مسرحيتان الليلة الأخيرة و ديك الجن الحمصي ـــ فرحان بلبل

مسرح ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2005

Updated: Sunday, January 29, 2006 01:33 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

ـ المشهد الرابع

(قاعة عرش شهريار)‏

(شهريار على عرشه وهو يحمل رسالة)‏

(ماهين واقف أمامه)‏

شهريار:‏

لا تقل إني غافل عن أمور مملكتي وإلا قطعت رأسك.‏

ماهين:‏

ما تقول في الغارة علينا إذن؟‏

شهريار:‏

ما هي إلا غارة قام بها جنود لا ضابط لهم. بهذا (يرفع الرسالة) أخبرني الملك السكيت.‏

ماهين:‏

أتصدق رجلاً ما عرفتَ منه إلا الغدر؟‏

شهريار:‏

(يصرخ) زوجني الليلة فتاة عذراء صغيرة جميلة.‏

ماهين:‏

آن لك أن تكف عن قتل بنات الناس يا مولاي.‏

شهريار:‏

احذر أن تخالفني يا ماهين.‏

ماهين:‏

الناس يهربون ببناتهم حتى تعطلت مصالح البلاد وساءت المعيشة.‏

شهريار:‏

فكِّرْ بي ولا تفكر بالناس.‏

ماهين:‏

لا أستطيع أن أفكر إلا بهم. فأنت الملك وأنا وزيرك.‏

شهريار:‏

أنت تتجرأ عليَّ يا ماهين.‏

ماهين:‏

أيكون الشجاعُ في الحرب جباناً في الإخلاص للملك؟‏

شهريار:‏

الإخلاص للملك في طاعته.‏

ماهين:‏

الإخلاص للملك في نصحه. وإن كنت لا تريد نصيحتي فأعفني من الوزارة لك.‏

شهريار:‏

ستعود رجلاً من العامة كما كنت.‏

ماهين:‏

سأتخلص من المشاركة في المذبحة.‏

شهريار:‏

زوجني الليلة فتاة صغيرة عذراء جميلة وكفى.‏

ماهين:‏

أنا مستعف من الوزارة.‏

شهريار:‏

(وهو يدخل غرفته) نفذ ما أمرتك به.‏

(شهريار يدخل غرفته. ماهين يهم بالخروج. تدخل شهرزاد)‏

ماهين:‏

كيف دخلت إلى هنا يا شهرزاد؟‏

شهرزاد:‏

بالحيلة.‏

ماهين:‏

ولماذا جئت إلى هنا بالحيلة؟‏

شهرزاد:‏

سأكون الليلة زوجة الملك.‏

ماهين:‏

أتريدين الموت يا ابنتي؟‏

شهرزاد:‏

بل أريد الحياة.‏

ماهين:‏

تطلبين الزواج من هذا الملك السفاح وتريدين الحياة؟‏

شهرزاد:‏

زوجني من الملك يا أبي. فإما أن أنقذ بنات جنسي ونفسي، وإما أن أكون فداء لهن.‏

ماهين:‏

كيف تنقذين نفسك وبنات جنسك؟‏

شهرزاد:‏

دع ذلك لي.‏

ماهين:‏

وإن قتلك الملك؟‏

شهرزاد:‏

كانت منيتي على يده. والأعمار بيد الله.‏

ماهين:‏

كيف خطر لك أن تتزوجي الملك؟‏

شهرزاد:‏

ابنة الوزير الحكيم تعلمت من والدها كيف تفكر.‏

ماهين:‏

لا يطاوعني قلبي يا ابنتي.‏

شهرزاد:‏

ألستَ وزيره ومشيره؟‏

ماهين:‏

بلى.‏

شهرزاد:‏

أليس من واجبك أن تسعى لخير البلاد والعباد؟‏

ماهين:‏

بلى.‏

شهرزاد:‏

ألا تكون خائناً للأمانة إن لم تكن صادقاً في الفعل والقول مع الملك؟‏

ماهين:‏

بلى.‏

شهرزاد:‏

إذا قبلتَ لبنات الناس ما لا تقبله لابنتك، فماذا تكون؟‏

ماهين:‏

إنه القتل الذي لا رحمة فيه.‏

شهرزاد:‏

قل إنه التضحية التي لا بد منها.‏

ماهين:‏

لكني أخبرته أني مستعف من وزارته.‏

شهرزاد:‏

ابق في وزارتك. ووافقني على ما أقول. وسوف ترى. لكن لا تقل له إنني ابنتك.‏

(شهريار يدخل مندفعاً)‏

شهريار:‏

أين هي عروسُ الليلة يا ماهين؟‏

شهرزاد:‏

أنا هي يا مولاي. جئتك بنفسي لأزف إليك نفسي. (تلتفت إلى ماهين) اذهب يا وزير.‏

(ماهين يذهب)‏

شهريار:‏

ادخلي غرفة النوم.‏

شهرزاد:‏

لا أيها الملك. تخطبني أولاً. ثم تحادثني حتى تعرفني. ثم تعقد قرانك علي. ثم تفعل بي ما تشاء.‏

شهريار:‏

ممن أخطبك يا فتاة؟‏

شهرزاد:‏

من نفسي. هيا. اطلبني للزواج.‏

(شهريار يتأملها ويدور حولها وهي في أبهى جمالها)‏

شهريار:‏

ما اسمك يا فتاة؟‏

شهرزاد:‏

شهرزاد.‏

شهريار:‏

أتعرفين ما أمامك يا فتاة؟‏

شهرزاد:‏

ليلةُ عرس تفوح بالدم. وضربةُ سيفٍ في الصباح قاتلة.‏

شهريار:‏

تعرفين هذا ولا تخافين؟‏

شهرزاد:‏

الأجل محتوم.‏

شهريار:‏

محتوم على يدي.‏

شهرزاد:‏

أخطأت أيها الملك. يقتلني أجلي ولا يقتلني سيفك.‏

شهريار:‏

ألا تخافين من مواجهتي؟‏

شهرزاد:‏

لا أخاف من رجل يحتمي بسيفه لا برجولته.‏

شهريار:‏

أنت تعجِّلين قتلك يا فتاة.‏

شهرزاد:‏

لا فرق بين قتل في المساء أو قتل في الصباح. إنما الفرق بين قاتل ضعيف وبين رجل قوي رحيم.‏

شهريار:‏

أتعتبرينني ضعيفاً؟‏

شهرزاد:‏

أنت ضعيف وجبان.‏

شهريار:‏

أنت تُغضِبينني يا فتاة.‏

شهرزاد:‏

اغضب كما تشاء. وافعل ما تشاء.‏

(شهريار يسحب سيفه)‏

شهرزاد:‏

ارفع سيفك واضرب.‏

شهريار:‏

الآن أهوي عليك بسيفي.‏

شهرزاد:‏

عجل.‏

(يضع السيف على عنقها)‏

شهريار:‏

ما تقولين الآن؟‏

شهرزاد:‏

بلغني أيها الملك السعيد. ذو العقل الرشيد والعمر المديد. أن..‏

شهريار:‏

أن ماذا؟‏

شهرزاد:‏

هذه بداية حكاية أرويها لك. فهل تحب أن أروي لك هذه الحكاية؟‏

شهريار:‏

حكاية؟‏

شهرزاد:‏

نعم. فأنا أروي الحكايات لمن يُحسِن سماعَها ويفهم مغزاها.‏

شهريار:‏

لم يخطر في بالي يوماً أن أسمع حكاية.‏

شهرزاد:‏

عظماء الملوك قبلك كانوا يحبون أن يسمعوا قصص الحاضرين وحكايات الماضين. ففيها عبرة تعينهم على فهم الدنيا وأحوال الناس.‏

شهريار:‏

احكي لي واحدة.‏

شهرزاد:‏

كيف أحكي والسيفُ على عنقي؟‏

شهريار:‏

سيظل السيف على عنقك حتى يفصل الرأسَ عن الجسد. (يحز السيف على عنقها) ألا تخافين؟‏

شهرزاد:‏

طبعاً أخاف. لكنك تحرم نفسك الحكاية إن قتلتني.‏

شهريار:‏

إن رفعت عنك السيف الآن، فسوف أهوي به على رأسك في الصباح.‏

شهرزاد:‏

الصباح يوم آخر وقدر جديد. أنزِلْ سيفك.‏

شهريار:‏

(يرفع سيفه عن عنقها) تكلمي.‏

شهرزاد:‏

اعقد قراني عليك أولاً. (تنادي) يا وزير. (يدخل ماهين) كن وليَّ أمري وزوجني من الملك. اسمي شهرزاد.‏

(ماهين يتردد)‏

شهريار:‏

افعل ما تقول هذه الفتاة.‏

ماهين:‏

(إلى الملك) أزوجك شهرزاد على مهر معجَّله..‏

شهرزاد:‏

سيف.‏

ماهين:‏

ومؤجله..‏

شهرزاد:‏

سيف.‏

شهريار:‏

ما هذا المهر الغريب؟‏

شهرزاد:‏

السيف عدتك وسلاحك.‏

ماهين:‏

هل تقبل يا مولاي؟‏

شهريار:‏

أقبل.‏

شهرزاد:‏

وأنا أقبل. انصرف يا وزير.‏

(ماهين يخرج)‏

شهريار:‏

صرت زوجتي. والآن تكلمي.‏

شهرزاد:‏

لن أتكلم إلا بشروط.‏

شهريار:‏

وتفرضين عليَّ الشروط؟‏

شهرزاد:‏

(تصرخ قليلاً) هيا. اقتلني ولا تسمع حكاياتي.‏

شهريار:‏

ما هي الشروط؟‏

شهرزاد:‏

إذا أدركني الصباح سكتُّ عن الكلام المباح. فلا أنطق بحرف واحد.‏

شهريار:‏

في الصباح تُقتَلين فلا تستطيعين الكلام. قبلت هذا الشرط.‏

شهرزاد:‏

وأن تتخيل الحكاية معي.‏

شهريار:‏

أتخيل؟‏

شهرزاد:‏

لا تحلو الحكايات إلا بالتخيل.‏

شهريار:‏

كيف أتخيل؟‏

شهرزاد:‏

إذا قلتُ إنه كان في إحدى المدن رجلٌ شحاذ له زوجة جميلة، وجب أن تتخيل نفسك الشحاذ، وتتخيلني زوجتك الجميلة.‏

شهريار:‏

أتخيل نفسي شحاذاً؟‏

شهرزاد:‏

وقد تتخيل نفسك لصاً. وتتخيل وزيرك ماهين ملكاً أو صعلوكاً. وتتخيل النديم حيران عدواً. وتتخيل القاضي مجرماً. وهكذا...‏

شهريار:‏

هذا شيء جميل يجعل الحكاية أحلى. لكن.. كيف تعرفين أسماء وزيري ونديمي وأن لديَّ قاضياً؟‏

شهرزاد:‏

(تضحك) ما أجهلكم وما أبأسكم أنتم الملوك.‏

شهريار:‏

الملوك جاهلون وبائسون؟‏

شهرزاد:‏

وكل من يكون في سدة الحكم مثلُكم.‏

شهريار:‏

أين يكمن جهلنا وبؤسنا يا حكيمة العصر؟‏

شهرزاد:‏

تظنون أن جدران قصوركم تحميكم وتحمي أخباركم وحياتكم. وإذا سمحت لي أن أقول الحقيقة..‏

شهريار:‏

سمحت لك. قولي.‏

شهرزاد:‏

فضائح الملوك لا تخفى على أحد. هل قبلت شرط التخيل؟‏

شهريار:‏

قبلت.‏

شهرزاد:‏

بقي الشرط الثالث.‏

شهريار:‏

ما هو؟‏

شهرزاد:‏

أن تبتسم.‏

شهريار:‏

أبتسم؟‏

شهرزاد:‏

نعم.‏

شهريار:‏

ولماذا أبتسم؟‏

شهرزاد:‏

حتى أندفع في الحكاية وروايتها. فلا ينقطع نفسَي ولا تضطرب كلماتي.‏

(لحظة صمت)‏

شهريار:‏

منذ عام لم أبتسم.‏

شهرزاد:‏

الآن تبتسم. جرِّبْ‏

(يبتسم ابتسامة أقرب إلى التكشير)‏

شهرزاد:‏

هذه ابتسامة؟ هذه عبْسةٌ كريهة تنفِّر الناسَ منك. كيف قبلنا بك ملكاً وأنت على هذا الشكل؟ ألا تصدق؟ سترى بنفسك. (تنادي) دردبيس.‏

شهريار:‏

وتنادين مربيتي؟ كأنك سيدة هذا القصر.‏

شهرزاد:‏

أنا زوجتك. وزوجة الملك سيدة قصرها.‏

شهريار:‏

وتجعلين من قصري قصراً لك دون خجل؟‏

شهرزاد:‏

هل رأيت زوجة تخجل من زوجها؟ صحيح أنكم جاهلون أيها الملوك.‏

(تدخل دردبيس)‏

دردبيس:‏

ماذا تريد يا مولاي.‏

شهرزاد:‏

قولي يا مولاتي.‏

دردبيس:‏

لن يكون لي سيدة بعد مولاتي نور العيون.‏

شهريار:‏

إياك أن تنطقي باسم تلك الخائنة. وشهرزاد مولاتك الجديدة.‏

(دردبيس تنظر إلى شهرزاد بقرف)‏

دردبيس:‏

ماذا تريدين يا.. يا مولاتي؟‏

شهرزاد:‏

أحضري مرآة لشهريار.‏

(دردبيس تخرج)‏

شهريار:‏

أتقولين شهريار.. هكذا من غير مولاي أو الملك؟‏

شهرزاد:‏

(تضحك) أنت تثبت لي أن الملوك جاهلون وبائسون.‏

شهريار:‏

أنت تزدادين وقاحة يا فتاة.‏

شهرزاد:‏

أنت الذي تزداد جهلاً يا شهريار.‏

شهريار:‏

كيف؟‏

شهرزاد:‏

هل تقول زوجة الوزير مثلاً لزوجها وهما يأكلان أو ينامان: سيدي الوزير؟‏

شهريار:‏

لكنني الملك.‏

شهرزاد:‏

أنت ملك على الناس. ولا أدري إن كنت ملكاً صالحاً. أما هنا فأنت شهريار. وأنا زوجتك. ومن هذه اللحظة إياك أن تقول يا فتاة. بل تقول: يا زوجتي الحلوة. يا شهرزاد الجميلة. يا حبيبتي. وألفاظ من هذا النوع. تعلَّم أيها الملك الجاهل. تعلَّم.‏

شهريار:‏

قولي ما تشائين. في الصباح تُقتَلين ويتوقف لسانك الثرثار هذا عن الكلام.‏

شهرزاد:‏

وحتى يحين الصباح لن تكون إلا طوع أمري وعجينة بين أصابعي.‏

(تدخل دردبيس بالمرآة)‏

شهرزاد:‏

هاتي المرآة يا دردبيس.‏

(دردبيس تنظر إلى شهريار كأنها تسأله: هل تطيعها؟ شهريار يهز رأسه موافقاً. تعطيها المرآة بقرف)‏

شهرزاد:‏

(تضع المرآة أمام شهريار) ابتسم وانظر بنفسك في المرآة.‏

(شهريار ينظر إلى وجهه في المرآة فلا يعجبه المنظر. يرمي المرآة بغضب)‏

شهريار:‏

ابدئي الحكاية.‏

شهرزاد:‏

هل قبلت الشرط الثالث؟‏

شهريار:‏

قبلته.‏

شهرزاد:‏

ابتسم إذن.‏

(شهريار يبتسم)‏

شهرزاد:‏

تعال واجلس أمامي.‏

(يجلسان. لكنها لا تتكلم)‏

شهريار:‏

لماذا لم تبدئي الحكاية؟‏

شهرزاد:‏

أتريد أن تسمع الحكاية وحدك؟‏

شهريار:‏

ومن تريدين أن يسمعها؟ أهلُ المدينة كلهم؟‏

شهرزاد:‏

لا تحلو الحكاية إلا بالجمع الكثير.‏

شهريار:‏

ماذا تقصدين؟‏

شهرزاد:‏

ليكن معك من يسمعها.‏

شهريار:‏

(ينادي) دردبيس. ماهين. حيران.‏

(يدخلون)‏

(حيران يبدو مخذولاً كأنه مريض)‏

شهريار:‏

اجلسوا معي. ابدئي.‏

شهرزاد:‏

بلغني أيها الملك السعيد. ذو العقل الرشيد والعمر المديد. أنه في قديم الزمان وسالف العصر والأوان، كان في بلاد مصر المحروسة، ذات الوجوه المأنوسة، سلطان عظيم الشان. له جندٌ وأعوان.‏

(موسيقى)‏

(تستمر شهرزاد في الحكاية)‏

(صوت صياح الديك. شهرزاد تسكت)‏

شهريار:‏

هيه. ماذا قرر سلطان مصر؟ (بقسوة لأن شهرزاد لا ترد) أكملي.‏

ماهين:‏

لن تسمع اليوم تتمة الحكاية يا مولاي.‏

شهريار:‏

لماذا؟‏

ماهين:‏

أدرك شهرزادَ الصباح. فسكتت عن الكلام المباح. سمعتها تقول لك هذا.‏

شهريار:‏

ماذا يعني ذلك؟‏

ماهين:‏

يعني أن تنتظر الليلة القادمة حتى تسمع بقية الحكاية.‏

شهريار:‏

هل تظنين أنك ناجية من سيفي بسكوتك؟ لا تظني هذا. فقد طلع الصباح ووجب أن أقطع رأسك بسيفي.‏

دردبيس:‏

اقتلها يا مولاي. فهي من صنف النساء الخائنات.‏

ماهين:‏

لكنها أول إنسان يعرف كيف يسليك بالحكايات الجميلة بعد أن فقدت التسلية.‏

دردبيس:‏

أتجعلك حكاية سخيفة تنسى ما فعلتَه بغيرها؟ هيا يا مولاي. اسحب سيفك واقطع رأس الخائنة. ارفع سيفك.‏

(شهريار يسحب سيفه ويرفعه فوق رأس شهرزاد التي تظل جامدة الوجه)‏

شهريار:‏

سأطيل عمرك يوماً آخر حتى أسمع تتمة الحكاية.‏

دردبيس:‏

اقتلها كما قتلت نور العيون.‏

شهريار:‏

اخرسي يا عجوز النحس. (يعيد سيفه إلى غمده) خذيها إلى غرفة نومي. دبري لها فراشاً خشناً تنام عليه. وأطعميها خبزاً وماء فقط.‏

ماهين:‏

أعرفك من أهل الكرم يا مولاي.‏

شهريار:‏

إلا اليوم.‏

ماهين:‏

الكريم كريم في كل يوم.‏

(شهريار يشير إلى دردبيس أن تذهب مع شهرزاد تدخلان غرفة النوم)‏

ماهين:‏

اجعليها تنام في سرير الملك بعد إذن مولانا.‏

(شهريار يهم بالخروج من الباب الثاني)‏

ماهين:‏

ألن تنام في فراشك يا مولاي؟‏

شهريار:‏

سأنام في جناح الضيوف.‏

ماهين:‏

لكنك..‏

شهريار:‏

لن أنام في غرفتي وكفى.‏

(شهريار يخرج مسرعاً. حيران يبكي)‏

ماهين:‏

لماذا تبكي؟‏

حيران:‏

منذ عام لم يكلمني الملك ولم ينادمني.‏

ماهين:‏

ستنقضي أيام غضب الملك ويعود إلى حاله فيكلمك وينادمك.‏

حيران:‏

كنت أقول هذا لنفسي. لكن هذه الفتاة البلهاء أبرع مني في الكلام والمنادمة. ألا تراها فتنت الملك بنصف حكاية؟‏

ماهين:‏

افرح بها يا حيران. قد تُوقِف قتلَ النساء.‏

حيران:‏

لكنها ستأخذ مكانتي عند الملك. إذا استمر الحال معها على هذا الشكل فسوف أحفر قبرها بيديَّ هاتين.‏

(ماهين يمسكه من خناقه)‏

ماهين:‏

احذر من الإيقاع بها يا سمج.‏

حيران:‏

لماذا؟‏

ماهين:‏

لأني آمرك بهذا وكفى.‏

حيران:‏

هل أصابك الملك بمرض الاستبداد بالرأي؟‏

ماهين:‏

في شأن الملكة شهرزاد نعم.‏

حيران:‏

كما تريد. كما تريد. ومن أجلك سوف أدافع عنها. هل أنسى أنك أدخلتني إلى هذا القصر؟‏

(إظلام خفيف)‏

(تعود الإضاءة)‏

(يدخل القاضي. ماهين وحيران جالسان)‏

القاضي:‏

ماذا جرى مع الملك في الليلة الماضية؟‏

ماهين:‏

لا أعرف.‏

(يأتي صوت الأغنية)‏

الأغنية:‏

لم يخلق الرحمن أجملَ منظراً‏

من عاشقين على فراش واحد‏

(يدخل شهريار من الباب الثاني بشكل عاصف)‏

شهريار:‏

أسكِتوا هذه الأغنية القبيحة.‏

(الغناء يسكت)‏

(شهريار يصعد إلى عرشه)‏

شهريار:‏

ستبقى شهرزاد عروساً لليلة ثانية. ليلة ثانية فقط.‏

(حيران يقترب من العرش)‏

شهريار:‏

ابتعد عني يا حيران. نفسي لا تطيق رؤية وجهك القبيح.‏

(حيران يصفق فرحاً ويقفز)‏

حيران:‏

من سنة لم تكلمني ولم تشتمني ولم ترفض نفسُك رؤيةَ وجهي.‏

شهريار:‏

إذا نطقت بحرف واحد فلن تعرف ما يحدث لك.‏

حيران:‏

(وهو أكثر سروراً) ورجعتَ إلى تهديدي أيضاً؟ اسمع أيها القاضي كيف يهددني الملك. بعد قليل سأركب ظهرك وظهر الوزير. (إلى ماهين) أترى؟ عادت مكانتي عنده كما كانت.‏

شهريار:‏

منذ زمن طويل لم تحدثني في شؤون مملكتي يا وزير.‏

ماهين:‏

سأكون صريحاً معك يا مولاي.‏

شهريار:‏

على أن لا تكون وقحاً.‏

ماهين:‏

أخشى أن تتردى أحوالنا يا مولاي.‏

شهريار:‏

وماذا تفعل أنت؟ ألم ألْقِ إليك مقاليد البلاد ترعاها وتنظر في أمرها؟‏

ماهين:‏

أنت الرأس يا مولاي.‏

حيران:‏

احذر على رأسك يا وزير.‏

ماهين:‏

ولا ينتفع الجسم بالأعضاء إن أصاب الرأسَ وجع.‏

شهريار:‏

أتراني رأساً فاسداً؟‏

ماهين:‏

ما قلت هذا يا مولاي؟‏

شهريار:‏

لم يبق إلا أن تقول هذا.‏

ماهين:‏

أنا أخشى أن يضعف أمرنا. فإذا ضعف أمرنا هزمَنا الملك السكيت في معركة واحدة.‏

شهريار:‏

أنت تعود إلى خوفك الكاذب من ذلك الملك المهزوم المسكين. ألديك شيء آخر تقوله؟‏

ماهين:‏

لا.‏

شهريار:‏

أنا عندي ما أقوله.‏

ماهين:‏

تفضل يا مولاي.‏

شهريار:‏

أنت لا تأخذ الناس بالشدة.‏

ماهين:‏

آخذهم بالحزم.‏

شهريار:‏

وهل تظن الحزم يكفي حتى يطيعني الناس؟‏

ماهين:‏

أمِّن الناسَ على حياتهم وأعراضهم يطيعوك. وبالحزم الممزوج باللين تسير الأمور.‏

شهريار:‏

هذه رخاوة في الحكم يا وزير. فبالحزم الممزوج بالشدة نروِّع الناس ونخوفهم. ولهذا.. عليك أن تعاقب على الظن، وأن تقتل على الشبهة. وخاصة النساء.‏

ماهين:‏

كنت تقول إن النساء لا يليق بهن إلا الرحمة.‏

شهريار:‏

بل أقول إن النساء لا يؤدبهن إلا السيف. أفهمت ما أقول؟‏

ماهين:‏

لا أستطيع فهم ما تقول.‏

شهريار:‏

واعلم أن الرجال قوامون على النساء. ولولا ذلك لما كان أمام هذا الجنس الفاسد إلا الضلال. وإذا لم تفهم هذا فسوف أقبل استعفاءك من الوزارة. هل فهمت؟‏

ماهين:‏

(بعد تردد) فهمت.‏

شهريار:‏

(بشماتة) هكذا تكون مطيعاً لمولاك الملك. (يلتفت إلى القاضي) وأنت أيها القاضي. ما هي السياسة التي تسير عليها في القضاء؟‏

القاضي:‏

أن الرحمة فوق العدل.‏

شهريار:‏

هذا هو الضعف بعينه أيها القاضي الضعيف.‏

القاضي:‏

لكن هذا ما أمرتني به.‏

شهريار:‏

بل أقول إن القسوة فوق العدل. وإن الشدة أصل العدل. فعاقِبْ بالجلد على الهفوة. وبقطع اليد على الغلطة. وخاصة بين النساء. وإذا لم تفهم هذا يمكنك أن تستعفي من منصب القضاء.‏

القاضي:‏

فهمت يا مولاي. فهمت. سأنفذ ما تقول.‏

شهريار:‏

اقترب يا ضياء. (الحاجب يقترب) هل تزوجت الفتاة التي كنت تحبها؟‏

الحاجب:‏

لا.‏

شهريار:‏

لماذا؟ (الحاجب يطرق برأسه ولا يرد) تكلم ولا تخف.‏

الحاجب:‏

خشيت من خيانتها وغدرها.‏

شهريار:‏

أنت تفهم أحسن مما يفهم القاضي والوزير.‏

الحاجب:‏

استرجعت منها الهدية التي أخذتها منك.‏

(الحاجب يخرج العقد من جيبه ويقدمه لشهريار)‏

شهريار:‏

احتفظ به. وتصرف به كما تريد.‏

(شهريار ينهض)‏

حيران:‏

أين سيمضي مولاي ليلته المباركة؟‏

شهريار:‏

سأنام في جناح الضيوف.‏

(شهريار يتجه ليخرج)‏

حيران:‏

أتعرف من هو المجنون يا مولاي؟‏

شهريار:‏

من هو؟‏

حيران:‏

الذي يشتهي تفاحة ولا يأكلها. وهل تعرف من هو قليل العقل؟‏

شهريار:‏

أهو واحد غيرك؟‏

حيران:‏

الذي تقع التفاحة في حضنه ويرميها. وهل تعرف من هو السخيف؟‏

شهريار:‏

من هو؟‏

حيران:‏

أنا.‏

شهريار:‏

صدقت.‏

حيران:‏

إذا كنت أنا السخيف. فمن هو المجنون وقليل العقل؟‏

شهريار:‏

ابتعد عن طريقي يا حيران.‏

(شهريار يتابع طريقه ويخرج)‏

(يخرج بعده ماهين والقاضي وحيران)‏

(تدخل دردبيس من غرفة النوم وتجلس وتبكي)‏

الحاجب:‏

لماذا تبكين يا دردبيس؟‏

دردبيس:‏

(وقد فوجئت بالحاجب) لماذا لم تذهب إلى بيتك؟‏

الحاجب:‏

ليس لي زوجة تنتظرني فيه.‏

دردبيس:‏

حرمك هذا الملك الطاغية ممن تحب.‏

الحاجب:‏

خوفي من الخيانة هو الذي حرمني.‏

دردبيس:‏

أنت وسيدك الملك مساكين.‏

(دردبيس تخرج)‏

(إظلام خفيف)‏

(تعود الإضاءة)‏

(ماهين وشهرزاد وحيران ودردبيس في مجلس الحكاية)‏

شهرزاد:‏

بلغني أيها الملك السعيد. هل أنت سعيد يا مولاي؟‏

(شهريار ينهض بحدة. يبتعد عن المجلس قليلاً وكأنه يسترجع نفسه. يعود إليها ويكلمها بتهديد)‏

شهريار:‏

مهمتك أن تحكي الحكايات لا أن تسألي عن شيء آخر.‏

شهرزاد:‏

من مهمة الزوجة أن تسأل عن سعادة زوجها.‏

شهريار:‏

سأكون سعيداً يوم تُقتَلين. أكملي.‏

شهرزاد:‏

ذو العقل الرشيد والعمر المديد. أنه..‏

(موسيقى)‏

(شهرزاد تتكلم وشهريار يزداد افتتانه بها)‏

(إظلام خفيف)‏

(تعود شهرزاد إلى الكلام مما يدل على استمرار الليالي والحكايات)‏

شهرزاد:‏

وقال الأب لابنه بعدما أدَّبه: ولا أحذرك يا بني إلا من الحمق والتهور. ومن ضيق الأفق وقلة التبصر. فكن في سياسة الناس من أهل الرحمة. لا من أهل الشدة والنقمة.‏

شهريار:‏

حكاية جميلة. سآمر المؤرخين بكتابتها.‏

(شهريار يقف. يقف معه دردبيس وماهين)‏

دردبيس:‏

ختمت حكايتَها. فوجب أن تختم حياتها.‏

ماهين:‏

لكنها بارعة في سرد الحكايات. اتركها يوماً آخر يا مولاي.‏

شهريار:‏

تأخرت منيتُها شهرين. وهذا يكفي.‏

ماهين:‏

(يصرخ) يكفيك ما قتلته من النساء.‏

شهريار:‏

أتصرخ في وجهي وتنتقد ما أفعل؟ سأقطع رأسك الدنس.‏

(شهريار يسحب سيفه. شهرزاد تقف أمامه)‏

شهرزاد:‏

إياك من الحمق والتهور.‏

(لحظة صمت)‏

شهريار:‏

(وكأنه استيقظ) الحمق والتهور؟‏

شهرزاد:‏

سمعت الحكاية وعرفت عبرتها ولم تعمل بمغزاها. فلماذا تحب سماعَ الحكايات إذن؟‏

شهريار:‏

ألم تسمعي ما قال هذا الوزير المأفون؟‏

شهرزاد:‏

وزيرك ليس مأفوناً. فهو سندك وحامي دولتك. وإذا كان سيفك يشتهي القتل فاقتلني أنا. هيا يا مولاي. اقتلني.‏

شهريار:‏

الصباح موعد قتلك. ولم يأت الصباح.‏

شهرزاد:‏

(تبتسم له برقة) وريثما يطلع الصباح سأحكي لك حكاية جديدة. (شهريار يبدو كأنه نافر منها) نعم. حكاية جديدة. (تلكزه) ابتسم يا شهريار. ابتسم.‏

شهريار:‏

(بلهفة) أتكون حكاية جميلة؟‏

شهرزاد:‏

تسمعها وتحكم عليها.‏

حيران:‏

يمكن أن أحدثك حديثاً أحلى من حديث الملكة.‏

شهريار:‏

لا أريد سماجاتك. (إلى شهرزاد) تكلمي.‏

(يعودون إلى مجلس الحكاية)‏

(موسيقى)‏

(شهرزاد تتكلم)‏

(صياح الديك)‏

(شهريار يبدو مسروراً من الحكاية)‏

شهريار:‏

وأدرك شهرزاد الصباح. فسكتت عن الكلام المباح. خذيها يا دردبيس إلى غرفة نومي. واجعليها تنام في فراشي. وأحضري لها أطيب الطعام.‏

دردبيس:‏

أتكرمها وهي الخائنة؟‏

شهريار:‏

أكرميها وكفى.‏

(تنهض شهرزاد نحو غرفة النوم. دردبيس تلحق بها وهي متأففة. شهريار يظل واقفاً لحظة. ثم يتجه نحو باب غرفة النوم).‏

حيران:‏

المجنون يصحو وقليل العقل يقطف التفاحة.‏

(شهريار يبتعد عن الباب)‏

شهريار:‏

لست راغباً في التفاحة يا هذا.‏

حيران:‏

وإن قلت إنك تشتهيها؟‏

شهريار:‏

سترى مني غير ذلك.‏

حيران:‏

أبونا آدم أكل التفاحة قبلك.‏

(شهريار يبعد حيران ويتجه ليخرج ماهين يقف في طريقه)‏

ماهين:‏

ادخل إلى غرفتك يا مولاي. ففيها زوجتك وحلالك. بهذا أمر الله الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم.‏

(شهريار يدخل غرفة النوم)‏

إظلام‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | دليل الاعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244