|
||||||
| Updated: Sunday, January 29, 2006 01:33 PM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
ـ المشهد الرابع (قاعة عرش شهريار) (شهريار على عرشه وهو يحمل رسالة) (ماهين واقف أمامه) شهريار: لا تقل إني غافل عن أمور مملكتي وإلا قطعت رأسك. ماهين: ما تقول في الغارة علينا إذن؟ شهريار: ما هي إلا غارة قام بها جنود لا ضابط لهم. بهذا (يرفع الرسالة) أخبرني الملك السكيت. ماهين: أتصدق رجلاً ما عرفتَ منه إلا الغدر؟ شهريار: (يصرخ) زوجني الليلة فتاة عذراء صغيرة جميلة. ماهين: آن لك أن تكف عن قتل بنات الناس يا مولاي. شهريار: احذر أن تخالفني يا ماهين. ماهين: الناس يهربون ببناتهم حتى تعطلت مصالح البلاد وساءت المعيشة. شهريار: فكِّرْ بي ولا تفكر بالناس. ماهين: لا أستطيع أن أفكر إلا بهم. فأنت الملك وأنا وزيرك. شهريار: أنت تتجرأ عليَّ يا ماهين. ماهين: أيكون الشجاعُ في الحرب جباناً في الإخلاص للملك؟ شهريار: الإخلاص للملك في طاعته. ماهين: الإخلاص للملك في نصحه. وإن كنت لا تريد نصيحتي فأعفني من الوزارة لك. شهريار: ستعود رجلاً من العامة كما كنت. ماهين: سأتخلص من المشاركة في المذبحة. شهريار: زوجني الليلة فتاة صغيرة عذراء جميلة وكفى. ماهين: أنا مستعف من الوزارة. شهريار: (وهو يدخل غرفته) نفذ ما أمرتك به. (شهريار يدخل غرفته. ماهين يهم بالخروج. تدخل شهرزاد) ماهين: كيف دخلت إلى هنا يا شهرزاد؟ شهرزاد: بالحيلة. ماهين: ولماذا جئت إلى هنا بالحيلة؟ شهرزاد: سأكون الليلة زوجة الملك. ماهين: أتريدين الموت يا ابنتي؟ شهرزاد: بل أريد الحياة. ماهين: تطلبين الزواج من هذا الملك السفاح وتريدين الحياة؟ شهرزاد: زوجني من الملك يا أبي. فإما أن أنقذ بنات جنسي ونفسي، وإما أن أكون فداء لهن. ماهين: كيف تنقذين نفسك وبنات جنسك؟ شهرزاد: دع ذلك لي. ماهين: وإن قتلك الملك؟ شهرزاد: كانت منيتي على يده. والأعمار بيد الله. ماهين: كيف خطر لك أن تتزوجي الملك؟ شهرزاد: ابنة الوزير الحكيم تعلمت من والدها كيف تفكر. ماهين: لا يطاوعني قلبي يا ابنتي. شهرزاد: ألستَ وزيره ومشيره؟ ماهين: بلى. شهرزاد: أليس من واجبك أن تسعى لخير البلاد والعباد؟ ماهين: بلى. شهرزاد: ألا تكون خائناً للأمانة إن لم تكن صادقاً في الفعل والقول مع الملك؟ ماهين: بلى. شهرزاد: إذا قبلتَ لبنات الناس ما لا تقبله لابنتك، فماذا تكون؟ ماهين: إنه القتل الذي لا رحمة فيه. شهرزاد: قل إنه التضحية التي لا بد منها. ماهين: لكني أخبرته أني مستعف من وزارته. شهرزاد: ابق في وزارتك. ووافقني على ما أقول. وسوف ترى. لكن لا تقل له إنني ابنتك. (شهريار يدخل مندفعاً) شهريار: أين هي عروسُ الليلة يا ماهين؟ شهرزاد: أنا هي يا مولاي. جئتك بنفسي لأزف إليك نفسي. (تلتفت إلى ماهين) اذهب يا وزير. (ماهين يذهب) شهريار: ادخلي غرفة النوم. شهرزاد: لا أيها الملك. تخطبني أولاً. ثم تحادثني حتى تعرفني. ثم تعقد قرانك علي. ثم تفعل بي ما تشاء. شهريار: ممن أخطبك يا فتاة؟ شهرزاد: من نفسي. هيا. اطلبني للزواج. (شهريار يتأملها ويدور حولها وهي في أبهى جمالها) شهريار: ما اسمك يا فتاة؟ شهرزاد: شهرزاد. شهريار: أتعرفين ما أمامك يا فتاة؟ شهرزاد: ليلةُ عرس تفوح بالدم. وضربةُ سيفٍ في الصباح قاتلة. شهريار: تعرفين هذا ولا تخافين؟ شهرزاد: الأجل محتوم. شهريار: محتوم على يدي. شهرزاد: أخطأت أيها الملك. يقتلني أجلي ولا يقتلني سيفك. شهريار: ألا تخافين من مواجهتي؟ شهرزاد: لا أخاف من رجل يحتمي بسيفه لا برجولته. شهريار: أنت تعجِّلين قتلك يا فتاة. شهرزاد: لا فرق بين قتل في المساء أو قتل في الصباح. إنما الفرق بين قاتل ضعيف وبين رجل قوي رحيم. شهريار: أتعتبرينني ضعيفاً؟ شهرزاد: أنت ضعيف وجبان. شهريار: أنت تُغضِبينني يا فتاة. شهرزاد: اغضب كما تشاء. وافعل ما تشاء. (شهريار يسحب سيفه) شهرزاد: ارفع سيفك واضرب. شهريار: الآن أهوي عليك بسيفي. شهرزاد: عجل. (يضع السيف على عنقها) شهريار: ما تقولين الآن؟ شهرزاد: بلغني أيها الملك السعيد. ذو العقل الرشيد والعمر المديد. أن.. شهريار: أن ماذا؟ شهرزاد: هذه بداية حكاية أرويها لك. فهل تحب أن أروي لك هذه الحكاية؟ شهريار: حكاية؟ شهرزاد: نعم. فأنا أروي الحكايات لمن يُحسِن سماعَها ويفهم مغزاها. شهريار: لم يخطر في بالي يوماً أن أسمع حكاية. شهرزاد: عظماء الملوك قبلك كانوا يحبون أن يسمعوا قصص الحاضرين وحكايات الماضين. ففيها عبرة تعينهم على فهم الدنيا وأحوال الناس. شهريار: احكي لي واحدة. شهرزاد: كيف أحكي والسيفُ على عنقي؟ شهريار: سيظل السيف على عنقك حتى يفصل الرأسَ عن الجسد. (يحز السيف على عنقها) ألا تخافين؟ شهرزاد: طبعاً أخاف. لكنك تحرم نفسك الحكاية إن قتلتني. شهريار: إن رفعت عنك السيف الآن، فسوف أهوي به على رأسك في الصباح. شهرزاد: الصباح يوم آخر وقدر جديد. أنزِلْ سيفك. شهريار: (يرفع سيفه عن عنقها) تكلمي. شهرزاد: اعقد قراني عليك أولاً. (تنادي) يا وزير. (يدخل ماهين) كن وليَّ أمري وزوجني من الملك. اسمي شهرزاد. (ماهين يتردد) شهريار: افعل ما تقول هذه الفتاة. ماهين: (إلى الملك) أزوجك شهرزاد على مهر معجَّله.. شهرزاد: سيف. ماهين: ومؤجله.. شهرزاد: سيف. شهريار: ما هذا المهر الغريب؟ شهرزاد: السيف عدتك وسلاحك. ماهين: هل تقبل يا مولاي؟ شهريار: أقبل. شهرزاد: وأنا أقبل. انصرف يا وزير. (ماهين يخرج) شهريار: صرت زوجتي. والآن تكلمي. شهرزاد: لن أتكلم إلا بشروط. شهريار: وتفرضين عليَّ الشروط؟ شهرزاد: (تصرخ قليلاً) هيا. اقتلني ولا تسمع حكاياتي. شهريار: ما هي الشروط؟ شهرزاد: إذا أدركني الصباح سكتُّ عن الكلام المباح. فلا أنطق بحرف واحد. شهريار: في الصباح تُقتَلين فلا تستطيعين الكلام. قبلت هذا الشرط. شهرزاد: وأن تتخيل الحكاية معي. شهريار: أتخيل؟ شهرزاد: لا تحلو الحكايات إلا بالتخيل. شهريار: كيف أتخيل؟ شهرزاد: إذا قلتُ إنه كان في إحدى المدن رجلٌ شحاذ له زوجة جميلة، وجب أن تتخيل نفسك الشحاذ، وتتخيلني زوجتك الجميلة. شهريار: أتخيل نفسي شحاذاً؟ شهرزاد: وقد تتخيل نفسك لصاً. وتتخيل وزيرك ماهين ملكاً أو صعلوكاً. وتتخيل النديم حيران عدواً. وتتخيل القاضي مجرماً. وهكذا... شهريار: هذا شيء جميل يجعل الحكاية أحلى. لكن.. كيف تعرفين أسماء وزيري ونديمي وأن لديَّ قاضياً؟ شهرزاد: (تضحك) ما أجهلكم وما أبأسكم أنتم الملوك. شهريار: الملوك جاهلون وبائسون؟ شهرزاد: وكل من يكون في سدة الحكم مثلُكم. شهريار: أين يكمن جهلنا وبؤسنا يا حكيمة العصر؟ شهرزاد: تظنون أن جدران قصوركم تحميكم وتحمي أخباركم وحياتكم. وإذا سمحت لي أن أقول الحقيقة.. شهريار: سمحت لك. قولي. شهرزاد: فضائح الملوك لا تخفى على أحد. هل قبلت شرط التخيل؟ شهريار: قبلت. شهرزاد: بقي الشرط الثالث. شهريار: ما هو؟ شهرزاد: أن تبتسم. شهريار: أبتسم؟ شهرزاد: نعم. شهريار: ولماذا أبتسم؟ شهرزاد: حتى أندفع في الحكاية وروايتها. فلا ينقطع نفسَي ولا تضطرب كلماتي. (لحظة صمت) شهريار: منذ عام لم أبتسم. شهرزاد: الآن تبتسم. جرِّبْ (يبتسم ابتسامة أقرب إلى التكشير) شهرزاد: هذه ابتسامة؟ هذه عبْسةٌ كريهة تنفِّر الناسَ منك. كيف قبلنا بك ملكاً وأنت على هذا الشكل؟ ألا تصدق؟ سترى بنفسك. (تنادي) دردبيس. شهريار: وتنادين مربيتي؟ كأنك سيدة هذا القصر. شهرزاد: أنا زوجتك. وزوجة الملك سيدة قصرها. شهريار: وتجعلين من قصري قصراً لك دون خجل؟ شهرزاد: هل رأيت زوجة تخجل من زوجها؟ صحيح أنكم جاهلون أيها الملوك. (تدخل دردبيس) دردبيس: ماذا تريد يا مولاي. شهرزاد: قولي يا مولاتي. دردبيس: لن يكون لي سيدة بعد مولاتي نور العيون. شهريار: إياك أن تنطقي باسم تلك الخائنة. وشهرزاد مولاتك الجديدة. (دردبيس تنظر إلى شهرزاد بقرف) دردبيس: ماذا تريدين يا.. يا مولاتي؟ شهرزاد: أحضري مرآة لشهريار. (دردبيس تخرج) شهريار: أتقولين شهريار.. هكذا من غير مولاي أو الملك؟ شهرزاد: (تضحك) أنت تثبت لي أن الملوك جاهلون وبائسون. شهريار: أنت تزدادين وقاحة يا فتاة. شهرزاد: أنت الذي تزداد جهلاً يا شهريار. شهريار: كيف؟ شهرزاد: هل تقول زوجة الوزير مثلاً لزوجها وهما يأكلان أو ينامان: سيدي الوزير؟ شهريار: لكنني الملك. شهرزاد: أنت ملك على الناس. ولا أدري إن كنت ملكاً صالحاً. أما هنا فأنت شهريار. وأنا زوجتك. ومن هذه اللحظة إياك أن تقول يا فتاة. بل تقول: يا زوجتي الحلوة. يا شهرزاد الجميلة. يا حبيبتي. وألفاظ من هذا النوع. تعلَّم أيها الملك الجاهل. تعلَّم. شهريار: قولي ما تشائين. في الصباح تُقتَلين ويتوقف لسانك الثرثار هذا عن الكلام. شهرزاد: وحتى يحين الصباح لن تكون إلا طوع أمري وعجينة بين أصابعي. (تدخل دردبيس بالمرآة) شهرزاد: هاتي المرآة يا دردبيس. (دردبيس تنظر إلى شهريار كأنها تسأله: هل تطيعها؟ شهريار يهز رأسه موافقاً. تعطيها المرآة بقرف) شهرزاد: (تضع المرآة أمام شهريار) ابتسم وانظر بنفسك في المرآة. (شهريار ينظر إلى وجهه في المرآة فلا يعجبه المنظر. يرمي المرآة بغضب) شهريار: ابدئي الحكاية. شهرزاد: هل قبلت الشرط الثالث؟ شهريار: قبلته. شهرزاد: ابتسم إذن. (شهريار يبتسم) شهرزاد: تعال واجلس أمامي. (يجلسان. لكنها لا تتكلم) شهريار: لماذا لم تبدئي الحكاية؟ شهرزاد: أتريد أن تسمع الحكاية وحدك؟ شهريار: ومن تريدين أن يسمعها؟ أهلُ المدينة كلهم؟ شهرزاد: لا تحلو الحكاية إلا بالجمع الكثير. شهريار: ماذا تقصدين؟ شهرزاد: ليكن معك من يسمعها. شهريار: (ينادي) دردبيس. ماهين. حيران. (يدخلون) (حيران يبدو مخذولاً كأنه مريض) شهريار: اجلسوا معي. ابدئي. شهرزاد: بلغني أيها الملك السعيد. ذو العقل الرشيد والعمر المديد. أنه في قديم الزمان وسالف العصر والأوان، كان في بلاد مصر المحروسة، ذات الوجوه المأنوسة، سلطان عظيم الشان. له جندٌ وأعوان. (موسيقى) (تستمر شهرزاد في الحكاية) (صوت صياح الديك. شهرزاد تسكت) شهريار: هيه. ماذا قرر سلطان مصر؟ (بقسوة لأن شهرزاد لا ترد) أكملي. ماهين: لن تسمع اليوم تتمة الحكاية يا مولاي. شهريار: لماذا؟ ماهين: أدرك شهرزادَ الصباح. فسكتت عن الكلام المباح. سمعتها تقول لك هذا. شهريار: ماذا يعني ذلك؟ ماهين: يعني أن تنتظر الليلة القادمة حتى تسمع بقية الحكاية. شهريار: هل تظنين أنك ناجية من سيفي بسكوتك؟ لا تظني هذا. فقد طلع الصباح ووجب أن أقطع رأسك بسيفي. دردبيس: اقتلها يا مولاي. فهي من صنف النساء الخائنات. ماهين: لكنها أول إنسان يعرف كيف يسليك بالحكايات الجميلة بعد أن فقدت التسلية. دردبيس: أتجعلك حكاية سخيفة تنسى ما فعلتَه بغيرها؟ هيا يا مولاي. اسحب سيفك واقطع رأس الخائنة. ارفع سيفك. (شهريار يسحب سيفه ويرفعه فوق رأس شهرزاد التي تظل جامدة الوجه) شهريار: سأطيل عمرك يوماً آخر حتى أسمع تتمة الحكاية. دردبيس: اقتلها كما قتلت نور العيون. شهريار: اخرسي يا عجوز النحس. (يعيد سيفه إلى غمده) خذيها إلى غرفة نومي. دبري لها فراشاً خشناً تنام عليه. وأطعميها خبزاً وماء فقط. ماهين: أعرفك من أهل الكرم يا مولاي. شهريار: إلا اليوم. ماهين: الكريم كريم في كل يوم. (شهريار يشير إلى دردبيس أن تذهب مع شهرزاد تدخلان غرفة النوم) ماهين: اجعليها تنام في سرير الملك بعد إذن مولانا. (شهريار يهم بالخروج من الباب الثاني) ماهين: ألن تنام في فراشك يا مولاي؟ شهريار: سأنام في جناح الضيوف. ماهين: لكنك.. شهريار: لن أنام في غرفتي وكفى. (شهريار يخرج مسرعاً. حيران يبكي) ماهين: لماذا تبكي؟ حيران: منذ عام لم يكلمني الملك ولم ينادمني. ماهين: ستنقضي أيام غضب الملك ويعود إلى حاله فيكلمك وينادمك. حيران: كنت أقول هذا لنفسي. لكن هذه الفتاة البلهاء أبرع مني في الكلام والمنادمة. ألا تراها فتنت الملك بنصف حكاية؟ ماهين: افرح بها يا حيران. قد تُوقِف قتلَ النساء. حيران: لكنها ستأخذ مكانتي عند الملك. إذا استمر الحال معها على هذا الشكل فسوف أحفر قبرها بيديَّ هاتين. (ماهين يمسكه من خناقه) ماهين: احذر من الإيقاع بها يا سمج. حيران: لماذا؟ ماهين: لأني آمرك بهذا وكفى. حيران: هل أصابك الملك بمرض الاستبداد بالرأي؟ ماهين: في شأن الملكة شهرزاد نعم. حيران: كما تريد. كما تريد. ومن أجلك سوف أدافع عنها. هل أنسى أنك أدخلتني إلى هذا القصر؟ (إظلام خفيف) (تعود الإضاءة) (يدخل القاضي. ماهين وحيران جالسان) القاضي: ماذا جرى مع الملك في الليلة الماضية؟ ماهين: لا أعرف. (يأتي صوت الأغنية) الأغنية: لم يخلق الرحمن أجملَ منظراً من عاشقين على فراش واحد (يدخل شهريار من الباب الثاني بشكل عاصف) شهريار: أسكِتوا هذه الأغنية القبيحة. (الغناء يسكت) (شهريار يصعد إلى عرشه) شهريار: ستبقى شهرزاد عروساً لليلة ثانية. ليلة ثانية فقط. (حيران يقترب من العرش) شهريار: ابتعد عني يا حيران. نفسي لا تطيق رؤية وجهك القبيح. (حيران يصفق فرحاً ويقفز) حيران: من سنة لم تكلمني ولم تشتمني ولم ترفض نفسُك رؤيةَ وجهي. شهريار: إذا نطقت بحرف واحد فلن تعرف ما يحدث لك. حيران: (وهو أكثر سروراً) ورجعتَ إلى تهديدي أيضاً؟ اسمع أيها القاضي كيف يهددني الملك. بعد قليل سأركب ظهرك وظهر الوزير. (إلى ماهين) أترى؟ عادت مكانتي عنده كما كانت. شهريار: منذ زمن طويل لم تحدثني في شؤون مملكتي يا وزير. ماهين: سأكون صريحاً معك يا مولاي. شهريار: على أن لا تكون وقحاً. ماهين: أخشى أن تتردى أحوالنا يا مولاي. شهريار: وماذا تفعل أنت؟ ألم ألْقِ إليك مقاليد البلاد ترعاها وتنظر في أمرها؟ ماهين: أنت الرأس يا مولاي. حيران: احذر على رأسك يا وزير. ماهين: ولا ينتفع الجسم بالأعضاء إن أصاب الرأسَ وجع. شهريار: أتراني رأساً فاسداً؟ ماهين: ما قلت هذا يا مولاي؟ شهريار: لم يبق إلا أن تقول هذا. ماهين: أنا أخشى أن يضعف أمرنا. فإذا ضعف أمرنا هزمَنا الملك السكيت في معركة واحدة. شهريار: أنت تعود إلى خوفك الكاذب من ذلك الملك المهزوم المسكين. ألديك شيء آخر تقوله؟ ماهين: لا. شهريار: أنا عندي ما أقوله. ماهين: تفضل يا مولاي. شهريار: أنت لا تأخذ الناس بالشدة. ماهين: آخذهم بالحزم. شهريار: وهل تظن الحزم يكفي حتى يطيعني الناس؟ ماهين: أمِّن الناسَ على حياتهم وأعراضهم يطيعوك. وبالحزم الممزوج باللين تسير الأمور. شهريار: هذه رخاوة في الحكم يا وزير. فبالحزم الممزوج بالشدة نروِّع الناس ونخوفهم. ولهذا.. عليك أن تعاقب على الظن، وأن تقتل على الشبهة. وخاصة النساء. ماهين: كنت تقول إن النساء لا يليق بهن إلا الرحمة. شهريار: بل أقول إن النساء لا يؤدبهن إلا السيف. أفهمت ما أقول؟ ماهين: لا أستطيع فهم ما تقول. شهريار: واعلم أن الرجال قوامون على النساء. ولولا ذلك لما كان أمام هذا الجنس الفاسد إلا الضلال. وإذا لم تفهم هذا فسوف أقبل استعفاءك من الوزارة. هل فهمت؟ ماهين: (بعد تردد) فهمت. شهريار: (بشماتة) هكذا تكون مطيعاً لمولاك الملك. (يلتفت إلى القاضي) وأنت أيها القاضي. ما هي السياسة التي تسير عليها في القضاء؟ القاضي: أن الرحمة فوق العدل. شهريار: هذا هو الضعف بعينه أيها القاضي الضعيف. القاضي: لكن هذا ما أمرتني به. شهريار: بل أقول إن القسوة فوق العدل. وإن الشدة أصل العدل. فعاقِبْ بالجلد على الهفوة. وبقطع اليد على الغلطة. وخاصة بين النساء. وإذا لم تفهم هذا يمكنك أن تستعفي من منصب القضاء. القاضي: فهمت يا مولاي. فهمت. سأنفذ ما تقول. شهريار: اقترب يا ضياء. (الحاجب يقترب) هل تزوجت الفتاة التي كنت تحبها؟ الحاجب: لا. شهريار: لماذا؟ (الحاجب يطرق برأسه ولا يرد) تكلم ولا تخف. الحاجب: خشيت من خيانتها وغدرها. شهريار: أنت تفهم أحسن مما يفهم القاضي والوزير. الحاجب: استرجعت منها الهدية التي أخذتها منك. (الحاجب يخرج العقد من جيبه ويقدمه لشهريار) شهريار: احتفظ به. وتصرف به كما تريد. (شهريار ينهض) حيران: أين سيمضي مولاي ليلته المباركة؟ شهريار: سأنام في جناح الضيوف. (شهريار يتجه ليخرج) حيران: أتعرف من هو المجنون يا مولاي؟ شهريار: من هو؟ حيران: الذي يشتهي تفاحة ولا يأكلها. وهل تعرف من هو قليل العقل؟ شهريار: أهو واحد غيرك؟ حيران: الذي تقع التفاحة في حضنه ويرميها. وهل تعرف من هو السخيف؟ شهريار: من هو؟ حيران: أنا. شهريار: صدقت. حيران: إذا كنت أنا السخيف. فمن هو المجنون وقليل العقل؟ شهريار: ابتعد عن طريقي يا حيران. (شهريار يتابع طريقه ويخرج) (يخرج بعده ماهين والقاضي وحيران) (تدخل دردبيس من غرفة النوم وتجلس وتبكي) الحاجب: لماذا تبكين يا دردبيس؟ دردبيس: (وقد فوجئت بالحاجب) لماذا لم تذهب إلى بيتك؟ الحاجب: ليس لي زوجة تنتظرني فيه. دردبيس: حرمك هذا الملك الطاغية ممن تحب. الحاجب: خوفي من الخيانة هو الذي حرمني. دردبيس: أنت وسيدك الملك مساكين. (دردبيس تخرج) (إظلام خفيف) (تعود الإضاءة) (ماهين وشهرزاد وحيران ودردبيس في مجلس الحكاية) شهرزاد: بلغني أيها الملك السعيد. هل أنت سعيد يا مولاي؟ (شهريار ينهض بحدة. يبتعد عن المجلس قليلاً وكأنه يسترجع نفسه. يعود إليها ويكلمها بتهديد) شهريار: مهمتك أن تحكي الحكايات لا أن تسألي عن شيء آخر. شهرزاد: من مهمة الزوجة أن تسأل عن سعادة زوجها. شهريار: سأكون سعيداً يوم تُقتَلين. أكملي. شهرزاد: ذو العقل الرشيد والعمر المديد. أنه.. (موسيقى) (شهرزاد تتكلم وشهريار يزداد افتتانه بها) (إظلام خفيف) (تعود شهرزاد إلى الكلام مما يدل على استمرار الليالي والحكايات) شهرزاد: وقال الأب لابنه بعدما أدَّبه: ولا أحذرك يا بني إلا من الحمق والتهور. ومن ضيق الأفق وقلة التبصر. فكن في سياسة الناس من أهل الرحمة. لا من أهل الشدة والنقمة. شهريار: حكاية جميلة. سآمر المؤرخين بكتابتها. (شهريار يقف. يقف معه دردبيس وماهين) دردبيس: ختمت حكايتَها. فوجب أن تختم حياتها. ماهين: لكنها بارعة في سرد الحكايات. اتركها يوماً آخر يا مولاي. شهريار: تأخرت منيتُها شهرين. وهذا يكفي. ماهين: (يصرخ) يكفيك ما قتلته من النساء. شهريار: أتصرخ في وجهي وتنتقد ما أفعل؟ سأقطع رأسك الدنس. (شهريار يسحب سيفه. شهرزاد تقف أمامه) شهرزاد: إياك من الحمق والتهور. (لحظة صمت) شهريار: (وكأنه استيقظ) الحمق والتهور؟ شهرزاد: سمعت الحكاية وعرفت عبرتها ولم تعمل بمغزاها. فلماذا تحب سماعَ الحكايات إذن؟ شهريار: ألم تسمعي ما قال هذا الوزير المأفون؟ شهرزاد: وزيرك ليس مأفوناً. فهو سندك وحامي دولتك. وإذا كان سيفك يشتهي القتل فاقتلني أنا. هيا يا مولاي. اقتلني. شهريار: الصباح موعد قتلك. ولم يأت الصباح. شهرزاد: (تبتسم له برقة) وريثما يطلع الصباح سأحكي لك حكاية جديدة. (شهريار يبدو كأنه نافر منها) نعم. حكاية جديدة. (تلكزه) ابتسم يا شهريار. ابتسم. شهريار: (بلهفة) أتكون حكاية جميلة؟ شهرزاد: تسمعها وتحكم عليها. حيران: يمكن أن أحدثك حديثاً أحلى من حديث الملكة. شهريار: لا أريد سماجاتك. (إلى شهرزاد) تكلمي. (يعودون إلى مجلس الحكاية) (موسيقى) (شهرزاد تتكلم) (صياح الديك) (شهريار يبدو مسروراً من الحكاية) شهريار: وأدرك شهرزاد الصباح. فسكتت عن الكلام المباح. خذيها يا دردبيس إلى غرفة نومي. واجعليها تنام في فراشي. وأحضري لها أطيب الطعام. دردبيس: أتكرمها وهي الخائنة؟ شهريار: أكرميها وكفى. (تنهض شهرزاد نحو غرفة النوم. دردبيس تلحق بها وهي متأففة. شهريار يظل واقفاً لحظة. ثم يتجه نحو باب غرفة النوم). حيران: المجنون يصحو وقليل العقل يقطف التفاحة. (شهريار يبتعد عن الباب) شهريار: لست راغباً في التفاحة يا هذا. حيران: وإن قلت إنك تشتهيها؟ شهريار: سترى مني غير ذلك. حيران: أبونا آدم أكل التفاحة قبلك. (شهريار يبعد حيران ويتجه ليخرج ماهين يقف في طريقه) ماهين: ادخل إلى غرفتك يا مولاي. ففيها زوجتك وحلالك. بهذا أمر الله الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم. (شهريار يدخل غرفة النوم) إظلام |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | دليل الاعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |