|
||||||
| Updated: Sunday, January 29, 2006 01:52 PM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
(1) "لا شيء يجعلنا كباراً كالألم الكبير" ـــ لامارتين ـــ "تُرى هل أرى مركب جسمي معتادَ الغرق مرمماً؟ ترى هل أرى فَلك روحي المحزن عامراً من جديد؟ ترى هل أرى تشتّتي بعيد المسافة موحداً من جديد؟ ترى هل أرى قلبي المكتئب الحزين منشرحاً؟ ترى هل أرى خيمتي المهدودة أنا البائس منصوبة مرة أخرى؟ ترى هل أراني أنا الأسير الممقوت محرّراً؟" ـ كتاب المراثي ـ من الحوار الخامس والعشرين ـ ص189 ـ كريكور ناريكاستي ـ ترجمة نزار خليلي. لم يكن الفرات هادئاً... إنه يشاطر الريح دويّه، كما يشاطر أبناء المدينة أحزانهم، كان صاخباً هادراً ساخطاً متوعداً كل الذين رسموا السدود في طريقه، وعرقلوا شغبه بأوخم العواقب، فقذف موجات هائجة كنست كل النفايات، واقتحمت جدراً تنزّ عفونةً وجرفت كل ما اختزنه المتشاطئون من مؤونة... كان الشيوخ والعجائز يعرفون سطوته وقرابينه، فكانوا يصلّون، ويرفعون الأكفّ بالدعاء كلّما أهلّ عليهم شهر نيسان، وكان الفرات عنيداً عاقاً لا يقيم وزناً لصلوات، ولا يكترث بالأدعيات... يقتحم حصون الأمل بهمجية، ويفتح حقائب الصمت بعنجهية، ويهزّ جذع الريح بقوة، فيتساقط الدمع المعتّق أياماً، وتُجلد الوجوه بسياط اللوعة والرهبة... هو الفرات الذي نعشقه رغم مآسيه وجرائره... ملهم الأدباء وملتقى الأحبة، وشريان الحياة الذي يمدّنا بالعطاء... هو الفرات الذي نطوّف على سطحه الرقراق في كل حينٍ شموع الأمل... لم يصمد أحدٌ أمام هيجانه المدمّر... وحدها أشجار التين استطاعت أن تردّ له الصفعات رغم الغثاء الذي جلل لحاءها، ولوى أعناق المزروعات التي لاذت بها... كل عام، وفي نيسان يرسم الفرات للمنطقة خرائط ملوّنة، حدودها صحارى ومتاهات وأخاديد تهزّ الوجدان، وتقشعرّ منها الأبدان... الرجال يستغيثون، والأطفال يبكون، والشيوخ يحوقلون، أمَّا النساء فتندبن، وتولولن بعصبية... قال شيخ المدينة لمن احتشد أمامه: ـ إنها ضريبة البقاء يا أبنائي، وامتحان من الله تعالى... أكثِروا من ذكر الله والعمل الصالح، فبهما منجاتكم... هزّ الواقفون رؤوسهم بأسى، وتفرقوا دون أن ينبس أحدهم ببنت شفة. أزهار الربيع لوّثها الغثاء، فأصبحت نفايات، والبسمة اختفت من الشفاه، والعيون النديّة ما زالت تذرف دموعاً حارقة تلهب الوجنات... إيه أيها الآتي... ماذا تركت لنا؟! البيوت تآكلت حيطانها، وتقشّر طلاؤها، وفقدت الأبواب والنوافذ انتماءَها لأي لونٍ سوى الصدأ والرطوبة... الخوف يمتد دماً حتَّى انتهاءات الوداع، وقد طيّرت أشياءَها الأشياء، وانسابت على الغثاء تبحث عن سر الضياع. إيه أيها النهر الجبّار كنت تمنحنا فرحاً، ألقاً، وتحذّرنا من يباب الأجل... كنت تهدي إلينا عطر الأمل، ثمَّ تغرس في حقولنا فسائل الحب والمودة... كنت تقطف ذوب القلوب، وتجعلنا نتماهى على عجل، كنت توقد نار العشيات في مرابِعنا فيهلّ الحجل... ماذا جرى لك اليوم على غير عادتك؟! لِمَ جعلتنا في المدى المفتوح وجعاً ينوح؟! لِمَ توزعت في مفردات الوقت أعاصير تهمي خرائب ودموعاً؟! لِمَ لوثت نقاء الصمت وصفاء الصبر، وجعلت الفقراء يزدادون فقراً، والأخيار يمدون أياديهم للأشرار؟! وقف أبو أحمد الصباغ متسمراً أمام ما آلت إليه أحوال بيته المتصدّع، وما خلّفه الفيضان... لقد أفسد أصبغته كلّها، ولوّث الأصواف المتراكمة، وغدت جدران بيته وأرضيته خرائط ملوّنة، ولوحات تشكيلية مذهلة، أمَّا مؤونة البيت من الطحين والبرغل والسكر والشاي وغير ذلك، فقد أصبحت مع الغثاء طعاماً لهوام الأرض وأسماك النهر. حوقل أبو أحمد، وبسمل عدّة مرات، وعندما عجز أهل بيته عن إنقاذ شيء، رفع يده إلى السماء، سائلاً الله تعالى الرحمة والعون. كان ابنه الوحيد (أحمد) يساعد أمه وأخته (حميدة) في تصريف الماء، ونشر الفراش والملابس على مصطبة مرتفعة، وهو يتأملهم واحداً تلو الآخر... عيناه ترقرقتا بالدمع، وهما تفتشان عن وجيب خافق متموج بالحياة... عن ربيع دافئ وشوق عابق لإبنه الوحيد الذي بلغ مبلغ الرجال، ولكن من أين ونرجس الوقت ذبول، وقامة العمر انحناء، وغابة الحلم هباء؟! من أين والأماني استطابت نومها في مهدها والأغاني في سبات؟! قال أحمد لأبيه عندما بلغ به التأثر مداه: ـ لا تحزن يا أبي... بإذن الله سأعيد صباغة الأصواف، وستكون أفضل ممَّا سبق... التفت أبو أحمد إلى ابنه فوجد دمعتين تنسابان بهدوء إلى وجنتيه، اقترب منه كثيراً، وطبع على جبهته قبلة دامعة، وقال: ـ أنا يا ولدي لم أحزن يوماً على قضاء الله وقدره... أليست هذه حالنا في كل نيسان؟! صحيح أن فيضان هذا العام كان مأساوياً، لكن الله لن يتخلى عنا لأننا صالحون. الله يشهد أنني لم أرتكب إثماً أو جناية، ولم أطعمكم إلا الحلال. كل ما أطلبه من الله تعالى اللطف بنا، وأن يبقيك وأختك ذخراً وسنداً... أنت يا ولدي ما زلت شاباً وعندما تتزوج إن شاء الله، وتكوِّن أسرة، ستعرف الكثير عن معاناة الأب. ـ أبي... ليس الزواج هاجسي الآن... أريدك أن ترتاح، وتترك العمل لي، لأعوّضك عن الكثير من الذي فقدته... ـ أنت يا ولدي بحاجة إلى المال لتتزوج... أريد أن أفرح بك قبل أن يسترد الله أمانته. ـ بعد عمر طويل يا أبي، وإن شاء الله سترى أولادي وأحفادي. هزّ أبو أحمد رأسه مراراً، ثمَّ اقترب من ولده، وضمّه بحنان إلى صدره، بينما كانت زوجته وابنته تلملمان حوائج البيت المتناثرة. كان اللغط قوياً أمام البيت وعند الجيران، اختلطت الأصوات الرعناء بالبكاء والنحيب، وكان ثمَّة صوت شنّفت له أذنا أبي أحمد، وقد هزّ له رأسه مراراً... إنه صوت (الكسّاري) وهو يشدو بشِعر شعبي يثير النخوة والحميّة لدى الآخرين، فيردد كل من كان يعمل معه عبارة يشير إليها عندما ينتهي من إنشادها... ألقى أبو أحمد بصره إلى السماء... كانت صافية إلا من ذؤابات شائبة، والشمس تبث أطيافها السحرية بين أغصان الأشجار وشقوق الجدران، ليلوّن الغثاء بألوان قوس قزح... تأمل أبو أحمد النهر والشجر ووجوه المارة، وأصاخ السمع إلى أصوات البلابل المبعثرة على الأشجار، فوجدها لا تقلّ عذوبة عن صوت الكسّاري... لكن نكبات النهر طغت على كل ما هو جميل وعذب وممتع، فأشاح وجهه وخطا خطوات ثقيلة، وقبل أن يبتلعه الزقاق، قال لولده: ـ ساعد أمك وأختك في ترتيب البيت يا ولدي، فأنا ذاهب لأرى عمك أبا ياسين ماذا حلّ به هو الآخر، وأساعده إن احتاج إلى مساعدة. ـ اذهب يا أبي مصحوباً بالسلامة، وبلّغه تحياتي وأشواقي. إن احتاج إلى مساعدة فأنا جاهز إن شاء الله. كان الطريق إلى بيت أبي ياسين قصيراً لكنه متعرج وصعب... مليء بالسواقي الصغيرة والحفر الكبيرة... اتّكأ أبو أحمد على عصا عجراء، ونقّل خطواته بحذر شديد، رغم ذلك كاد يقع أكثر من مرةٍ حتَّى وصل... كان أبو ياسين يجلس على مصطبة بيته المرتفع، يتأمّل كل من حوله بقلق، وعندما رأى أبا أحمد مقبلاً هبط الدرجات الخمس بسرعة، واحتضنه بلهفة، وأمطره بوابلٍ من الأسئلة: ـ طمّني يا أبا أحمد إن شاء الله خفيفة؟ طمّني هل أنتم بخير جميعاً؟ طّمني هل الأصبغة والأصواف سالمة؟ خلّص أبو أحمد جسده النحيل من ساعدي أبي ياسين بصعوبة بالغة، وتمتم بأسى: ـ الكل بخير... والأضرار يعوّضها الله. ـ ألم ينصحك أبي رحمه الله أن تجعل بيتك على مرتفع كما فعل؟ ـ بلى والله نصحني، وقد خاب أملي في السدّة التي عملتها (النافعة) والألسنة الصخرية التي امتدت على ضفاف النهر... ـ هيا ادخل الآن لنشرب الشاي الأحمر. ـ لا. هيا بنا لنطمئن على أبي عدنان المختار... ـ المختار مازال يدور على البيوت ليطمئن على أحوال سكانيها. لقد رأيته منذ فترة وجيزة مع أبي طارق وأبي سلطان الجابي... اطمئن سيمرّون عليك، أمَّا الآن فتعال ادخل بيتي لأفضي لك بسرّ. دخل أبو أحمد والهمّ يتملكه، تسمّرت عيناه في عيني أبي ياسين فرآهما فرحتين... ـ أرى البسمة على شفتيك وفي عينيك يا أبا ياسين؟ هل عثرت على شريكة الحياة؟ ـ شريكة الحياة يا أبا أحمد ستأتي عاجلاً أو آجلاً، أمَّا سبب سعادتي يخصّك ويخصّ كل بيت تضرر من الفيضان. ـ أفصح يا أبا ياسين... ـ قرّر (علي بك) البارحة أن يعطي لكل صاحب بيت متضرر كيسين من الطحين، وكيسين من البرغل وبعض السكر والشاي السيلاني. ـ أهذه نكتة يا أبا ياسين؟ ـ لا والله إنها حقيقة. ـ إذن لك البشارة، أتريد عصيداً أم هبيطاً؟ ـ الهبيط يا أبا أحمد أرجوك. ـ هو لك بعد أن نتسلم المعونة، والآن منك الإذن. ـ لا والله لن أسمح لك قبل أن تشرب الشاي الأحمر معي. احتسى أبو أحمد الشاي القرمزي بتلذذ، وغاصت عيناه في الأسلحة المعلّقة على الجدران، والمتراكمة على الطاولات... كان الوحيد الماهر الحاذق في إصلاح صنوف الأسلحة كافة، والخبير في الذخائر وصناعتها، وقد أدرك أبو ياسين سر نظرات أبي أحمد، فقال له على الفور: ـ لولا حاجة الأتراك الماسّة لي لما استطعت أن أعرض بضاعتي في بيتي... انتظرني لحظة لأريك نوعاً جديداً من السلاح... انتظرني... بخطىً عرجاء سار أبو ياسين إلى طاولة منفردة في أقصى الغرفة ولملم أشلاء مسدس كبير، فركّبها بسرعة مذهلة بعد أن نظّفها بخرقة ملساء، وهرول بها إلى أبي احمد. ـ ما هذا؟ ـ إنه سلاح أحد شيوخ البادية، استعصى عليه، فأعطاني إياه لأصلحه له، ورآه ضابط تركي فعشقه، وعرض عليّ مبلغاً كبيراً من المال لقاء اقتنائه، فاعتذرتُ بحجة أنه لا يعمل، حاول أكثر من مرة، وفي كل مرة تكبر عروضه المغرية، وآخر عرض طلب مبادلته بعشرة مسدسات صغيرة مع ذخائرها، فأقسمت لـه كذباً أنه يحتاج إلى قطع غيار غير متوفرة ولا أستطيع تعويضها، فرحل مطمئناً ومتحسراً بآن واحد. هزّ أبو أحمد رأسه، وهو يتأمل وجه أبي ياسين الطيب محدثاً نفسه: والله لو طلب مني ابنتي حميدة لما ترددت في قبول طلبه لأنَّه رجل شريف وأمين وكريم ووطني. نهض أبو أحمد، وهمّ بإلقاء تحية الوداع، لكن أبا ياسين اعترضه قائلاً: ـ بعد صلاة العشاء سنلتقي في مضافة علي بك. أليس كذلك؟ ـ لست أدري والله. ـ لا. لا... أريدك إلى جانبي لأمر مهم. ـ كما تريد إن شاء الله. (2) الشمس عليلة تنثر في الأفق دماءً قانية تنعكس على صفحة النهر الذي سكنت جرائره... الأشجار بدأت تستعيد عافيتها، والزروع طاولت أعناقها بتحدّ، وكل شيء على مد البصر يوحي بالخير والأمل، وكان أبو أحمد يراقب الضوء المذاب في الأفق لحظة الغسق، ويستقبل هواءً بارداً منعشاً يهبّ من النهر محمّلاً بعبير أشجار مسك الليل. أحس بسحر اللحظة يصنع خدراً ناعماً لذيذاً يسري مع الدم في عروقه، فتساءل لِمَ أكتئب وقد قدّر الله ما قدّر؟! لغط الناس يدور في كل اتجاه حول المساعدات التي وُزعت، ومصدرها، وأهدافها، والغمز واللمز في كل مكان، وكان أبو أحمد يراها مهمّة جداً على عكس الآخرين، وثقته بعلي بك كانت كبيرة، لأنَّه يعرفه وطنياً رغم إسباغ لقب (بك) التركي على اسمه، ويعرف أيضاً أن هذا اللقب يحصل عليه كل مثقف حصل على شهادة عالية من الأستانة، وعلي بك قد حصل عليها وعُيّن بموجبها موظفاً كبيراً في ديوان اللواء... أشياء كثيرة كانت تثير إعجاب الجميع بعلي بك وفي مقدمتهم أبو أحمد... كان مثقفاً وعالماً لغوياً ونحوياً، يتمثل دائماً في إجاباته بالقرآن الكريم والشعر العربي وبخاصة شعر الحكمة، كما أنه مطّلع على الأحوال السياسية التي تلف العالم بأسره، ومطامع الدول الكبرى بالوطن العربي الكبير، ولا سيما الأجزاء الواقعة تحت الاحتلال العثماني، وكان بقرارة نفسه لا ينفي تخلف الأمة العربية وفي مقدمتها بلاد الشام، وأن لواء الزور قمة التخلف لشيوع الأمية، وهيمنة الفكر السلفي عليه، لكنه رغم كل ذلك كان يرى أن الأتراك أخفّ وطأة من المستعمر الغربي الشرير الذي يتربص بالأمة العربية، وبشمسها الساطعة، وبخيراتها، وموقعها الاستراتيجي، لذلك آلى على نفسه أن يجمع في مضافته العامرة أكبر عدد ممكن من المتنورين وشرائح أخرى من المجتمع ليتم توجيههم نحو الخير والعطاء، وتشكيل خلايا ثورية يقع على عاتقها جنباً إلى جنب مع جمعية العهد السرية التغيير السياسي والاقتصادي والثقافي نحو الأفضل، ومناهضة التخلف والطامعين. عندما دخل أبو أحمد المضافة وجد عدداً كبيراً من الرجال المشهود لهم بالوطنية والصدق والإيثار قد سبقوه... حيّا الجميع بتحية الإسلام وجلس بالقرب من أبي ياسين وأبي عدنان المختار. سمع الجميع مواعظ الشيخ حسين والشيخ سعيد، ثمَّ تحدث الأستاذ تحسين عن مستقبل الأمة العربية على ضوء المستجدات العالمية، ثمَّ تحدث علي بك عن المساعدات التي تمَّ توزيعها على المنكوبين والمتضررين من الفيضان، وأشاد بالتجار والمزارعين الذين أسهموا بها، ملمحاً عمّا همز ولمز به بعض الناس، مؤكداً أنها خالية من أية مآرب أو أهداف سوى حب الناس والوقوف إلى جانبهم عند الملمات، وتمنى أن يكون ما قدّمه المحسنون كافياً، وأخذ يتأمل وجوه الجالسين... كان أبو أحمد الصباغ يردد في سرّه: ـ لتكن من أية جهة كانت، المهم أنها أنقذت أُسَراً عديدة من الجوع والحرمان، ثمَّ همس في أذن أبي ياسين قائلاً: ـ لو وزّعوا علينا الألبسة وقليلاً من الزيت لكنّا لهم من الشاكرين. ضحك أبو ياسين عالياً دون أن يعي، وكان علي بك يراقب المشهد بصمت، فاقترب شيئاً فشيئاً من أبي أحمد حتَّى تنبّه له، فوقف أبو أحمد احتراماً وتقديراً له. ـ ما بك يا أبا أحمد؟ تلعثم أبو أحمد، ولم ينبس ببنت شفة، فوقف أبو ياسين وقال: ـ إن أبا أحمد كان يقول لي: ليتهم وزّعوا علينا الألبسة وبعض الزيت، ليضاعف الله لهم الأجر. ربّت على كتف أبي أحمد قائلاً: ـ سيكون ذلك غداً إن شاء الله. دخل المضافة عدد من كبار الملاكين والتجار، فبالغ علي بك في إكرامهم، ووقف لهم كل الجالسين... كان الجالسون يعرفونهم حق المعرفة، ويعرفون أيضاً كيف نمت ثرواتهم حتَّى أصبح الواحد منهم يملك عدة قرى، لكن الذي يشفع لهم أنهم كرام يبذلون بسخاء إن طلب منهم أحد المتنفذين من ذوي الرتب والألقاب... قال علي بك: ـ لقد جئتم والله في وقتكم، كنت على وشك أن أرسل في طلبكم؟ قال كبيرهم: ـ أنت تأمر يا أبا راغب، ونحن ننفذ إن شاء الله. ـ الأمر لله وحده، وكل ما نطلبه باسم المتضررين والمنكوبين زيادة الدعم ليشمل الملابس والزيت... ـ الملابس والزيت والسمنة والمال أيضاً يا أبا راغب... أريد منك أن تشكل لجنة لتوزيع المساعدات صباح الغد. ـ اللجنة مشكلة وهي برئاسة المختار وعضوية أبي طارق وأبي ياسين. ـ على بركة الله، وفي الصباح ستجدون ما يسرّكم. صاح أبو أحمد فرحاً: ـ الله أكبر... المال أيضاً؟! قال علي بك: ـ أجل يا أبا أحمد... المال من أجل أن تستعينوا به على الأيام العصيبة التي ستمر عليكم. تململ أبو ياسين، وتطاول عنق أبي سلطان، وتمتم أبو صادق: ـ أيام عصيبة أخرى غير التي مرّت علينا؟! ـ أدعوا الله جميعاً لأن يرحمنا ويلطف بنا... يا إخوتي ربَّما لا تعلمون بأن المشفى الوحيد في المدينة به مئات المرضى، وليس لدينا سوى طبيبين واحد حكومي والآخر محلي، ولا يستطيعان القيام بواجباتهما الإنسانية كما يتمنيان، وأفواج المرضى والمنهكين تتهافت عليهما كل يوم... ـ مرضى ومنهكون؟! ماذا جرى لنا؟! ـ يا أبا صادق يسترها ربك... إخواننا الأرمن الذين هُجّروا إلى دير الزور في محنة، وهم بحاجة إلى عون من الله ومنكم... سيقع على عاتقكم إيواء بعضهم وإطعامهم وإلباسهم، وسأحث عشائر اللواء ورجالاتها الخيّرين على فعل ذلك. أخفض عدد كبير من الرجال رؤوسهم، وقد وقع هذا الخبر وقوع الصاعقة، فهم يتحسبون لما ستؤول إليه حالهم، وهم في ظل حكم يبغض الأرمن، ويعمد للانتقام منهم لوقوفهم إلى جانب أعدائهم، كما أن التكلفة المادية ستكون باهظة، إضافة إلى عدم سعة بيوتهم وما إلى ذلك... رفع الرجال رؤوسهم بعد لأي، ونظروا في عيني علي بك ملياً، فهزّ لهم رأسه الصغير بأسى قائلاً: ـ أعرف بما تفكرون، والشاعر يقول: شاور سواك إذا نابتك نائبةٌ * * * * * يوماً، وإن كنت من أهل المشورات يا إخوتي ما جمعتكم إلا من أجل المشاورة، وأعدكم بأنني وأخوتي الملاكين والتجار لن نتخلى عنكم مهما كان الثمن... الأرمن شعب طيب، وذكي جداً. يستطيعون التأقلم بأي جو يُفرض عليهم... فكروا جيداً، ولا تخافوا أحداً، وثقوا تماماً بأنكم ستُرزقون بسببهم، وسيهلّ الخير عليكم من كل مكان. قال كبير الملاكين: ـ يا إخوتي لن نبخل عليكم بالمال، سنتكفل بمساعدة من يُؤوي الأرمن، وستصله الإمدادات إلى بيته دون معرفة الآخرين، واعلموا بأننا سنأخذ عدداً كبيراً منهم إلى القرى والبادية، ولن نترك لكم منهم إلا من ترغبون بإيوائه. قال المختار: ـ لكن الخوف من عيون الوالي المبثوثة في كل مكان، وكما تعرفون وراءنا أطفال ويتامى وأرامل وعجزة بحاجة ماسَّة إلى رعايتنا. قال علي بك: ـ أعرف ذلك جيداً، وأعي كل كلمة قلتها يا مختار، وأقول لكم اطمئنوا، فلن يصيبكم مكروه بإذن الله ما دمت حيّاً. قال أبو ياسين بعصبية: ـ أنا ليس لدي ما أخسره، أو أخاف عليه يا علي بك، اعتبرني أول المتطوعين لهذا العمل النبيل. صاح أبو طارق بحماسة: ـ وأنا الثاني بإذن الله. صاح أبو أحمد: ـ وأنا الثالث إن شاء الله. تعالى صياح الآخرين، ثمَّ وقف المختار قائلاً: ـ بإذن الله سنكون عند حسن ظنّكم. صفق علي بك والحاضرون طويلاً، ثمَّ قال: ـ الآن ارتاحت نفسي... بارك الله فيكم، وسنحتفل الليلة بهذه المناسبة السعيدة. رفع الواقفون والجالسون رؤوسهم عندما فتح الباب، وتمخض عن رجال يحملون أطباق الثريد، وعلي بك يشير إلى أماكن وضعها ويعطي توجيهاته إلى الرجال بجلب المزيد من المرق واللحم... كان الطعام شهياً، والمضيف كريماً، لم يهدأ طوال الوقت وهو يفتت اللحم ويصنعه أكواماً أمام كل واحد... يضيف المرق على الثريد من آونة لأخرى، ويقدم اللبن وأعناق البصل والفجل، مردداً عبارات الشكر لله. قال كبير التجار: ـ اسمعوا يا إخوتي ما سأقوله: صدقوني لم أكن على ثقةٍ بصدق نواياكم، أمَّا الآن فإنني أرى أمارات الصدق ودلالاته على وجوهكم، وإني باسم زملائي التجار أعلن شكرنا وتقديرنا لما تقومون به من أعمال الخير، وسنبقى دائماً على اتصال مع لجنة المساعدات لمعالجة الأمور المستعصية كلها، وسنضع كل إمكاناتنا في خدمتها، ويجب أن تعلموا أنّ من يتزوج أرمنية له راتب شهري يتسلمه أول كل شهر من اللجنة. رفع أبو ياسين يديه إلى السماء، وتمتم تمتمات غير مفهومة. ضحك علي بك، واقترب منه قائلاً: ـ أصدِقني القول يا أبا ياسين بمَ دعوت ربك؟ ـ والله كنت أقول: اللهم ارزقني أم ياسين من بين الأرمنيات، لتشاطرني تعاستي وآلامي وآمالي. ـ أمَّا زلت تريدها شقراء زرقاء العينين طويلة نحيلة... ـ بلى والله ليتني أحصل عليها... ـ اطمئن يا أبا ياسين، فالأرمنيات يحملن هذه الصفات، وأنا على ثقة بأن الله سيهبك إحداهن، وستحمل بالمولود الذي انتظرته طويلاً. ـ رباه لا أريد غير ياسين... ضحك علي بك، والتفت إلى أبي سلطان، وكان يدعو الله خلسة، فقال ضاحكاً: ـ وأنت يا جابي المالية يا أبا سلطان ما خطبك؟! التزمَ أبو سلطان الصمت، ولم ينبس ببنت شفة، ولما صاح به علي بك ثانية، أجاب متلعثماً، وقد أفاق من شروده: ـ كنت أدعو الله أن يمنحني الولد الصالح. اعترض عليه أبو أحمد قائلاً: ـ أنتَ تزوّجتَ مرّتين، ولديك سبع بنات فماذا تريد؟ أتريد الزوجة الثالثة؟ لن تكون خِلفتك يا أبا سلطان سوى البنات، ولو تزوّجتَ بأربع. صاح به أبو سلطان غاضباً: ـ لماذا تقطع رجائي بالله يا أبا أحمد؟ والله ليس حباً بالنساء، وإنما حبّاً بالولد الصالح إن شاء الله. ـ لكن لديك (سلطانة) وأخواتها، والله إن كل واحدة منهن تعادل عشرة رجال. ـ صحيح ما تقوله يا أبا أحمد ولكن الولد غالٍ مهما كثر عدد البنات، فهو من سيحمل اسمي، أمَّا البنت فهي ضيفة وأمانة... إنها ليست لي يا أبا أحمد... أفهمت؟ قال علي بك عندما بلغ التأثر بأبي سلطان مداه: ـ أخالفك الرأي يا أبا سلطان... أمَّا سمعت شاعرنا يقول: هل الله يرضى أن تُهان لأنها * * * * * فتاة، وهل أوحت بذاك شرائعُه إلا إنّ خشفاً واحداً لو قنصته * * * * * بألف غلام، ويكَ ما أنا بائعُه والله إن بنتي بنظري قبيلة من الرجال، وعلينا ألا نفرّق بين الذكر والأنثى، لأنَّ ذلك حرام بشرع الله وسنّة رسوله. قال أبو سلطان خجلاً: ـ والله يا أبا راغب أنا لا أفرّق بينهما لو كان عندي الولد، لكنني أريد سلطاناً، ولعله يأتيني من أرمنية. ضحك علي بك، وقهقه الآخرون، فشاركهم أبو سلطان بالضحك وضرب الكفين ببعضهما. قال علي بك: ـ اطمئن يا أبا سلطان، سيكون لك ذلك بإذن الله. ثمَّ التفت إلى أبي أحمد، وهمس في أذنه: ـ وأنت الآخر، ألا ترغب بزوجة ثانية؟ قال أبو أحمد متنهداً: ـ الحمد لله الذي رزقني أم أحمد، فهي ابنة عمي، ولا أرغب بأخرى أبداً، لكن ما أتمناه من الله أن يمنّ على ولدي أحمد بزوجة صالحة، وكما تعرف (العين بصيرة واليد قصيرة). ـ اطمئن يا أبا أحمد، سينال مأربه إن شاء الله، وأنا من سيدفع الصِداق وكل تكاليف الزواج شريطة أن يحضر إلى مجلسي معك، فهو رجل جاد ووطني. تهلّل وجه أبي أحمد بالبِشر، وقال فرِحاً: ـ منذ الغد سيأتي أحمد إلى مجلسك، ولا أعرف كيف سأرد إليك الجميل يا علي بك... إن ما تبذله لأجلنا كثير والله. ـ أستغفر الله العظيم: يجود علينا الخيِّرون بمالِهم * * * * * ونحن بمال الخيّرين نجود التفت الحاضرون إلى أبي صادق الميكانيكي الذي طال شروده. اقترب منه علي بك وقال له بصوت عالٍ: ـ إيه يا رجل؟ أين وصلت؟ تنبّه أبو صادق، فابتسم وقال: ـ أصارحك القول. كنتُ أحلم بثلاثة رجال مَهَرةٍ في الميكانيك ليجعلوا ورشتي تلبّي طموحاتي. ـ اطمئن يا أبا صادق، الميكانيك في دم الأرمن، وستجد الكثيرين منهم، أنا على ثقة من ذلك. ـ أريد ثلاثة فقط يا أبا راغب. اقترب علي بك من المختار، فقال باسماً: ـ المختار أبو عدنان سيؤوي عدداً غير محدود من الأرمن، لأنَّ بستانه كبير ورزقه قليل، ربَّما الأرمن سيحيلونه إلى جنة، وأنا على ثقة من ذلك. ـ إذا كان هذا رأيك يا أبا راغب، فأنا لها إن شاء الله. حدّق علي بك في عيني أبي طارق فرآهما لامعتين، تَسرَحان في المجهول. قال صوت خفيض عندما اقترب منه: ـ ما لأبي طارق ساهماً شارداً؟ أيفكّر بتجارته أم بوطنه؟! ـ تجارتي وسيلة يا أبا راغب وأنت تعرفني جيداً، لكنني فكرت أن أزوّج طارقاً بأرمنية رغم حداثة سنّه. ـ سيكون له ذلك إن شاء الله، وأتمنى أن تحضره معك إلى المضافة غداً. ـ لكنه ما زال حدثاً! فما الحداثة من حلمٍ بمانعةٍ * * * * * قد يوجد الحلم في الشبّان والشيبِ دعه يأتي إلى مجلسنا غداً، وسنرى رأيه. ـ كما تشاء. ـ الآن أقول لكم جميعاً: بارك الله فيكم، وأتمنى من لجنة المساعدات أن تحضر إلى مكتبي في تمام العاشرة من صباح الغد من أجل استلام الأرزاق وتوزيعها على المتضرّرين والمنكوبين. (3) الفرات ينثر زبَدَه كثورٍ هائج قد سقط إعياءً، وعشرات الرجال والفتية سيّجوا شاطئه عند المعبر الوحيد؛ ينظرون بقلق إلى سفن ملآى بالوافدين... ظلّوا في المدى المفتوح أزهاراً تفوح؛ توزّعوا في مفردات الوقت أسئلة تهمي شروقاً بلا أجوبة... إيه يا نهر المآسي والمحن... نهر الكوارث والنكبات... ماذا تحمل اليوم على سطحك الرجراج؟ أرفق بمن تحمل، افرد جناحيك عليهم، امنع عنهم لفح الهجير وسياط التيه؛ والله ما جاؤوك خائفين ولا طامعين، جاء بهم الظلم ليموتوا أوفياء، أو يعيشوا شرفاء... لقد فقدوا كل شيء إلا الأمل، وهاهم اليوم في رحاب النقاء يتجمّعون... فإلى ماذا ستؤول مصائرهم؟ وإلى أي مدى سينظرون؟! يا ربّ... إنهم بلا أجنحةٍ فكيف سيطيرون؟! يا رب... إنهم بلا زادِ فكيف تُراهم يَحيون؟! يا رب... إنهم حفاةٌ عراةٌ فكيف يسيرون؟! كان الواقفون وهم ينظرون إلى السفن التي أخذت تقترب رويداً رويداً يدعون الله أن يحمي الوافدين من كل مكروه، ويتمنون عليه أن يحميهم من كل عينٍ شريرة. القوارب المدعّمة بأعمدة طويلة وصفائح عريضة لامست الشاطئ برفق... عشرات من الأطفال والشيوخ والنساء وقلّة من الرجال تهالكوا على الشاطئ بلا زاد أو متاع... وجوه مصفرّة، وثياب بالية، وشِفاه يابسة، وعيون دامعة، وتمتمات تتهالك من شفتي شيخٍ طاعن في السنّ: ـ يا رب... "قتلوا الرجال وأبقوني... لا تبعد قدسيّتك عني عند رحيلي... لا تهدر شرفي ـ أنا المدين ـ عند تكفيني... لا تبخل على روحي بالخلاص يا من لا يخون... لا تطمس خطوط حياتي المحسوبة عليك في أنفاسي... لا تمحُ صورة الرحمة في وجوه من أراهم... ولتسكن معي في قبري... وليبق زيت نعمتك محفوظاً عندي بعد فناء جسدي..." تهاوى الشيخ المسكين عندما وطئت قدماه تربة الشاطئ الندية، وهو متشبّث بابنته وحفيدته. هرع الرجال بنقله إلى المشفى، ونقلوا معه كلّ المرضى والمُنهَكين... اقترب أبو ياسين من الأم وابنتها وأخذهما إلى بيته. نظر أبو أحمد إلى ابنه الذي تسمّرت عيناه في وجه فتاة لمّا تتجاوز السادس عشر ربيعاً... شقراء، ذات عينين زرقاوين، وبشرة نحاسية، طويلة، نحيلة، ثوبها ممزّق من أعلى الصدر، وكانت تلملمه بحياء، فتعانقت الأحداق طويلاً... أيّ عشقٍ توهّج في قلبها؟! وأي سماء توحّدت في مقلتيها؟! تلفّت يمنة ويسرة بهلع... كان الخوف يمتدّ أملاً حتَّى انتهاءات الوصول... اقترب منها كثيراً. أخذت خفقات الروح تزهو في خارطة الأحلام أقماراً. احتضنت كفّه كفّها، جرّها بهدوء، فتشبّثت برجل كهل ناهز السبعين عاماً؛ أخذه معها دون تردد، وقد عرف فيما بعد أنه جدّها... أبو صادق الميكانيكي الذي جاء بلباسه الميداني الملوّث بالشحم والزيت مرّ مستعرضاً وجوه الرجال، وكانوا ينظرون إليه بدهشة، وعندما توقّف أمامهم أقبل عليه ثلاثة رجال عرفوا صنعته من لباسه. أشار إليهم أن يتبعوه، فساروا على عجَل، وكأنّهم يفرّون من الموت، أخذهم إلى ورشته الصناعية، فتعانقوا، وعانقوه... أمَّا أبو سلطان الجابي الذي تأنّق عند حضوره، فقد تعلّق قلبه في أهداب امرأة وجهها شمس من عسل، وفي عينيها ذهول لا يُحتَمل... عندما اقترب منها كثيراً احتضنت طفلها الصغير وعيناها تدمعان... قبّل أبو سلطان طفلها، واحتضنه بحنان، وشبك أنامله بأنامل المرأة وسار بهما إلى بيته وهو يتمتم: ـ إن لم أرزَق منها بطفل فسيكون ابنها بمثابة ولدي. أمَّا أبو طارق فكان ينقّل عينيه، تارةً إلى ابنه طارق، وتارةً أخرى إلى وجوه الفتيات الأرمنيات. أحس بالغبطة عندما تقدّم ابنه إليهن، وزادت غبطته عندما أمسك يد فتاة جميلة ذات عينين عسليّتين ووجه مستدير لوّحته الشمس حتَّى غدا نحاسياً. يستر جسدها النحيل ثوبٌ أرجوانيّ ممزّق يُظهر يعض مفاتنها، تبث اللواعج شهقة، وتفتح القلب ابتهاجاً. اعتصر طارق يدها الناعمة برفق، وسار بها إلى والده الذاهل، قبّل أبو طارق ابنه، وخلع كوفيّته، ولفّ بها جسد الفتاة، وسار بهما إلى بيته والفرحة تغمره. أمَّا المختار أبو عدنان فقد واجه الموقف بحذر شديد، ومع ذلك فقد انتقى عدداً من الرجال والنسوة والشيوخ أخذهم إلى بستانه الكبير الواقع في طرف المدينة الغربي. ثمَّ جاء عدد من رجال الريف فاقتسموا من بقي منهم، وساروا بهم إلى قراهم مسرعين. كان علي بك مسروراً لكل ما حدث، وقد سارع بمعونة التجار والمزارعين بإرسال المؤونة واللباس إليهم جميعاً. قال مفتخراً بهم: ـ الآن صدق الوعد، وحلّت النعمى يا إخوتي... الآن أستطيع أن أفاخر بكم، فكل الشكر والتقدير لكم. قال المختار: ـ لا شكر على واجب، والله لقد ندمتُ لأنني لم أجلب المزيد منهم. قال أبو أحمد: ـ نحن الذين يجب أن نشكرك، فسعادة ولدي لا تقدّر بثمن، ووالله لو أن في بيتي سعة لجلبتُ المزيد. أمَّا أبو ياسين فكان في غاية السعادة والسرور... قال باسماً: ـ وأخيراً جاءت إليّ أم ياسين... ومعها أمها... والله لم أرَ امرأةً بجمالها، لقد فاقت التصور... فتاة شقراء، عندما تنظر إليّ بعينيها الخضراوين أحلّق في سماء الحب، وقوس قزح يلفّني من كل اتجاه... يا إلهي، إنها فتاة خُلقت من سوسن الربيع وأقاحه. زادها البؤس والحرمان جمالاً وألقاً، والخوف والهلع فتنة وروعة. ـ ما هذا يا أبا ياسين؟! أنت شاعر والله... ـ يا أبا راغب... ستراها وستحسدني عليها. ـ لن أحسد أحداً. هنيئاً لك بها. قال أبو سلطان مرتجفاً: ـ أخشى يا علي بك أن يعلم الوالي بما فعلنا. ـ لا تخافوا رغم أن الخبر سيصله حتماً. صاح المختار: ـ وامصيبتاه! وماذا سنفعل وقتذاك؟! ضحك علي بك وقال: ـ قلت لكم لا تخافوا. سأتدبّر الأمر في حينه. ما كاد علي بك يكمل عبارته حتَّى دخل رجل يرتدي لباس الشرطة، وهو من أتباع علي بك، فسلّم على الجميع، ثمَّ همس في أذن علي بك كليمات، هزّ لها رأسه، وقال بصوت عالٍ: ـ اذهب إليه، وقل له بأني سآتي إليه بعد قليل. رحل الشرطي مودّعاً، فتعلّقت قلوب الجالسين وعيونهم في عيني علي بك الذي تغيّر لونه قليلاً، وتحاشى النظر إلى جلسائه. اقترب أبو عدنان من علي بك كثيراً، وقال بصوتٍ راجف: ـ خيراً إن شاء الله! رفع علي بك رأسه عالياً، وابتسم ابتسامة صفراء، وقال ساخراً: ـ لقد وصل الخبر إلى الوالي، وهو يطلبني لهذا الأمر. ـ وماذا نفعل الآن؟ ـ اذهبوا إلى بيوتكم، ولا تخافوا أحداً إلا الله، وأنا سأعالج الموضوع بحكمة. وقف أبو ياسين متحدّياً وقال: ـ أنا على استعداد لأنَّ أفجّر دار الحكومة الآن، وأقتل الوالي وحاميته. ـ لا يا أبا ياسين، لا داعي لما تفكّر فيه. الأمر هيّن ولا يستدعي إلا قليلاً من مكر ودهاء. قال أبو أحمد غاضباً: ـ والله إن أرواحَنا فداءٌ لضيوفنا، ولن يستطيع أحد المسّ بهم إلا على جثثنا. نحن الذين نقول لك الآن اذهب إليه ولا تخف، ونحن رهن الإشارة، إن أراد الوالي خيراً فخير، وإن أراد شرّاً فنحن لها. وقف علي بك شامخاً، وربّت على كتف أبي أحمد قائلاً: ـ أصيل يا أبا أحمد، شكراً لك ولكل الحاضرين. اذهبوا الآن، لا أريد أن أتأخر على الوالي، وأحبّ أن أطمئنكم مسبقاً بأنه لن يحدث لي إلا الخير إن شاء الله. رحل الحاضرون وكأن على رؤوسهم الطير، وكل واحد منهم صار يضرب أخماساً بأسداس... يفكرون بأسوأ الاحتمالات... ماذا ستكون مواقفهم إن أخذوا الأرمن من بيوتهم؟ ماذا سيحلّ بهم؟ كيف سيواجهون الموقف إن أخفق علي بك في محاولته مع الوالي؟ أخذوا يفكرون بعمق، حتَّى إن بعضهم ضلّ طريق بيته، وبعضهم الآخر اصطدموا بالجدران ووقعوا في حفر الطريق وسواقيه... وبينما كانوا على هذه الحال... كان علي بك يسير بتؤدة متوجّهاً إلى دار الحكومة، حيث الوالي ينتظره على أحر من الجمر. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |