مسرحيتان الليلة الأخيرة و ديك الجن الحمصي ـــ فرحان بلبل

مسرح ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2005

Updated: Sunday, January 29, 2006 01:34 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

ـ المشهد السادس

(على شاطئ العاصي)‏

(ديك الجن يمشي في المقدمة وهو يحمل زق خمر وسلة الطعام. سيفه معلق على جنبه. وراءه يمشي ورد وبكر وهما يحملان بقية حوائج النزهة)‏

ورد:‏

نجلس هنا يا سيدي. فالأشجار وارفة والماء رقراق.‏

ديك الجن:‏

كما تريدان. سأحضر لكما أغصاناً من الريحان تجلسان عليها. ولو استطعت أن أفرش لكما قلبي لفعلت.‏

(ديك الجن يخرج)‏

بكر:‏

(يعطيها عقداً من اللؤلؤ) هذا لك يا ورد. هدية من محب إلى محب.‏

ورد:‏

كيف عرفت أني أحببت هذا العقد؟‏

بكر:‏

أتذكرين يوم دخلت غرفتي ووقعت عيناك عليه؟‏

ورد:‏

لكني لم أطلبه منك.‏

بكر:‏

إن سكت منك اللسان، فقد تكلم فيك الجنان.‏

ورد:‏

كم تفهم مشاعري يا بكر.‏

بكر:‏

لا خير في حب ينقصه التفاهم.‏

(ورد تلبس العقد. يعود ديك الجن حاملاً بعض أغصان الريحان. يسرعان نحوه)‏

ورد:‏

هات عنك يا سيدي.‏

ديك الجن:‏

ما أليق هذا اللؤلؤ على صدرك يا ورد.‏

ورد:‏

وما أحلى نظراتك يا سيدي.‏

ديك الجن:‏

من أين أتيت به؟‏

ورد:‏

لا تسأل يا سيدي.‏

بكر:‏

الجميل لا يُهدى إلا الجميل.‏

ديك الجن:‏

(نظراته قلقة) كأني رأيته من قبل. أليس من..‏

بكر:‏

(مقاطعاً) لا تفسد نزهتنا يا سيدي.‏

ديك الجن:‏

كما تريدان.‏

(يفرشون الريحان على الأرض. يهيئون الجلسة بزق الخمر والطعام. يصب بكر قدحاً. وورد تصب قدحاً وتهم بإعطائه لديك الجن. لكن بكر يمسك يدها)‏

بكر:‏

لن نسقيك يا سيدي حتى تقول فينا شعراً.‏

ديك الجن:‏

(يتأملهما لحظة ثمَّ يندفع منشداً )‏

أفديكما من حاملَيْ قدحينْ‏

قمرين أو شمسين في غصنينْ‏

وردٌ منعَّمةٌ وبكرٌ فاتن‏

للناظرين منىً وقرَّةَ عين‏

وإليَّ كأسَكما فقد مُلئا‏

تِبراً خلطناه بماء لجين.‏

(يعطيانه الكأسين. يشرب الأول بشغف. يهم بشرب الثاني يتوقف)‏

ديك الجن:‏

هل تسمعان؟‏

بكر:‏

(يتسمع) لا أسمع شيئاً يا سيدي.‏

ورد:‏

لعلك..‏

ديك الجن:‏

هس.‏

( ديك الجن يسحب سيفه استعداداً. يُبعِد بكراً وورداً إلى الخلف بقوة وتوتر. يدخل ثلاثة من الملثمين. ديك الجن يسحب سيفه ويهجم نحوهم بغضب وهو يصرخ كمن يستعد للموت. الملثمون الثلاثة يتلقون ضربات ديك الجن. ثمَّ يتراجعون أمامه وهو يلحق بهم خارج المسرح)‏

(ورد تهجم على بكر وتبكي خوفاً)‏

ورد:‏

أنا خائفة يا بكر.‏

بكر:‏

لا تخافي يا حبيبتي.‏

ورد:‏

ضمني إليك يا حبيبي.‏

(بكر وورد يتعانقان. يدخل ديك الجن والسيف في يده)‏

ديك الجن:‏

أتغدران بي يا خائنين؟‏

ورد:‏

افهمنا يا سيدي.‏

ديك الجن:‏

وهل الغدر يُفهَم؟‏

(يهجم نحوهما ليقتلهما يبدو بكر وورد كأنهما مستسلمان لديك الجن. ديك الجن يتوقف عندهما. يرمي السيف من يده)‏

ديك الجن:‏

الحب لا يُقتَل.‏

(يدخل الملثمون الثلاثة وراءهم عدة جنود)‏

الملثم1:‏

لكن معارض الخليفة يُقتَل.‏

(يهجم الجنود على ديك الجن كأنهم سيقتلونه. بعضهم يقبض على ديك الجن ويثبته حتى لا يتحرك. بعضهم يقتل بكراً وورد).‏

ديك الجن:‏

(يصرخ) آه.‏

(يهم بالتخلص من قيده لكنه لا يستطيع. الملثمون يرفعون لثامهم. الثالث هو أبو المغيث)‏

ديك الجن:‏

لماذا قتلتم بريئين ولم تقتلوني؟‏

أبو المغيث:‏

نحن قتلنا أحداً يا فاسق؟ (ينادي) سيدي الوالي. (يدخل الوالي) أمامك قاتل.‏

الوالي:‏

تقتل جاريتك وغلامك يا مجرم؟‏

ديك الجن:‏

ماذا تقولون؟‏

أبو المغيث:‏

هذا مصير الفاسقين. يتحولون إلى مجرمين.‏

ديك الجن:‏

هم الذين قتلوا جاريتي وغلامي.‏

الوالي:‏

(يلتفت إلى أبي المغيث) أصحيح ما يقول؟‏

أبو المغيث:‏

نحن نشهد أننا رأيناه وهو يقتل الجارية والغلام.‏

الوالي:‏

وأنا أقبل شهادتكم.‏

ديك الجن:‏

هؤلاء هم القتلة.‏

الوالي:‏

أتفتري الكذب على غيرك يا قاتل؟‏

ديك الجن:‏

سأخبر الناس أنكم قتلتم بريئين.‏

الوالي:‏

ستكون شهادة الوالي ورجاله وهذا الرجل الطيب التقي (يشير إلى أبي المغيث) مقابل شهادة رجل فاسق. فمن يصدقون؟ (يلتفت إلى الجنود) جروه إلى السجن. وغداً أرسل إلى أمير المؤمنين أن الشاعر الفصيح سيخرس تحت وطأة حد السيف. فالقصاص عقوبته.‏

الملثم 3:‏

عندي ما هو أقسى من القصاص يا مولاي.‏

الوالي:‏

ما هو؟‏

الملثم 3:‏

القهر والحسرة والغضب.‏

الوالي:‏

لكنه قاتل كما تقول.‏

أبو المغيث:‏

دعه لما جنت يداه. (يقترب من ديك الجن وينحني فوقه) ألم تقل إنك صامت من القهر؟ الآن تعرف طعم القهر يا شاعر المجون. (إلى الوالي) سيدي الوالي. لتكن هذه عقوبته.‏

ديك الجن:‏

اقتلوني بعدما قتلتم غلامي وجاريتي. اقتلوني.‏

أبو المغيث:‏

بل نترك لك ذكراهما بعدما أحرقنا قلبك. تتعذب طوال امتداد الليالي، وتتألم طوال إشراقات النهار.‏

(يتركونه ويقفون في طرف المسرح. ديك الجن ينحني فوق الجثتين. يحمل عقد اللؤلؤ عن صدر ورد ويبكي.‏

في طرف المسرح الآخر تقف دنيا مراقبة صامتة)‏

أبو المغيث:‏

(إلى الوالي) أترى يا سيدي؟ سيظل في العذاب والحزن أبد الدهر. وسوف يهجره الناس كأنه الحشرة التي لقبوه بها.‏

الوالي:‏

وماذا أقول للخليفة؟‏

أبو المغيث:‏

قل له إنه لا حاجة لمدح رجل صار قاتلاً بعد أن كان فاسقاً وزنديقاً. فالشعراء المادحون حوله كثيرون.‏

الوالي:‏

وإن غضب الناس له؟‏

أبو المغيث:‏

القاتل لا يغضب لـه أحد. فأعْلِنْ أنت في الناس أنه قتل جاريته وغلامه. والقاتل يُهمل شأنه فلا يبقى منه إلا جريمته. ولن يبقى من ديك الجن إلا أنه قتل أحب الناس إليه.‏

الوالي:‏

ولكي لا يبقى منه إلا جريمته، فسوف آمر أن يُحرقَ ديوانه وأن يُهمَل شعره.‏

أبو المغيث:‏

فلا يسمع به أحد بعد اليوم. ولا يتذكر أحد هجاءه للخليفة.‏

الوالي:‏

اذهب إلى بيته وخذ ما فيه. فهو حلال لك لأنك وريثه. (يقترب الوالي من ديك الجن) ستبقى وحدك على شاطئ الميماس حتى نهاية عمرك. هذا جزاء من لا يمدح الخليفة.‏

(يذهبون. دنيا تقترب منه حاملة مجرفة وتقف عند رأسه).‏

دنيا:‏

وقع المقدور يا سيدي.‏

ديك الجن:‏

أنا الذي قتلتهما يا دنيا. أنا الذي قتلتهما.‏

دنيا:‏

لا تلم نفسك يا سيدي. فأنت لم تقتل أحداً.‏

ديك الجن:‏

لكنني السبب في قتلهما.‏

دنيا:‏

انس ما جرى وعد إلى أحبابك السابقين.‏

ديك الجن:‏

لا أحباب لي بعد اليوم. سوف أظل على الحزن مقيماً مهما طال بي العمر.‏

دنيا‏

(تقترب منه) سأكون معك أمسح جراحك.‏

ديك الجن:‏

لن يمسح جراحي بعدهما شيء.‏

دنيا:‏

أنسيت أنهما غدرا بك وأحبا بعضهما؟‏

ديك الجن:‏

هذا ما يزيد ألمي عليهما. ابتعدي عني.‏

دنيا:‏

لا تُبعدني عنك يا سيدي. فأنا سلوتك الوحيدة في حياتك الشقية بعد كل ما جرى عليك.‏

ديك الجن:‏

لا أريد النسيان أو السلوان. بل أريد الهم الدائم والحزن المقيم. لو قتلتهما بيدي، لكنت عاقبت نفسي على الجريمة. لكنهما عوقبا عني فكانا فداء لي. أتجدين جريمة أكبر من هذه الجريمة؟‏

دنيا:‏

الجريمة من فعل غيرك.‏

ديك الجن:‏

لكنني أحمل وزرها. أحمل وزرها.‏

دنيا:‏

لا تعذب نفسك يا سيدي.‏

ديك الجن:‏

أنا السبب في مقتلهما فكأنني قاتل. ابتعدي عني يا دنيا. ابتعدي.‏

(ينهض ويأخذ منها المجرفة. يبدأ بحفر قبريهما)‏

دنيا:‏

(تهمس لنفسها) كأني لم أحصد ممَّا زرعت إلا الشقاء. ماذا أفعل بك؟ أهجرك؟ لا أستطيع فأنا أحبك. أقتلك؟ لا أستطيع؟ أخلصك من العذاب الذي تستحقه؟ ليتني أستطيع. سأبقى معك وأترك للأيام ما أفعله بك.‏

(تساعده على الحفر) إظلام‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | دليل الاعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244