المحنة ـــ د.غازي طليمات

مسرحية شعرية ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2005

Updated: Monday, August 15, 2005 10:59 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الثالث

(يكشف الستار عن بهو على يمينه باب مغلق. وعلى يساره باب مفتوح يحرسه جندي ضخم مسلح. وفي صدر البهو غرفة جدارها المطلُّ على الجمهور من قضبان حديدية متصالبة. يدخل من الباب المفتوح شاب نوراني الطلعة فيستوقفه الجندي العقل بيده الغليظة ووجهه المتجهم).‏

الجندي: إلى أين يا هذا؟‏

وكيف تجولُ هنا غير مأخوذٍ عليك سبيلُ؟‏

الشاب: أتيتُ أزور الشيخ‏

الجندي: تعني ابنَ حنبلٍ؟‏

الشاب: أجلْ‏

الجندي: إنه شيخ أغرُّ جليل‏

عليك وربّ البيت سيماه:‏

هيبةٌ رزانٌ، وظلّ من تقاه ظليلُ‏

كأنّك (عبدُ الله) نجلُ ابن حنبل؟‏

أجبني‏

الشاب عبد الله بن أحمد بن حنبل: نعم، هل لي إليه وصولُ؟‏

الجندي: سأدعوه‏

(الجندي متجهاً إلى جندي آخر قرب القفص الحديدي بصوت مرتفع)يا جنديّ نادِ ابنَ حنبل ليلقى ابنه‏

(ثم متجهاً إلى عبد الله بصوت منخفض) نجل الأصيل أصيل‏

أليس عجيباً أنّ مثلَ ابنِ حنبل يقاد إلينا‏

في يديه كبول؟‏

وأنّ جناة الناس في كلّ محفل‏

تطوفُ عليهم قينةٌ وشَمول؟‏

عبد الله: أما هلك (المأمون)؟‏

فليطلقوا لنا بقية هذا الشيخ‏

الجندي فهو عليل‏

عبد الله: عليلٌ؟‏

الجندي: بلا داء‏

عبد الله: إذن ما أصابه؟‏

الجندي: شحوب تغشى وجهه ونحول‏

من النُّسك يذوي‏

فالصيامُ نهارُه‏

وليلتُه بالصالحات تطول‏

(يسمع صوت قيد يجر على الأرض فيقول الجندي لعبد الله)‏

الجندي: أتسمع صوت القيد؟‏

جاء ابن حنبل‏

يواكبُه ممّا يجرّ صليل‏

عبد الله لأبيه (وقد ظهر من خلف القضبان): أما نزعوا عنك القيود؟‏

أحمد بن حنبل: قيودُهم خلاخيلُ في أقدامنا وحجول‏

تذكّرتُ أنكال الجحيم، فهان ما أجرُّ‏

عبد الله: ولكنّ الحديد ثقيل‏

ابن حنبل: وأثقلُ منه الذنبُ‏

عبد الله: لستَ بمذنب إذا قلتَ ما قالوه‏

ابن حنبل: كيف أقول؟‏

وفوق لساني أمةٌ وإمامة‏

إذا ملتُ مال الناس حيث أميل‏

أأحمل أوزاري وأوزار أمة أضلّلها؟‏

إني إذن لجهول‏

عبد الله: تقول لهم قولاً، وللناس غيره‏

ابن حنبل: بوجهين أحيا بينهم وأجول؟‏

أأترك عضّ القيد كيما تعضّني عيون‏

لها حيث التفتُّ نصول؟‏

وهبني تجنبتُ العيون‏

فخالقي رقيب على ما أفتري ووكيل‏

عبد الله: أليس اجتناب المهلكاتِ تقيَّةً؟‏

وجسمك دون المهلكات كليل‏

ابن حنبل: عليّ بتقوى الله‏

لا بتقيّة‏

تخلف قلب المرء وهو ذليل‏

(يظهر من الباب كهل يتحدث إلى أبيه الجندي فيقول عبد الله لأبيه)‏

عبد الله: أبو جعفر آتٍ إلينا‏

ابن حنبل: أتى الذي عن الحق والإيمان ليس يحول‏

عبد الله: أتصغي إليه؟‏

ابن حنبل: بالجوارح كلّها‏

كأني تلميذ لديه ضئيل‏

(أبو جعفر الأنباري يهمس في أذن الجندي):‏

قدني إليه‏

الجندي: يقودك النورُ المشعّ إلى ابن حنبلْ‏

أسرع، سيأتيه الوزير محاوراً‏

أبو جعفر: إنْ يأتِ أرحلْ‏

مالي ولابن أبي دؤادْ؟‏

ولكلّ طاغية ينكّل بالعبادْ؟‏

أنا لا أطيق الكبر يعصف بالتواضع والرشاد‏

الجندي (المشفق على ابن حنبل): حاوره‏

علّك أن تفكّ حديدَ صاحِبك المكبَّلْ‏

أبو جعفر: كيف الحوارُ‏

ولي لسانُ، والوزيرُ لديه فَيْصَل؟‏

أخشى إذا حاورته نبش الجمار من الرماد‏

والنفخُ في التنوُّرِ ليس يزيدُه غيرَ اتقاد‏

أيحاورُ الذئبَ الخروفُ؟‏

الصمتُ أفضلْ‏

(يقترب أبو جعفر من الجدار الحديدي فيحيّيه ابن حنبل):‏

ابن حنبل: أهلاً أخا الأنبار‏

كيف تركت أشياخ البلاد؟‏

أبو جعفر: ينقاد لابن أبي دؤادٍ جلُّهم‏

شرَّ انقياد‏

ابن حنبل: بالقول أم بالقلب؟‏

أبو جعفر: بالقول الملفَّقْ‏

أما القلوب فبالمتارف والمخاوف منه تغلقْ‏

هذا يقول: بأضعف الإيمان أي بالصمت آثرتُ الجهاد‏

ومنافقون يوافقون‏

فكلّ ما يرجونه أبداً محقّقْ‏

والمرءُ عبدُ رغابه في كل معتَركٍ وناد‏

عبد الله: أسمعت يا أبتا؟‏

سمعت‏

وكلٌّ قلب في الحياة وما أراد‏

عبد الله: (متجهاً إلى أبي جعفر)‏

يا سيدي‏

هلاّ نصحت له‏

فإن الشيخ مرهق‏

أبو جعفر: لا، لست أجرؤ أن أطاول شامخاً‏

أو أن أزحزح راسخاً‏

أنا ما أنا؟‏

أنا ومضة من علمه الفيّاض‏

من ألق السنا‏

الرأي رأي الشيخ‏

لا رأي الصديق أو الولدْ‏

عبد الله: أخشى عليه الجلّدَ‏

أبو جعفر: إنّ الجلد يبطله التجلّدُ والجَلَد‏

من يحتملْ سوطينْ يذهلْ جلدُه عمّا وجد‏

ابن حنبل: الجَلْدُ أهون يا بنيّ‏

ممّا تشيرُ به عليّ‏

أنسيت كم جلدوا (بلالاً) وهو عبدٌ مضطهدْ؟‏

فيجيبُهم:‏

أحدٌ أحدْ‏

ذهبوا‏

وظل نداؤه يطوي الأمد‏

قُرْطاً من الإيمان والرضوان في أُذُن الأبد‏

أنسيت ما قال النبيُّ عن الرجال الصابرينْ؟‏

نُشروا بمنشار‏

فما جزعوا‏

وماتوا مؤمنينْ‏

لا أشتري الدنيا بدين‏

لا أفتدي جلدي بإيماني‏

ولو سلخوه عن لحم الجسد‏

(يفتح الباب المغلق, ويخرج منه جندي يُسِرُّ شيئاً في أذن الحارس)‏

الحارس: حضر الوزير‏

هيّا اخرجا‏

حضر الوزير‏

عبد الله: أنا لن أفارق والدي‏

سأظلّ أحميه بقوة ساعدي‏

سأظل أحميه إلى الرمق الأخير‏

أبو جعفر الأنباري: اخرجْ معي‏

عبد الله: لا‏

لن أخلّف والدي حَمَلاً لأنياب الذئاب‏

وحمامة مغلولة‏

ما بين أظفار العُقاب‏

أبو جعفر: اخرج‏

بقاؤك لا يفكّ الغلّ عن عُنق الأسير‏

(عبد الله متشبثاً بالحديد المتقاطع القضبان): لا‏

لن أبارحه‏

ولو مرّت على عنقي سيوفُ (المعتصمْ)‏

أبو جعفر: عبثاً تحاول أن تدافع موجة الخطب الملمّ‏

عبثاً يصارح ساعداك تدفّق السيل العرم‏

ابن حنبل: اخرج‏

فغيظُك لا يسعّر غير نار المنتقم‏

إنْ كنتَ برّاً فانصرفْ‏

لله لا لك كلُّ تصريف الأمور‏

عبد الله: أتظلّ وحدك؟‏

ابن حنبل: لا‏

معي صبري وإيماني‏

أبو جعفر: وخالقه القدير‏

الله سوف يجيرُه‏

(عبد الله وقد أفلت الحديد وهمّ بالخروج)‏

نعم المجير‏

ابن حنبل: ما شاء كان‏

فما اعتراضُك يا بنيّ على مصير قد رُسِمْ‏

قدري سيبلغني‏

ولو شيّدت حولي بالأسنة ألف سور‏

اذهب‏

فكيف تردّه عني بسور من مشاعر أو كَلِمْ‏

هيّا انطلقْ‏

قدري‏

ـ ولا سلطان لي فيه ولا لك ـ‏

قد حُسِمْ‏

(يخرج عبد الله وأبو جعفر ويدخل ابن أبي دؤاد مع حارسين مسلحين)‏

ابن أبي دؤاد: قيل لي: ضيفي السجينُ عليلُ‏

خائرُ العزم شاحب مهزولُ‏

جئته عائداً‏

لعلي أنضو عنه ثوب السقام‏

ابن حنبل: صبرٌ جميل‏

ما ارتديتُ الإيمان ثوباً فيُنضى‏

هو قلبي‏

لا جبّتي والذيول‏

ابن أبي دؤاد: جئت علّي أعيُنك‏

ابن حنبل: اللهُ حسبي‏

إنه المستعان والمأمول‏

منه لا من سواه يُلْتمس العَوْنُ‏

فكِلْني إليه‏

أحمد بن أبي دؤاد: نعم الوكيل‏

غير أني وكيلُه‏

ابن حنبل: أيّ كبر وعتوّ يفوح ممَّا تقول؟‏

لم يقل ما تقول فرعونُ‏

أقبحْ بغرور الإنسان إذ يستطيل!!‏

ابن أبي دؤاد: أو لستُ العقل الموكّل بالناس‏

لتقويم ميلها إذْ تميل؟‏

ابن حنبل: تلك دعوى ادّعيتها‏

واجتراء‏

أنت فيه معربدٌ ضلّيل‏

ابن أبي دؤاد: والألوف التي تقول بما قلتُ؟‏

ابن حنبل: قطيعٌ مروّع مخبول‏

وُضِعتْ في حلوقهم كلماتٌ من نفاق‏

مذاقُها معسول‏

مضغوها‏

وفي القلوب احتقارٌ‏

للألى يفترونها وغليلُ‏

ومتى زلّ أو تزلزل مالوا لسواه‏

وكلّ حال تحول‏

إنّ قلباً أمسى يقلّبُه الخوف من الحتف‏

خاذلٌ مخذول‏

ابن أبي دؤاد: لي منهم كلامُهم‏

ولربي ما تُواري قلوبُهم والعقولُ‏

ابن حنبل: لك منهم مشافر كاذبات‏

حركتها الأطماعُ والتدجيل‏

ولي المسلمون ديناً نقيّاً‏

لم يعكّر صفاءه التأويل‏

ابن أبي دؤاد: ذاك وهْمٌ تعيش فيه‏

ومجدي واقعٌ ساطع‏

وسيف صقيل‏

ابن حنبل: إنّ مجد الطغاة في كلّ عصر حاكمٌ ظالم‏

وشعب ذليل‏

ومتى أَنَّتِ الحقائق‏

ألوت بصداها أبواقُهم والطبول‏

ابن أبي دؤاد: أتراني منهم؟‏

ابن حنبل: نعم‏

وقيودي إنْ تجاهلتَ أو سكتُّ الدليل‏

لم قيّدتني؟‏

أتخشى حسامي أم سناني؟‏

ابن أبي دؤاد: كلاهما مفلول‏

لا أرى فيك ما يُخيف‏

ابن حنبل: إذنْ دعني وشأني‏

ملّت يديّ الكبول‏

ابن أبي دؤاد: كيف يخشى النسرُ الطليقُ قطاةً في شراك‏

وريشُها مغلول؟‏

إنّما الخوفُ من لسان رهيف‏

وبيان بالمهلكات يسيل‏

أنا إنَّ أنتزعْه أرتحْ‏

ابن حنبل: عجيب أن يخيف العظيمَ عضوٌ ضئيل‏

أنْ تخيف الوزيرَ مضغةُ لحم‏

ولديه أسنة ونصول‏

انتزعها‏

ابن أبي دؤاد: هممْتُ‏

لكن ثناني أنّ صمتاً أريده مستحيل‏

أنّ خلف اللسان روحاً‏

إذا ما نفثتْ نفثة تَبدَّى الدخيل‏

ابن حنبل: ليس إلاّ تنزع الروحَ‏

ابن أبي دؤاد: فكّرتُ, وقدّرت أن نزعها معقول‏

ثمَّ ألفيت أنّ قتلك ترسيخٌ لما تدّعيه‏

لا تبديل‏

فعلى الباب ألفُ أحمقَ‏

إنْ تهلكْ يقولوا‏

هذا القتيل رسول‏

مات موْتَ الشهيد‏

حسبي ابنُ نوحٍ‏

ابن حنبل: عاش مُذْ مات‏

ابن أبي دؤاد: فهو حمل ثقيل‏

فوق ظهري‏

يكاد يقصم ظهري‏

أيُّنا عن هلاكه مسؤول؟‏

ابن حنبل: أنت‏

ابن أبي دؤاد: لا, ليس ذنبي‏

ابن حنبل: أنت قيّدته‏

ابن أبي دؤاد: وأنت الزميلُ‏

ابن حنبل: مات من جرّه القيودَ‏

ابن أبي دؤاد: افْتراءٌ تفتريهِ‏

ومنطق مرذول‏

مات ممّا جرّعته من سموم‏

هي في ظنك اعتقادٌ نبيل‏

أو ما زلت تفتريها؟‏

ابن حنبل: معاذ اللهِ أن يُفترى اليقينُ الأصيل‏

قِدَمُ الوحي توءمُ الروح عندي‏

لا افتراءٌ‏

يُرجى له تعليل‏

فانزع الروح تنتزعْه, وأرحلْ عنك‏

ابن أبي دؤاد: هيهات أين منك الرحيل!؟‏

أَبْعَدُ الأمنيات عنك المنايا‏

إنّ عمر السجين عندي طويل‏

غير أن السياط أطولُ عمراً‏

فاحتملْها‏

ابن حنبل: إني صبور حمول‏

ابن أبي دؤاد: ليس عندي إن لم تقل‏

خُلق القرآنُ‏

إلاّ التعذيبُ والتنكيل‏

(يعرض ابن أبي دؤاد عن ابن حنبل وينظر إلى الحارس الذي كان يتعاطف مع ابن حنبل وولده يقول):‏

أيُّها الجلادُ‏

قد حنّت إلى سوطك أضلاعُ ابن حنبل‏

أعطها ما تتمنى وتعجّل‏

واشفع القيد الذي يستثقل الشيخُ بأثقل‏

ودع السوط يغُصْ بين الضلوعْ‏

علّه يقتلعُ الداء الذي يكتمه القلبُ الهلوع‏

ولعلّ الشيخ من بعد سَفاهٍ يتعقّل‏

الجلاد(وهو يدخل القفص): ما يشأْ مولاي أفعلْ‏

ابن أبي دؤاد: (وبعد دخول الجلاد يسمع قرع سوط خفيف خافت).‏

ما الذي يبلغ سمعي؟‏

أهو قرع أم حفيف ودعابه؟‏

أهو سوطٌ ظامئٌ للدم أم قوسُ ربابه؟‏

يلمس الأضلاع كالطفل الوديع‏

أيها الجلاد‏

إنْ لم يسلخِ السوطُ إهابه..‏

غاص في لحمك غوصَ السيف‏

في جوف الصريعْ‏

الجلاد (يشتد الصوت ويقول): إنني يا سيدي أفرغ جهدي‏

في وريد السوط‏

في أعصاب زندي‏

غير أن الشيخ أقوى‏

من يدي‏

من كلّ إيجاع وبَلْوَى‏

ابن أبي دؤاد: أَحْكِم الضربة حتَّى يتلوّى‏

وتنقَّل‏

وانفض السوط يساورْ جسمه‏

عضواً فعضواً‏

علّني أسمع منه أَنَّةً‏

أسمعُ شكوى‏

علّه يُقلع عمَّا كان قد أعلن في أهل البلدْ‏

علّه ينسخُ فتوى‏

كان أفتاها بفتوى‏

ابن حنبل: أَحَدٌ ربي أحدْ‏

أحد جلَّ عن الأشباه‏

فردٌ وصمدْ‏

ماله صاحبة كالمرء منا أو ولد‏

ابن أبي دؤاد: وكلام الله ما قولُك فيهْ؟‏

أهو مخلوق له عمر وبدء وأمد؟‏

ابن حنبل: امضِ يا جلادُ‏

وقْعُ السوط أحلى من مماراة السفيهْ‏

وكلام الله من هذي الحماقات نزيهْ‏

امضِ يا جلاد‏

ابن أبي دؤاد: لا تمض‏

فما ردُّك‏

ابن حنبل: إنَّ الصمت ردّْ‏

ابن أبي دؤاد: رُدَّ, لا بدّ من الردّ‏

أوحي الله محدود بحدّْ؟‏

ابن حنبل: إنما المحدود من يمخر بحراً لا يُحدْ‏

من يجاري عقلُه المخبولُ آمادَ الأبدْ‏

امضِ يا جلاد‏

ابن أبي دؤاد: لا تمض‏

أرِحْ سمعي من شرّ نغمْ‏

وليُجْبني‏

أصفاتُ الله مثل الله في معنى القِدَم؟‏

أم حديثاتٌ‏

براها الله من بَعْدِ العدمْ؟‏

ابن حنبل: حسبُنا ما قيل‏

ما خضناه من جزر ومدّ‏

ما تراشقنا به في القول من نَبْل التهم‏

امض يا جلاد‏

لن تصبح (كلاّ) بعد تعذيبي (نعم)‏

وصفات الله للتصديق‏

لا للتحقيق بالعقل الألدّ‏

قل لمن يحكم بالعقل على الله ازدجر‏

لست الحَكَمْ‏

وليبّرئ عقلَه القاصرَ من (كيفَ) ومن (أينَ) و(كمْ)‏

وصفات الله قبْلَ القَبْلِ‏

بعدَ البَعْدِ‏

فلنمحُ الزمنْ‏

ولنجنّبْ أمة الإسلام أهوال المحن‏

ابن أبي دؤاد: أخفق الجلاّدُ‏

ما مزَّق أكفان العفنْ‏

لم يزل عقلك ملفوفاً بأقياد العنادْ‏

لم يزل يعشق رغم الجلد آلام الجلادْ‏

لم يزل يسبح رغم القيد في بحر الفتن‏

ابن حنبل: ما قصدتُ البحرَ‏

بل أُلقيتُ مكتوفاً, فصارعت الفساد‏

امض يا جلاد في الجلد‏

لعلّ السوط يكسوني الكفن‏

ابن أبي دؤاد: لا, توقَّفْ‏

هل يراني الشيخ فيما أرتئيه مؤمناً؟‏

ابن حنبل: لم أكفّرْك‏

اعتقد ما اخترت‏

ولأخترْ أنا‏

ولندعْ الله أن يحكم فيما بيننا‏

في الذي يختاره كلّ فؤادْ‏

من فسادٍ أو رشادْ‏

ابن أبي دؤاد: ما الذي تختار؟‏

ابن حنبل: أختار الذي اختار النبيّ‏

مؤمناً بالوحي والسنة إيمان عجوز أو صبي‏

معرضاً عمَّا سواه‏

من مراء وابتداع وسفاه‏

ابن أبي دؤاد: آخذاً بالنقل أم بالعقل؟‏

ابن حنبل: بالنقل‏

بإيماني النقيّ‏

ابن أبي دؤاد: أو تُقصي العقل؟‏

ابن حنبل: لا أقصيه‏

أستفتيه في الأمر الخفيّ‏

ابن أبي دؤاد: ما الذي تفعل بالعقل إذا عارض نقلاً؟‏

ابن حنبل: عنه أُعرضْ‏

ساخراً من كل مغرور بزيْغ العقل‏

مُغرِضْ‏

زاعماً وهو الغبيّ‏

أنّه فيما ارتأى أذكى ذكيّ‏

ابن أبي دؤاد: ويلتا عدت إلى التعريض بالعقل وبي‏

ابن حنبل: لم أعرّض بك أو بالعقل‏

بل عدتُ إلى حوض النبي‏

أستقي منه لأنسى الجَلْدَ والسوط العتي‏

فاغترفْ من حوضه‏

أو فاعترفْ أنك بالعقل شقي‏

ابن أبي دؤاد: يا عدوَّ العقل‏

مهما تتزمتْ في الفتاوى وتكابرْ‏

زاعماً أنك في السجن على المحنة صابر‏

واهماً أني شقيّ العقل حائرْ‏

فأنا القاهرُ لا المقهور‏

والأمرُ إليّ‏

لن ترى الشمس إذا لم تتخشَّعْ‏

تائباً بين يديّْ‏

ابن حنبل: كم تخشّعتُ‏

ولكن للذي يغفر يا مذنبُ ذنبي‏

ولكم تُبْتُ‏

ولكنْ للذي يقبل توبي‏

إنه, لا أنت يا مربوبُ, ربي‏

وهو القاهرُ لا أنت‏

ولا من كان أشلاك عليّ‏

ابن أبي دؤاد: قد تماديْتَ ابنَ حنبلْ‏

وتحملتُ الذي لا يُتحمَّلْ‏

منك‏

من رفضك للعقل الذي لا يتحوّلْ‏

لن يقول الناس‏

قد كسّر سيفَ الحُكْمِ والحكمةِ أعزلْ‏

ابن حنبل: أنت لا تغضب لله إذن‏

بل للزعامه‏

كيف نازعت الذي لم ينتزع منك ولو قدرَ قُلامه؟‏

وهو لا يطلب أدنى منصب أو يتقبِّلْ‏

ابن أبي دؤاد: لا تخاتلْ سوف تفعل‏

أنت أو طالبُ دنيا‏

بك لا بي يتمثَّل‏

فإذا زهدُك في الحكم طموحٌ‏

كامن الروح مؤجَّل‏

وإذا الناسك كالفاتك‏

كالصقر إذا طارت حمامه‏

راح ينقضُّ ليصطادَ من الناس الإمامه‏

يبتغي تركيعَ من تركعُ في موقفنا هذا أمامه‏

ابن حنبل: عجباً يا بن أبي هذا الذي يُدعى دؤاد‏

كيف ينسى الدودُ حجم الدود‏

إذْ يحبو على هام العباد‏

ابن أبي دؤاد: عُدت للسخر وللإزراء مني وعليّ‏

ابن حنبل: دعك من ذا‏

أنا لا أركع للدودِ‏

وإن ساد وقاد‏

لا, ولا أقبل أن يركع عبدٌ كافرٌ‏

بين يديّ‏

أنت في وادٍ‏

ومن تحبسه يرنو لوادْ‏

ابن أبي دؤاد: كم تطاولتَ فضاقتْ بك نفسي‏

ولكم حاولتُ أن أنكر ما يجتاح حسّي‏

علّني أعفو‏

فألقي عنك أقيادي‏

لكي تهجر حبسي‏

ابن حنبل: لم لا تفعلُ؟‏

ابن أبي دؤاد: فات الوقت مُذْ حاصرتَ عفوي بالعناد‏

فات مُذْ أغلقت باب العفو بالعنف‏

بقفل العنفوان‏

منذ آثرتَ التصدّي‏

لي وللعقل بصمت‏

ليس يُجدي‏

منذ هاجرت بتجريحي‏

وأعلنت التحدّي‏

ابن حنبل: قد تصدّيتُ لمن حاول أن يدفن عقلي في لساني‏

وتحدّيت الذين امتهنوا تاريخنا أيَّ امتهانِ‏

ابن أبي دؤاد: أأنا منهم؟‏

أحسّ النار تجتاح كياني‏

ابن حنبل: أنت أدرى بالذي تصلاه‏

من حقد وكيد‏

ابن أبي دؤاد: تلك نار الغيظ من ردّك‏

ابن حنبل: هل يؤذيك ردّي؟‏

أترى الردّ على الآثم إثماً؟‏

أم تريد الناس يا من قدّس المنطق عميانا وصمّا‏

يمضغون الصمت والمقت‏

وشوك الذلّ سُمّا‏

ابن أبي دؤاد: أنت ترميني إذن بالإثم‏

ابن حنبل: أرمي كلّ رامِ‏

كلّ من يسعى إلى السنة والوحي بمسموم السهامِ‏

علني أحمي قلوب الناس من طعن سنانِكْ‏

ابن أبي دؤاد: أنت لن تحمي عضواً من كيانك‏

أفتحمي الناس يا أعزلُ من حدّ حسامي؟‏

ابن حنبل: لا‏

ابن أبي دؤاد: ترقَّبْ بعد طول الحلم والصفح انتقامي‏

ابن حنبل: ما ترقّبتُ سواهْ‏

لك أن تحقد ما شئت‏

ولي لطفُ الإله‏

وستلقاني بعوْنِ الله طوْداً‏

لا يزلزل‏

ابن أبي دؤاد: يا بن حنبل‏

نَفِدَ القولُ الذي هيَّأه العقل‏

وعاد الصمت أفضلْ‏

فتدبّر وتأمّلْ‏

قبل أن يصهل مهري‏

تحت سوطي‏

وتعقَّلْ‏

قبل أن ينطلقَ السوطُ إلى شوط‏

من الأوّل أقتل‏

قبل أن أفرغ في جلدك حقدي‏

ابن حنبل: إنَّ ظهري ـ وهو دامٍ ـ‏

دائماً يرثي لصدرك‏

فهو قد يشفى‏

ويبقى صدرُك المحكوم موتوراً بثأرك‏

تطلبُ النوم‏

فيأبى الجفن إذعاناً لأمرك‏

فإذا الجالد مجلودٌ‏

بكابوس من الشقوة يضني‏

أيُّنا أشقى بما يلقى؟‏

ابن أبي دؤاد: يُجيب السوط عني‏

إنه أفصح قولاً‏

منك في السجن ومني‏

ابن حنبل: ذا جواب الضعفاء الأشقياء‏

ابن أبي دؤاد: بل جوابُ الأقوياء‏

ابن حنبل: عدْتَ يا مفتونُ بالمنطقِ والمنصب تهذي‏

وبكلام الأغبياء‏

هارباً من عقلك الهارب منّي‏

تحتمي في سور شرّكْ‏

وهو لا يحميك‏

بل يُلقيك‏

في هوّة ضرّكْ‏

ضارباً حولك سجناً‏

تتلوّى من أذاهُ‏

طول عمرك‏

ابن أبي دؤاد: (يبتعد غاضباً عن ابن حنبل) أيُّها الجلادُ أطفئْ‏

ما يثير الشيخُ حولي من حريقْ‏

كلّنا في بحره الصاخب قد يغرقْ‏

ابن حنبل: بل أنت الغريقْ‏

ابن أبي دؤاد: (وهو يخرج من المسرح)‏

خرِفَ الشيخ‏

فيا جلاد ردّ العقل للشيخ بسحرك‏

ابن حنبل: أين تمضي؟‏

سوف تلقى اللهب الأحمر في كلّ طريق‏

جائعاً كالحوت‏

يلقي كلّ ما يفرس في جوف عميق‏

زاحفاً من قمة القصر‏

إلى هوة قبركْ‏

وإذا أطفأته اليومَ‏

فلن تطفئه في يوم حشركْ‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | دليل الاعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244