مسرحيتان الليلة الأخيرة و ديك الجن الحمصي ـــ فرحان بلبل

مسرح ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2005

Updated: Sunday, January 29, 2006 01:34 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

ـ المشهد السادس

(قاعة عرش شهريار)‏

(شهريار على عرشه. القاضي وماهين وحيران واقفون)‏

الحاجب:‏

(يعلن) الأمير الهرتيت والأميرة الهرتيتة.‏

(يدخلان مع الهدايا. الهرتيت يحمل رسالة)‏

الهرتيت:‏

السلام على الملك شهريار.‏

شهريار:‏

وعليكم السلام.‏

الهرتيت:‏

أتيت إليكم من طرف والدي مؤكداً معاهدة الصلح وحسن الجوار.‏

(الهرتيت يسلم الرسالة لشهريار)‏

شهريار:‏

(يقرأ الرسالة) أبوك يعرض علينا المصاهرة ربطاً لبلدينا.‏

الهرتيت:‏

يزوجك الهرتيتة وهي زينة بنات مملكتنا جمالاً وكمالاً ورجاحة عقل.‏

شهريار:‏

سمعنا عن صفاتها الكريمة الكثير.‏

الهرتيت:‏

وهذا الزواج ضمانة من أبي على صدق نيته. فما تقول أيها الملك؟‏

شهريار:‏

نعطيك الجواب بعد يومين. وحتى ذلك الحين تنزل أنت وأختك في قصرنا ضيفين عزيزين.‏

(باب غرفة النوم يفتح قليلاً. شهرزاد واقفة في الباب. تلتقي نظراتها بنظرات الهرتيتة).‏

شهريار:‏

أكرم ضيفينا يا وزير.‏

(يخرج ماهين مع الهرتيت والهرتيتة)‏

حيران:‏

أتصبح الهرتيتة من الزوجات القتيلات أم ضرة للزوجة المقيمة؟‏

شهريار:‏

لن تسكت يا هذا حتى نقطع لسانك.‏

حيران:‏

إن قطعتَ لساني تكلمت بيدي.‏

شهريار:‏

أقطع يديك.‏

حيران:‏

أتكلم برأسي.‏

شهريار:‏

أقطع رأسك.‏

القاضي:‏

ليتك تفعل يا مولاي.‏

حيران:‏

ويحك أيها القاضي. أترضى أن يقطع الملكُ الرؤوسَ الفارغة؟ عليه أن يقطع الرؤوس الحكيمة. أتعرف لماذا؟‏

القاضي:‏

لماذا؟‏

حيران:‏

حتى لا يفكر أحد في أعماله. ومنها أنه جعلك قاضياً.‏

شهريار:‏

اترك القاضي يا حيران. (إلى القاضي) فكِّر بما جاءنا به الهرتيت حتى أسمع رأيك.‏

القاضي:‏

رأي الوزير ماهين في الحرب والسياسة أهم من رأيي.‏

شهريار:‏

سأعرف رأي الوزير. وأريد أن أعرف رأيك.‏

القاضي:‏

كما تأمر يا مولاي.‏

شهريار:‏

اذهبوا الآن إلى بيوتكم. وسنلتقي في المساء.‏

(يخرجون. شهريار يتجول حائراً ثم يجلس على كرسي مهموماً. تدخل شهرزاد من غرفة النوم)‏

شهرزاد:‏

أرى مولاي مشغول الخاطر.‏

شهريار:‏

هناك أمر يشغلني.‏

شهرزاد:‏

لعل مولاي مشغول الفكر بما جاء به الأمير الهرتيت من أمر المصاهرة وتأكيد الصلح؟‏

شهريار:‏

لا شأن لك بأمور الحكم والسياسة. أنعيد هذا القول ألف مرة حتى تفهمي؟‏

شهرزاد:‏

كما تريد. قم إلى فراشك حتى تستعد لسهرة المساء.‏

شهريار:‏

سأنام في جناح الضيوف.‏

(شهريار يخرج. تدخل دردبيس)‏

دردبيس:‏

اليوم يهجرك الملك. وغداً يتزوج الهرتيتة.‏

شهرزاد:‏

لماذا تكرهينني يا دردبيس؟‏

دردبيس:‏

لأني لا أحب النساء. فهنّ خائنات غادرات.‏

شهرزاد:‏

ألست امرأة؟‏

دردبيس:‏

كنت امرأة. من يوم قُتِلت سيدتي نور العيون صرت مخلوقاً حاقداً.‏

شهرزاد:‏

هل رأيتِ شيئاً من خيانتي وغدري؟‏

دردبيس:‏

كل من تنام في فراش سيدتي نور العيون خائنة غادرة.‏

شهرزاد:‏

إذا تزوج شهريار من الهرتيتة، فسوف تنام في فراش سيدتك.‏

دردبيس:‏

المهم أن تخرجي أنت منه. ولا علاقة لك بما سأفعل بالهرتيتة.‏

شهرزاد:‏

ما رأيك أن تحدثيني عن سيدتك نور العيون؟‏

دردبيس:‏

ما أنت إلا حشرة. فكيف أحدثك عن ملكتي الجميلة؟‏

شهرزاد:‏

ملكتك الجميلة خانت زوجها وملكها.‏

دردبيس:‏

كانت معذورة فيما فعلت.‏

شهرزاد:‏

أيوجد عذر للخيانة؟‏

دردبيس:‏

إذا نطقت اسم مولاتي نور العيون قتلتك دون رحمة.‏

شهرزاد:‏

لكنها خائنة. خائنة. وليس أمام الخائنة إلا القتل.‏

دردبيس:‏

تعالي اسمعي حكايتها يا من تروين الحكايات.‏

(دردبيس تجر شهرزاد بقسوة من يدها وتدفعها دفعاً إلى غرفة النوم)‏

إظلام‏

(عودة الإضاءة)‏

(شهرزاد ودردبيس وماهين وحيران في مجلس الحكاية. شهريار واقف عند النافذة).‏

شهرزاد:‏

إن كنت لا تطيق السماعَ أجَّلنا الحكاية إلى ليلة الغد.‏

شهريار:‏

من قال إني لا أريد سماع الحكاية؟‏

شهرزاد:‏

اجلس مكانك إذن.‏

شهريار:‏

(بتهديد وهو يجلس) أريد حكاية مسلية ليس فيها عبرة أو فكرة. وإلا...‏

شهرزاد:‏

(على هدوئها) أرى مولاي متغيّر القلب عليَّ هذه الليلة.‏

شهريار:‏

(يهز سيفه في وجهها) وأراك نسيت أنك ما زلت مرصودة للقتل.‏

شهرزاد:‏

وتهددني أيضاً؟‏

شهريار:‏

اسمعي يا فتاة.‏

شهرزاد:‏

وتناسيت اسمي أيضاً؟‏

شهريار:‏

لا يُبقي رأسَك في موضعه إلا الحكايات. فإذا لم يكن عندك الليلة ما تحكينه، لم يبق لهذا الرأس نفعٌ لشيء.‏

دردبيس:‏

لم يبق عندها ما تحكيه. فأعمِل سيفَك.‏

ماهين‏

ستحكي لك الليلة أجمل حكاية. تكلمي يا مولاتي.‏

شهريار:‏

ليست مولاتك.‏

شهرزاد:‏

وتنكر أنني زوجتك الملكة أيضاً؟ ما أقسى حالك أيها الملك.‏

شهريار:‏

(يصرخ) كفى. تكلمي.‏

شهرزاد:‏

بلغني أيها الملك السعيد. ذو العقل الرشيد والعمر المديد، أنه كان في طرابلس الشام، في قديم الزمان... ملك يقال لـه عمر النعمان. وكان له ولد يسمى الأمير شِركان. وكان شاباً في العشرين. مشهوراً بالقوة والساعد المتين. وقد أحب الملكة إبريزة العزيزة بنتَ ملك القسطنطينية عدوِّ أبيه. وطلب أن يتزوجها وإلى قصره أن يُدخِلها. فرفض الملك عمر النعمان هذا الزواج وقال له: أتُدخل الأفعى إلى بيتك، وتُجلِسها في حجرك؟‏

شهريار:‏

(يضحك بسخرية) فهمت حكايتك يا شهرزاد. تريدين أن أظن السوء بالملك السكيت وأن أرفض الزواج من ابنته.‏

شهرزاد:‏

الحكاية لم تنته بعد. ولا تعرف ما سيحدث فيها.‏

شهريار:‏

قولي يا شهرزاد. أتشعرين بالغيرة من الهرتيتة وهي أغلى جوهرة في تاج الملك السكيت؟‏

شهرزاد:‏

قل إني أخاف عليك.‏

شهريار:‏

تخافين عليّ؟‏

شهرزاد:‏

أليس من واجب الرعية أن تخاف على ملكها؟‏

شهريار:‏

أتخافين عليّ باعتباري الملك أم باعتباري الزوج؟‏

شهرزاد:‏

وأنت أيها الملك. أتعتبرني واحدة من رعيتك تسليك بالحكايات أم زوجة تحب زوجها؟‏

شهريار:‏

لا أصدق أن امرأة تحب زوجها.‏

شهرزاد:‏

اصرفني من قصرك إذن أو اقتلني. ولا تبحث عن امرأة أخرى لأنه لن توجد امرأة تحبك.‏

(لحظة صمت متوتر)‏

شهريار:‏

أكملي الحكاية.‏

ماهين:‏

أكملي الحكاية يا شهرزاد. (شهريار ينظر بغضب) أقصد يا مولاتي.‏

شهرزاد:‏

وكانت الملكة صفية زوجة الملك عمر النعمان امرأة حكيمة راجحة العقل هادئة التفكير.‏

شهريار:‏

أيعقل أن صفية هذه حكيمة راجحة العقل هادئة التفكير.‏

شهريار:‏

ولماذا لا تكون كذلك؟‏

شهريار:‏

لأنها امرأة. ولا تكون المرأة عاقلة راجحة التفكير. بل تكون حمقاء قاصرة العقل والتفكير.‏

شهرزاد:‏

أتريد أن نترك هذه الحكاية لأن صفية راجحة العقل؟‏

شهريار:‏

أكمليها.‏

شهرزاد:‏

فقالت الملكة صفية لزوجها: زوِّجه ممن يحب. فهو شاب مندفع. وقد غلبه الهوى.‏

شهريار:‏

وهل تزوجها الأمير شركان؟‏

شهرزاد:‏

تزوجها.‏

شهريار:‏

وهل أحبته إبريزة ابنةُ عدوّه حباً صحيحاً صادقاً؟‏

شهرزاد:‏

لا تستعجل عليَّ يا مولاي.‏

شهريار:‏

أنت لا تريدين أن تحبه حباً صادقاً. وأظنك ستحرِّفين الحكاية عن أصلها.‏

شهرزاد:‏

لماذا؟‏

شهريار:‏

حتى تقنعيني بخيانة إبريزة لأنها ابنة ملك القسطنطينية.‏

دردبيس:‏

عادتها أن تحرِّف الحكايات.‏

ماهين:‏

شهرزاد لا تحرِّف الحكايات.‏

شهريار:‏

(إلى ماهين) كيف علمت أنها لا تحرِّف الحكايات؟ هل روتها لك من قبل؟‏

ماهين:‏

لا.‏

شهريار:‏

هل تعرفها من قبل؟‏

ماهين:‏

كيف أعرفها؟ لكن...‏

شهريار:‏

أكملي.‏

شهرزاد:‏

وقد أحبته حباً صادقاً. فكانت أحسن الزوجات وأكثرهن حباً لزوجها وأهل بيتها.‏

شهريار:‏

هكذا تكون الحكاية جميلة.‏

شهرزاد:‏

وعاش الأمير شركان مع زوجته الملكة إبريزة في هناء وسعادة.‏

(موسيقى)‏

(تستمر شهرزاد في الحكاية. صياح الديك).‏

(ينهضون من مجلس الحكاية)‏

شهريار:‏

(إلى شهرزاد) اذهبي إلى غرفتك.‏

(شهرزاد تدخل غرفتها بهدوء).‏

شهريار:‏

سأنام بعد قليل في جناح الضيوف. وأظن أني سأقابل الهرتيتة.‏

دردبيس:‏

قابلها يا مولاي. وسوف تجدها أجمل النساء.‏

شهريار:‏

الحقي بسيدتك ولا تتكلمي.‏

(دردبيس تدخل الغرفة. يدخل الحاجب ويقف مكانه. يُسمَع صوت عزف ناي. يُسرع شهريار نحو النافذة).‏

شهريار:‏

تعال وانظر يا ماهين. هذه الهرتيتة تعزف في حديقة القصر. أترى ما أجملها وما أرقها. يخيّل إليّ أنها وردة بريئة أو هبّة نسيم عاطرة.‏

ماهين:‏

لكنها ابنة الملك السكيت.‏

حيران:‏

الحب أعمى لا يرى. وصاحب الحب أطرش لا يسمع.‏

شهريار:‏

أنا أسمع عزف الهرتيتة يا أبله.‏

حيران:‏

إذا كنت أنا الأبله، فمن هو الأعمى؟‏

شهريار:‏

سأذهب إلى النوم قبل أن تعكر مزاجي.‏

(شهريار يتجه ليخرج. يقف عند الحاجب).‏

شهريار:‏

وأنت أيضاً يا ضياء. تبدو لي رقيقاً نقياً كأنك الوردة البريئة.‏

حيران:‏

مولانا يرى الدنيا كلّها بريئة نقية.‏

الحاجب:‏

لكني حزين يا مولاي.‏

شهريار:‏

لماذا؟‏

الحاجب:‏

لأني....‏

شهريار:‏

تكلم ولا تخجل.‏

الحاجب:‏

لأني هجرت حبيبتي.‏

شهريار:‏

سيرسل إليك القدر غيرها كما أرسل إلي.‏

الحاجب:‏

لن يهفو قلبي إلى غيرها. ولم أرَ منها ما يسوء. هل تسمح لي بالزواج منها؟‏

(شهريار لا يرد ويخرج)‏

حيران:‏

إياك من الزواج من حبيبتك. فقد منعك الملك.‏

ماهين:‏

تزوجها يا بني ولا تسأل.‏

الحاجب:‏

لكن الملك لم يسمح لي.‏

ماهين:‏

ولم يرفض.‏

الحاجب:‏

سأنتظر.‏

(يخرج ماهين وحيران)‏

(إظلام خفيف)‏

(تعود الإضاءة)‏

(ماهين وحيران والقاضي والحاجب واقفون متوفزين).‏

حيران:‏

اليوم يبت مولانا في أمر الهرتيتة. فهل تتوقع أن يتزوجها؟‏

ماهين:‏

لا أعرف.‏

(يدخل شهريار ويصعد إلى عرشه)‏

شهريار:‏

أما وصلت إلى رأي أيها القاضي؟‏

القاضي:‏

رأيي أن تتزوج الأميرة الهرتيتة يا مولاي.‏

شهريار:‏

لماذا؟‏

القاضي:‏

لأن الحرب ستقع بيننا وبينه إن رفضت الزواج منها.‏

ماهين:‏

وهل نتجنب الحرب معه إن تزوجها؟‏

القاضي:‏

لن يحاربنا إذا كانت ابنته في بلادنا. بهذا تقضي الأبوة. سيحن إليها. وتشتاق نفسه إلى بيتها. فيرسل إلينا السلمَ والمعونة بدل الحرب والسيوف. فإذا رزقها الله ولداً، تضافر حبُّ الأب لابنته وحبُّ الجِد لحفيده على تدعيم الصلح بيننا وبينه.‏

ماهين:‏

أتخاف من الحرب أم ترانا ضعافاً فيها؟‏

القاضي:‏

أعلم أننا نهزمه إن واجهناه في الحرب. لكن الجنوح إلى السلم أفضل. هذا هو رأيي يا مولاي وتلك هي حجّتي.‏

شهريار:‏

رأي مقبول وحجة مقنعة.‏

ماهين:‏

بل هو الرأي الخاطئ والحجة الضعيفة. فالممالك والدول تحركها مصالحها لا عواطف ملوكها ورجال الحكم فيها. وكم من ملك داس على قلبه ابتغاء مصلحة بلاده. والملك السكيت يرى مصلحة بلاده في محاربتنا ليثأر من هزيمته أمامنا ويستولي على أرض القمح. ولن يمنعه عن حربنا بنت أو حفيد. وإني أعرف رجلاً دفع ابنته إلى القتل كي يصون بلاده. هذا هو رأيي وهذه حجتي يا مولاي.‏

شهريار:‏

(إلى الحاجب) أحضِر ضيفينا العزيزين.‏

(الحاجب يخرج. يعود بعد قليل مع الهرتيت والهرتيتة)‏

شهريار:‏

يا أمير. عرض علينا والدك الملك صلحاً دائماً مدعوماً بالمعاهدات وبالزواج من أختك الأميرة الكريمة.‏

الهرتيت:‏

نعم.‏

شهريار:‏

أما الصلح فقد وافقنا عليه. وزيرنا ماهين مكلّف بوضع شروطه وبنوده.‏

الهرتيت:‏

والمصاهرة؟‏

شهريار:‏

نقترح أن تكون من قِبَلنا لا من قِبَلِكم.‏

الهرتيت:‏

ماذا تعني؟‏

شهريار:‏

نزوجك من عندنا فتاة عالية المقام والجمال.‏

الهرتيت:‏

أتجد في أختي عيباً حتى ترفض الزواج منها؟‏

شهريار:‏

الأميرة كاملة الحسن والعقل. وصدق والدك حين قال إنها جوهرة. لكني لا أحب أن آتي لزوجتي بضرة.‏

الهرتيت:‏

الملوك يتزوجون بدوافع السياسة ومصالح الحكم لا بدوافع الحب والهوى.‏

شهريار:‏

لهذا أعرض عليك الزواج من عندنا. فأنت من رجال الحكم والسياسة.‏

حيران:‏

(يضحك) من حفر حفرة لأخيه وقع فيها.‏

الهرتيت:‏

(يصرخ في حيران) اخرس. (يلتفت إلى أخته) تعالي.‏

الهرتيتة:‏

أتسمح لي بالكلام أيها الملك؟‏

شهريار:‏

تفضلي.‏

الهرتيتة:‏

أتخاف مني خيانة زوجتك الأولى أم تخاف أن تضعف أمام زوجتك الحالية؟‏

شهريار:‏

(بغضب) لا شأن لك بي وبزوجتي.‏

الهرتيتة:‏

ما ظننتك تضعف أمام امرأة. وأراك اليوم على غير ما توقعت منك. فبئس الرجل أنت.‏

شهريار:‏

ويحك يا هرتيتة. ألا تخافين من القتل؟‏

الهرتيتة:‏

إن لمست شعرة من رأسي جاءك أبي بجيش يقطع رأسك.‏

شهريار:‏

تأدبي يا امرأة. واعلمي أني لا أخاف من أبيك وجيشه.‏

الهرتيتة:‏

أتخاف مني إذن؟‏

شهريار:‏

لا تغضبيني يا امرأة.‏

(تدخل شهرزاد بقوة من غرفة النوم وقد وضعت التاج على رأسها لأول مرة)‏

شهرزاد:‏

احذر من تحدّيها يا مولاي. فهي تقصد أن تُغضبك حتى تعطي أباها الحجة في قتالك.‏

الهرتيتة:‏

سيحاربكم أبي من غير عذر أو حجة.‏

شهرزاد:‏

أتنوين حرباً تقتل الرجالَ وترمِّل النساءَ لأن الملك رفض جمالك يا هرتيتة؟‏

(الهرتيتة تسحب خنجرها. وتهجم على شهريار لتطعنه)‏

(شهرزاد تهجم عليها وتمسك يدها. الهرتيتة ترتمي على الأرض، وهي تتشنج من الغضب والبكاء)‏

شهرزاد:‏

(إلى الهرتيت) خذ أختك وارجع إلى بلادك بالأمان كما دخلت بالأمان. وأخبر والدك الملك بما يلي: إن كان لـه جيشٌ فإن لنا جيوشاً. وإن كان معتداً بشجاعة رجاله فقد جرَّب شجاعة رجالنا في الحرب. فإن أراد القتال قاتلناه. وإن أراد الصلح صالحناه. ولا نطلب منه في السلم والحرب إلا الكلمة الصادقة. فلا غدرَ مع الحرب ولا خيانةَ مع السلم. وإذا لم يفهم أبوك الكلام، أعطيناه حدّ الحسام.‏

شهريار:‏

أوافق على ما قالته الملكة.‏

(الهرتيت يرفع أخته ويخرج. شهرزاد تعود إلى غرفة النوم)‏

شهريار:‏

النساء كلهن مخادعات خائنات. الهرتيتة تتحداني وشهرزاد تعطي الأوامر في مجلسي وتحكم بدلاً عني. (يقرع باب غرفة النوم) أين أنت يا شهرزاد يا قاسية القلب يا غادرة؟ أغرَّك من نفسك أنك تعرفين الحكايات حتى تتدخلي في شؤون الحكم والسياسية؟ لن أسمع حكاياتك القبيحة بعد اليوم. ماهين.‏

ماهين:‏

نعم يا مولاي.‏

شهريار:‏

أنا أعرف أنك تدافع عن مولاتك القاسية.‏

ماهين:‏

بل أدافع عنك لأني أحرص على سلامتك.‏

شهريار:‏

تحرص على سلامتي؟ كان عليك ألا تزوجني هذه الفتاة الغادرة.‏

ماهين:‏

ما عرفنا عن مولاتنا شهرزاد إلا الوفاء لك والاهتمام بسعادتك.‏

شهريار:‏

أنت لا تعرف النساء وكيد النساء. فاسمع ما أقول لك ولا تعارضني.‏

ماهين:‏

قل ما تريد يا مولاي.‏

شهريار:‏

اذهب إلى بيتك. وعندما تأتيني في الصباح ذكّرني بوجوب قتلها مع طلوع النهار. ثم تخطب لي فتاة صغيرة عذراء جميلة. وإذا لم تفعل ما أمرتك به عزلتك من الوزارة ورميتك إلى الكلاب. أتفهم؟ (ماهين لا يرد) أجبني يا وزير.‏

ماهين:‏

أفهم يا مولاي.‏

شهريار:‏

وتطيع؟‏

ماهين:‏

أطيع.‏

شهريار:‏

اذهبوا جميعاً.‏

(يخرج الجميع ما عدا الحاجب)‏

شهريار:‏

دردبيس. (تأتي دردبيس مسرعة) منذ الصباح تهيئين هذه الغرفة لاستقبال عروس جديدة).‏

دردبيس:‏

سأكون سعيدة بذلك يا مولاي.‏

شهريار:‏

وسوف أنام الليلة في جناح الضيوف.‏

(شهريار يخرج غاضباً من الباب الثاني)‏

الحاجب:‏

لماذا غضب الملك من شهرزاد وهي التي أنقذت حياته؟‏

دردبيس:‏

لا توجد امرأة ترضيه بعد سيدتي نور العيون. افهم هذا وابتعد عن النساء.‏

(دردبيس تدخل غرفة النوم)‏

الحاجب:‏

هل يمكن الابتعاد عن النساء؟‏

(الحاجب يخرج)‏

(موسيقى دليل مرور وقت)‏

(يعود شهريار قلقاً. يتجول في القاعة)‏

شهريار:‏

ما أبشع أن ينام المرء مبكراً من غير سهر أو سمر. (يقترب من باب غرفة النوم) شهرزاد. شهرزاد. تعالي وحدثيني وسامريني. هل أغضبتك يا شهرزاد؟ أعرف أنك أنقذت اليوم حياتي. وأعرف أن رأيك كان أحسن الآراء. تعالي وأكملي حكاية عمر النعمان وولده شركان. شهرزاد. حبيبتي وزوجتي الغالية. اعذري ألمي وعذابي. فأنا...‏

(تخرج شهرزاد من الغرفة. يندفع نحوها ويرتمي عليها وهو يبكي. تجره إلى مجلس الحكاية)‏

(موسيقى)‏

(شهرزاد تتحدث وهما وحدهما)‏

شهرزاد:‏

وبعدما اكتشف الأمير شركان أن الملكة إبريزة جاسوسة لوالدها، هجرها وإلى أبيها أرجعها.‏

شهريار:‏

هذا ما فعلته مع الهرتيتة.‏

شهرزاد:‏

يعني فهمت العبرة من الحكاية قبل أن تعرف نهايتها.‏

شهريار:‏

أكنت تقصدين غير هذا منها؟‏

شهرزاد:‏

وهل يطمئن الإنسان إلى عدّوه؟‏

شهريار:‏

وماذا جرى للأمير شركان؟‏

شهرزاد:‏

زوجه أبوه الملك عمر النعمان فتاة جميلة. وعاش الجميع في هناء وسرور حتى جاءهم هادم اللذات ومفرّق الجماعات.‏

شهريار:‏

حكاية جميلة. ابدئي حكاية جديدة. فالصباح لم يطلع بعد.‏

شهرزاد:‏

بلغني أيها الملك السعيد. ذو العقل الرشيد...‏

(موسيقى تدل على مرور الليالي. في أثناء هذه الليالي يسمع شهريار الحكايات وحده وهو يتنقل بين الفرح والحزن والتوتر مما يدل على تنوع الحكايات).‏

(صياح الديك)‏

(شهرزاد تسكت)‏

شهريار:‏

أبحت لك الكلام بعد صياح الديك. فكلميني.‏

شهرزاد:‏

كم مضى على زواجنا يا شهريار؟‏

شهريار:‏

ألف ليلة. وفي كل ليلة حكاية. هل تعلمين ما فعلت حكاياتك بي؟‏

شهرزاد:‏

تسليتَ بها.‏

شهريار:‏

وتعلمتُ منها.‏

شهرزاد:‏

ماذا تعلمتَ منها؟‏

شهريار:‏

أن الناس معادن. وأنه لا خير من غير شر. وأن أفضل الناس من يبحث عن الخير في قلوب الناس.‏

شهرزاد:‏

الآن ستكون ملكاً صالحاً.‏

شهريار:‏

وهل أنا زوج صالح؟‏

شهرزاد:‏

يمكن القول: نعم.‏

شهريار:‏

هل تحبينني يا شهرزاد؟‏

شهرزاد:‏

كثيراً. وهل تحبني أنت؟‏

شهريار:‏

ما رأيك لو بحت لك بسر؟‏

شهرزاد:‏

ما هو؟‏

شهريار:‏

كنت أخاف أن تتركي قصري وتهجريني.‏

شهرزاد:‏

وما رأيك لو بحت لك بسر؟‏

شهريار:‏

تبادل الأسرار شيء جميل.‏

شهرزاد:‏

فكرت أكثر من مرة بالفرار منك.‏

شهريار:‏

من قسوتي وتهديدي الدائم كل ليلة؟‏

شهرزاد:‏

القسوة أتحملها. وأستطيع أن أكسرها.‏

شهريار:‏

لماذا فكرت بهجري إذن؟‏

شهرزاد:‏

لأني كرهت تقلب مزاجك وتناقض آرائك.‏

شهريار:‏

يجب أن تعذريني. فما جرى لي لا تتحمله الجبال.‏

شهرزاد:‏

ولأني عذرتك صبرت عليك. ثم تسلل الحب إلى قلبي فصرت أسيرة لك. بقي أن تعدني بالتخلّص من تقلب المزاج وتناقض الآراء.‏

شهريار:‏

حكاياتك جعلتني أفهم الدنيا. ولن تري مني إلا الروية والتحكم بالمزاج.‏

شهرزاد:‏

ستكون أعظم الملوك يا حبيبي.‏

شهريار:‏

ما أجمل هذه الكلمة. حبيبي. منذ زمن طويل لم أسمعها.‏

شهرزاد:‏

ستسمعها مني كل يوم.‏

شهريار:‏

لكن في نفسي شيئاً لا أقتنع بغيره.‏

شهرزاد:‏

ما هو؟‏

شهريار:‏

أن النساء أدنى من الرجال في رجاحة العقل وفي الصبر على الشدائد.‏

شهرزاد:‏

ألهذا لا تجعل واحدة من النساء بين مستشاريك وأرباب دولتك؟‏

شهريار:‏

(يضحك) لم يبق إلا أن تجعلي واحدة من النساء قائداً لجيش.‏

شهرزاد:‏

ولمَ لا؟‏

شهريار:‏

تتكلمين بجد؟‏

شهرزاد:‏

وهل تراني أمزح؟‏

شهريار:‏

أنت تعطين المرأة هذه المكانة لأنها من بنات جنسك.‏

شهرزاد:‏

بل لأنها مخلوقة من مضغة تخرج من بين الصلب والترائب. ثم تخرج من الرحم بالولادة. ثم تستوي على الأرض بشراً سوياً قد خلقه الله في أحسن تقويم. ثم تموت لأن الموت نهاية الأحياء. هل الرجال على غير هذا يا مولاي؟‏

شهريار:‏

لكني لا أظن واحدة من النساء قادرة على الإتيان بما يستطيعه الرجال.‏

شهرزاد:‏

وإن قلت لك إن النساء قادرات على كل شيء؟‏

شهريار:‏

قدمي لي الدليل على ذلك.‏

شهرزاد:‏

دليلي هو الملك السكيت.‏

شهريار:‏

الملك السكيت؟‏

شهرزاد:‏

أنت تعلم أنه يتحيّن الفرصة للانقضاض عليك بعدما رفضت مصاهرته ورددت ابنته.‏

شهريار:‏

أعرف هذا.‏

شهرزاد:‏

فهل تعرف متى سيهجم عليك ومن أي موضع في بلادك سيخترق حدودك؟‏

شهريار:‏

هذا ما يحيرني وما أخشى منه.‏

شهرزاد:‏

أما شاورت رجال دولتك في هذا الشأن؟‏

شهريار:‏

لم يقدم لي واحدٌ منهم رأياً ناصحاً.‏

شهرزاد:‏

الرأي الناصح عندي.‏

شهريار:‏

(بغضب) أتستغلين تلطفي معك في الحديث حتى تتدخلي في شؤون السياسة؟‏

شهرزاد:‏

(بحدة) سأتدخل فيها شئت أم أبيت.‏

شهريار:‏

غصباً عني تسوسين أمور البلاد؟‏

شهرزاد:‏

نعم.‏

شهريار:‏

(يمسك سيفه) احذري يا امرأة. أنت تتكلمين بعد طلوع الصباح.‏

شهرزاد:‏

صحيح أنك ناكر الجميل.‏

شهريار:‏

أتجرئين على هذا الاتهام الصريح؟‏

شهرزاد:‏

أردتُ نصحك وحماية عرشك وجيشك من غدر الملك السكيت. فلم أسمع منك إلا التهديد بالسيف الذي تحتمي به.‏

شهريار:‏

الآن تُقتَلين.‏

شهرزاد:‏

اقتلني أو أَلقني في بئر عميقة. افعل بي ما تشاء. لكن اسمع رأيي بعد أن خذلك الرجال. فما أريد إلا الخير لك وللناس.‏

شهريار:‏

(بعد صمت) تكلمي. كيف أتقي مفاجأة الملك السكيت لي؟‏

شهرزاد :‏

بالحذر منه والتربص له.‏

شهريار:‏

أعرف هذا. أعرف هذا. لكن كيف؟ كيف؟‏

شهرزاد:‏

انتظر.‏

(شهرزاد تدخل الغرفة ثمَّ تخرج وهي تحمل ورقة كبيرة. تعلقها. ثمَّ ترسم خطاً طويلاً)‏

شهرزاد:‏

(تشير إلى الخط) هذا هو الحد الفاصل بينك وبين الملك السكيت. (ترسم دائرة بعيدة عن الخط) وهذه مدينتك وهذا قصرك. فأقِمْ على طول حدودك بين كل فرسخين مركزاً للإنذار.‏

(ترسم مربعات صغيرة على طول الخط)‏

شهريار:‏

(بكل اهتمام) أكملي.‏

شهرزاد:‏

بين كل مركز إنذار وبين قصرك تقيم مخافر صغيرة.‏

شهريار:‏

ما الفائدة من هذا؟‏

شهرزاد:‏

إذا طار طير على طول حدودك، وصلك خبره في ساعات قليلة. فتعلم بتحركات الملك السكيت من أي موضع دخل. فيتحرك جيشك دون إبطاء.‏

(شهريار يتأمل الرسم قليلاً ثمَّ يصفق بيديه. يدخل ماهين وحيران والقاضي والحاجب)‏

(شهريار يأخذ بيد شهرزاد ويصعد معها إلى العرش)‏

شهريار:‏

اعلموا أن الملكة شهرزاد ستقاسمني الملك والسلطان. وعليكم أن تطيعوها فيما تأمر وتنهى.‏

شهرزاد:‏

واعلموا أنه لا سياسة لنا إلا الحرص على حياة الناس وأموالهم وأعراضهم.‏

شهريار:‏

واحذر يا وزير من التقصير في عملك. فقد وكّلت الملكة بمحاسبتك.‏

شهرزاد:‏

لن أسامحك يا وزير على الخطأ أو التقصير. وإن كان للحاكم أن يسامح الرعية على بعض أخطائها، فإن عليه أن يضاعف الحساب لرجال دولته.‏

ماهين:‏

سأطيع مولاتي فيما تأمر. وأنا مستعد للمحاسبة في كل وقت.‏

شهرزاد:‏

وأول ما آمرك به أن تنفذ ما ورد في هذا المخطط.‏

(شهرزاد تشير إلى الرسم)‏

ماهين:‏

ما هذا؟‏

شهريار:‏

هذا ما عجز الرجال عن التفكير فيه من الحرص على البلاد. وأتت به الملكة شهرزاد.‏

شهرزاد:‏

سوف أشرح لك ما فيه وأطلب منك تنفيذه. (تبتسم) إلا إذا أردت أن تستعفي من الوزارة.‏

ماهين:‏

أنا أستعفي من الوزارة؟‏

شهريار:‏

وأنت أيها القاضي. ما ميزان العدل عندك؟‏

القاضي:‏

إحقاق الحق إنصافاً للمظلوم من الظالم.‏

شهريار:‏

واعلم أن الرحمة فوق العدل. وأن عليك أن ترأف بالنساء. فهن مودة لقلوبنا وتهذيب لعقولنا.‏

القاضي:‏

يسرني رجوعك إلى سابق رحمتك وعدلك.‏

شهريار:‏

الفضل في ذلك لزوجتي الملكة. اذهب إلى عملك.‏

(يخرج القاضي)‏

شهريار:‏

(إلى ماهين) وأعلن في الناس أني لن أغلق بابي أمام من يشكو ظلماً وقع عليه أو يطلب شيئاً نستطيعه. وخاصة النساء.‏

حيران:‏

ليتني كنت امرأة تشكو وتطلب العون.‏

شهريار:‏

(يضحك) سندبر لك زوجاً إذا صرت امرأة يا حيران.‏

حيران:‏

ليكن زوجي على شاكلتك لا على شاكلة الوزير. (شهريار يضحك) أتضحك عليَّ أم على الوزير؟‏

شهريار:‏

ماذا تفضل أنت؟‏

حيران:‏

أن تضحك علينا معاً.‏

شهريار:‏

أشتهي الذهاب إلى الصيد. فمنذ زمن طويل لم أخرج في نزهة. أتذهب معي يا حيران؟‏

حيران:‏

أذهب. فلعل غزالة شاردة تصيدني كما صادتك الملكة. لكن.. ألا تخاف أن يصيد غزالتَك صيادٌ أمهرُ منك؟‏

شهريار:‏

(بتوتر) أتعني أن زوجتي...‏

ماهين:‏

(يقاطعه) لا يعني إلا لغو الكلام. فاذهب وروِّحْ عن نفسك يا مولاي.‏

شهريار:‏

وأنت؟ ألا تذهب معي؟‏

ماهين:‏

سأتفرغ لما أمرت به الملكة. (يشير إلى الرسم)‏

(شهريار يتردد قليلاً وهو ينظر إلى شهرزاد بشك. يجزم أمره ويتجه ليخرج. يقف أمام الحاجب)‏

شهريار:‏

ماذا جرى بينك وبين حبيبتك؟‏

الحاجب:‏

أمرتَني بعدم الزواج منها.‏

شهريار:‏

أترى في ذلك خطأ مني يا ضياء؟‏

الحاجب:‏

أقول الصدق يا مولاي؟‏

شهريار:‏

قل ولا تخف.‏

الحاجب:‏

أخطأتَ في حق النساء. وجعلتني أخطئ معك. فحرمتني الحب والسعادة.‏

شهريار:‏

ما رأيك أن نصحح الخطأ؟‏

الحاجب:‏

كيف؟‏

شهريار:‏

أمازال العقد معك؟‏

الحاجب:‏

(يخرج العقد) أحتفظ به دائماً لأنَّه يدفِّئ قلبي.‏

شهريار:‏

اذهب الآن إلى حبيبتك واخطبها من جديد. وقدِّمْ إليها العقد.‏

الحاجب:‏

أهلها غاضبون مني يا مولاي.‏

شهريار:‏

إن رفضوا الموافقة على خطبتك ذهبت إليهم بنفسي وخطبتها لك. اذهب.‏

(الحاجب يذهب)‏

(شهريار يلتفت بحذر إلى ماهين وشهريار)‏

شهريار:‏

سأكون هنا في أول الليل.‏

(يخرج مع حيران)‏

(شهرزاد تهجم على ماهين)‏

شهرزاد:‏

أبي.‏

ماهين:‏

طوال ألف ليلة وأنا أهيئ نفسي لدفنك.‏

شهرزاد:‏

لكني أحببت الملك وجعلته يحبني.‏

ماهين:‏

فعلت أكثر من هذا. غسلتِ نفسَه من الأحقاد، وأنقذتِ البلاد من بطشه.‏

شهرزاد:‏

الفضل في ذلك لزوجي وصفاء نفسه.‏

ماهين:‏

أنسيت أنه بطش وتجبَّر؟‏

شهرزاد:‏

وهل نسيت أن الصدمة كانت قاسية عليه؟‏

ماهين:‏

بدأت الزوجة تدافع عن زوجها.‏

شهرزاد:‏

هكذا تفعل الفتاة التي رباها أبوها فأحسن تربيتها.‏

ماهين:‏

ستسلبين عقلي كما سلبت عقلَ الملك.‏

شهرزاد:‏

أبي.‏

(تعانقه)‏

(يدخل شهريار يسحب سيفه ويهجم نحوهما)‏

شهرزاد:‏

إنه أبي.‏

(شهريار يهدأ ويجلس)‏

شهريار:‏

لماذا لم تخبريني بهذا؟‏

شهرزاد:‏

لكي أمتحن نفسي وأكشف نفسك في اللحظة الحاسمة. وعندما جاءت هذه اللحظة. نسيتَ كل ما كان بيننا، وكشفت ما أنت عليه من الحمق والتهور. من الشك والظن الفاسد.‏

شهريار:‏

أرى زوجتي مع رجل غريب. فماذا أفعل؟‏

شهرزاد:‏

تتروى وتتعقل وتسأل.‏

شهريار:‏

هل يمكن التروي والتعقل مع رؤية الغدر؟‏

شهرزاد:‏

أي غدر هذا؟‏

شهريار:‏

رأيت زوجتي الأولى مع عشيقها.‏

شهرزاد:‏

كان أخاها ولم يكن عشيقها.‏

شهريار:‏

أخوها؟‏

شهرزاد:‏

نعم.‏

شهريار:‏

أنت تكذبين حتى تستري جريمتها.‏

شهرزاد:‏

وأنت تكذِّبني حتى لا تكشف خطأك.‏

شهريار:‏

ما الدليل على ما تقولين؟‏

شهرزاد:‏

سأحكي لك الحكاية الواحدة بعد الألف. (تنادي) دردبيس.‏

(تدخل دردبيس)‏

شهرزاد:‏

ستحكين الحكاية الأخيرة معي يا دردبيس. (إلى الملك) تذكَّرْ كيف رأيت زوجتك الأولى.‏

(إظلام خفيف)‏

(يعود منظر نور العيون مع الشاب. ماهين وشهريار وشهرزاد في طرف المسرح)‏

دردبيس:‏

رأيتَ زوجتك الأولى تكلم شاباً وقد اقترب رأسُه من رأسها.‏

شهريار:‏

عاشقان غادران.‏

دردبيس:‏

لو تمهلت قليلاً لرأيتني واقفة في زاوية الغرفة أنظر إليهما وأبتسم فرحاً بهما.‏

شهرزاد:‏

هل عرفتَ امرأة تستقبل عشيقها في حضور مربية زوجها؟‏

شهريار:‏

كانت تبتسم للشاب الجالس أمامها.‏

شهرزاد:‏

ألا تبتسم المرأة إلا لزوجها؟‏

شهريار:‏

لكن الدم فار وغلى في عروقي.‏

شهرزاد:‏

ثمَّ سحبت سيفك. ثمَّ هويت به.‏

شهريار:‏

كفى.‏

(تختفي نور العيون مع الشاب )‏

شهريار:‏

مازالت براءة زوجتي دون دليل.‏

شهرزاد:‏

دليل البراءة في الصندوق. هاتيه يا دردبيس.‏

دردبيس تُظهِر صندوقاً صغيراً كانت تخفيه وراء ظهرها)‏

شهرزاد:‏

جاءها أخوها بصندوق صغير. افتحيه يا دردبيس.‏

(دردبيس تفتح الصندوق. تُخرِج منه تاجاً صغيراً)‏

شهريار:‏

ما هذا؟‏

شهرزاد:‏

تاج أرادت أن تقدمه إليك هدية. فأوصت أخاها أن يصنعه عند أمهر الصائغين.‏

شهريار:‏

أخو زوجتي ولا أعرفه؟‏

شهرزاد:‏

كان مسافراً في طلب العلم. ألا تذكر أنها كانت تحدثك عنه؟‏

شهريار:‏

كثيراً. لكني نسيت.‏

دردبيس:‏

أحبت أن تفاجئك بعودة أخيها عالماً ينفعك بعلمه. وبالتاج رمزاً لسلطانك. فأخفيا عنك خبر رجوعه.‏

شهرزاد:‏

خذ وانظر. (دردبيس تسلمه التاج) اسمك مكتوب عليه.‏

(شهريار يفحص التاج ثمَّ يبكي. دردبيس تعانق شهرزاد)‏

شهرزاد:‏

ابك أيها الملك المأفون مع أن الدموع لا تغسل دماء القتلى.‏

شهريار:‏

هل تسامحينني؟‏

(شهرزاد تنحني عليه بقسوة وتشد شعره)‏

شهرزاد:‏

كدت أسامحك. لكنك ستظل كما أنت. تعشش الجريمة في نفسك. ويعيش سوء الظن في قلبك.‏

شهريار :‏

سأتغير.‏

شهرزاد:‏

لن تتغير. فالمجرم من طبعه الجريمة. والقاتل يلتذُّ بالقتل. ولن تكون إلا مجرماً وقاتلاً.‏

دردبيس:‏

صدقت يا سيدتي.‏

شهريار:‏

(يصرخ في دربيس) لا تقولي هذا.‏

شهرزاد:‏

ويمكن أن تقتلني كما كنت ستفعل.‏

دردبيس:‏

سيفعل.‏

شهرزاد:‏

أمَّا ما أمرتَ به من العدل والإنصاف فيمكن أن تتراجع عنه كما تراجعت من قبل. فتوقِعُ الظلمَ والقهر على الناس. فتقتل رعيتك كما تقتلني.‏

شهريار:‏

سامحيني‏

شهرزاد:‏

أخطأتُ حينما سامحتك أول مرة. ولن أخطئ مرة ثانية.‏

شهريار:‏

سأكفر عن ذنوبي.‏

شهرزاد:‏

بأي شيء؟‏

شهريار:‏

بالتوبة وصفاء النية.‏

شهرزاد:‏

التوبة تغسل نفسك. صفاء النية يجعلك تندم. والندم طريق الألم إلى التوبة. أمَّا الدماء فلن يغسلها إلا شيء واحد كاد الحب يُعميني عنه.‏

شهريار:‏

ما هو؟‏

شهرزاد:‏

أن يحكم عليك القاضي بما يمليه القانون.‏

دردبيس:‏

صدقت يا سيدتي.‏

شهرزاد:‏

أيها القاضي. (يدخل القاضي) أمامك هذا المجرم. حاكمه وكن منصفاً في حقه. هذا آخر أمر تأمر به الملكة شهرزاد قبل أن تغيب في حكايات ألف ليلة وليلة.‏

( تهم بالخروج)‏

شهريار:‏

إلى أين؟‏

شهرزاد:‏

إلى بيت أبي.‏

شهريار:‏

أنت زوجتي.‏

شهرزاد:‏

وفي بطني منك ولد.. لكني لن أخبره أن والده الملك شهريار.‏

شهريار:‏

سيسألك عن والده.‏

شهرزاد:‏

سأقول له إن والده حكاياتي. وسأرويها للناس على مر الزمان والدهور.‏

شهريار:‏

حكايات الملك تصبح للعامة؟‏

شهرزاد:‏

سيستمتعون بها أكثر ممَّا استمتعت. وسيفهمونها أكثر ممَّا فهمت. وأول ما يتعلمونه منها أن لا يُسلموا أمورهم للقتلة الظالمين.‏

(تخرج) (ماهين والقاضي ودردبيس يحيطون بشهريار الذي يقع على الأرض)‏

ستار‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة |