مسرحيتان الليلة الأخيرة و ديك الجن الحمصي ـــ فرحان بلبل

مسرح ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2005

Updated: Sunday, January 29, 2006 01:34 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

ـ المشهد الثاني

(المكان نفسه)‏

(الوقت منتصف النهار)‏

(دنيا وأبو المغيث واقفان وهما محتدان)‏

أبو المغيث:‏

أيقظيه. أيقظيه.‏

دنيا:‏

يا أبا المغيث. قلت لك إنه نائم وإني لن أوقظه.‏

أبو المغيث:‏

هل ينام أحد حتى منتصف النهار؟‏

دنيا:‏

وما شأنك به إن نام حتى منتصف النهار أو حتى الليل؟ هل أنت وليُّ أمره؟‏

أبو المغيث:‏

أنا ابن عمه. وأنا الوحيد الباقي من أفراد أسرته.‏

دنيا:‏

لو كنتَ أمه وأباه وأخته وابنه فلن أوقظه.‏

أبو المغيث:‏

معلوم. في الليل تقترفون الموبقات. وفي النهار تنامون كالأموات.‏

(يدخل بكر وقد سمع الجملة الأخيرة)‏

بكر:‏

اِحذر من التمادي في الكلام يا هذا. فسهراتُ سيدي غناء وشعر وليس فيها ما تفتري عليه من الكذب.‏

أبو المغيث:‏

أترفع صوتك علي يا خادم؟‏

(بكر يمسكه من خناقه)‏

بكر:‏

إن أضفت كلمة واحدة في إهانتي أو إهانة مولاي ديك الجن فلن تعرف ما يحدث لك حتى لو كنت أمَّ سيدي أو أباه أو أخته.‏

أبو المغيث:‏

لم يبق إلا أن تضربني يا بكر.‏

بكر:‏

عند الضرورة أفعل ذلك. (يترك خناقه بحدة).‏

أبو المغيث:‏

تتصرف معي بهذه القسوة يا بكر. وسيدك يقول عنك:‏

رق حتى حسبته ورق الورد‏

جنيَّاً يرفُّ بين الرياح؟‏

بكر:‏

أرقُّ مع من يستحق الرقة. وأقسو مع قليل الفهم الذي لا يعرف الذوق.‏

أبو المغيث:‏

وتتهمني بقلة الذوق؟‏

دنيا:‏

دعه يا بكر. فهو سخيف ومزعج وغبي. (تلتفت إلى أبي المغيث الذي يحاول أن يرد على دنيا) لا تدافع عن غبائك. أخبرني. لماذا تريد أن توقظه؟‏

أبو المغيث:‏

لأصون سمعته وأحفظ كرامته.‏

دنيا:‏

كيف؟‏

أبو المغيث:‏

بأن يغير سلوكه وأقواله حتى تخف النقمة عليه.‏

دنيا:‏

ومن ينقم عليه؟‏

أبو المغيث:‏

كل الناس. من الخليفة في بغداد إلى والي حمص. البارحة سمعت أن والي حمص غاضب منه أشد الغضب. ولن يسكت عن أفعاله.‏

دنيا:‏

لماذا ينقمون عليه؟‏

أبو المغيث:‏

سكرٌ وخمرٌ وغناء في الليل. وتبطُّلٌ في النهار. وتقصير في مدح الخليفة في بغداد. وفوق هذا، مدحٌ لآل هاشم في السلمية.‏

دنيا:‏

أعرف أن الناس يحبونه ويرددون أشعاره في كل مكان.‏

أبو المغيث:‏

ويرددون قولـه في مدح جعفر بن علي الهاشمي:‏

نغدو لسيدنا نحصي الحصا عدداً‏

في الخافقين ولا نحصي فواضِلهُ.‏

دنيا:‏

ما الذي يُغضِب الخليفةَ من هذا القول؟‏

أبو المغيث:‏

افهمي يا دنيا. جعفر بن علي الهاشمي هذا يثير الناس على الخليفة بحجة أنه خليفة ظالم يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف، وأن حاشيته من أراذل الناس. يعني.. سيدُك الفاسق يترك مدح الخليفة ويمدح خصومه والناقمين عليه. ومادحُ المتمرد على الخليفة متمرد.‏

دنيا:‏

سيدي يمدح من يريد.‏

أبو المغيث:‏

لكن الناس يرددون مدح سيدك المجنون للمتمرد على الخليفة.‏

(يدخل ديك الجن وهو يرتجف غضباً)‏

ديك الجن:‏

وسأجعل الناس يرددون هجائي لك. اسمع:‏

يا عجباً من أبي الخبيث‏

ومن سُروحه في المقابر الكدِرةْ‏

يحمل رأساً تنبو المعاول عن‏

صفحته والجلامدُ الوعِرةْ‏

سبحان من يمسك السماءَ على‏

الأرض وفيها أخلاقك القذرة‏

أبو المغيث:‏

(وقد أصيب بحالة من الهيستيريا) أتهجوني وأنا ابن عمك يا فاسق؟‏

ديك الجن:‏

(يرفع عليه العصا) وإذا زدت كلامك، كانت العصا دواءك.‏

أبو المغيث:‏

وتهددني؟ والله لن أسكت عن هذا. لن أسكت عن هذا.‏

(يدخل نمرود مسرعاً. ديك الجن يشير إلى نمرود الذي يدور حول أبي المغيث ويهزأ به في حين يصرخ أبو المغيث)‏

نمرود:‏

أبو الخبيث. أبو الخبيث.‏

دنيا:‏

أبو الخبيث. أبو الخبيث.‏

نمرود:‏

جحشٌ في رأس البراغيث.‏

(أبو المغيث يخرج غاضباً. ديك الجن وبكر ودنيا ونمرود يضحكون)‏

ديك الجن:‏

من أين جئت بهذه الصورة الجميلة يا نمرود؟ جحش في رأس البراغيث؟‏

نمرود:‏

من عاشر الشعراء صار قرينهم.‏

ديك الجن:‏

لم يبق إلا أن تصبح شاعراً.‏

نمرود:‏

ولماذا لا أصير؟‏

ديك الجن:‏

هس.‏

(في الباب تقف ورد وفي يدها صرة صغيرة. ديك الجن ينبهر بجمالها. يتقدم نحوها خطوة. يتقدم معه بكر)‏

(دنيا التي لاحظت انبهار ديك الجن بها تسرع نحوها وتقف أمامها)‏

دنيا:‏

من أنت يا فتاة؟‏

ورد:‏

فليسألني سيدي. (تشير إلى ديك الجن)‏

ديك الجن:‏

مُرحِّباً أسأل. ووجهَك أتأمل. ما أجملك يا فتاة.‏

ورد:‏

ورد. اسمي ورد.‏

بكر:‏

وأنت باقة ورد.‏

ديك الجن:‏

من أي الجنان هبطت يا وردُ علينا؟‏

ورد:‏

أرسلني إليك المحبون هديةً منهم.‏

ديك الجن:‏

من أين يا وردُ؟‏

ورد:‏

من السلميةِ حيث يكثر من يحبونك.‏

ديك الجن:‏

ومن همُ يا ورد؟‏

ورد:‏

منعوا عليَّ البوح بالأسماء. فالفضلُ بالإكرام صامت. فكن مثلي على الأسرار ساكت.‏

بكر:‏

هكذا فلتكن النساء. في الوجه جمالٌ ساحرٌ والنفسُ ناصعة النقاء. القدُّ يفتن من يرى. والروح تزهو بالصفاء.‏

نمرود:‏

أنا لا أقل عن ورد هذه جمالاً في الوجه ورشاقة في القد.‏

ديك الجن:‏

نهر العاصي ينتظرك يا نمرود. (إلى ورد) ماذا تعرفين من فنون القول يا ورد؟‏

ورد:‏

أعرف الشعر وأغنيه.‏

ديك الجن:‏

وماذا تحفظين من شعري؟‏

ورد:‏

أحفظ أجمله. أتريد أن تسمع بعض ما أحفظ؟‏

ديك الجن:‏

يا ليت.‏

ورد:‏

أنت تقول في غلامك بكر:‏

دع البدر فليغرُبْ فأنت لنا بدرُ‏

إذا ما تجلّى عن محاسنك الفجرُ‏

إذا ما انقضى سحرُ الذين ببابلٍ‏

فطرفُك لي سحرٌ وريقُك لي خمر‏

ولو قيل لي قمْ فادعُ أحسن من ترى‏

لصحتُ بأعلى الصوت يا بكر يا بكر‏

(ديك الجن يتمايل وهو يأخذ بيد بكر)‏

ديك الجن:‏

ولو قيل لي قم فادع أحسن من ترى‏

لصحت بأعلى الصوت يا بكر يا بكر‏

(ورد تردد الأبيات السابقة)‏

ديك الجن:‏

يا فتنتي بك يا ورد.‏

بكر:‏

ويا فرحتي بك يا ورد. ألا قلت الآن فيها شعراً يا سيدي؟‏

ديك الجن:‏

بأبي فمٌّ شهد الضمير له‏

قبل المذاق بأنه عذبُ‏

كشهادتي لله خالصة‏

قبل العِيان بأنه ربُّ‏

(بكر وورد يأخذان بأيدي بعضهما ويرددان البيتين السابقين)‏

(ديك الجن يغني ويرقص معهما بحيث يبدو كأنه في أقصى حالات الهياج. يقترب من بكر ويقول الشعر في حالة وجد صوفي)‏

ديك الجن:‏

انظُرْ إلى شمس القصور وبدرها‏

وإلى خُزاماها وبهجة زهرها‏

لم تبْلُ عينُك أبيضاً في أسودٍ‏

جمع الجمالَ كوجهها في شعرها‏

وتمايلت فضحكتُ من أردافها‏

عجباً ولكني بكيت لخصرها‏

تسقيك كأس مُدامة من كفها‏

وردية ومدامةً من ثغرها‏

(ديك الجن يردد البيت الأخير وهو يدور راقصاً)‏

بكر:‏

كأنك أحببتها يا سيدي.‏

ديك الجن:‏

قل إنها فتنتني. وفي عشقها رمتني.‏

(يزداد اندفاعاً وتمايلاً)‏

بكر:‏

هدِّئْ نفسك يا سيدي. هدئ نفسك. اجلس.‏

(بكر يمسك يد ديك الجن ويجعله يجلس بينما عيناه وعينا ديك الجن متعلقتان بورد. بكر يقترب من ورد بلهفة)‏

بكر:‏

وماذا تعرفين غير الشعر والغناء يا ورد؟‏

ورد:‏

أحفظ علوم الفلسفة.‏

ديك الجن:‏

وهل تعملين بها؟‏

ورد:‏

أعمل بأهم مبادئها.‏

ديك الجن:‏

وما هي؟‏

ورد:‏

الحكمة التي تقول: اغتنم صفوَ الليالي.‏

بكر:‏

تلك أكرم حكمة. واتباعها أعظم نعمة. ماذا تقول أنت يا سيدي؟‏

ديك الجن:‏

كأنك تنطق بلساني أنت وورد.‏

بكر:‏

وكأننا نحن الثلاثة..‏

ديك الجن:‏

(يقاطع بكراً)‏

نحن الثلاثة واحدُ‏

والكلُّ منا ماجدُ‏

فكأننا نهر الهوى‏

والقلبُ منا رافدُ‏

ورد:‏

أتسمح لي بسؤال يا سيدي؟‏

ديك الجن:‏

اسألي يا ورد إني‏

بين عينيك أسوحُ‏

كلما هبَّ نسيم‏

مسني منك جروحُ‏

حدُّ ما يُعشَق عندي‏

حيوانٌ فيه روح‏

ورد:‏

لماذا يسميك الناس ديك الجن، ولا ينادونك باسمك عبد السلام بن رِغْبان؟‏

ديك الجن:‏

(يضحك ضحكة كبيرة) لأني لا أبالي بهم. أشرب الخمر إذا اشتهيتها. أغازل من أحب دون خجل. وأفضح سخفهم بالهجاء. أرادوا أن ينتقصوا مني، فأطلقوا عليَّ اسمَ ديك الجن على اسم حشرة صغيرة تعيش في خوابي الخمر، أو على اسم حشرة أصغر تعيش بين أشجار الميماس.‏

ورد:‏

وهل تضيق بهذا الاسم؟‏

ديك الجن:‏

على العكس. فالديك يصيح أول النهار معلناً شروق الشمس. و..‏

جنيُّ الشعر يراودني‏

في حينَ الحسنُ يغازلني‏

ورد:‏

(تضحك بدلع) كأنك مفتون بالجمال يا سيدي.‏

بكر:‏

يهيجه الشوق إلى الجمال. فيسلك في الحب سلوك العاشقين.‏

ديك الجن:‏

ويحِي منكما يا بكر ويا ورد. كيف لا أُفتَن بكما وأنتما عينٌ تراني ولسان يفضحني.‏

(دنيا الواقفة وهي غاضبة تقترب منهم)‏

دنيا:‏

كفى يا سيدي. فأنت بهذا الكلام تحقِّر نفسك. اذهب إلى غرفتك يا بكر. وأنت يا ورد. تعالي حتى أجهز لك غرفة.‏

ديك الجن:‏

لتكن غرفة مريحة تليق بورد الجميلة.‏

دنيا:‏

جارية قبيحة تأتي اليوم وتطلب لها غرفة مريحة؟ لم يبق إلا أن تجعلها تنزل في غرفتي.‏

ديك الجن:‏

لا. ولكن..‏

دنيا:‏

سأعطيها غرفة أختارها لها.‏

ديك الجن:‏

كما تريدين. كما تريدين.‏

دنيا:‏

وأنت اذهب إلى غرفتك واسترح يا سيدي. كفانا ليلةُ الأمس سهراً وخمراً.‏

(ديك الجن يغمز بكراً كأنه يقول له: يجب أن نراعي دنيا)‏

(يذهبون خارج المسرح. تظل دنيا وحدها)‏

دنيا:‏

هل فقدتُ مكانتي عند سيدي بسبب هذه الفتاة الغريرة؟ سأريك من أنا يا شاعر الفسق والفجور.‏

(نمرود يمد رأسه من طرف المسرح)‏

نمرود:‏

أتقولين شيئاً يا دنيا؟‏

دنيا:‏

أقول إن عليك أن تذهب إلى عملك يا عجوز النحس.‏

نمرود:‏

وأنا أقول إن عليك أن تظلي وفية لسيدك ديك الجن.‏

دنيا:‏

انقلع من وجهي يا أهبل وإلا..‏

(نمرود يسرع خارجاً)‏

(دنيا تظل واقفة لحظة ثم تخرج)‏

(يظل المسرح فارغاً)‏

(فجأة يعود بكر وورد وديك الجن. يهجمون نحو بعضهم بلهفة)‏

إظلام خفيف‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | دليل الاعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244