مسرحيتان الليلة الأخيرة و ديك الجن الحمصي ـــ فرحان بلبل

مسرح ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2005

Updated: Sunday, January 29, 2006 01:34 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

ـ المشهد الرابع

(الوقت صباح)‏

(قرع شديد على الباب. نمرود ودنيا يأتيان مسرعين لفتح الباب)‏

نمرود:‏

ارجعي يا دنيا. هذا القرع الشديد لا يعجبني.‏

(دنيا تقف عند باب الغرفة الداخلية. نمرود يفتح الباب. يدخل والي حمص. وراءه حاشيته وجنوده)‏

جندي:‏

قل لسيدك عبد السلام بن رغبان إن والي حمص يريده.‏

نمرود:‏

والي حمص بذاته يزور كوخ سيدي المسكين؟‏

جندي:‏

لا تثرثر يا عجوز وإلا...‏

(الجندي يرفع يده ليضرب نمرود)‏

نمرود:‏

أتضربون الناس على الثرثرة؟ ماذا تفعلون بهم إذا تكلموا من غير ثرثرة؟‏

والي حمص:‏

هل علِّمك سيدك الكلام في السياسة يا عجوز؟‏

نمرود:‏

أنا تكلمت في السياسة يا سيدي الوالي؟‏

والي حمص:‏

أخبر سيدك أني أريده.‏

نمرود:‏

حاضر. حاضر.‏

(نمرود يخرج مسرعاً.‏

أبو المغيث يبرز عند الباب)‏

الوالي:‏

(إلى أبي المغيث) اعرِفْ متى تتدخل.‏

(دنيا تهز رأسها لأبي المغيث موافقة)‏

(أبو المغيث يخرج. دنيا تدخل الغرفة)‏

(يدخل ديك الجن حاملاً سيفه. يدخل وراءه نمرود)‏

الوالي:‏

جئتُ زائراً يا ابن رغبان.‏

(ديك الجن يضع سيفه عند باب الغرفة)‏

ديك الجن:‏

أهلاً بوالينا الكريم مادام قادماً إلينا بزيارة.‏

الوالي:‏

أنت ذو مكانة عالية يا ابن رغبان. وجئت لأرى إن كنت تريد شيئاً أو تطلب أمراً.‏

ديك الجن:‏

تكفيني زيارتكم يا سيدي. (يلتفت إلى نمرود) قدم شراب الورد لوالينا.‏

الوالي:‏

لا أريد شيئاً يا ابن رغبان. هناك أمر أحب أن أتداول معك بشأنه.‏

ديك الجن:‏

ما هو؟‏

(يدخل بكر ويقف إلى جانب ديك الجن)‏

الوالي:‏

(يخرج رسالة من جيبه) أمير المؤمنين المعتصم بالله أرسل إلي رسالة يدعوك فيها إلى طاعته. وأمرني أن أدفع لك هذا المال.‏

(الوالي يبرز صرة مال)‏

ديك الجن:‏

شكراً لك وللخليفة. لكني لا أريد ماله.‏

الوالي:‏

اسمع. جميع شعراء أرض الخلافة مدحوا أمير المؤمنين إلا أنت.‏

ديك الجن:‏

أنا لا أمدح أحداً.‏

الوالي:‏

لكنك مدحت جعفر بن علي الهاشمي وقلت فيه:‏

أنت أبا العباس عباسُها‏

إذا استطار الحدَثُ المعضِلُ‏

وأنت ينبوع أفانينها‏

إذا همُ في سنةٍ أمحلوا‏

نقول بالعقل وأنت الذي‏

نأوي إليه وبه نعقل‏

نحن فداءٌ لك من سيد‏

والأرضُ والآخِرُ والأولُ‏

ديك الجن:‏

مدحته حباً به ولم أمدحه حباً بالمال.‏

الوالي:‏

واجبك أن تطيع أمير المؤمنين وأن تقف معه وأن تهجر خصومه والمتمردين عليه أو المحرضين على التمرد.‏

ديك الجن:‏

ليس لي شأن بموقف أحد من الخليفة.‏

الوالي:‏

ألا تعرف أن جعفر بن علي هذا يتهم الخليفة بمجموعة من الأكاذيب يفتريها عليه؟‏

ديك الجن:‏

أعرف أني أحب هذا الهاشمي.‏

الوالي:‏

أيحب أحد خصومَ الخليفة؟‏

ديك الجن:‏

أحب الحزانى أيها الوالي. أحب الذين يبكون من ألم القتل وظلم القهر. فالحزن في صدري دفين.‏

الوالي:‏

(يضحك بسخرية) ماجن وتتحدث عن الحزن؟‏

ديك الجن:‏

ليس المجون سوى وجه من الألم. والألم وجه من وجوه الغضب.‏

الوالي:‏

لا نسأل عن أحزانك. ولا نهتم بغضبك. نسأل أن تقوم بواجبك ويهمنا أن تحب الخليفة وتمدحه. وهذا (يشير إلى صرة المال) جزاء طاعتك وانصياعك لأمره.‏

(الوالي يلقي صرة المال. الصرة تقع على الأرض)‏

ديك الجن:‏

(بنبرة حادة) ألا تفهم أيها الوالي؟ قلت لك إني لا أمدح أحداً.‏

الوالي:‏

اسمع يا ابن رغبان. كنت أستطيع أن أجعل الجند يأتون بك مرغماً مكبلاً بالحديد مجللاً بالذل والعار أمام أهل حمص.‏

ديك الجن:‏

ولماذا لم تفعل؟‏

الوالي:‏

لأني أحفظ لك بقية من احترام، ولأن أمير المؤمنين يريد أن يرعاك.‏

ديك الجن:‏

وإذا لم أمدح الخليفة؟‏

الوالي:‏

تواجه تهمةً لا قِبَل لك بردها.‏

ديك الجن:‏

ما هي؟‏

الوالي:‏

الكفر والزندقة.‏

ديك الجن:‏

أتتهمون الناس بالكفر أو الزندقة دون دليل؟‏

الوالي:‏

الدليل عندي.‏

ديك الجن:‏

ما هو؟‏

الوالي:‏

قولك في مدح صاحبك جعفر بن علي:‏

وأنت علام غيوب القضا‏

يوماً إذا نَسأل أو نُسأَلُ‏

نحن نعزِّيك ومنك الهدى‏

مستخرَجٌ والنورَ نستقبلُ‏

أتنكر أن هذا الشعر لك؟‏

ديك الجن:‏

أعتزُّ به ولا أنكره.‏

الوالي:‏

كأنك تعتز بالكفر وتفرح بالزندقة. وما دمت على هذا الحال، فقد حلَّ لنا دمُك. وسوف نسفكه على شاطئ العاصي حتى يسيل مع ماء النهر فلا يبقى منه أثر.‏

نمرود:‏

أتظن سيدي يخاف تهديدك؟‏

الوالي:‏

انتبه لما تقول يا عجوز. فإن لصبري وصبر أمير المؤمنين حداً نقف عنده. واعلم أن حد الصبر عندي وعنده قصير.‏

ديك الجن:‏

(يضحك بسخرية) ولماذا لا تجعل هذا الحد طويلاً؟‏

الوالي:‏

لأنَّ أمير المؤمنين من رجال الحرب. ورجال الحرب لا يعرفون إلا الحرب. ومع خصومهم على وجه التحديد.‏

ديك الجن:‏

رجالُ الحرب في حرب علينا‏

وفي سلم مع الأعداء جُبنْا‏

فإن كنا نصوغ القولَ صمتاً‏

فمن خوفٍ ومن قهرٍ صمتنا‏

الوالي:‏

اخرس يا فاجر.‏

(الوالي يشير إلى جنوده فيحيطون بديك الجن)‏

ديك الجن:‏

اقتلني إن استطعت.‏

نمرود:‏

لن يجرؤ يا سيدي. فقتلك يُغضِب الناس.‏

الوالي:‏

ألم تجد غير هذا العجوز يدافع عنك يا ابن رغبان؟‏

ديك الجن:‏

هذا ما يفعله الحب والوفاء أيها الوالي. وهما أمران لا تعرف عنهما شيئاً.‏

الوالي:‏

اخرس يا ديك الجن، يا حشرة تسعى في خوابي الخمر أو تزحف بين الأشجار.‏

ديك الجن:‏

حشرة تغني للحب خير من رجل يركع ذليلاً أمام المنصب والمال.‏

الوالي:‏

(بغضب) ألن تسكت عن مثل هذا الكلام يا فاسق؟‏

ديك الجن:‏

إذا أردتَ أن أقول في الخليفة ما يجب قوله فاسمع مني هذا الشعر:‏

رأسُ الفساد خليفةٌ متفاخرٌ‏

يُرمى إليه المُلْكُ دون جدارةْ‏

وله من الأعوان ما تزهو بهم‏

ريحُ القذارة في الزوايا الحارة‏

سرقوا من الأفواه لقمة عيشها‏

وتبطّلوا فسقاً بكل جسارة‏

الوالي:‏

(وقد ازداد غضباً) تهجو الخليفة يا أحقر الخلق؟ (إلى الجنود) اقبضوا عليه.‏

(يهجم الجنود على ديك الجن. يندفع نمرود وبكر للدفاع عنه. يتضاربون. يدخل أبو المغيث مسرعاً)‏

أبو المغيث:‏

انتظر يا سيدي الوالي. انتظر. (إلى المتضاربين) انتظروا (يتوقف العراك)‏

الوالي:‏

ماذا تريد يا أبا المغيث؟‏

ديك الجن:‏

ما الذي أتى بك في هذه اللحظة يا أسوأ ابن عم؟‏

أبو المغيث:‏

جئت لأني أشفق عليك يا ناكر الجميل. (يلتفت إلى الوالي) انتظر عليه بعض الوقت يا سيدي. سوف يعود إلى عقله حين يصحو من الخمر. وسوف يقدم الطاعة والولاء لأمير المؤمنين.‏

الوالي:‏

أسمعت ما قاله في هجاء الخليفة؟‏

أبو المغيث:‏

سيعود إلى عقله ويستبدله بأجمل المديح.‏

الوالي:‏

أفضل أن أسجنه أياماً يذوق فيها طعمَ العصي ولذةَ التعذيب. عندها يعود عقله إليه.‏

أبو المغيث:‏

أنا أتشفّع له عندك.‏

الوالي:‏

سأقبل شفاعتك فيه. (إلى الجنود) اتركوه.‏

(الجنود يتركونه)‏

أبو المغيث:‏

ادخل إلى غرفتك يا ابن العم. أدخِلْ سيدَك إلى غرفته يا نمرود أنت وبكر.‏

نمرود:‏

تعال يا سيدي.‏

(نمرود وبكر يسحبان ديك الجن إلى الداخل. دنيا تلحق بهما)‏

أبو المغيث:‏

سوف يطيعك فيما تريد يا سيدي الوالي، ويمدح الخليفة ويُظهِر له الطاعة.‏

الوالي:‏

وإذا لم يفعل؟‏

أبو المغيث:‏

لكل حادث حديث.‏

الوالي:‏

لكن أمير المؤمنين أمرني أن أنتهي من أمره. فإما الطاعة وإما الموت.‏

أبو المغيث:‏

اسمع نصيحتي يا سيدي الوالي. ولن تكون إلا راضياً.‏

الوالي:‏

سأمهلك أياماً. وبعدها..‏

أبو المغيث:‏

(يقاطعه) تفعل ما تريد..‏

(الوالي وجنوده يخرجون تعود دنيا)‏

دنيا:‏

ويلك يا أبا الخبائث. طلبت منك أن تحرض الوالي على ديك الجن حتى يسجنه. لا أن تدافع عنه.‏

أبو المغيث:‏

من قال إني دافعت عنه؟‏

دنيا:‏

تشفعتَ لـه عند الوالي وأمهلته حتى يمدح الخليفة. أتريد أن يصبح ذا مكانة عند والي حمص؟‏

أبو المغيث:‏

افهمي ما أريد يا جارية.‏

دنيا:‏

أنت تناقض الاتفاق بيننا وتدافع عن هذا الفاسق. فماذا أفهم؟‏

أبو المغيث:‏

لن يحدث إلا ما تحبين وما أريد. فشاعرك المغضوب لن يستجيب لمدح الخليفة.‏

دنيا:‏

وإن خاف على نفسه ومدح الخليفة؟‏

أبو المغيث:‏

(يضحك ساخراً) ديك الجن يخاف على نفسه؟ ألا تعرفينه متهوراً وأنه يعد تهوره من الشجاعة وقوة القلب؟‏

دنيا:‏

وماذا نفعل به؟‏

أبو المغيث:‏

نتركه الآن لحاله. سوف يغرق أكثر في فسقه وصداقته لذاك المخنث بكر وفي حبه لتلك السخيفة ورد.‏

دنيا:‏

أتريد أن يستمر في حبها وينساني؟‏

أبو المغيث:‏

اخلعي حبه من قلبك. فهو ليس لك يا غبية. فدعيه في غيه واستكباره حتى لا يغضب له أحد إن فعلنا فيه ما فعلنا. فأنال ما أريد. وتنتقمين منه كما تريدين.‏

دنيا:‏

(بعد لحظة تفكير) هو ما تقول. هو ما تقول.‏

أبو المغيث:‏

على أن تهدأ الأمور وينسى الجميع ما جرى له.‏

دنيا:‏

والوالي؟‏

أبو المغيث:‏

اتركيه لي. فسوف ألجم كرهه لابن عمي الفاسق حتى أنفذ ما تطلبين من الانتقام.‏

(يتجه أبو المغيث ليخرج. يرى صرة المال فيأخذها)‏

إظلام‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | دليل الاعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244