مسرحيتان الليلة الأخيرة و ديك الجن الحمصي ـــ فرحان بلبل

مسرح ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2005

Updated: Sunday, January 29, 2006 01:34 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

ـ المشهد الخامس

(دنيا وبكر وورد وبعض الجواري جالسون. أبو نواس جالس معهم. ديك الجن جالس في زاوية بعيدة وهو منكمش على نفسه. تدخل دنيا وتقف بعيداً).‏

أبو نواس:‏

كنت عائداً إلى بغداد. فلم تطاوعني نفسي إلا أن أزورك وأسمع شعرك وغناء أصحابك.‏

ديك الجن:‏

على الرحب والسعة دائماً يا أبا نواس.‏

أبو نواس:‏

(يقترب من ديك الجن ويهمس لـه) سمعت طرفاً ممَّا جرى بينك وبين والي حمص.‏

ديك الجن:‏

دعك ممَّا سمعت. فلا أقمتُ وزناً لما قال، ولا خفتُ ممَّا هدد.‏

أبو نواس:‏

(يضحك ضحكة خفيفة مكتومة) وسمعت هجاءك للخليفة وأعوانه.‏

ديك الجن:‏

يستحق ويسْتحقون أكثر ممَّا ذكرت.‏

أبو نواس:‏

ولماذا لا تفعل مثلي يا ابن رغبان؟ أمدح الخليفة كاذباً، وأشرب الخمر بماله صادقاً.‏

ديك الجن:‏

لا أحب النفاق يا أبا نواس.‏

أبو نواس:‏

ألا ترى الشعراء يفعلون ذلك؟‏

ديك الجن:‏

ما الشعر إلا نفحةُ اللهب‏

بالصدق نرعاها على الحِقَبِ‏

تسري بنا عنفاً فنشربها‏

صرفاً فتنهانا عن الكذب‏

أبو نواس:‏

ما أصدق نفسك يا ابن رغبان. أتمنى لو كنت مثلك. لكني أحب الخمر والنساء. ولابدَّ من المال كي أشرب وأتغزل. ألن تُسمِعنا الشعر والغناء؟‏

ديك الجن:‏

تعالي يا ورد. وأنت يا بكر.‏

(بكر وورد يقتربان منه)‏

ورد:‏

ماذا تريد أن تسمع يا سيدي؟‏

ديك الجن:‏

اسألي ضيفنا.‏

أبو نواس:‏

أسمعاني ما تشاءان في وصف الخمر من شعر سيدك ديك الجن.‏

بكر:‏

كما تريد.‏

(يبدآن الإنشاد أو الغناء)‏

الغناء:‏

وحمراءَ قبل المزج صفراءَ بعده‏

بدت بين ثوبَيْ نرجسٍ وشقائقِ‏

حكت وجنةَ المعشوق صرفاً فسلّطوا‏

عليها مزاجاً فاكتست ثوبَ عاشق‏

(أبو نواس يصفق طرباً وهو يلهو مع ورد وبكر. لكن ديك الجن يظل مهموماً. أبو نواس يشير بيده بشكل فجائي أن يسكت الجميع. يسكتون بشكل فجائي)‏

أبو نواس:‏

ما لك يا صاحبي؟‏

ديك الجن:‏

لا شيء.‏

أبو نواس:‏

لا أراك على مزاجك. كأنك مطعون في قلبك. هل غدر بك معشوق أم خانك صديق؟‏

ديك الجن:‏

لا هذا ولا ذاك. فمحبوبتي وردٌ وفية. (ينظر إليها بحب) وأسعد أيامي يوم تقبل أن تتزوجني. (ورد تشهق) وبكرٌ صادق الودِّ أمين. (يلتفت إلى بكر) هل أخطأت في وصفك يا بكر؟‏

بكر:‏

(يتردد قليلاً)ً أنت سيد من وصف.‏

أبو نواس:‏

إذن.. ما الذي عكّر مزاجك؟‏

(تقترب منهما دنيا)‏

دنيا:‏

أنا أعرف حالة سيدي وأعرف دواءها.‏

أبو نواس:‏

ما هي حالته؟‏

دنيا:‏

مكتئب من والي حمص.‏

أبو نواس:‏

فما دواؤه؟‏

دنيا:‏

أن يخرج في نزهة تشرح له صدره.‏

ديك الجن:‏

أنا أخرج في نزهة؟‏

دنيا:‏

أترى يا أبا نواس؟ من هذا الكوخ لا يخرج. ألا تعلم أن من أطال الإقامة في مكان واحد غلبه الحزن حتى تظلم منه النفس؟‏

أبو نواس:‏

كأنك تقولين إن دواءه أن يخرج من هذا المكان.‏

دنيا:‏

لا بد أن يخرج من هذا المكان. حتى يفرح منه القلب والجنان.‏

ديك الجن:‏

ومن قال إني أريد الخروج منه؟‏

دنيا:‏

يجب أن تخرج وتتنزَّه. ألم تسمع قول صاحبك أبي تمام:‏

وطول مقام المرء في الحي مُخلق‏

لديباجتيه فاغتربْ تتجددِ؟‏

ديك الجن:‏

لكني قضيت أجمل أيامي في هذا الكوخ يا دنيا. وما شعرت فيه بالملل.‏

دنيا:‏

ألا تعرف أن الماء يصبح آسناً في البركة الراكدة، وأنه يصفو ويحلو في النهر الجاري؟‏

أبو نواس:‏

أحسنت القول يا دنيا. (يلتفت إلى ديك الجن) اسمع كلام الجميلات فعندهن دواء المعضلات.‏

ديك الجن:‏

(باستغراب شديد) أتصرين أن أخرج من هذا المكان؟‏

دنيا:‏

نتمشى على شاطئ الميماس. تشم رائحة الرياحين والورود. وتأخذ معك بكر وورد. أليسا ريحانة قلبك وصفوَ مزاجك؟‏

بكر:‏

حبذا لو تفعل يا سيدي. من زمان أشتهي أن نتمشى على شاطئ الميماس.‏

ديك الجن:‏

لكني لا أقدر على الخروج من هنا. أحس كأني ضائع.‏

ورد:‏

إن كنت غالية عندك، فاخرج بنا يا سيدي.‏

بكر:‏

أجل يا سيدي. إن لم يكن من أجلي فمن أجل ورد التي تحب رؤية الورد.‏

(ديك الجن يبدو حائراً)‏

ورد:‏

هيه. ماذا قلت يا سيدي؟‏

ديك الجن:‏

بعد سفر ضيفنا أبي نواس نتمشى في نزهة.‏

أبو نواس:‏

أنا مسافر صباح غد يا صديقي.‏

دنيا:‏

إذن نخرج مساء غد يا سيدي. وسوف ترى. أنت تروِّح عن نفسك. وحبيباك بكر وورد يروحان عن نفسيهما. فإذا عدنا في حالة الانشراح، سهرنا حتى الصباح.‏

(بكر وورد ينظران إلى بعضهما كأنهما وحدهما. وديك الجن ينظر إليهما بفرح دون أن ينتبه إلى معنى نظراتهما. أبو نواس ينهض مصفقاً)‏

أبو نواس:‏

والآن نعود إلى ما كنا فيه من الشرب والشعر والغناء.‏

(تعزف الموسيقى. تخفت الإضاءة. الموجودون يرقصون ويضحكون. منظرهم أشبه بأشباح الموت)‏

إظلام‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | دليل الاعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244