المحنة ـــ د.غازي طليمات

مسرحية شعرية ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2005

Updated: Monday, August 15, 2005 10:59 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الأول

(يرفع الستار عن مسرح قسم قسمين: أحدهما داخلي. لا يظهر منه غير باب كبير مغلق. يحرسه حارسان. توحي وقفتهما الرزان وأسلحتهما أنهما يحرسان قاعة عرش. والثاني خارجي مفتوح على الجمهور. وفي جانبيه بابان. يفتح أحدهما. ويخرج منه شاب عليه سيماء العلماء. فيتجول على المسرح هنيهة. ثم يلفت نظره شيخ على أريكة. ويبدو من نظرات الشيخ التائهة أنه ضعيف البصر أو كفيف.)‏

الشاب: (الشاب مقبلاً بوجهه على الشيخ)‏

أسيّدُ حُفاظ الحديث يزيدُ‏

يضيءُ هنا؟‏

إني إذن لسعيدُ‏

(يقترب الشاب من الشيخ)‏

-: يزيد بن هارون الفقيه.!!‏

(الشيخ يحاول القيام فيقعده الشاب وهو يقول)‏

-: تقومُ لي؟‏

الشيخ: (متثاقلاً): أحيّيك‏

الشاب: تحيا شامخاً وتسود‏

الشاب: (وهو يدنو من الشيخ)‏

إذا ظمئت نفسي إلى العلم أقبلتْ إليه‏

(يحاول لثم يد الشيخ)‏

وريّي في يديك برودُ‏

الشيخ: الشيخ (وقد ردّ يده)‏

لثمت يداً عجفاءَ، من أنت؟‏

الشاب: رائدٌ، رأى مورداً عذباً‏

فراح يرود‏

يزيد بن هارون(الشيخ): أراك بعيني مهجتي؟‏

الشاب: أعرفتني؟‏

يزيد: (بتساؤل): أيحيى؟‏

الشاب: (وهو يقعد قرب الشيخ)‏

نعمْ يحيى لديك قعيد‏

أنا ابن معين، كيف عيناك؟‏

يزيد بن هارون: فيهما ذُبالةُ ضوءٍ‏

والقليل يفيد‏

يحيى بن معين: (بعد فترة صمت) أراك على باب الخليفة!!‏

ما الذي أتى بك؟‏

يزيد: حرّاسٌ له وجنود‏

سألتُ، فكان الردّ صمتاً‏

وأنت ما أتى بك؟‏

يحيى: لا أدري، ولست أريد‏

وأهرب من خير الأمير وشرّه‏

ويشبعني رزق لديّ زهيد‏

أفرّ من الدنيا إلى الدين‏

يزيد: مخطئٌُ‏

فرارك ضعفٌ لا تُقى وصدود‏

يحيى: أأنصاعُ للدنيا إذن؟‏

يزيد: لا، لا‏

تروضُها‏

ليُسلسَ منها جامح وعنيد‏

إذا سُقيتْ دنياك بالدين برعمتْ مواسمُها‏

فالكونُ حولك عيد‏

وإن حَجَبَتْ شهبُ الشرائع نورها‏

تخبّط ضلّيل‏

وضلّ كنودُ‏

يحيى: أتشغلنا الدنيا ومن يملكونها؟‏

ونخضع للأهواء، وهي قيود؟‏

أننقاد للسلطان؟‏

وهو يقود‏

يزيد: كلا!!‏

زماننا يُشدُّ إلى القرآن‏

وهو يقود‏

إذا غاب عنّا أمسِ شخصُ نبيّنا‏

فنورُ كتاب الله ليس يبيدُ‏

تولّى إلهُ الكون باللوح حفظَه‏

وفي الحفظ تأييدٌ له وخلود‏

يحيى: أما قال (طالوت بن أعصم) إنه حديث ومخلوق؟‏

يزيد: أراه يكيد‏

يحيى: وقلّده جهم بن صفوان‏

يزيد: ويله!!!‏

يلوك الذي قد ألقمته يهود‏

يحيى: أطالوت منهم؟‏

يزيد: (والمريسيّ) منهم (1)‏

يفحّان كالأفعى‏

ونحن رقود‏

وفحّ ـ كما فحّا ـ غبيٌّ مارقٌ‏

كأنّا لأحبار اليهود عبيد‏

تعقّب هارون الرشيدُ فلولهم‏

فطاروا هباءً‏

يحيى: إنّه لرشيد‏

يزيد: فلما أتى المأمونُ عادت فلولهم‏

تداعى من الآفاق‏

فهي حشود‏

يحيى: وهل يذهب المأمون مذهبهم؟‏

يزيد: نَعمْ‏

ويُرخي عليهم ظلّه ويجود‏

أحاطوه بالعلم الدخيل‏

فزعزعوا عقيدته‏

والراسياتُ تميد‏

يحيى: أحسّ بمكر بيَّتوه وفتنة‏

يزيد: أحسّ الذي أحسستَ‏

وهو شديد‏

إذا عميتْ عيني عن البرق‏

جلجلتْ بسمعي بعد البارقاتِ رعود‏

يحيى: وماذا يحسّ الشيخ؟‏

يزيد: أشياءَ كاللظى بقلبي‏

وأضلاعي لهن وقود‏

يحيى: تخوّفني‏

يزيد: فيمّ المخافةُ؟‏

لم تبحْ بسرّ‏

(مشيراً إلى الحراس)‏

وألبابُ الجنود هجود‏

أعاجم أو مستعجمون‏

كلامُنا لديهم أحاجٍ أقفلت وسدود‏

أتخشاهم؟‏

يحيى: لا، بل تمثّلت خلفهم وزيراً‏

بهم يجتاحنا، ويصيد‏

علام دعانا؟‏

يزيد: عدْتَ تسألني؟‏

يحيى: نعم‏

يعاودني ضيقي به، فأعود‏

ألم يدعنا جندُ الوزير؟‏

يزيد: بلى!!‏

يحيى: فلِمْ كلانا إلى باب الأمير مقود؟‏

يزيد: ظنونُك يا يحيى سياطٌ مخوفة‏

تسوطك منها رهبة ووعيد‏

سأنقذُ منها كاهليْكَ‏

يحيى: وكيف ذا؟‏

يزيد: بتقطيعها‏

إني لديك عتيد‏

يحيى: يقطّعُها المأمون حين يقدّها لسانٌ لديه‏

كالحسام حديد‏

يزيد: (بعد فترة صمت وهو غاضب)‏

يا حرسيُّ ائذن لنا‏

فقد مللنا صبرنا وملّنا‏

ائذنْ‏

فإنْ تبطئْ رحلنا، ولحقنا أهلنا‏

الحارس: صبراً كما يصبر كلُّ قادم‏

من طائعٍ ونادمٍ، وطامع وغانمِ‏

وحائم حول الرغابِ حالمِ‏

يزيد: لستُ من الطير التي تلتقطُ النثارْ‏

ولا الطفيليّ الذي يدور حول الدارْ‏

ولا صديقي ضَيْفٌ، يصبو إلى المطاعمِ‏

تأذنُ يا حارسُ‏

أو أرحل غير نادم؟‏

الحارس: الإذنُ ملكُ العِلْية الكبار لا الأجناد‏

يمنحه المأمون للقصّادْ‏

وابنُ أبي دؤاد‏

يحيى(دهشاً): وابن أبي دؤاد!؟‏

أهو هنا؟‏

الحارس: يظلّل المأمون مثل الحارس المحترسِ‏

يحيى: وحدهما؟‏

الحارس: لا، بل هنا ثمامةُ بن الأشرس‏

يحيى(متجهاً إلى يزيد): ماذا يقول الشيخُ في حدسي؟‏

كعين الطائر المفترس‏

ترى الذي تظنُّ رأيَ العين‏

لا رؤيا الغبيّ النائم‏

يزيد: (غاضباً مرة أخرى):‏

نرحل يا حارس أو ندخل‏

(يخرج حارس من قاعة العرش ويسرّ شيئاً في أذن الحارس الأول)‏

الحارس الأول: لا تغضب ولا تساومِ‏

قد صدر الإذن، ادخلا‏

وكفكفا من موجةِ التلاومِ‏

(يُفتح مصراعا الباب الكبير فتظهر قاعة العرش، ويظهر المأمون وابن أبي دؤاد وثمامة بن الأشرس على جانبيه):‏

المأمون: مرحباً يا يزيدُ‏

يزيد: ألقي ملامي أم سلامي عليك‏

المأمون: وَيْحَ الملامِ!!‏

يزيد: فسلامي عليك أرشدك الله‏

ووقّاك كلّ لوْمٍ وذام‏

يحيى: وسلامي عليك في غير لومٍ‏

وعلى صحبك الخيار الكرام‏

يزيد(ساخراً متجاهلاً الرجلين): وَمَن الصحبُ؟‏

المأمون: أحمدُ بن دؤادٍ‏

يزيد ساخراً: أفعلمُ الكلام ـ ويلي ـ أمامي؟‏

يزيد(متجهاً إلى المأمون) وحده؟‏

المأمون: لا،‏

عندي ثُمامةٌ‏

يزيد(ساخراً): أهلاً بلقاء الأئمة الأعلام!!‏

المأمون(بعد فترة صمت) فيم لوم الإمام لي؟‏

يزيد: في اطّراحي ساعةً‏

عشتها كستين عام‏

كيف يُدعى شيخ إليك فيسعى‏

ثم يُنسى كخادم أو غلام؟‏

المأمون: لك مني العُتْبى‏

أحمد بن أبي دؤاد: ومني عتاب‏

إذْ تنقّصتني بغير احتشام‏

يزيد: ومتى كان ذاك؟‏

أحمد بن أبي دؤاد: حين خلطت القول بالويل‏

يحيى: نبوةٌ من حسام‏

يزيد: ألم أقل ما سمعْتَ سهواً ولغواً‏

كلّ ما قلت مقصدي ومرامي‏

لست أنبو ولست أكبو‏

فسيفي وجوادي للحرب والإقدام‏

ابن أبي دؤاد: أنت لم تُدْع للصراع‏

فكفكف غرب هذا اللسان عن إيلامي‏

يزيد: فلماذا دعوتنا؟‏

ابن أبي دؤاد: قلت أروي من علوم الإسلام بعض أوامي‏

المامون: وأسرّي عن شيخنا ضُرَّ عينيه‏

وأولي يحيى الفقيه اهتمامي‏

يحيى بن معين: ليس مني أهلُ الكلام‏

وهمّي في حلالٍ أفتي به وحرام‏

المأمون: ما لأهل الكلام!؟‏

يزيد: قد فرّقوا الصفّ‏

وكنا في وحدة والتحام‏

طعنوا بالدخيل كلّ أصيل‏

ورمَوْنا في فرقة واختصام‏

ابن أبي دؤاد: هَمُّهم وحدة العقيدة‏

يزيد: ويلي!!‏

أيَّ صدع صدعت في الإسلام‏

ابن أبي دؤاد: أنا؟‏

يزيد: أو واصلٌ وجَهْمٌ وبِشْرٌ؟‏

كلكم آثم‏

ابن أبي دؤاد: وأيّ أثام!؟‏

يزيد: قد طعنتم قلب العقيدة بالشكّ‏

وخضتم في الماء كالأنعام‏

فإذا الموردُ النقيّ وُحولٌ‏

وإذا القلبُ نازفُ الجرح دام‏

ابن أبي دؤاد: ما شككنا في الله قطّ‏

ولكنّا شققنا بالعقل ثوب الظلام‏

يزيد: ما الظلام الذي شققت؟‏

ابن ابي دؤاد: ضلالٌ‏

كاد يطوي كواكب الأفهام‏

يزيد: أوليس القرآن أسطعَ نوراً‏

من سراج كالطيف في الأحلام؟‏

ابن أبي دؤاد: ما سراجي والزيت غير شعاع منه‏

والعطر كان في الأكمام‏

يزيد: لا تغالطْ‏

إنّ الكتاب وضيء‏

قبل مصباحك الهزيل الضرام‏

ابن أبي دؤاد: وسراجي وزيته ممّ جاءا؟‏

يزيد: من ظنون العقول والأوهام‏

ابن أبي دؤاد: وفتيلُ السراج؟‏

يزيد: منطقُ يونانَ‏

إليه ومنه علم الكلام‏

ثمامة: أفنحيا بلا عقول؟‏

يزيد: معاذ الله!!‏

فهي التيجانُ فوق الأنام‏

لست أختار لي ولابن دؤاد‏

ولك العيش كالقطا والنعام‏

ثمامة: التقينا إذن!!‏

يزيد: علي أيّ شيء؟‏

ثمامة: (ويده على رأسه) التقينا على الذي في الهام‏

فكلانا يقدّس العقل‏

يزيد: جلّ الله أهل التقديس والإعظام!!‏

لا تحرّفْ قولي ثمامةُ‏

واحذرْ من قياس الثمام بالصمصام‏

لم أقدّس غير الإله‏

وعقلي بشريٌّ‏

يذوي مع الأيام‏

أيّ قدسية لمَضغة لحمٍ‏

يعتريها الفناء عند المنام؟‏

وتراها في أرذل العمر ترتدّ كعقل الوليد عند الفطام‏

ثم تغدو للدود زاداً وسخفاً‏

أيّ قدسية وأيّ احترام!؟‏

يحيى بن معين: من يقدّسْ عقل ابن آدم يُكْبِرْ كلَّ رأس‏

صبا إلى الأصنام‏

ويعظّمْ دينَ المجوس‏

ابن أبي دؤاد: لماذا؟‏

يحيى(ساخراً): هو فيض من العقول العظام!!‏

ويرى عبقرية في جنون‏

وجنوناً في أعظم الحكام‏

ابن ابي دؤاد: دعك من هؤلاء‏

وادرس عقولاً مشرقات الذكاء والإلهام‏

يزيد: إن عقلي ـ ولست أعنيك ـ يرمي العقل بالنقص‏

وهو بدر تمام‏

المأمون: (بعد فترة صمت وترقُّب) أيُّها القوم‏

إنْ تخاصَمَ نصٌّ وقياس‏

فما مصيرُ الخصام؟‏

يزيد: قل: إذا انحطّ عقلنا عن مرامي الوحي يوماً‏

فهل نعاف المرامي؟‏

يحيى: لا تعافُ القرآن‏

فالوحي أمضى من قياس واه‏

وعقلٍ كَهَام‏

إنَّ ما لم نبصره أمسِ أو اليومَ‏

سيبدو كالشمس بعد الغمام‏

(يسكت المتحاورون على تنمُّر وتحفّز ثم يقطع الصمت المأمون بسؤاله)‏

المأمون: يا بن هرونَ‏

هل القرآنُ نور أبديٌّ أزليّ‏

وجليّ كلّه للعقل أم فيه خفي وجليّ‏

ابن أبي دؤاد: أله بدْءٌ وميلادٌ‏

يزيد: معاذ الله!!‏

ما هذا الهراء!؟‏

كلّ بدء سوف يُفضي لانتهاء‏

كلّ مولود له بعدُ فناء‏

والذي أحدث في الإسلام هذا مفتر‏

ابن أبي دؤاد: أيّ افتراء!؟‏

يزيد: (متجهاً إلى المأمون) ما الذي فيَّ شبابٌ أم هرم؟‏

المأمون: لا أرى فيك ظلالاً من شباب‏

يزيد: أين ولّى ظله؟‏

كيف انصرم؟‏

المأمون : سُنَّةُ الخالق في المخلوق‏

عزمٌ ففتور فذهاب‏

يحيى: ها هنا الفرية يا مولاي‏

وصفُ الخالق..‏

بصفات الخلق من بدء وضعف وعدمْ‏

فرية تفترض الخالق كالمخلوق‏

من لحم ودم‏

يزيد: حربة مسمومة من مارقٍ‏

تطعن الإيمان في القلب‏

فكن أنت الحَكَم‏

المأمون: لَمْ تُجبني يا بنَ هارون عن الأمر العصيّ‏

عن سؤال أنا فيه حائر القلب شقيّ‏

هل كلامُ الله نورٌ أزليّ أبديّ؟‏

وهل العقل له صنو؟‏

معاذ الله، قد بان الخفيّ‏

ظهر السرّ الذي كان يواريه الضبابْ‏

المأمون(بلهجة حازمة): لم تجبني‏

يزيد: إن يحيى كان عني قد أجاب‏

يحيى: وكلانا مؤمن بالوحي قبل العقل في غير ارتياب‏

يزيد: وأنا أبرأ للديّان من هذا المراء المنطقيّ‏

حاملاً بالقلب لا بالعقل إيماني إلى يوم الحساب‏

يزيد(متجهاً إلى يحيى): حسبنا اليوم‏

يزيد(متجهاً إلى المأمون): فهل تأذن للشيخ؟‏

يحيى: ولي أيضاً‏

المأمون: نعم‏

اذهبا ثم ارجعا إن شئتما‏

ليس علينا من حجاب‏

(يعتلق الشيخ ذراع يحيى ويخرجان معاً من الباب الجانبيّ. ويتركان المأمون وصاحبيه في حيرة)‏

ابن أبي دؤاد: أميرَ المؤمنين‏

ـ وأنت أدْرَى بصدري ـ‏

إنني قد ضِقتُ صدراً‏

المأمون: بيحيى أم يزيد؟‏

ابن أبي دؤاد: بكلّ رأس تضمُّ عظامُه الصمّاءُ صخراً‏

المأمون: وأيُّهما أشدُّ؟‏

ابن أبي دؤاد: يزيد أخرى صراعاً إنْ عتا‏

وأمرُّ سخرا‏

دعوناه لنطويَ جانحيه‏

فحلّق في سماء القصر صقراً‏

المأمون: حسبنا الليث شاخ‏

ابن أبي دؤاد: فمذْ همسنا مضى يجتاح زمجرة وزأرا‏

المأمون: وكيف نردُّ زأرته مُواءً؟‏

ابن أبي دؤاد: بسوط يترك الضرغام فأراً‏

المأمون: أنجبره على ما لا يراه؟‏

ابن ابي دؤاد: نعَمْ‏

فيطيعنا سرّاً وجهراً‏

المأمون: غَلَوْتَ غلوت يا بن أبي دؤادٍ‏

سيظهر طاعة، ويُسِرُّ أخرى‏

ألم تزعم بأن العقل حرّ‏

ابن أبي دؤاد: بلى‍‍!!‏

المأمون: فليبق عقلُ الشيخ حرّاً‏

وليس يضيرُنا رأيٌ رآه‏

أكان حقيقة أم كان نكراً‏

ابن ابي دؤاد: إذا أطلقته انطلقتْ علينا حناجرُ‏

لا نطيق لهن جحراً‏

المأمون: سنغلق بالمطامع كل سمع‏

بهذا تذهب الأصداء هدرا‏

إذا أغلقت حَنْجَرة بقفل حديديّ‏

أثرت عليك عشرا‏

(يصمت ابن أبي داؤد، وكأنه أقرّ بغلطه)‏

ثمامة: أيأذن الأمير والوزيرُ‏

بالقول لي؟‏

المأمون: ما القولُ في مجلسنا محظورُ‏

هاتِ كلاماً‏

يقمع الشرّ، ولا يثيرُ‏

ثمامة: الرأيُ أن نجرّد الفارس من سلاحهِ‏

أن نحرمَ النسر من الريش الذي ينبتُ في جناحه‏

أن نحجب الشراع وهو يمخر الأمواج‏

عن رياحه‏

ابن أبي دؤاد: قولك كالألغاز يا ثُمامَهْ‏

تنسج حول العقل ليلاً حالك الغمامه‏

المأمون: دعه, كأني فاهمٌ كلامه‏

ثمامة: الرأيُ أن ننثر للفراخ بعض الحبِّ‏

حيناً‏

وحيناً نحمل العصا بغير ضربِ‏

المأمون: فيسرع القومُ إلى اتباعي‏

ويترك الشيخ ابن هارون بلا أتباع‏

إنْ صاح لم يصغ إلى صياحه..‏

غيرُ الصدى التائه في البقاع‏

ثمامة: حينئذ سيصبحُ العقابُ كاليمامة‏

وتنزوي في وكرها‏

كفقعة في قاع‏

المأمون: أحسنت يا ثمامة بن الأشرس‏

وجئت بالفجر الذي يشقّ قلب الغَلَس‏

ثمامة: ولم أجرد سيدي‏

من حذر الداهية المحترس‏

المأمون: بأيّهم نبدأ‏

ثمامة: بابن سعد‏

نبدأ باللدود فالألد‏

على أناة تمزج الإغراء بالتحدّي‏

فالدورقيّ فالقواريريّ وابنِ حرب‏

فإنْ فرغنا منهمُ‏

جئنا بكلِّ جامح وصعب‏

المأمون: ومن عَنَيْتَ؟‏

ثمامة: ابنَ أبي مسعود‏

وابنَ معين حامل اللواء في الحشود‏

ابن ابي دؤاد: نسيت سجّادة، وابن نوح‏

وأحمد بن حنبلٍ‏

راويَ كلّ مسند صحيح‏

المأمون: مَنْ أحمد بنُ حنبلِ‏

لم تذكراه قبلُ لي‏

ابن ابي دؤاد: محدّث زُفَّتْ إليه رتبةُ القضاءِ‏

لكنْ لم يلِ‏

المأمون: هل عربيّ هو؟‏

من شيبان أهل البأسِ‏

ابن ابي دؤاد: الشافعيُّ شيخه‏

لقنّه الفقه وعزّ النفسِ‏

ثمامة: ومسلمٌ والترمذيُّ والبخاريّ له طلاب‏

المأمون: أين يعيش اليوم؟‏

ثمامة: في الكوفة، لا مال ولا رغاب‏

طعامه الخبز بلا إدام‏

ودأبه الحجُّ ولو سيراً على الأقدام‏

منقطعاً لله أقصى همّه الثواب‏

المأمون: ما علمُه؟‏

ثمامة: أعلم من ذكرت أو سأذكر‏

لكنه معتكف مستتر‏

المأمون: ما لي وما لزاهد في حجره ينجحر؟‏

ابن أبي دؤاد: لا، يا أمير المؤمنين‏

منه يأتي الخطر‏

فهو على انجحاره في داره‏

أخطرُ من خطير‏

وهو ـ على استتاره ـ‏

أوسع سلطاناً من الوزير‏

ومن كبار الشأن في عالمنا الكبير‏

أخلص حتى صار في البلاد للعباد كالضمير‏

المأمون: أودّ لو أراهُ‏

ثمامة: مهما يستترّ فإنه سيظهرُ‏

الرأي أن يُترك حتى تقطع الفروعْ‏

وتَيْبَسَ الزروع والضروع‏

حينئذٍ تجفّ في ترابها الجذورُ والجذوع‏

فكل خصم جامح يسكن أو يطيع‏

ابن أبي دؤاد: قد يسرع القوم‏

فما فائدةُ التمهُّل؟‏

غداً سادعو الناس‏

المأمون: لا،‏

لا تعجل‏

أبطئْ إلى أن تتفانى النار تحت المرجل‏

فتسكن الفورة أو تندحر‏

ثم ادعهم يأتوك كالقطيع في صمت وفي خضوعْ‏

(1) هو بشر المريسيّ، معتزلي تحدّر من أصل يهودي.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | دليل الاعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244