المحنة ـــ د.غازي طليمات

مسرحية شعرية ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2005

Updated: Monday, August 15, 2005 11:00 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الرابع

(يكشف الستار عن حجرة رثة الأثاث في منزل أحمد بن حنبل. يتصدر الشيخ المجلس, وبين يديه ولده عبد الله وبعض تلامذته وأصحابه وهم: أبو بكر المروذي, وإبراهيم بن إسحاق الحربي, وأبو جعفر الأنباري).‏

ابن حنبل: أرى الشرّ يغدو مطلقاً, ويروحُ... به الناسُ‏

والخير الصريح كسيحُ‏

أبو جعفر: أيجهرُ بالفحشاء كلّ معربدٍ‏

ونحن سكوت؟‏

إنَّ ذاك قبيحُ‏

أبو بكر المروذي: برئتُ إلى الديّان من كل فاسق‏

يبوحُ بما يُخزيه حين يبوح‏

وعُذْتُ بربي من فواحشَ أنتنتْ‏

لها حيثما سار ابنُ آدمَ ريح‏

أبو جعفر: أتنجي أبا بكر براءتُه؟‏

وهل تعوُّذُنا من مُنْكَرٍ سيريح...‏

ضمائرَنا ممّا يعذّبها؟‏

وهل سواءٌ لدينا صابرٌ وجموح؟‏

أهذا هو الدينُ الصحيح؟‏

الحربي: براءة نلوذُ بها‏

والمنكرات تصيح‏

أبو جعفر: وهل قولنا المخنوقُ يُبطل منكراً‏

إذا الريحُ لم تعصفْ به وتطيحُ‏

أبو جعفر: (متجهاً إلى ابن حنبل) فماذا يقول الشيخُ‏

ابن حنبل: لا قولَ لي‏

الحربي: فمن سيفصح إنَّ عاف الكلامَ فصيح؟‏

(مشيراً إلى ابن حنبل):‏

أنترك صوت العهر والنكر عالياً؟‏

وفينا فقيهٌ بارع ونصيح‏

ابن حنبل: أسرعت يا حربيُّ في الردّ والاتهامْ‏

لمَّا يزلْ تحت لساني أكثرُ الكلام‏

أصغِ إليّ‏

الحربي: هاتِ أصغيتُ‏

فقل ما شئت أن تقولْ‏

ابن حنبل: أقول: لا قولَ لديّ غير ما قد قاله الرسولْ‏

الحربي: وما الذي قال عليه أطيبُ الصلاة والسلام؟‏

ابن حنبل: تعرفُ ما قال‏

ولكنْ مِلْتَ للجدال والخصامُ‏

قد قال ما معناه:‏

إنْ رأيتمُ المنكر في الأنام...‏

فغيّروه‏

أبو جعفر: كيف؟ بالكلام أم بشفرةِ الحسام؟‏

ابن حنبل: يغيّر المؤمن ما ينكر باليدين إنْ أطاق‏

أبو جعفر: وهبْهُ لم يطق‏

ابن حنبل: فباللسانِ والنصح بلا شقاق‏

أبو جعفر : وهبه لم يطق‏

ابن حنبل: فبالقلب الذي لا يعرف النفاق‏

وثالثُ الثلاثة اكتفى هنا بأضعف الإيمان‏

المروذي لابن حنبل: وأيُّهم كنتَ بردّ فرية الخلق عن القرآن؟‏

ألم أكنِ الأوّل‏

إذْ غيَّرْتُ هذا النكر باللسان‏

أبو بكر المروذي: بل كنتَه‏

وفي قروح ظهركَ الدليلْ‏

وصَوْلةُ العالم باللسان إذْ يصولْ..‏

أمضى من النصولْ‏

الحربي: فعلتَ باللسان ما لم تفعل السيوفْ..‏

في الحرب, حين تلتقي الزحوف بالزحوفْ‏

فأنت "والصدّيْق" في معارك "الردّة" فارسان‏

وأنت "والفاروقُ" في "سقيفة البيعة" توءمان‏

فكلكم وحّد من أمتنا الصفوفْ‏

وردّ عنها الضعف والفرقة والهوان‏

ابن حنبل: غاليت يا حربيّ‏

كيف تقرن ابن حنبلْ...‏

بالعمرين؟ فازدجرْ‏

لا يُقرن المفضولُ بالمفضّلْ‏

وأين نحن كلُّنا من أصغر الصحابه؟‏

هم هاجروا وجاهروا‏

وآثروا الدين على القرابه‏

ونحن في أوطاننا وأهلنا‏

لم نغز, لم نُقتَّلْ‏

لا تُقرن الحصاةُ بالشهابْ‏

ولا قطاةُ الأرض بالنسر الذي يزاحم السحاب‏

ويحك قد غاليتَ‏

أبو جعفر: لم يغال, بل مثّل ما تمثّلْ‏

وأنت ـ مهما تتواضعْ ـ‏

خيرُ من أَبْصَرَ أو تخيّلْ‏

في جيلنا المنافق المدجَّن المكبّل‏

لا تطفئ النشوة في جوانح الحربيّ والإعجاب‏

والمثل الأعلى الذي رآه إذْ رآكْ‏

بين شيوخ دينُهم إطالةُ اللحية والسواكْ‏

بين فقيه ماكر‏

وعالم أفّاك‏

لا الأمرُ بالمعروف والنهيُ عن المنكر‏

حيث كان‏

ابن حنبل: لعلهم تقنّعوا أو قنعوا بأضعف الإيمان‏

فلا تمزّقوا عن المضعوف والمروّع الحجاب‏

عبد الله: (يدخل ابن الشيخ ويقول لأبيه)‏

في الباب غريبٌ يرتقبُ‏

أفأدخلُهُ أم ينقلبُ؟‏

ابن حنبل: أدخلْه, وأكرمْ مُدْخَلَهُ‏

أنا عن ضيفي لا أحتجب‏

(يتلقى ابن حنبل ضيفه): (سجّادةُ) عندي؟!‏

يا فرحي بالعلم المغدق ينسكب!!‏

سجّادة(مطأطئ الرأس): أتردُّ سلامي إنْ حيّيتُ؟‏

ابن حنبل: بأحسن منه, كما يجب‏

لم لا تأتيني‏

سجادة: يمنعني خجلي‏

والقلبُ المنقلب‏

أبو بكر المروذي: لم ينس الناس مقالته: "خُلقَ القرآنُ"‏

ابن حنبل: كذا رغبوا‏

أبو جعفر: فأجابَ‏

سجّادة: أجاب فمي خوفاً‏

والقلبُ يمزّقه الرعُبُ‏

سجادة (ويده على فمه):شطروني: شطرٌ وافقهم‏

سجادة (ويده على قلبه):والآخرُ أنكر ما طلبوا‏

ابن حنبل: والآن؟‏

سجّادة: يُمزّقُني ندمي بسياط‏

أبو جعفر: أبردُها لهب‏

ستظلّ تسوطك ألسنُنا‏

ما حرّك منطقَها الغضبُ‏

وستبقى مرمى أعيننا‏

ما اهتزَّتْ فيهنّ الهُدُبُ‏

ابن حنبل: لا تقسُ عليه أخا الأنبارِ‏

ودعه يتُبْ‏

أبو جعفر : تُوْبٌ عَجَب!!‏

تَوْبٌ قد فاتك موعده‏

إذْ جاء وقد صلح العطب‏

ما نفعُ الغزو ولا خصمٌ في الساح‏

وقد فات الطلب؟!‏

سجّادة: ما تعني؟‏

أبو جعفر: إنّ خليفتنا "المتوكّلَ" حطَّم ما نصبوا‏

من تاب ليُرضيَ سلطاناً لا اللهَ‏

فتوبتُه كذِبُ‏

الحربي: قد أذنب يُطْعِمُه أَرَبٌ‏

وأناب يحرِّكه أرب‏

وكلا الأمرينِ يُخالطه رَغَبٌ في الدنيا‏

أو رَهَبُ‏

سجّادة: أذنبتُ وتبت‏

فما هذا التجريحُ الحاقدُ؟‏

ما السبب؟‏

أبو جعفر : العالم راعٍ‏

تتبعه أجيالٌ, يعقبها عَقِب‏

فالمنكر يغدو آلافاً‏

والأَلْفُ تضاعفه الحقب‏

ابن حنبل: لا تُصغ إليهم‏

ها هو ذا صدري يحميك ويصطحب‏

أذنبت وتبت‏

وتاب الله عليك‏

فما هذا الصخب؟‏

ابن حنبل: (وهو يعانق سجّادة) فإليّ إليّ, إلى صدري‏

واعذرْ من غضبوا أو شَغَبوا‏

ابن حنبل: (بعد أن يطلقه) ما حالُ الأمة؟‏

سجّادة: يغمرها فضل "المتوكّلِ" والحَدَب‏

فالسنة تعلو رايتُها‏

والمحنةُ توشك تنسحب‏

والبدعة فرّت وانجحرت خرساءَ‏

تساورُها النُّوَب‏

ابن حنبل: ويلُ الأبرارِ من الأشرار‏

إذا ضربوا, وإذا نهبوا‏

ينسَوْنَ اللهَ‏

وتخدعهم أوهامُ السلطة إنْ غَلَبوا‏

فهمُ في الحُكم فراعنةٌ‏

ونعام إنْ جدّ الهرب‏

وأرانب إنَّ سُجنوا سكنوا‏

وإذا أمليتَ لهم وثبوا‏

الحربي: والمؤمنُ معدنه أبداً برّاقُ الجوهر ملتهب‏

إنْ يُحْكَمْ يزددْ إيماناً‏

أو يَحكُمْ يكرمْ من نُكبوا‏

ابن حنبل: يا قوم كفاكم تعريضاً‏

سجّادةُ يوشك ينتحب‏

ابن حنبل: (بعد فترة صمت): اطوِ سجّادة ما يشجيك‏

وانشرْ لي أخبار العباد‏

كيف حالُ الناس؟‏

سجّادة: كلّ الناس يثنون عليك‏

ابن حنبل: دعْك مني‏

سجّادة: كيف أنسى ذكر من يُذْكر في كلّ البلاد؟‏

ذكرك العطرُ الذي أشتمّه في كلّ ناد‏

كيفما دارَ, وأنَّى دار قولٌ‏

ينتهِ القول إليك‏

أبو جعفر: كيف خلَّفت الذي يُكْنَى صَغَاراً بدؤادْ؟‏

سجّادة: رجع العملاقُ دوداً, بعد أن ساد وقاد‏

ابن حنبل: غفرَ اللهُ له!‏

أبو جعفر: هل يغفر اللهُ لأصحاب الفساد؟‏

ابن حنبل: لا تحجِّرْ واسعاً‏

نحن إلى العفو جميعاً فقراءْ‏

لا تضيّق رحمة الله التي يرنو إليها الأشقياء‏

أبو جعفر: ما الذي يفعلُ من بعد الوزاره؟‏

سجّادة: عاد لا يفعل شيئاً‏

عاد شيئاً, كإناء أو كساء‏

مهملاً كالصنم المطروح في المعبد‏

يجترُّ الخواء‏

ابن حنبل: أو ما كان يُديرُ الملك؟‏

سجّادة: كمْ كان وكان‏

ثمَّ دارتْ بُمدير المُلك أحداثٌ أهانته,‏

فهانْ‏

فمُدير الملكِ لا يقوى على الرفض‏

إذا طفلٌ أداره‏

ابن حنبل: إيهِ سجّادةُ‏

فسّر هذه الألغاز‏

ما فحوى العباره؟‏

سجّادة: أصبح السجّان مسجوناً بلا سجن‏

فلا يبرحُ داره‏

قابعاً في نفق من جحرِهِ‏

فهو حيّ, فاقدُ الحس, ولكن راقدٌ في قبرِهِ‏

ميّتٌ من غير موْتٍ‏

رابضٌ في قصره‏

وبأمر الله لا السلطان‏

قد يُمسخ أضرى الوحشِ فاره‏

قد يصير القاهرُ الجبّارُ مقهوراً‏

فلا تُجدي الإماره‏

ابن حنبل: كيف؟ لم أفهم‏

سجّادة: غدا الآسرُ مأسوراً يعاني ثقل قيدِهْ‏

لم يُقيَّدْ بقيود من حديد‏

بل بجلدِه‏

أبو جعفر: ما الذي تهذي به؟‏

سجّادة: أروي الحقيقه‏

أكشف الستر عن السر لأبصار الخليقة‏

علّها تدركُ ما تجهلُ من مغزى خفاياها العميقه‏

فُلِجَ الشيخ!!‏

فأمسى جسمُه يسجنُ روحَهْ‏

وغدا الحابسَ والمحبوسَ في الدنيا الفسيحه‏

وغدا القصرُ الذي يقفز فيه الهرُّ والفأر ضريحَه‏

يحسد الدودة إنْ تزحف على طينِ الحديقه‏

وهو مطروحٌ على المضجع‏

كالشاة الذبيحَه‏

ابن حنبل: حسبُنا‏

أَذْكَرْتَني السجن وآلامي العتيقه‏

حسبُنا‏

ولنَدْعُ للشيخ جميعاً بالشفاء‏

كلُّنا يا قومُ مهما نستطلْ أو نتعاظمْ ضعفاء‏

أبو جعفر: أنا لن أدعوَ‏

ابن حنبل: بل تدعو‏

أبو جعفر : لساني يتلعثمْ‏

أمضغُ اللفظ فيأباه لساني‏

كالذي يمضغ علقَمْ‏

أله يدعو لساني؟‏

وفؤادي طالما يدعو عليه‏

كلّ ما أرجوه للجلاد تمزيق يديه‏

بسياط مزّقت ظهرك ظلما‏

ابن حنبل: فاعفُ وارحم‏

علّه تابَ‏

أبو جعفر : ولو تاب وأقسم‏

ابن حنبل لسجادة: أو ما تاب؟‏

سجّادة: بل تاب‏

وألغى التوْب جهراً وتندَّمْ‏

ثمَّ تاب التوبة الأخرى‏

فلم يصبر على هجر العنادْ‏

فطواها تحت إبط الكبر والعزة بالإثم‏

وعاد‏

ابن حنبل: أو لم تنصح له بعدُ؟‏

سجّادة: بلى, لاك النصيحه‏

ساعةً في عقله الرافض‏

فارتدّتْ ذبيحه‏

تتلوّى بين توبٍ وارتدادْ‏

وانقيادٍ واعتدادْ‏

فتأمّلْ, وأجبني, يا بن حنبل‏

لِمَ يلوي الكبرُ جيدَ الفكر حتَّى يتململ؟‏

فإذا الإنسانُ شيطانٌ مَرِيدٌ‏

وإذا العقلُ مخبَّلْ‏

ابن حنبل: عزّةُ الآثم بالإثم تُريه الرفض قوّه‏

فيعادي الحقّ مخدوعاً‏

بما يشعر من نصر ونشوه‏

وتطيع النفسُ أمر الحس‏

والقلبُ معطّل‏

سجّادة: سيدي‏

هل لي أن أسأل معروفاً يسيراً؟‏

ابن حنبل: سل ألبِ السؤل‏

إنْ كنت قديراً‏

سجّادة: إنَّ سؤلي أن نعودَ الشيخ‏

ابن حنبل: لوعدناه لازداد نفوراً‏

وتمادى في اطّراحِ الحقّ‏

بهتاناً وزوراً‏

واهماً أني بما يلقاه من بلواه شامتْ‏

سجّادة: أو لم تشمتْ؟‏

ابن حنبل: معاذَ الله‏

قلبي مُوجَعٌ والفم صامت‏

صابر محتسب ما نابني لله قانت‏

(يدخل عبد الله دهشاً يقول لأبيه):‏

أبتا‏

يلتمس الإذن رسولُ المتوكّلْ‏

أبو جعفر: ما الذي ذكّره بالشيخ؟‏

والشيخ عن الدنيا بمعزلْ‏

ابن حنبل: لا تسئْ ظنَّك فيه‏

أدخل القادمَ ـ عبد الله ـ أدخلْ‏

رسول المتوكل: إني إليك من الخلافة أحملُ‏

أزكى السلام, يزفّه المتوكّلُ‏

ابن حنبل: وعلى أمير المؤمنين سلامُنا‏

كالوَدْق, من خَلَلِ السحابةِ يهطلُ‏

ماذا وراءَك؟‏

الرسول: ألفُ بشرى‏

كلُّها تُزجى إليك‏

وألفُ نُعمى تُرسلُ‏

ابن حنبل: حسبي انقشاعُ (المحنة الكبرى)‏

وخذْ ما جئت تحملُه لمن يتحمَّل‏

الرسول: كيف اصطفيت صفيّةً مفضولةً من كثْرةٍ‏

والخيرُ فيما تجهل؟‏

في جَعْبتي الدنيا وما فيها‏

ابن حنبل: بلوناها وأبلتنا‏

فأين المأمل؟‏

الرسول: في منزل جنّاتُ دجلةَ حولهُ‏

أو محفل راياتهُ تتهلّل‏

في منصب يُهدى إليك‏

وموكب تسعى لديك سيوفُه والذُبَّل‏

ابن حنبل: هيهاتَ!‏

ما أنا والذي تهذي به‏

إلا الثرى والعارضُ المترحّل‏

إنَّ الأباطيل التي يشتاقُها غيري‏

سرابٌ خادع متنقّل‏

لا يا فتى‏

شهّيت من لا يشتهي‏

فاقصدْ سواي‏

لعلّه يتقبّل‏

الرسول: أتعافُ أمجاد الحياة‏

ابن حنبل: أعافُها‏

ويصدّني عنها رتاجٌ مقفل‏

الرسول: ماذا أقول لسيدي؟‏

ابن حنبل: قُلْ: ليس لي في منزلِ المجد المؤثَّلِ منزلُ‏

قد قسّم اللهُ الحظوظَ:‏

له العلا‏

وليَ النُّهى‏

فعلامَ عنها أعزل؟‏

وله المناصبُ والمواكبُ كلّها‏

ولي المكاتبُ من سناها أنهل‏

إني دعوت الله دعوة ضارع وَجِلٍ‏

بغير الله لا يتوسَّل...‏

ألاّ أقابل في الحياة خليفةً‏

هذا الدعاءُ جريرةٌ لا تغفل‏

الرسول: أتظنُّ أني ناقلٌ ما قلت لي؟‏

ابن حنبل: لك ما تشاءُ‏

تقولُ ما تتقوَّل‏

الرسول: سأقول: إنك بعد حين مُقبل‏

ابن حنبل: قلْ ما تقول‏

فإنني لا أُقْبِل‏

وعدٌ تزوّرهُ‏

عليك وفاؤُه‏

ولي الخيارُ, أفي به أو أنكل‏

الرسول وهو خارج: يا قوم إني ناصحٌ‏

فثقوا بما أخبرتكم‏

وتناصحوا وتعجّلوا‏

يبسطْ أميرُ المؤمنين جناحَه ظلاًّ لشيخكم‏

به يتظلّل‏

ابن حنبل: (بعد خروج الرسول)‏

سبحان من لا ظلّ إلاّ ظلُّه يوم القيامَهْ‏

من لا يكوّر غيره شمساً‏

ولا يُزجي غمامه‏

من ظلُّه الممدودُ يبسطُ لي إذا شاء الجناحْ‏

أو ينطوي عني‏

فتطويني الجوائح واللوافح والرياح‏

أفأستظلُّ بمن سيُحشر حاسراً‏

وجهاً وهامه؟‏

يُضحي, وليس وراءه ظلّ يقيه‏

ولا أمامه‏

هذي تجارة من تجارته الخسارة لا الرَّباحْ‏

عبد الله: فيم الخسارة إنْ مضيْتَ إليه‏

مرفوع الجبين؟‏

متلألئَ الإيمان منبلج اليقين‏

الحقُّ في يسراك‏

والنصر المؤزّر بالخلافة في اليمين‏

ابن حنبل: هذا هو الخسران‏

أن يسعى أبوك إلى الخليفه‏

فيظنني من كان يُكبر ما أمثّله حليفه‏

يرنو إليّ‏

فلا تراني عينه‏

وترى سيوفه‏

فإذا أبوك إلى جوار النسر‏

أصغرُ من يمامه‏

أبو جعفر : إني ليدهشني كلامُك يا بن حنبل‏

وأحسّ بين الزهد فخراً‏

قد تغلغل أو تململ‏

أعلى العقيدة أنت تحرصُ؟‏

أم على بَطَلٍ وهيكل؟‏

وإلى الزهادة أنت تسعى؟‏

أم إلى لقب الإمامه؟‏

ابن حنبل: أبصرت في عينيك شكّاً قد تصعَّد من فؤادكْ‏

فلبثتُ أرقب ما سيظهرُ في مرادك‏

أخشى وأعجب من صراحتك التقية واعتدادك‏

لا يا أخا الأنبار‏

لست أرومُ مأثرةً وذكرا‏

أبو جعفر: أتراك خفتَ من الخليفةِ؟‏

ابن حنبل: خفتُ أن يطغى ويضرى‏

ويقول: بالسلطان لا الإيمان‏

حاز الدين نصرا‏

فيبوء دينك بالخسار‏

ويغضب المِلَكُ الفخارَ مع الزعامه‏

أتريد أن يستأجر المتوكلُ الإسلام‏

راحلةً ذليله؟‏

أبو جعفر: لا, لا, معاذ الله‏

ابن حنبل: أم ترضى لشيخك أن يقيم على دخيله؟‏

ينقاد خلف خليفة‏

يلوي بقبضته زمامه‏

أبوجعفر: لا, لا, فهمت السر‏

أدركت الخسارْ‏

ابن حنبل: أنا لن أكون السُلَّم الملقى على كتف الجدارْ‏

يرقى عليه المرتقون‏

من الصَّغار إلى الفَخَار‏

ليقال: إنَّ الدين خادم كلّ ذي مكر وحيله‏

عبد الله: هوّن عليك أبي‏

أميرُ المؤمنينْ...‏

أولاك عارفةً‏

ففيمَ رميته بالمكر رميَ الظنّ لا رمي اليقين؟‏

أو لم يكسّر ما حملتَ من القيودِ‏

ويطلق الشيخ السجينْ؟‏

فعلام لا تثني عليه ولا تلين‏

ابن حنبل: إني ظُلمتُ‏

فردّ عن ظهري الظُلامه‏

فعلام أُعطي فوق ما أعطى, علامه؟‏

عبد الله: نُعطي ونأخذ‏

ابن حنبل: ما فهمتُ‏

عبد الله: أقول: نعطيه الثناءْ‏

ونُصيب خير الدين والدنيا,‏

يناصرنا, ويحمي الأتقياء‏

فنكون للمتوكّل الشركاءَ‏

في ظلّ التعاون والإخاء‏

ابن حنبل: بئس التشاركُ والتعاون يا بنيّ‏

بين المحكّم في رقاب الناس والشيخ التقيّ‏

بين الضعيف الفرد والجمع القوي‏

عبد الله: أولم نعد جمعاً كما كنا؟‏

ابن حنبل: ادّعاءٌ وازدهاء‏

عبد الله: أو ما ملكنا من قلوبِ الناس حبّاتِ القلوب؟‏

ابن حنبل: أملٌ يطوفُ بنا طواف الحلم ليلاً‏

ثمَّ يبهتُ أو يذوب‏

الناسُ ملكُ رغابهم‏

ورغابُهم ملك الملوكْ‏

لا يخدعنّك ما يقولُ خطيبُهمْ‏

وسل الخطيبَ عن السلوك‏

إنْ جاع باع القول‏

وابتاع الرغيفَ‏

لكي يعيش بما يلوكْ‏

وبقيتَ وحدك خلفَ حبّات القلوبْ‏

تلوبُ وحدك ما تلوب‏

ويروّض الأجيالَ سوطُ المال‏

مالِ الأغنياء‏

لا يا بنيّ البُعْدُ أولى‏

وحلاوةُ الإيمان من شهواتهم أحلى وأعلى‏

عبد الله: لم لا تحاوره لتعرف ما يريد؟‏

فلعل فيه لأمة الإسلام ما يُذكي العقيدةَ‏

أو يفيد‏

فإذا وجدت الخصب تنتجعُ المزيد‏

وإذا وجدت الجدْبَ عدت‏

كأنّ حلماً قد تلاشى أو تولّى‏

ابن حنبل: ما الرأي عندك يا أخا الأنبار؟‏

أبو جعفر : رأي الشيخ أتقى‏

لكنّ عبد الله مثل الشيخ نحو الحقّ يرقى‏

أقصده علّك أن تحاوره‏

فتعرك ضرعَه‏

وتُسيل عرقاً‏

فتؤوبَ منه بما نؤمّل أن تؤوب‏

ابن حنبل: ماذا تؤمل منه؟‏

أبو جعفر : لا أدري‏

ولكني أرجّي منه خيراً‏

ابن حنبل: حدّد‏

فـ"لا أدري" التي أمضي إليه بها‏

تجرّ عليّ شرّاً‏

أبو جعفر: ما الشرُّ فيها؟‏

ابن حنبل: أنها تدع الخيار لمن يحاورُ عن درايه‏

فنُقاد كالأنعام‏

حدّد ما تريد‏

أبو جعفر : أريدُ ظلاًّ من رعايهْ‏

لنسير تحت الظلّ, ظلّ السيف‏

ابن حنبل: ويحك قد حسبت الذلّ ظلاً‏

لا, يا أخا الأنبار‏

لا, لا, وكلاّ‏

السيف إنَّ رفعتْه كفٌّ غيرُ كفّكْ‏

أهوى عليك‏

فأنت تسعى به إلى حتْفي وحتفِكْ‏

أبو جعفر : لو كان رأسك ما يريدُ‏

لما رجعتَ به إلينا‏

ولظلّ رأسك في حديد السجن رهنَ القيد قَيْنا‏

لو كان خصمَكَ‏

ابن حنبل: دعك ممّا كان‏

هل تدري غداً ماذا يكون؟‏

ومتى يساور مَنْ حواليه الرعونةُ والجنون؟‏

وبأيّ دعوى يجهرون؟‏

ومن غدا يتصيّدون ويفرسون؟‏

ابن حنبل لسجّادة: سجّادُ مالك واجماً‏

سجّادة: أذكرتني أشياءَ‏

تستدعي الوجومْ‏

أشياءَ ـ وابنُ أبي دؤاد واحدٌ منها ـ‏

ابن حنبل: على رأسي تحومْ‏

ما باله؟‏

أولى الخليفة حبّه‏

من قبل أن يُدعى خليفهْ‏

حتَّى حسبناه سيغدو وحده‏

أبداً حليفه‏

ابن حنبل: أو لم يحالفْه؟‏

سجّادة: بلى‏

ثمَّ اغتدى الإلفانِ من أضرى الخصوم‏

غضب الأمير على الوزير‏

وهبّ يأخذ من خزائنه أُلوفه‏

ورماه مفلوجاً, يجوع‏

وما له أحدٌ يبلّغه رغيفه‏

ابن حنبل: أسمعتما يا ناصحيَّ؟‏

عبد الله: نعم سمعنا‏

أبو جعفر: لكنني لمّا أزّلْ متقلباً‏

قلْباً وذهناً‏

لم لا نظاهر من يُظاهرنا‏

أليس نفورُنا منه عقوقاً‏

ابن حنبل: لا‏

للأمير طريقُه‏

والله هيّأ لي طريقاً‏

أبو جعفر: ما الفرقُ بينهما؟‏

ومن أهدى فريقاً؟‏

أتراه في غَرَض الفريقْ؟‏

أم في الطريقة والطريقْ؟‏

ابن حنبل: هو فيهما‏

واخترْ لنفسك ما تطيقْ‏

أمّا الفريقُ‏

فأنت تعرفُ من أريدُ وما أريد‏

ففريقيَ العُبَّادُ‏

أهلُ الذكر والرزق الزهيدْ‏

وفريقُه الأجنادُ‏

أهل الحرب والبأس الشديد‏

أهل المناصب والمواكب‏

والتقلّب في حمى العيش الرغيدْ‏

أبو جعفر: كنْ كيف شئت‏

وكيف شاؤوا فليكونوا‏

أفليسَ يجمعُنا بهم غرضٌ ودين‏

والسنةُ السمحاءُ والوحيُ الأمين‏

ابن حنبل: إنْ نجتمع في الدين‏

فالدنيا تفرّقُنا‏

وإنْ كنا اجتمعْنا‏

ونقول سمعاً إنْ دعا الداعي‏

ولكن ما سمعنا أو أطعنا‏

ومتى رفعنا الحقّ رايتنا‏

يقولوا: السيف رايَهْ‏

ومتى جعلنا العدلَ غايتنا‏

يقولوا: طاعةُ الحكّام غايهْ‏

أبو جعفر: أعنيت أن الدين عندك جوهرٌ‏

والدينُ عندهم عَرَضْ؟‏

ابن حنبل: لا, بل رأيت وراء وحدةِ ديننا‏

مرضَ التباينِ في الغرضْ‏

أبو جعفر: ألذا تجنّبتَ الأميرَ؟‏

ابن حنبل: نعم, لأجتنب المرضْ‏

وأجنّبِ الإسلامَ أغلالَ الخلافة والولايهْ‏

والأخذَ منه بآيةٍ تُرضي الأمير‏

وتركَ آيه‏

أوعيت ما أعني‏

أبو جعفر: وعيتُ‏

ولم يزل في خاطري أمرٌ أخيرْ‏

فيم اختلافُك في الطريقة والطريق‏

مع الأمير؟‏

ابن حنبل: أما الطريقة فهي دحضي الشكّ بالإيمانِ‏

بالقلب المنير‏

وطريقة الأمراء في ظهري خريطتُها‏

لها أبداً ظهور‏

أبو جعفر: أو ليس يُجدي السيف في دحض الشرور؟‏

ابن حنبل: السيفُ يجدي حين يعيا العقل في قمع الغوايه‏

أبو جعفر : بقي الطريق‏

فأين تبتدئ الطريق؟‏

وأين تدركُها النهايه؟‏

ابن حنبل: بدءُ الطريق الأرضُ‏

دنيانا التي فيها نسير‏

فإذا مشينا فرسخاً منها اختلفنا‏

في المسيرِ وفي المصير‏

هذا يسيرُ وهمُّه الدنيا‏

وذلك همّه يومُ النشور‏

أبو جعفر: ما الفرقُ بينهما؟‏

ابن حنبل: أخو الدنيا يسير على طريقٍ من رغابْ‏

وأخو النشور‏

طريقُه رصفت بأعمالِ الثواب أو العقاب‏

فإذا هما رَكْبانِ‏

في دربيْن: من حَلَكٍ ونور‏

هذا على شهواته‏

أبداً يحوّم أو يدور‏

وأخو التقى‏

دوماً إلى الأخرى يحلّق أو يطيرْ‏

إنّ النهاية يا أخا الأنبارِ‏

ليست كالبدايهْ‏

أعرفت أسرار الخلافْ؟‏

وعلام كنت أخيف جلاّدي المخيفَ؟‏

ولا أخافْ‏

أبو جعفر : هَبْني عرفتُ‏

فكيف نختتمُ المطاف بلا انحراف؟‏

والريحُ تعصف بالشراع‏

ونحن في وسط العُبابْ‏

ابن حنبل: في النفسِ بوصلةٌ من الشهوات‏

تجذبها الفتنْ‏

تهتزُّ حين يهزّ قاربَنا المحنْ‏

لتقول للنّهار: قد هبّتْ رياحُك‏

فاغتنم فرص الزمن‏

أبو جعفر : أتشيرُ إبرتها إلى جهة الشمال؟‏

ابن حنبل: لا, بل تشير إلى الضلالة والغلال‏

فمتى استقرت فاجتنبْ ما تستقر عليه‏

من طمعٍ ومال‏

أبو جعفر : الآن أُفْق الحقّ قد قذفَ البروق‏

فرأيت ما بين الملائكِ والملوك من الفروق‏

ابن حنبل: أو لم تزلْ حنِقاً عليَّ‏

أبو جعفر : برئت من حنقي ومن وضر العقوقْ‏

مذ لحتَ لي في المحنة السوداء نجماً‏

يا بن حنبل‏

ينجاب عنك الزيغ‏

والبدع التي عن أفقنا النبويّ ترحل‏

وتظلّ أنت‏

مخلدّ الكلمات منبلج الشروق‏

ابن حنبل: هيهات!‏

كلّ الشارقات البارقات إلى انطفاء أو غيوبْ‏

إلاّ كلامَ الله‏

لا يعروه ضعف أو شحوب‏

هو وحده الأزليّ والأبديّ‏

والوحي المنزَّل‏

وكلامُنا مهما يُضئْ فإلى غروبْ‏

كالبرق يلمع, ثمَّ يطويه الفضاء‏

أبو جعفر: أو مالنا فيما نعانيه جزاء أو عزاء؟‏

ابن حنبل: حسبي وحسبك أن نموت‏

وفي جوانِحنا بقايا من ضياء‏

إنّا اشتعلنا كي نضئ ْ لغيرنا طرق الهدايه‏

فإذا انطفأنا لم نكن زَبَدَا‏

يصير إلى جُفاء‏

بل شمعتين أنارتا كي تغزلا خيطيْن من أَلَق الرجاء‏

أو بذرتيْن‏

أرادتا أنْ تبحثا في الأرض عن سرّ النماء‏

ليظلّ هذا الدين مؤتلقَ العقيدة والخصوبةِ‏

في القلوبْ‏

أو ليس في هذه النهاية غاية كبرى؟‏

أبو جعفر : بل فيها الوفاءْ...‏

للسنة السمحاء‏

للقرآن‏

للإسلام‏

وهي أجلُّ غايه‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | دليل الاعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244