مسرحيتان الليلة الأخيرة و ديك الجن الحمصي ـــ فرحان بلبل

مسرح ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2005

Updated: Sunday, January 29, 2006 01:34 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

ـ المشهد الثالث

(في المكان نفسه)‏

(الوقت صباح)‏

(من طرفي المسرح يدخل بكر وورد. ينظران إلى بعضهما لحظة دون كلام)‏

ورد:‏

كم أحبك يا بكر. لم أعرفك إلا منذ أسبوع. لكنني أشعر أني أحببتك من أول العمر.‏

بكر:‏

وكأني ما عرفت الحب من قبلك يا ورد. لكن.. ألا نخون سيدنا ديك الجن؟‏

ورد:‏

كيف نخونه؟‏

بكر:‏

واجبنا أن نمنحه حبنا. أنت فتاته التي يهواها. وأنا كأني ولده الذي رباه.‏

ورد:‏

(تضحك) وهل الحب واجب يا بكر؟‏

بكر:‏

الحب شعور بالفرح.‏

ورد:‏

وأنا أشعر معك بالفرح.‏

بكر:‏

وكيف تشعرين مع سيدي ديك الجن؟‏

ورد:‏

أعجبت به قبل أن أراه. فلما أرسلوني إليه كنت كالمسافر الذي يعود إلى موطنه بعد طول غياب.‏

بكر:‏

ما الذي جعلك تعجبين به وأنت لا تعرفينه؟‏

ورد:‏

ألا تعرف أن الناس تُعجَب بالشاعر من سماع شعره؟‏

بكر:‏

أعرف.‏

ورد:‏

وقد فتنني قوله:‏

ولي كبدٌ حرّى ونفسٌ كأنها‏

بكفِّ عدوِّ ما يريد سَراحَها‏

كأن على قلبي قطاة تذكَّرت‏

على ظمأ وِرداً فهزَّتْ جناحَها‏

فتعلق به قلبي حتى كنت أشعر بأنه طير يهز جناحه في مهب الريح.‏

بكر:‏

وأنا كنت معجباً به يا ورد، حتى تعلقتُه وعفتُ من أجله الدنيا. وقد أحبني كثيراً لوفائي له وتعلقي به. أما سمعت قوله فيَّ:‏

يا كثير الدلِّ والغنجِ‏

لك سلطانٌ على المهجِ‏

إن بيتاً أنت ساكنه‏

غير ُمحتاج إلى السُّرُج‏

وجهك المأمول حجتنا‏

يوم يأتي الناس بالحجج؟‏

ورد:‏

سمعت. بل وأحفظ كل ما قاله إعجاباً بك.‏

بكر:‏

لكني منذ رأيتك شعرت أنك ملأت عليَّ الدنيا فلم أعد أرى أحداً غيرك يا ورد. حتى سيدي ديك الجن لم يعد يملأ قلبي.‏

ورد:‏

أيعني ذلك أنك تخونه إن أحببتني ما دام يحبني؟‏

بكر:‏

حاشا لله أن أخون سيدي. فالحب أمانة. وليس الحب خيانة. سأظل وفياً له ما دمت على قيد الحياة. أنقذني من ذل العبودية. وعاملني كأنني ولده. وفرح بي كأنني قصيدته.‏

ورد:‏

لكنك تحبني.‏

بكر:‏

سأكتفي بشعور الحب. لن أمد إليك يداً أبداً. ولن ألمس منك جسداً. فروحي الهائمة... تعانق روحك الحائرة. فإذا صار الفرحُ بالحب عذاباً للجسد، كان الوفاءُ لسيدي بلسماً للجراح.‏

ورد:‏

ما ألذ كلامك يا بكر.‏

بكر:‏

وأنت يا حبيبتي. هل تشعرين بغير الفرح لأنك أحببتني؟ فكِّري قبل أن تردي عليّ. فكّري.‏

(ورد تدعي أنها تفكر. بكر شديد اللهفة لها. دنيا تمد رأسها قليلاً من طرف المسرح وتسمع)‏

ورد:‏

إذا فكرت قلت إني أحبك حباً ليس أحلى منه.‏

بكر:‏

وإذا لم تفكري؟‏

ورد:‏

سارعت إلى القول:‏

وأحبك حباً من عسلِ‏

وعيونُك تُحيي لي أملي‏

وحريراً بين يديك أكونْ‏

يستر خجلي عند الخجلِ‏

بكر:‏

كأنك تنطقين بلسان قلبي يا ورد.‏

(يتأملان بعضهما بصمت)‏

بكر:‏

أتعلمين ماذا أشتهي يا ورد؟‏

ورد:‏

ماذا تشتهي؟‏

بكر:‏

أن أخرج بك من هذا الكوخ لنتمشى في الميماس على شاطئ العاصي.‏

ورد:‏

ويحك يا بكر. ألا تعلم أن سيدنا ديك الجن يكره أن نخرج من هنا؟‏

بكر:‏

لم أغادر هذا الكوخ منذ دخلته قبل سنوات. ولم أكن أشتهي أن أخرج منه. لكني منذ أحببتك صرت أشتهي أن أسوح في الدنيا لأصرخ بملء صوتي: أنا أحب ورد. أنا أحب ورد. وأشتهي أن تكوني معي حينما أصيح: أنا أحب ورد.‏

ورد:‏

أنت تغريني بالتمرد على أمر سيدي.‏

بكر:‏

معاذ الله أن نتمرد عليه. لكننا سنجد فرصة في يوم من الأيام ونخرج.‏

ورد:‏

على أن يكون ذلك برضاه. فأنا أكره أن أُغضِبه.‏

بكر:‏

تعالي الآن إلى غرفتي لتري ما فيها.‏

ورد:‏

وما فيها؟‏

بكر:‏

ستعرفين حين تأتين. تعالي.‏

(يخرجان مسرعين)‏

(تدخل دنيا مبتسمة شامتة)‏

دنيا:‏

(تنادي) سيدي. سيدي.‏

(يدخل ديك الجن)‏

ديك الجن:‏

ماذا تريدين؟‏

دنيا:‏

ما تقول فيمن يغدر بك بعد أن وثقت به؟‏

ديك الجن:‏

أقتله.‏

دنيا:‏

فإن كان الغدر من أعز الناس عندك؟‏

ديك الجن:‏

وضحي ما تقولين.‏

دنيا:‏

غلامك بكر وحبيبتك ورد.‏

ديك الجن:‏

ما شأنهما بالغدر وهما من أوفى الناس لي؟‏

دنيا:‏

يحبان بعضهما.‏

ديك الجن:‏

(يمسك بخناقها) أتفترين عليهما الكذب؟‏

دنيا:‏

رأيتهما بعيني وسمعتهما بأذني.‏

ديك الجن:‏

أعرف أنك تغارين من ورد. (يشدد على خناقها) إن سمعت منك حرفاً واحداً عنهما، كانت منيتك على يدي.‏

(يتركها بقسوة ويخرج)‏

دنيا:‏

(بسخرية) غبي مأفون وشاعر مجنون. لكني سأعرف كيف أداوي غباءك وأشفي جنونك.‏

(تصفِّر)‏

(يدخل أبو المغيث)‏

دنيا:‏

تعال يا أبا المغيث.‏

أبو المغيث:‏

الآن تقولين يا أبا المغيث؟ كنت تقولين عني: أبو الخبيث كما يقول سيدك الفاسق.‏

دنيا:‏

أخفض صوتك يا غبي يا قليل الفهم.‏

أبو المغيث:‏

أدعوتني إلى هنا لأسمع هذه الكلمات الجميلة؟‏

دنيا:‏

أنت تثبت أنك غبي وقليل فهم. (يحاول أن يتكلم) اسكت واسمعني جيداً.‏

أبو المغيث:‏

تكلمي. لكن إن نطقت بشتيمة واحدة تركتك وذهبت. تكلمي.‏

دنيا:‏

ألا تكره ابن عمك هذا الشاعر الفاسق؟‏

أبو المغيث:‏

أكرهه وأتمنى موته.‏

دنيا:‏

قل لي أولاً. لماذا تكرهه؟ لا تقل لي لأنه فاسق ولأنه يعارض الخليفة ولأنه يحب الهاشميين خصوم الخليفة. فهذه حجة لا أقتنع بها. أخبرني بالحقيقة. الحقيقة وحدها.‏

أبو المغيث:‏

هذه هي الحقيقة.‏

دنيا:‏

(تلكزه) تكلم واصدق. وإلا أسمعتك أقبح الشتائم.‏

أبو المغيث:‏

ديك الجن عنده مال كثير من الهبات والعطايا التي يرسلها إليه محبوه.‏

دنيا:‏

أعرف هذا. وأعرف أنه لا يهتم بالمال ولا يخفيه عني أو عن غلمانه وجواريه.‏

أبو المغيث:‏

وقد ورث أرضاً واسعة في ظاهر حمص.‏

دنيا:‏

لا أعرف هذا الإرث.‏

أبو المغيث:‏

وهو لا يعرفه لأنه لم يسأل عنه. حتى عندما أخبروه به لم يلتفت إليه.‏

دنيا:‏

الآن فهمت ما تريد. تريد أن تنهبه حياً وترثه ميتاً.‏

أبو المغيث:‏

أنا ابن عمه. والشرع يجعلني وريثه بالحلال. أم تظنين أني آكل المال الحرام؟‏

دنيا:‏

حقاً إنك أبو الخبيث.‏

أبو المغيث:‏

أنت تعودين إلى شتيمتي.‏

دنيا:‏

افهم يا أهبل. أنا معجبة بك لأنك أبو الخبيث. فأنت مع الخبائث تتفق. ومع الطهارة تختلف.‏

أبو المغيث:‏

كفى يا جارية. كفى. أنت تجعلين جلدي يرتعش.‏

دنيا:‏

سأجعل قلبك يرتعش.‏

أبو المغيث:‏

لا يرتعش قلبي بالحب إن كنت تعرضين عليَّ الحب.‏

دنيا:‏

(تلكزه) أنا أعرض عليك الحب؟ لو لم يبق من الرجال إلا القرود، لما فكرت بك.‏

أبو المغيث:‏

أنت تتحدثين عن ارتعاش القلب.‏

دنيا:‏

قلبك لا يرتعش بالحب. فهو أقسى من الصوان والجلامد. ألم يصفك ابن عمك بهذا؟‏

أبو المغيث:‏

إن لم تسكتي يا فتاة, عاجلتك بالضرب حتى يصبح جلدك أزرق اللون.‏

دنيا:‏

(تضحك ساخرة) تضربني؟ وتجعل جلدي أزرق اللون؟ أنت جبان تعرف تدبير الدسائس ولا تستطيع أفعال الشجاعة.‏

أبو المغيث:‏

لن أصبر عليك أكثر من هذا. أنا ذاهب. (يهم بالذهاب).‏

دنيا:‏

(تصرخ وراءه) سأفتح لك باب الرزق من مال ابن عمك.‏

أبو المغيث:‏

(يقف) كيف؟‏

دنيا:‏

تسايرني فيما أريد له، وتطيعني فيما أطلب منك.‏

أبو المغيث:‏

تتكلمين جادة يا دنيا؟‏

دنيا:‏

(بغضب) ألا تعرف دنيا التي لا يردها شيء عما تريد؟‏

أبو المغيث:‏

أعرف. وأعرف أنك كنت وراء كره ابن عمي لي.‏

دنيا:‏

على أن..‏

أبو المغيث:‏

أساير وأوافق. أساير وأوافق.‏

دنيا:‏

تذهب الساعة إلى والي حمص وتقول له..‏

(تهمس في أذنه بكلام. أبو المغيث ينبهر بكلامها)‏

أبو المغيث:‏

من أين جئت بهذا التدبير؟‏

دنيا:‏

نفذ ما قلته لك وكفى.‏

أبو المغيث:‏

وأنت يا جارية. أخبريني بالحقيقة. الحقيقة وحدها.‏

دنيا:‏

أية حقيقة؟‏

أبو المغيث:‏

أعرف أنك تحبين سيدك الفاسق وأنك تفتدينه بروحك. فماذا جرى حتى صرت تدبرين له ما تدبرين؟ لا تقولي إنك تعطفين علي وتريدين لي الخير أو إنك تريدين المال. هيه. (بحزم يكشف عن قوته) تكلمي. لماذا تدبرين له ما تدبرين؟‏

دنيا:‏

لأنه أحرق قلبي. أحب هذه الفتاة البلهاء وتركني بعد كل إخلاصي له. فإذا أحرقتُ أنا قلبه، ونهبتَ أنت ماله، عاد إلي صاغراً وارتمى تحت قدمي نادماً. فتعود مكانتي كما كانت. عندها أغمره بحنان لا يعرف أحدٌ مثلَه.‏

أبو المغيث:‏

وإذا ظل على حبه لتلك الفتاة؟‏

دنيا:‏

سيعرف معنى أن يغدر بامرأة تحبه.‏

أبو المغيث:‏

ويلي من كيد النساء.‏

دنيا:‏

(تصرخ فيه) قل إنه جزاء الغدر بالحب.‏

أبو المغيث:‏

كما تريدين. سأذهب إلى والي حمص.‏

دنيا:‏

ولا تتأخر.‏

أبو المغيث:‏

لكن اعلمي أني إن خطوت خطوة لا أتراجع عنها.‏

دنيا:‏

واعلم أن دنيا تقتل من يمنعها إن أرادت أن تخطو في أمر خطوة.‏

أبو المغيث:‏

الآن اتفقنا. (يهم بالذهاب ثم يتوقف) ألا تعجِّلين لي بشيء مما يسر القلب؟‏

دنيا:‏

(تتناول صرة مال وتدفعها إليه) خذ ما يُفرِح قلبك ويقوي عزيمتك.‏

(أبو المغيث يخرج مسرعاً)‏

إظلام‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | دليل الاعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244