة قويّة) لا أحدَ يقترب.‏

مِرداس : يا ناس.. الرحمة...‏

أبو المذابح: لن يرحَمَك منّي أحد. وسيرضعُ الخروفُ منذ اليومِ غصباً وبالمجّان.‏

الحطّابة : أنا لا أقبلُ بالمجّان.‏

أبو المذابح: أنتِ اسكتي. (ثم لمِرداس) وإن عدتَ إلى إزعاجِها (ويدفعه عنه بقوّة فيلقيه أرضاً) فسأذبحُك.‏

مِرداس : (ناهضاً) هيّا اذبحْني، هيّا. ماذا تنتظر؟...‏

أبو المذابح: (شاهراً السيف) سأذبحُك.‏

(يسرع عبّاس والحطّابة ويمسكان أبا المذابح).‏

عبّاس : لا ترتكبْ جريمة.‏

أبو المذابح: سأذبحُهُ.‏

الحطّابة : كفى.‏

أبو المذابح: اتركوني.‏

الحطّابة : اترُك السيف. (تنجح في أخذ السيف من يده).‏

أبو المذابح: (لِمِرداس) لن تفلتَ منّي وسأقتلك.‏

عبّاس : اعقِلْ يا رجُل. الجريمةُ ليست بُطولة.‏

مِرداس : اسمعوا جميعاً إذاً. بعدَ قليلٍ يطلعُ النهار، وسوف أذهبُ إلى بغدادَ وأشكوكم إلى قاضي القضاة. أمّا الخروفُ فلن يرضعَ من بقرَتي ولو بمالِ الدنيا كلِّها، وليس في الدنيا قوّة تجبرُني على إِرضاعِهِ. هيّا انصرِفوا لكي أنام. هيّا بسرعة.‏

عبّاس : (لأبي المذابح والحطّابة) هيّا بنا.‏

أبو المذابح: إلى أين؟...‏

عبّاس : اخرجوا حتى نتفاهَمَ، هيّا. (يخرج فيتبعه أبو المذابح ثم الحطّابة).‏

(مِرداس يتجسّس على المشهد التالي).‏

(13) (عبّاس وأبو المذابح والحطّابة يسيرون نحو بيتها. عبّاس يمسك أبا المذابح ليحادثه على انفراد فتتجاوزهما الحطّابة وتدخل إلى بيتها لكنها تطلّ وتسترق السمع والنظر).‏

عبّاس : الآنَ توصّلتُ إلى حلِّ المشكلة. والحلُّ عندَك.‏

أبو المذابح: لا تحرِّضْني على الجريمة.‏

عبّاس : لا أقصِدُ الجريمة؛ بل حلَّ المشكلة.‏

أبو المذابح: حيَّرتَني. ما هذا الحلّ؟...‏

عبّاس : تتزوّجُ الحطّابة.‏

أبو المذابح: أهذا وقتُ الزَواجِ يا كاتِبَ الحكايات؟‍ هذا وقتُ الخروف.‏

عبّاس : تزوَّجْ فوراً فتنتهي مشكلةُ الخروف.‏

أبو المذابح: يا أخي فَهِّمْني؛ لستُ أفهم.‏

عبّاس : عندما تتزوّجُ الحطّابة، يخافُكَ مِرداسُ ويخافُها فلا يرفعُ سعرَ الرضاعة، ويقبلُ بالحطبِ أيضاً.‏

أبو المذابح: حيّاكَ اللهُ على ذكائك. وكُرمى لكَ وللخروفِ سوف أتزوّجُ الحطّابة.‏

عبّاس : هيّا نشاورُها.‏

أبو المذابح: لكنّها مسكينة... وسوف تشقى بهذا الزواج.‏

عبّاس : هذا الزواجُ عَيْنُ السعادة؛ أنتَ تحميها وتحمي الخروف، وهي تساعِدُكَ وتُسْعِدُك.‏

أبو المذابح: لكنني لن أُسعِدَها؛ روحي دائماً على كفيّ وحياتي دائماً في خطر.‏

عبّاس : كلّنُا نتعرّضُ للخطر.‏

أبو المذابح: سيّدي القاضي أنا فقير.‏

عبّاس : هي أيضاً فقيرةٌ، وهكذا تتناسَبان.‏

أبو المذابح: وكيف أعرفُ أنها تقبلُني؟...‏

عبّاس : اخطِبْها فتعرف.‏

أبو المذابح: أنا خجولٌ بطَبعي؛ أخجلُ من النساء.‏

عبّاس : ألا تريدُ إنقاذَ الخروف؟..‏

أبو المذابح: أريدُ لكنْ.. أخافُ أن ترفضَني الأرملة.‏

عبّاس : كلِّمْها عن إنقاذِ الخروفِ فتقبلُ وتقتنع.‏

أبو المذابح: أنا جاهلٌ في الإقناعِ؛ لا أُقْنِعُ أحداً ولا يُقْنَِعُني أحد.‏

عبّاس : أعوذُ باللهِ من عِنادِكِ.‏

(14) (عبّاس يسير نحو بيت الحطّابة فيفاجئها تتجسّس فتهرب، فيخاطبها ويسمعهما أبو المذابح).‏

عبّاس : تعالَي، تعالَي. لقد سمعتِ كلامَنا كلَّهُ فقرِّري.‏

الحطّابة : (مرتبكة) أنا.. أنا.. قصدي؛ أبو المذابحِ رجلٌ طيّب. لكنّي أرفضُهُ حِرصاً على حياتِهِ، أنا منحوسةٌ وجَلاّبةٌ للمصائب. وجميعُ أهلِ القريةِ يعرفونَ هذا ويبتعدونَ عنّي.‏

عبّاس : هذا كلامٌ سخيف.‏

الحطّابة : ليس سخيفاً؛ بعدَ زواجي بيومينِ احترقَ زوجي بالصاعقة.‏

عبّاس : اسكتي، اسكتي. أبو المذابحِ زوجٌ مناسبٌ ويحبُّ أن تَقبليه. هيّا قولي إنك موافقة.‏

الحطّابة : أنا... سيّدي.. أخجَل.‏

عبّاس : (فاقداً صبره) أنتِ تخجلينَ وهو يخجلُ أمَّا أنا فلا أخجل. أنا لم أعُدْ أحتمِل.‏

الحطّابة : هناكَ مشكلةٌ ثانية؛ أبو المذابحِ شَهْمٌ وطيّبٌ ولكنَّهُ متهوِّرٌ، لا يفكّر.‏

عبّاس : تزوّجيهِ وعَقِّليهِ.‏

الحطّابة : لا أحدَ يَعقِّلُه.‏

عبّاس : لكنْ لأجلِ الخروف.‏

الحطّابة : لأجلِ الخروف.. موافِقة.‏

عبّاس : الآنَ أعقُدُ زواجَكُما بالشرعِ والقانون. تعالَي معي. (يشدّها من يدها ويسرع نحو أبي المذابح الذي يهمّ بالانصراف فيدركه عبّاس ويمسكه باليد الثانية) تعالَ ياهرّاب. هيّا. (يوقفهما) قولي له: زوَّجتُكَ نفسي على سُنَّةِ الله.‏

الأرملة : أَخْجَلُ يا أخي، أخجل...‏

عبّاس : (لأبي المذابح) تعني أنَّها تقولُ إنها زوّجتكَ نفسَها على سنَّةِ الله.‏

أبو المذابح: ونِعْمَ بالله.‏

عبّاس : (للحطّابة) يقولُ إنه قبلَ زواجَكِ إن شاءَ الله. الفاتحة.(ويتلو الفاتحة في سرِّه بسرعة)... ولا الضالّين، آمين. (ويخرج من جيبه تمرة فيقدّمها لأبي المذابح) وهذا مَهرُ الزواج.‏

أبو المذابح: (يأخذ التمرة لا يدري ما يفعل). ماذا أفعلُ بها؟...‏

عبّاس : (وهو يأخذ التمرة ويعطيها للحطّابة) أعطِها إِيَّاها فهي مَهرُها... (ثمَّ للحطّابة) هيّا اقسمِيها بينَكِ وبينَهُ فهي حلاوةُ الزواج.‏

(الحطّابة تشقُّ التمرة نصفين فتعطي لأبي المذابح نصفاً وتضع الآخرَ في فمها فيفعلُ أبو المذابح مثلَها ويمضغان.).‏

عبّاس : (وهو يشدّهما نحو باحة الحظيرة) ألفُ بركةٍ إن شاءَ الله.‏

(15) (في باحة الحظيرة)‏

(مرداس يرى القادمين فيتظاهر بالانصراف إلى داره).‏

(عبّاس يدخل بهمّة ويتبعه أبو المذابح والحطّابة).‏

عبّاس : تعالَ لا تذهبْ. تعالْ.‏

مِرداس : ما هذه الليلةُ المزعجة؟!...‏

عبّاس : اسمحْ لي بالكلام.‏

مِرداس : لكنْ باختصار.‏

عبّاس : القضيّةُ باختصارْ: أنَّ هذا الرجُلَ تزوّجَ هذه المرأة. والعرسُ غداً إن شاءَ الله.‏

مِرداس : هذا يسرُّني.‏

عبّاس : وأنا –باختصار- جئتُ أدعوكَ لتحضُرَ غداً حفلَ الزواج.‏

مِرداس : لقد كرّمَتني.‏

عبّاس : والخروفُ جائعٌ منذ ثلاثةِ أيّامٍ فهل سيرضع؟..‏

مِرداس : يرضعُ كما يريد.‏

عبّاس : والسعرُ كالسابق: الحطبُ مقابلَ الحليب، وكلَّ حزمةٍ برضعَتين.‏

مِرداس : كلاَّ، لقد ظلمتَني.‏

عبّاس : ماذا تعني؟...‏

مِرداس : جارتي صارَ عندها من يدفع، والرضعةُ صارَتْ بدرهمين.‏

أبو المذابح: أنا لا أكسبُ درهماً واحداً كلَّ يوم.‏

مِرداس : هذه مشكلتُك.‏

أبو المذابح: يعني: تزوّجْنا ولم نخلَصْ من شرِّك؟!...‏

مِرداس : طلِّقْها إِذاً واخلَصْ من شرّي وشرِّها.‏

أبو المذابح: بل سوفَ أتزوّجُ وأقلعُ عينَك. ولا أملِكُ الآنَ رُبعَ دِرهم.‏

مِرداس : احصَلْ على المالِ وأنا في خدمتِك.‏

الحطّابة : الآنَ عرفتُ ما تريد. تريدُ أن تُغيظَني بِموتِ الخروف.‏

مِرداس : أنتِ المسؤولةُ عن موتِهِ.‏

الحطّابة : لكنَّكَ تموّتُ البقرة.‏

مِرداس : أنا حرٌّ بحياتِها وموتِها مادمتُ أملِكُها.‏

عبّاس : المصيبةُ أنَّكَ تملِكُها؛ فعندما يملِكُ الإنسانُ شيئاً كالبقرة، يصيرُ حرّاً في تجويعِ الآخرينَ وحِرمانِهم من حقِّ الحياة.‏

أبو المذابح: يعني: يقتلُ الآخَرين.‏

مِرداس : هي التي تقتلُ الخروف؛ (يعني الحطّابة) تملكُهُ وتعجزُ عن ثمنِ حليبِهِ، وتتمسّكُ بهِ حتى يموت.‏

الحطّابة : كنت أتمسّكُ بهِ لأني أملِكُهُ. والآنَ أتخلَّى عنهُ لكي يعيش... خذْهُ بِلا مقابل. لقد صارَ مِلكَك.‏

أبو المذابح: لا يجوز.‏

مِرداس : طبعاً لا يجوز. خروفٌ صغيرٌ ضعيفٌ سيرضعُ الكثيرَ حتى يكبر، وهكذا أكونُ خَسران.‏

أبو المذابح: غيرُ معقول.‏

عبّاس : وكيف تأخذُهُ بِلا خَسارة؟...‏

مِرداس : كُرمى لِعِلْمِكِ ومكانَتِكِ، وشفقةً على اليتيمِ المسكينِ (يعني الخروف) آخذُهُ وأملِكُهُ، وآخذُ منها حزمةَ حطبٍ كلَّ يومٍ حتى يكبرَ وينفطِمَ عن الرضاعة.‏

أبو المذابح: لا يجوز.‏

الحطّابة : قلْ هذا من البداية.‏

مِرداس : افهميها أنتِ من البداية.‏

أبو المذابح: (يشهر سيفه على مرداس) لا يجوز.‏

عبّاس : اهدأْ ودعْني أشتغل؛ أنا مسؤولٌ عن هذا كلِّهِ أمامَ قاضي القضاة (وللحطابة) هاتي الخروف.‏

الحطّابة : أهذه عدالتُك؟...‏

عبّاس : بل هي عدالةُ القانون، فهل تريدينَ أن يموتَ الخروف؟ هيّا بسرعة.‏

(الحطّابة تخرج بسرعة وهي مغلوبة وناقمة).‏

عبّاس : (لِمِرداس) أخرِجْ البقرة.‏

مِرداس : حالاً يا سيّدي القاضي، يابنَ الأكارمِ.(يفتح للبقرة).‏

أبو المذابح: (لِعبّاس من مكانه ويكاد ينفجر من الغيظ) عدالتُكَ أسوأُ من طمعِهِ. أكادُ أنفجر.‏

(16) (البقرة تخرج ، وتأتي الحطّابة بالخروف فيسرع نحو البقرة التي تحتضنه).‏

البقرة : خروفي...‏

الخروف : أمّي..‏

(البقرة والخروف يتبادلان القبل).‏

عبّاس : (للبقرة) أعطيهِ رضعة.‏

البقرة : فوراً، فوراً.(تسحب رضّاعة وتلقّمها للخروف).‏

مِرداس : (لنفسه بصوت مسموع) أخيراً مَلَكْتُ الخروفَ واستعبدْتُ مالكةَ الخروف.. وسوف أملِكُ أراضي القريةِ كلِّهَا قطعةً قطعة. وعندها.. تكونُ القريةُ كلّها طَوْعَ أمري. وأهلُها يشتغلونَ عندي مثلَ العبيد.(ثم يتذكّر) لكنَّه رضِعَ كثيراً، هذا اللعين. (ينتبه إلى أن الخروف يرضع بشراهة فيسرع إلى الهراوة ويهدد البقرة والخروف)، كفى، كفى. (ينتزع الرضّاعة من الخروف ويعيدها إلى زنار البقرة ثم ينتزع الخروف من يديها) ومنذ اليومِ يرضعُ قطرةً في الصباحِ وقطرةً في المساءِ والباقي لي.‏

البقرة : (تحاول استرداد الخروف) لا.. لا.. لا..‏

الخروف : (يبكي) ماما..‏

مِرداس : اتركيه أو أخنقُهُ. ابتعدي أو أخنقه. ومنذ اليومِ لا رفضَ ولا تمرّد. وإلاَّ فإني أخنقُهُ.‏

(البقرة تتراجع وتنهار باكية).‏

أبو المذابح: ويلَكَ يا عدوَّ الحياة. (يشهر السيف) الآنَ أذبحُكَ ولا يمنعُني أحد.‏

عبّاس : بل سيرى عدالتي أنا وهي تُرضي الله وترضي قاضي القضاة. (يأخذ الحبل ويهتف) هيّا اربِطوه.‏

(يهجمون على مِرداس ويربطونه ببعض الحبل خلال الحوار التالي):‏

مِرداس : ما هذا؟! ما هذا؟!‏

أبو المذابح: اخرسْ ياعدوَّ الحياة.‏

(البقرة تنهض بالخروف).‏

أبو المذابح: شُدّوا عليه، شدّوا بقّوة.‏

(يشدّون الحبل على جسم مِرداس وتنضم إليهم البقرة ثم الخروف).‏

مِرداس : الرحمة.. الرحمة...‏

الحطّابة : الآن تذكّرت الرحمة!؟..‏

عبّاس : سنرحمكَ إلى الأبد، ونخلِّصُ الناسَ كلَّها من شرِّك.‏

البقرة : سنرسلُكَ إلى المكان المناسب؛ أعلى مزبلةٍ في آخرِ الدنيا.‏

أبو المذابح: هيّا جميعاً، ارجموه.‏

(يطوّحونه بشكل دائري).‏

الثلاثة : (وهم يطوّحونه) هوه.. هوه.. هوه..‏

أبو المذابح: هيّا بنا... طيِّروه.‏

الجميع : هيه...(يفلتون الحبل فينقذف مرداس طائراً إلى خارج المسرح).‏

عبّاس : عافاكمُ الله... وهاهي الشمسُ تشرقُ وأنا عائدٌ إلى قاضي القضاة.‏

أبو المذابح: لا يجوز..‏

عبّاس : ما الذي لا يجوز؟...‏

الحطّابة : تحضُرُ عُرْسَنا ثمَّ تذهب.‏

عبّاس : (مقلّداً لهجة أبي المذابح) على عيني. هيّا نخبِّرُ القرية.‏

أبو المذابح: لا يجوز.‏

عبّاس : ماذا أيضاً؟! أطلَعْتَ روحي.‏

أبو المذابح: لن تذهب حتى تفهِّمَني: لِمَن صارَ الخروف؟...‏

البقرة : لي أنا.‏

أبو المذابح: والبقرةُ وهذه الدارِ، لِمَنْ أيضاً؟...‏

الحطّابة : للقرية.‏

البقرة : والقريةُ كلُّها وبكلِّ مافيها للجميع. هيّا نغنّي.‏

(الجميع يخلعون بعض أزيائهم ويغنّون).‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | دليل الأعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244