|
||||||
| Updated: Sunday, January 29, 2006 01:52 PM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
(4) كان الوالي التركي في حالة هياج شديد، يصرخ كل آونةٍ: ـ صالح... صالح.. تعالى إلى هنا. يدخل الشرطي صالح، فيمسكه الوالي من رقبته النحيلة قائلاً: ـ هل ذهبت حقاً إلى علي بك؟ ـ نعم يا سيدي، وقال لي بأنه سيحضر في الحال. ـ لِمَ لم يأتِ حتَّى الآن؟ ـ كان في مضافته عدد من الوجهاء، ولكنه سيأتي كما قال لي. ـ ابقَ في الغرفة الثانية مع المُخبر شريف، ولا تغادرها أبداً. ـ كما تريد يا سيدي. أخذ الوالي يحدّث نفسه غاضباً، فالمخبر السرّي كان سيّئ السيرة رغم وعوده له بأنه سيغيّر من سلوكه وعطائه لينال الرضا، وكان يخشى كذب هذا المُخبر وتهويله لهذا الأمر، وإعطاءه أكبر من حجمه، فأراد أن يقف على الحقيقة من علي بك، فهو أدرى منه بهذا الأمر، وعندما دخل علي بك إلى الوالي خفّ هيَجانه، واستقبله بترحاب، فهو يحبّه كثيراً ويثق به. أشار إليه أن يجلس قبالته، ثمَّ أخذ ينظر إليه بعينين ناعستين قائلاً بهدوء: ـ أين ذهبت قافلة الأرمن يا علي بك؟ ـ قسم كبير منهم في المشفى، وعدد منهم توفّاهم الله، وآخرون توجّهوا إلى حلب. ـ قيل لي إن عدداً من رجالات المدينة والريف تقاسموهم. ـ ثلاثة رجال بحاجة ماسَّة إلى الزواج انتقوا ثلاث فتيات، ورجل بحاجة إلى عمال ميكانيكيين أخذ ثلاثة رجال، وعدد من رجال الريف انتقوا منهم عمّالاً زراعيين، وكلّ ذلك تمَّ بمعرفتي. ـ كيف يا علي بك؟! ـ أنا كفيلهم، وأنت تعرف يا مولاي غلاء المهور وفقر الناس، وندرة العمال الصناعيين والفنيين الزراعيين، والأرمن قد حلّوا لنا هذه الأمور المستعصية. صاح الوالي بالحرس كي يُدخلوا المُخبر شريف على الفور. دخل شريف فحيّا الوالي ونكس طرفه أمام نظرات علي بك. اقترب منه الوالي وعرك شحمة أذنه بقوة، قائلاً: ـ أنت قلت لي إنك رأيت الرجال الذين تقاسموا كلّ القافلة، أليس كذلك؟ نظر شريف إلى علي بك، فغمزه بطرف عينه، فقال: ـ ليس كل القافلة يا سيّدي... ـ أنت تكذب إذن؟ ـ الرحمة يا سيّدي. ـ سأودعك السجن أيها الكاذب. تدخّل علي بك على الفور راجياً العفو عن شريف هذه المرة، فعفا عنه شريطة أن يكون صادقاً في نقل الأخبار، فوعده شريف بذلك. ـ علي بك... أريد منك أن تُشرف بنفسك على كلّ قوافل الأرمن الآيبة خلال الفترة القادمة، وتعمل على ترحيلها إلى حلب دون توقّف في المدينة. ـ لكن من واجبي أن أنقل المرضى إلى المشفى. ـ انقل المُنهكين جداً فقط. ـ كما تشاء... هل تريد شيئاً آخر؟ ـ لا... شكراً، وأنا آسف لإزعاجك. ـ أستغفر الله العظيم، أنت تأمر في أي وقت تشاء. ـ لم تقل لي من هم الرجال الذين أخذوا من الأرمن؟ ـ أبو سلطان الجابي، فهو يريد الولد يا مولاي، وأبو أحمد الصبّاغ انتقى عروساً لولده أحمد، وأبو ياسين انتقى أم ياسين، وأبو صادق الميكانيكي انتقى ثلاثة عمال ميكانيكيين لورشته، وعدد من شيوخ القبائل انتقوا عمالاً زراعيين لمزارعهم. ـ خيراً إن شاء الله. كان علي بك مسروراً جداً لهذه النتيجة مع الوالي، وعندما خرج من مكتبه سار متّجهاً إلى بيته، فلحق به المُخبر شريف، وتذلّل أمامه شاكراً تدخّله، وإعفاءه من السجن. نظر إليه علي بك بعينين غاضبتين، وهو في الحقيقة الذي يجب أن يشكره لأنَّه لم يقل الحقيقة، وإنما قصد بهذه النظرة إخافته من أجل ألا يتعوّد على نقل أخبار المناضلين والمحسنين إلى الوالي لقاء دريهمات معدودات. أدرك شريف سرّ نظرات علي بك، فقال بصوتٍ خفيض: ـ لست أدري ماذا جرى لي عندما قلت له بأن القافلة كلّها قد اقتسمها رجالات المدينة والريف؟ وعد مني ألا أشي بمناضل أو محسن بعد اليوم، بل سأعمد إلى مساعدتهم بكل ما أستطيع. ـ هذا ما أطلبه منك يا شريف، ووعداً مني إن احتجت إلى أي شيء فسيكون لك بإذن الله. كانت ليلة ثقيلة لم ينم خلالها علي بك إلا قليلاً... ثمّة كوابيس مرهقة كانت تتعاوره من حين لآخر. تشتّتَ فكرُه بين متاهات الظنون ومسارب الشك... بين الحاضر والمستقبل... بين الواقع والخيال... قدح زناد فكره مراراً، فرأى، ويا لهول ما رأى! رأى الحاضر يحتضر، والمستقبلَ مرعباً... رأى الواقع دفلى والمستقبلَ علقماً.. شطّ به الخيال إلى رؤى وأوهام وهواجس وعواصف وزوابع، كان يتهاوى بينها لا يلوي على شيء، ولا حول له ولا قوّة... هرش جلدة رأسه الصغير، ومسح أنفه الدامع، ورتّل أبجديّةً عشقها منذ الصغر وتربّى عليها، وأقسم على الوفاء لها مهما كان الثمن. كان أبوه يقول له دائماً: (الشجرة المُرّة يا ولدي لو طليتها بالعسل لن تثمر إلا مُرّاً). كان والده ـ رحمه الله ـ يحثّه على حبّ وطنه والإخلاص له، وأنّ المحتل مهما كانت مواقفه إيجابية فوجوده سلبي. كان يطلب منه حبّ الناس والإحسان إليهم قدر استطاعته مردّداً على مسامعه أيضاً ما قاله الشاعر: أحسِن إلى الناس تستعبد قلوبَهمُ * * * * * فطالما استعبد الإنسانَ إحسانُ فالكرم والسخاء أحب الصفات إلى الله تعالى، وهما هبتان يهبهما الله لمن يصطفي من عباده... كان والده مدرسةً، يردّد على مسامعه صباح مساء الفضيلة والخير والعطاء حتَّى آخر لحظة من حياته... اقتحم خلوتَه حارسُه الأثير، وناوله وريقةً صغيرة، قرأها علي بك بتمعّن وشردت عيناه... الأخبار السعيدة بتحرّك الجيش العربي من الحجاز إلى الأردن، ومن الأردن إلى سورية، والحركة الوطنية تلحّ عليه أن يُجهر بالعداء للولاة والسلاطين العثمانيين، وأن يدعو الشعب إلى الثورة. كان يرى ضرورة التمهّل والعمل بسريّة وكتمان، هذا ما طرحه جهاراً فاتّهمه بعضهم بأنه مع الأتراك قلباً وقالباً... يا لأخلاق الناس الضيّقة! يا لحصاد ألسنتهم! أبعدَ كلّ ما قدّم يُشَكّ بوطنيته وسلوكه... تمتم عليٌّ بحزن: إذا أهل الكرامة أكرموني * * * * * فلا أخشى الهوان من اللئامِ كان علي بك يعرف أكثر ممَّا يعرف الآخرون... إنه يعرف الوالي جيداً منذ أيام دراسته في الآستانة، وكانت له مواقف إيجابية من العرب، وحتى من الأرمن، وكان يأسف لِما جرى لهم في /مركدة/ وغيرها، ويلحّ على رحيل السوقيات فور وصولها دير الزور خوفاً من غضب رؤسائه، وكان عليّ يقدّر مواقفه جيداً، ولو كان غير ذلك لتغيّر كل شيء... هذا ما كان يجهله رفاقه. بعد شروق الشمس بقليل، كان المختار وأبو أحمد الصبّاغ وأبو صادق وأبو سلطان وأبو ياسين أمام بيت علي بك... لم يستطيعوا النوم، ولم يهنَؤوا بمن أخَذوا. القلق والهواجس والظنون تتناهبهم من حين لآخر... اتّفقوا فيما بينهم على المجيء إلى بيت علي بك بعد شروق الشمس، فاجتمعوا عند بوابة الحديقة الملأى بالزهور والرياحين... كان علي بك يقِظاً يتنقل من شجرة إلى أخرى، يشمّ الورد، ويرشّ الماء، ويبعد اليباس إلى ركن قصيّ... كانوا ينظرون إليه باحترام وتقدير، وهو منهمك في العمل... حتَّى إذا ما انتهى وجلس على كرسيّه يحتسي الشاي تنحنحوا بصوت عالٍ. وقف علي بك وأمرهم بالدخول، فدخلوا وهم منكّسو الرؤوس... ـ أهلاً بكم... سنتناول طعام الفطور معاً. قال المختار: ـ نحن لم ننم ليلتنا يا أبا راغب. أرجوك قل لنا ماذا سنفعل؟ سقط أبو سلطان عند قدمي علي بك ناشجاً: ـ أرجوك يا أبا راغب، لقد أحبَّها قلبي والله، ولن أقوى على فراقها. أتوسّل إليك... ساعدني. مدّ علي بك يده، ورفع جسد أبي سلطان المتهالك، ونظر في عيون الآخرين، فوجدها كابية لا لمعان فيها ولا ضوء، فقال بنبرة قاسية: ـ إذاً ستتخلّون عن المقاومة؟! قال المختار دَهشاً: ـ وما دخل المقاومة بهذا الموضوع؟! ـ إما أن تسلّموا الأرمن، أو تقاوموا الأتراك. سكت أبو أحمد الصباغ، ولم ينبس ببنت شفة، أمَّا أبو سلطان فقال: ـ أنا سأسلّم ما أخذت عندما أعجز عن المقاومة. قال أبو ياسين بعد تفكير عميق: ـ والله سأودع مخزناً من الرصاص في قلب من يقترب من أم ياسين أو من أمها. أمَّا أبو صادق فقد أخرج مديةً طويلة من جيبه، ورفعها عالياً، وقال بأعلى صوت: ـ أنا لها يا أبا راغب. نظر علي بك في عيني أبي أحمد الصباغ قائلاً: ـ لم تقل شيئاً يا أبا أحمد! تنهّد أبو أحمد، وأطلق زفرةً من أعماقه، ثمَّ قال: ـ والله لن يأخذوا زوجة ولدي أحمد إلا على جثتي. ضحك علي بك طويلاً، وقال: ـ هنيئاً لكم ما أخذتم، ولن يستطيع أحد أن يسلبكم الأمانة التي أرتضيتم حملها بصدق. الأرمن يا إخوتي أصبحوا جزءاً منا، ولن تستطيع قوّة غاشمة أيّاً كانت اقتلاعهم من أرضنا، أمّا بالنسبة للوالي فقد أقنعته بأنّ ما أُخذ من القافلة قليل، وذلك لشدّ احتياجات من لا يملك مهراً أو عمالاً، وقلت له إن من أخذوهم أعرفهم وهم بكفالتي. هدأت النفوس قليلا، ما لبث أن تنهد المختار. ـ ما بك يا أبا عدنان؟ ـ لم تقل لي من وشى بنا يا أبا راغب؟! ـ لم يكن تركياً، ولا ديرياً أصيلاً. ـ من هو أرجوك؟ ـ لا يهمّكم اسمه، فهو من منبتٍ سيئ على كل حال، وأرجو ألا تلوثوا أنفسكم به، لقد هديته إلى سواء السبيل، وأرجو أن يكون صادقاً بما وعد. التفت الرجال على صوت جلبة بالقرب من الحديقة... كان ثلاثة رجال من الخيّالة، وعندما أومأ لهم علي بك عرفوهم جيداً، إنهم من كبار التجار... قال علي بك: ـ الآن طاب طعام الإفطار... دخل علي بك بيته، وقد جلس الحاضرون جميعاً وما هي إلا دقائق، حتَّى كان الإفطار جاهزاً. تناولوه بارتياح وحمدوا الله كثيراً. قال علي بك لكبير التجار: ـ لِمَ لم يأتِ أبو طارق معكم؟ ما أخبار ابنه؟ ـ أبو طارق يعيش الفرحة بعد أن تزوَّج ابنه من الأرمنية، وهو سعيد جداً بها، وليتك رأيت العروس بعد أن ألبسوها أجمل اللباس، وزيّنوا يديها بالذهب. كل من رآها قال: هذه ملاك وليست من البشر. هنيئاً لطارق بها! ـ كنتُ أتمنى أن يعيش الفرحة هؤلاء الرجال الذين تراهم أمامك... إنهم لم يناموا ليلتهم خوفاً ورعباً. ـ ماذا تقول يا أبا راغب؟ ـ إن ثقتهم بي ضعيفة. قال المختار بصوت عالٍ: ـ لا والله... إن ثقتنا بكَ يا أبا راغب أكبر ممَّا تتصوّر. قال كبير التجار: ـ يا إخوتي، لتتعزّز ثقتكم بنا أيضاً، أرجو أن تأخذوا... ومد يده في جيبه، وأعطى لكل واحدٍ منهم صرةً، ثمَّ قال: ـ في كل صرّة عشرون ليرة رشادية، هي دفعة أولى لكم لتساعدكم على تحمل مسؤولية الأمانة التي بين أيديكم. لم تكن الحديقة تسع فرحتهم. دسّوا الذهب في جيوبهم، واستأذنوا بالانصراف. قال علي بك قبل أن يغادروا: ـ أوصيكم يا إخوتي بحفظ الأمانة، والدفاع عنها أمام أي خطر يتهدّدها، تزوّجوهم على سنّة الله ورسوله، واكتبوا وثيقة بذلك، واجلبوها لي كي أُمهرها بخاتمي وتوقيعي. قال المختار: ـ سنفعل ذلك هذا اليوم إن شاء الله، واطمئن فوالله الذي لا إله إلا هو ستكون رقابنا فداءً لهم... وخرج كل واحد إلى بيته والفرحة تغمرهم، بينما بقي علي بك مع التجار الثلاثة يتداولون شؤون البلد، ومستلزمات المرحلة القادمة. (5) كان أبو أحمد الصباغ في غاية السعادة لأنَّه وجدها على وجه ولده أحمد، وكانت أم أحمد تطلق زغاريد الفرح من آونةٍ لأخرى، وتقوم بحركات راقصة متمايلة على أبي أحمد، الذي يهمّ كلّ آونةٍ للإمساك بها، إلى أن ساعدته آخر مرّة، فوقعت عمداً في أحضانه... الفرح قصائد عشق لا تستكين... أغصان من ياسمين تتدلّى في فضاء الروح... بيادر فصول خضراء... مهرجان من الفتنة واللذة يغطي كل مساحات القهر والحرمان... قال لها، والنشوة تغمره: ـ أتدرين يا امرأة كم أنا سعيد؟! لامست فخذه برفق، وتنهّدت قائلة: ـ أنا والله أكثر منك، الحمد لله الذي منّ علينا بالسعادة التي كنّا نحلم بها منذ سنين طويلة... ـ الله كريم يا أم أحمد... منذ زمن طويل، وأنا أقول لك: إن الله لن ينسانا لأنَّه يعلم ما تخفي الصدور... ـ قل لي يا أبا أحمد... ماذا ستفعل بالذهب؟ ـ سأشتري المحل المجاور لمحلي، وأسجّله باسم أحمد، وسأشتري له كل مستلزمات المصلحة حتَّى يظل سعيداً، وسأبني له غرفة في البيت كي يأخذ حريته، ويعرف أنّ له بيتاً، وأنه أصبح صاحب أسرة. ـ نِعمَ الرأي والله. تشاغلت أم أحمد بعقص ضفيرتها، ثمَّ اقتربت من زوجها، وأخفضت رأسها بحياء. أدرك أبو أحمد أن أمراً ما يدور في خلدها، فأمسك رأسها وقبّله، وقال بصوت يشبه الهمس: ـ ماذا يدور في هذا الرأس الجميل من أفكار يا ترى؟ أمسكت أم أحمد يد زوجها، وقبّلتها بحنان، وقالت: ـ أتعرف يا أبا أحمد، لقد تملّكتني الغيرة عندما ذهبت إلى قافلة الأرمن مع ابنك... خفت والله أن تستأثر بواحدة من جميلاتهنّ. ضحك أبو أحمد طويلاً، وقال: ـ الصراحة يا امرأة، أنّهن يُسِلن اللعاب. ماذا لو رأيت ابنك وهو يمسك بيد أجملهنّ؟ وكيف هرع أبو سلطان متلهّفاً إليهنّ؟ وكيف وثب أبو ياسين كالنمر إلى حسنائه؟ وكيف انتقى ابنُ أبي طارق التاجر فتاة رائعة؟ وكيف وكيف؟ والله لولاك يا ابنة عمي لَما قصّرت، ويجب أن تعلمي أنه لو أعطوني أجمل الجميلات في العالم، ما قبلت بها إكراماً لعينيك... طوّقت أم أحمد عنق زوجها بيديها النحيلتين، وغمرته بوابل من القبلات التي لها خفق كخفق اليدين بالعجين، معتذرة لأنَّ الأرمنيات فائقات الجمال، والغيرة طبع عند النساء. أغلقت أم أحمد نافذة الغرفة عندما هبّت نسمة محمّلة بالغبار، وفتحت الباب تستطلع الجوّ تارةً، وغرفة أحمد تارة أخرى، ثمَّ جلست تراقب زوجها وهو يقلّب صفحات دفتر جيبه، يحسب ما له وما عليه، فأغلقت الدفتر بهدوء، ونظرت في عينيه الواسعتين، فابتسم وقال: ـ أين ولدنا أحمد؟ ـ إنه في غرفته... هنيئاً له. ـ كيف رأيت زوجته؟ ـ إنّها جميلة آسرة... عندما استحمّت، ولبست ثيابها الجديدة، ظننتها ملاكاً هبطت علينا من السماء... يا إلهي ما أجملها! وردةٌ فوّاحة بالعطر... حمامة من نور والله. ـ اللهم تمّم عليه بالخير والبركة، وارزقه الولد الصالح. ـ آمين يا رب العالمين. وأين حميدة؟ ـ عند خالتها تساعدها في جرش البرغل. ـ أعرفت اسمَ زوجة أحمد؟ لقد نسيته والله. ـ وأنا كذلك، سأطلب من أحمد أن يغيّر اسمها باسم يسهل علينا حفظه. ـ أخشى أن يزعجها ذلك يا أم أحمد. أرجوك... لا تلحّي عليه بهذا الطلب. ـ لا عليك... انظر الآن... انظر... هاهي مقبلة إلينا... قم رحّب بها. نهض أبو أحمد، وزغردت أم أحمد طويلاً عندما أقبلت زوجة أحمد برفقة زوجها... كانت كملاك النور... شعرها الأشقر يتهادى على منكبين كأنه شلال من الضياء... عيناها الزرقاوان كأنهما بحيرتان تخفيان اللآلئ والمرجان؛ تتثنّى في مشيتها كالخيزران، ووجهها المشرق يكتنز بالحب والحنان... يا للجمال كيف يصنع بالقلوب والعقول! صاح أبو أحمد بأعلى صوت: ـ صلّوا على النبي... ردّدت الشفاه أعذب الصلوات وأسماها... احتضنتها أم أحمد بلهفة، وكأنها آيبة بعد طول غياب. أجلستها بينها وبين زوجها، وأخذت تلامس شلال شعرها الأشقر الجميل بحنان. ضحك أحمد وقال: ـ لكنني أغار عليها منكما يا والديّ... قال أبوه: ـ نسيت اسمها يا ولدي... ما هو؟ ـ (هاصميك) يا أبي. ـ ماذا يعني هذا الاسم لديهم؟ ـ يعني (الياسمين) كما علمت. ـ إذن دعنا نسميها ياسميناً، وأبعد هذا الاسم الذي لا يحفظ. ـ كما تريد يا أبي، رغم أنهم يعتزّون بأسمائهم. قبّلتها أم أحمد ثانية وثالثة، وصاحت بأعلى صوت: ياسمين، يا أجمل ورد البساتين يا أغلى ريحانة بين الرياحين يا ربّ احفظها، قولوا آمين وزغردت طويلاً، وتمنّت على ابنها أن يحافظ عليها. ـ والله يا أمي، إنها في قلبي وروحي وعينيّ، فلا توصياني بها. ـ علّمها يا أحمد العربية. ـ بدأت تتقبّل ذلك، وأصبحت تنطق بعدّة كلمات عربية، وخلال شهر أو أكثر قليلاً، ستتحدّث معك كأي امرأة ديرية... إنها ذكية جداً، واستيعابها سريع، وتعرف ماذا أريد من حركة شفتيّ. ـ بارك الله فيك يا ولدي، لكن كيف أصبح جدّها؟ تنهّد أحمد وقال متألماً: ـ إنه مريض جداً. السلّ يفتك برئتيه، ولا أعتقد أنه سيشفى. ـ المهم يا ولدي أن تجعله يشرب الدواء بانتظام، والشافي هو الله. قال أبو أحمد: ـ والله يا ولدي، لو أعرف أن مرضه يُشفى لأعطيتك الذهب من أجله. ـ يا والدي، الطبيب نفسه قال لي أن لا أمل من شفائه، والعلّة أنه طلب منّي عدم ملامسته لئلا أصاب بالعدوى. ـ وكيف تصرّفت؟ ـ لم ألمسه، ولكنّ زوجتي متعلّقة به إلى أبعد مدى، إنها تطعمه بيدها، وتغسله، وتُلبِسه، وتُشرف على نظافته حتَّى ينام، غير آبهة لتعليمات الطبيب، ولا أستطيع منعها... إنه جدّها الذي ربّاها منذ الصغر في حِجره يا أبي. قالت أم أحمد مشفقةً: ـ دعها يا ولدي تقم بواجبها، أنت لا تعرف وفاء الأرمن وإيثارهم، والأعمار كلّها بيد الله. دخلت حميدة فرحة على غير عادتها، فتنبّه والداها، وعجبا لتغيّر أحوالها بعد أن كانت كئيبة لا تمزح، ولا تضحك، ولا تكلّم أحداً إلا عندما تُجبر على ذلك... تنبّهت حميدة لحالها أمام والديها وأخيها، فوأدت فرحها في قلبها، وتجهّمت فجأة... ناداها والدها، وقال لها بدهشة: ـ لمَ تغيّرتِ يا حميدة؟! ماذا أصابك يا بنتي؟! تلعثمت حميدة وتعثرت في الإجابة؛ تلوّن الوجه الجميل بحمرة الخجل وعقدة الخوف؛ ارتجفت الشفتان المكتنزتان ارتجافةً مريعة، وترقرقت دمعتان على الحدقتين، فانسابتا على الوجنتين بحنان... اقتربت منها أمّها، وضمّتها برفق فتنفّست الصعداء... طلبت أم أحمد من زوجها الخروج من البيت لشراء بعض الحاجات، فلبّى طلبها على الفور،وجلست حميدة مع أمّها وأخيها وزوجة أخيها... ساد الصمت هنيهة... كل العيون ترنو إلى وجه حميدة، وكانت حميدة تغضّ الطرف بحياء، وقد أرهقتها الكوابيس... حطّمت أم أحمد قيود الصمت قائلة: ـ ما أخبار خالتك يا حميدة؟ ـ إنها بخير يا أمي، وتسلّم عليك كثيراً. ـ وابن خالتك سامي، هل كان هناك؟ تملّك الحياء ثانيةً وجه حميدة، وأخفضت بصرها، ولم تتكلّم. قرصتها أمها من فخذها، فقالت بصوتٍ خفيض: ـ نعم، كان في غرفته يقرأ. قال أحمد باسماً: ـ أتعرفين يا أختاه أنّ سامي يحبّك كثيراً، وكلّما كان يفاتحني بموضوع خطبتك، كنت أقول له: تريّث حتَّى تُنهي دراستك، وكان يحاول جاهداً إقناعي بأن الزواج لا يعيق الدراسة، بل على العكس يكون عاملاً محفزاً ومشجّعاً. قلت له مرةً: لِمَ لا تنتقي فتاة أرمنية جميلة، وتُنهي هذا الموضوع؟ ولكنه صرخ بوجهي قائلاً: إن لم تكن حميدة لي، فلن أتزوج طول العمر... قالت أم أحمد: ـ يا ولدي، سامي شاب ناضج، وأصيل ابن أصيلة، والله لن تكون حميدة إلا له، فليطمئن، ولتطمئن حميدة. انسحبت حميدة باسمة، فقال أحمد: ـ لكن يا أمي، أخشى على زواجهما ممَّا لا تحمد عقباه، لأنَّ سامي لا يملك شيئاً. ـ كيف لا يملك شيئاً يا ولدي؟ إنه يشتري الحبوب بأنواعها، ويبيعها، وداره واسعة، ولا أحد يؤنس وحدته سوى أختي. ـ يا أماه... عدّة مرّات يخسر سامي في بيع الحبوب، فتضطّر أمّه لأنَّ تبيع من ذهبها سداداً لديونه، إنه لا يعرف البيع والشراء جيّداً، وهو يدرس الآن، فلننتظر حتَّى يُنهي دراسته ويحصل على وظيفة، وبعدها لكل حادث حديث. ـ لا يا ولدي. أنا أعرف ما لا تعرفه أنت... سامي يحب حميدة حبّاً ملكَ قلبه وعقله، وأخشى إن لم يتزوّجها أن تفقد أختي وحيدها... كان كلّما عصف به الشوق، وتقاذفته الهموم، يلحّ على أمّه لترسل في طلب حميدة بحجة مساعدتها، وكان لا يراها إلا أمام أمه، فتبدّد كآبته، وتنزاح كل همومه عندما يراها... هذا هو الحب الصادق، واعلم أنني أعطيت حميدة خادمة لأختي، ولا أريدك أن تعارضني. ـ لكن والدي عندما فاتحته بالموضوع قال لي: سامي ما زال صغيراً. ـ يا ولدي، الصغير بنظر أبيك من لا وظيفة لديه أو عمل مربح. ـ معه حق يا أمي. ـ لا يا ولدي... الحق أن يتزوّجا بأسرع وقت. إنّ موقفك وموقف أبيك سبّبا لها الكآبة... يا ولدي، حميدة تختزن في قلبها حباً كبيراً صادقاً وشريفاً لسامي، وتتمنّى من كل قلبها أن توافقا، أنت وأبوك حتَّى ترتاح نفسياً وعاطفياً... كانت أختك يا أحمد تتمتم سرّاً وعلانية: آه لو وافقا على سامي لعشت سعيدة... هي لا تعرف ما يجول في خلدكما سوى أمر واحد... إنها تخاف أن تزوّجاها من رجل آخر، وكانت كلّما فكّرت بهذا الأمر تنفعل، وتتغيّر ملامحها، وتتشنّج، وتردّد دون سابق إنذار: (وقتها، سأقتل نفسي، أو ألقي بجسدي في الفرات، ولن أكون لغير سامي أبداً) أرجوك يا ولدي أن تقدّر مشاعر أختك حميدة... لا أريد أن أفقدها أبداً. نظر أحمد في عيني أمه، فرأى دمعتين تنسابان في أخاديد وجهها، فعانقها قائلاً: ـ وعداً مني يا أماه أن أكون من هذه اللحظة إلى جانب أختي حميدة، وسأقنع أبي بضرورة زواجها من سامي، لأنَّ بيتنا لم يعد يتّسع إلا للفرح. احتضنت أم أحمد ولدها، وعانقته، وزغردت طويلاً، ثمَّ قامت، ورقصت، وأخذت تُميل جسدها تارة إلى ابنها وتارة أخرى إلى زوجته، وتملّك الجميع شعور بالغبطة والسعادة أكثر من ذي قبل. كان أحمد أكثرهم سعادة. يتأمل وجه زوجته الملائكي بذهول وعيناه تلتهمان عينيها الزرقاوين بشبق... قال لأمه: ـ أمّاه... هل رأيت طوال عمرك أجمل من ياسمين؟ فتجيبه أمه بالنفي، مطلقة التعويذات والدعاء كي يحرسها الله ويحميها من كل مكروه. فجأة تجهّمت الوجوه، وعلَتها كآبة خرساء، عندما تسلّل الغبار من شقوق النوافذ والأبواب... صرخت أم أحمد بأعلى صوتها: ـ العجاج... العجاج... أين أنت يا أبا أحمد الآن؟ بسرعة مذهلة نثر العجاج الأصفر أحشاءه حتَّى أصبحت الرؤية عسيرة، وما لبثت السماء أن خلعت رداءها، وارتدت ثوباً برتقالياً، ثمَّ أرجوانياً، ثمَّ تملّكت العتمة أديم السماء، وأظلمت الدنيا في عزّ الظهيرة... دخل أبو أحمد مسرعاً، وهو يصيح: ـ أغلقوا الأبواب والنوافذ جيداً. ضعوا على وجوهكم مناشف مبللة بالماء... سدّوا فتحات آذانكم وأنوفكم بالقطن المبلل. قفزت هاصميك بسرعة وهي تصيح: جدّي... جدّي. وصعدت إلى غرفته غير مكترثة بنداء زوجها، فوجدته يسعل سعالاً حادّاً متواصلاً. تشبّثت هاصميك بأذيال جدّها الهرِم الذي ما انفكّ سعاله المدمّى ينثر دمه في كل اتجاه... قال لها: ـ لا تخافي بنيّتي... أموت وأنا مطمئن عليك، فأنت في مأمن من كلّ شرّ. ـ جدّي... لن تموت الآن... أريدك إلى جانبي. جدّي... لا ترحل وتتركني... ابقَ أرجوك. اجهشّت هاصميك بالبكاء، واحتضنت جدّها، وبلّلت أخاديد وجهه بالدموع. ـ تشجّعي يا بنتي... لن أعيش طويلاً، وعليك أن تتذكّري دائماً وأبداً أرض الآباء والأجداد، وإخوانك المشرّدين... تذكّري أمّك وأبيك وإخوتك الذين لا يعلم إلا الله مصيرهم... تشجّعي هاصميك، وردّدي ما قاله شاعرنا "أواديك": (يا بلد الآباء والأجداد... يا ذا الرأس الشامخ يا من تلفظ بأسلوبك البليغ لغتي الأرمنية القديمة العذبة النابعة من القلب... يا وطني) ـ لا تمت الآن يا جدّي... ستعيش بإذن الله... سأجلب لك الطبيب الآن... ـ انتهى كلّ شيء يا بنتي، لن يفيدني الطبيب بشيء ولم تُجدِ كل الأدوية التي أعطاني إيّاها، آه ليتني أحظى برؤية أمّك وخالاتك... ليتني أرى أولادي... كان الله في عونهم جميعاً... إن جاؤوا يا بنتي إلى هنا، فعانقيهم نيابة عني، وبلّغيهم تحيّاتي. بكت هاصميك طويلاً... إنها لم ترَ أمَّها وأخواتها منذ زمن طويل، فهي عندما سيقت كانت في بيت جدّها الذي يبعد مئة كيلومتراً عن بلدة أهلها... أرادت أن تدرس عند جدّها منذ أن كانت صغيرة، وبقيت في حِجره حتَّى سيقت معه. كانت زمجرة العواصف في صدرها أعتى من العواصف التي خلّعت الأبواب والنوافذ، لتطمر البيت بمن فيه وحلاً أحمر تقذفه السماء دون انقطاع... صاحت من دون وعي: ـ يا ربّ ساعد جدّي وارحمه... يا ربّ كن معنا ولا تكن علينا... يا ربّ ليس لنا غيرك. وعندما تلفتت إليه ناشجة، كان في رحلته السرمدية يلوّح بيده المعروقة لظلال تراءت له، فصاحت بأعلى صوت: ـ ابقَ معي يا جدّي... لا ترحل أرجوك... وانكبّت عليه تبكي بدموع مدرارة، حتَّى غفت على صدره المهدّم، ولم تفق إلا على ساعدين قويين، وقد حملتاها إلى السرير. نظرت بذهول، وإذا بأحمد ينشج بصمت. اقترب منها، وجفّف دموعها بمنشفة نظيفة، وعانقها بحنان، فتمتمت: ـ أريد جدّي يا أحمد. ـ جدّك اختار الله... إنه استراح يا حبيبتي. ـ لكن... لِمَ رحل عنّا الآن؟ ـ هذا قضاء الله وقدره، وكلّنا على هذا الطريق. ـ لكنه جدّي وأبي وأمي وأخي يا أحمد... إنه من ربّاني، وعلّمني وهذّبني... ـ سأعوضك يا حبيبتي بإذن الله عن حنانه وعطفه وحبه الكبير، فلا تحزني. ـ لن تستطيع يا أحمد. ـ سأبذل يا حبيبتي كلّّ جهد، ولن أبخل عليك بشيء إن شاء الله. بكت هاصميك طويلاً، وغابت في سبات عميق. السماء مازالت تمطر وحلاً أحمر يلطّخ الوجوه والأجساد، ويرسم خرائط المنيّة على الجدران والنوافذ والأشجار، وعندما اختفى المطر بانت من جديد سحابة صفراء، ثمّ اتّسعت حتى كادت تبتلع السماء. تلاشت ذبالات المصابيح، واختفت الوجوه بين جدران تفوح منها رائحة العفن.. المآذن تكبر كلّّ هنيهة، والشيوخ يرفعون أكفّهم إلى السماء، يدعون الله ليقشع عنهم هذه الغمّة. لكن الغمّة لم تنقشع إلاَّ بعد ثلاثة أيام، وأصبحت المدينة كما لو أن زلزالاً دمّرها. اثنا عشر رجلاً ضحايا العجاج، شُيِّعوا بموكب مهيب وكان من بينهم (سورين) جدّ هاصميك الذي بكته بكل ما اختزنته من محجريها من دموع، وما احتضنه قلبها من دماء.. لم تنقطع أحزان هاصميك، وساءت صحّتها حتى أصبحت أطرافها تختلج من آونةٍ لأخرى، وكأن الصقيع يداهمها كلّّ حين. وكان أحمد بكل الحب والوفاء يعانقها، ويرجوها أن تخفف من أحزانها رأفة بصحتها التي تدهورت، وبجنينها الذي سكن أحشاءَها، فتستجيب مرغمة لندائه الناشج، والدموع تطفر من عينيها الزرقاوين كقطع من اللآلئ.. قالت له مرةً: ـ أشكرك يا أحمد لأنك أقمتَ له احتفالاً في مقبرة النصارى، وأريد منك شيئاً آخر. أجابها، والبسمة على شفتيه: ـ أأقدر عليه؟! ـ أجل.. تقدر عليه. ـ ما هو؟ ـ إن كان المولود ذكراً أرجو أن تسميه (سورين) على اسم جدي رحمه الله. ـ سورين؟! ما معنى هذا الاسم؟ ـ معناه القوي يا أحمد. أرجوك إكراماً لجدّي. ـ أرجو أن تسمحي لي بحذف الحرف الخير منه إكراماً لوطني. ـ المهم أن أناديه أنا سورين، وأنت نادِه سوري. ـ وإن كان المولود أنثى. ـ أقترح أن تسميها (نورا) على اسم أمّك الطيبة. ـ اتّفقنا يا حبيبتي. ساد جو الغرفة صمتٌ كئيب، ينظر إليها.. وتنظر إليه.. كان اشتعال الروح يأخذه إليها دفئاً وأغنية وشوقاً عابقاً بالحب والحنان.. كم كان يأخذه الكلام إلى فضاءات الجسد، فينهل منه بشوق، وكأنّه سيرحل عنه إلى الأبد.. وكانت روحها باردة، وفوق شتائها يطفو الظلام.. تملّكته الدهشة. اقترب منها كثيراً، فتنهدّت. أراد أن يطمئنها عن المستقبل عندما عجز أن ينقلها إلى عالم السحر واللذة.. أراد أن يقول لها كلاماً كثيراً لتهدأ روحها القلقة، وتسكن جراحها النديّة، لكنّها كانت تحلّق ببصرها في سماوات التيه. تستذكر الماضي، وتستحضر الحاضر، فترى أنهما توءمان كلاهما يؤدّيان إلى طريق الفناء. أخذت تفتح قلبها لثوب الريح تكسوه بألوان الشجن، وتملأ كأس الحياة اختصاراً تقتفي درب المحن.. قال لها باسماً: ـ ما لأنثى الغيم لا تمطر في صحراء روحي بعد إن كانت بحّة الناي في صوتي توافي كلّ هنيهة بالندى بوحي؟ ما لأنثى الغيم كفّت عن السقيا؟ فهل لي الآن من لمى الشهد الرحيق؟ عانقته طويلاً، داعبت شعره الكثيف بحنان، ثمّ وضعت رأسه على صدرها قائلة: ـ يا أحمد.. لا تلمني.. لقد هدّني وجدٌ أداريه، كنت أمشي حاملة حزني على ظهري، وتلفح جبهتي سحب الغبار، فلقيتك نجمة نابضة بالحب، ومنذ أن تزوّجتك أضحت روحي تعشق النار.. يا أحمد، أغانينا.. أمانينا، استطابت نومها في مهدها.. كم جهدنا نرفع الأبراج فيها كي نهزّ الشمس إن نامت.. لكن الحياة ضيّعتنا.. شاعرنا كيفورك كان معنا، قال له جدي رحمه الله: ألم تقل شيئاً عن هذه الرحلة؟ قال: بلى. اسمع ما أقول: (رحلة غريبة لكن كيف؟ وإلى متى سأسير؟ وأدفن في ركضي أعزاء لي واحداً تلو الآخر.. ليس تحت التراب بل في أعماق روحي في مكان رطب مؤلم.. جريح آه هل أعيش أنا؟ أو تعيشون أنتم؟!) هذا ما استطعت أن أتذكره يا أحمد من قول شاعرنا كيفورك الذي رحل في منتصف الطريق. فماذا ستقول لي أيها الحبيب؟ صدّقني يا أحمد أرى في كلّّ ليلةٍ أمي تناديني وهي عارية. أخلع ثوبي لأسترها به، فيطير الثوب لأغدو عارية مثلها. إن قدرها يا أحمد سيكون قدري، وأخشى أن يأتي يوم فلا تجدني. ـ أقول يا حبيبتي، كلّّ ما يتراءى لك أضغاث أحلام، أنت زوجتي على سنّة الله ورسوله، وأم ولدي، وحبيبتي التي ما أحببتُ غيرها، واعلمي بأنه لن يفرّقنا إلاَّ الموت. ـ وأمي إن جاءت؟ ـ ستكون بيننا. سنبني بيتاً يضمّك أنت وأهلك، ثقي بي يا حبيبتي، لن أتخلى عنكم ما دمت حياً. ـ وإن رفضت البقاء معي؟ ـ سترحل أينما تريد. ـ لا يا أحمد.. سأرحل معها. ـ وأنا؟! وابنك؟! ـ لكما الله. هذا قدري. ـ ابعدي عنك الوساوس والأوهام، ونامي فسآخذك غداً في زيارة عائلية. ـ إلى من؟ ـ إلى إحدى رفيقات الرحلة الصعبة. ـ إذا كان ولابد، أرجو أن تأخذني إلى ترفندا وأمها شاكي. ـ من تعنين؟ ـ أعني بيت أبي ياسين. ـ هذا ما كنت ـ والله ـ أنوي فعله. نامي الآن يا حبيبتي. ـ سأنام، ولكن أرجوك أن تبقي السراج مشتعلاً. ـ كما تريدين.. (6) استكملت هاصميك زينتها، وارتدت ثوبها الأسود، وملاءة حريرية سوداء زادت جمالها ألقاً، بدت كإحدى آلهة الإغريق القدماء.. كان أحمد ينظر إليها بشغف غير مصدّق أن هذه الفاتنة هي زوجته، وأن هذا السحر كله له وحده، فهمس في سرّه: يا الله ما أروعها بلباس الحزن يا رب احفظها لي، ولا تدعها ترحل عني. شبك يدها، وسارا إلى غرفة أبويه، فوقفت أمه ذاهلة عندما رأتهما، وأخذت تفرك عينيها من آونة لأخرى صائحة: ياسمين يا نبعة ريحان، يا ورد جوري ياسمين يا شجرة حور ومزيّنة بالدوري ياسمين يا عيون نورا، يا أم السوري ربّ خلّيها لأحمد ولا ياخذها الخوري وزغردت طويلاً، ولم تتوقّف إلاَّ بسبب الطَرقات المتتالية على الباب الخارجي، وصوت أبي ياسين يهدر منادياً مستغثياً. أسرع أحمد، وفتح الباب، وكاد أبو ياسين يقع أرضاً لولا أن تداركه. ـ ما بك يا عماه؟ ـ أين أبوك؟ ـ إنه يصلّي. خيراً إن شاء الله؟ ـ أم ياسين مريضة يا أحمد، ولا أقوى على نقلها إلى المشفى. اقتربت أم احمد منه ذاهلة، وقالت له بإشفاق: ـ ماذا أصابها يا أبا ياسين؟ ـ إنَّها تتقيأ من آونةٍ لأخرى، وتعتصر بطنها تارةً، وتارةً أخرى رأسها.. لقد ذبلت عيناها، وذوى عودها النضر، ولم تستطع أمّها أن تهدّئ من روعها، أو تخفف آلامها.. إنَّها تبكي بحرقة يا أم أحمد، وأتمنى أن أفديها بروحي والله. يا ربّ احفظها لي وخفف آلامها، إنَّها أمانة غالية، فلا تحرمني من حملها يا الله... ودمعت عينا أبي ياسين.. قالت أم أحمد باسمة: ـ مبارك يا أبا ياسين.. امرأتك حامل. تمتم أبو ياسين ذاهلاً: ـ حامل؟ امرأتي حامل؟ هزت أم أحمد رأسها بالإيجاب، وقالت: ـ حامل إن شاء الله، فلا تخف. زاد ذهوله ودهشته، وجلس على الأرض متهالكاً. أقبل أبو أحمد إليه، وأنهضه قائلاً: ـ مبارك يا أبا ياسين، والله إنك فحل. قالت أم أحمد: ـ اذهب يا أبا أحمد معه، وسنأتي أنا وأحمد وزوجته إليكم بعد قليل. صاح أبو ياسين بأعلى صوت: ـ والله لن نذهب إلا سويّة. أسرعت أم أحمد، ودلفت إلى غرفة المؤونة، وجلبت معها بعض الأعشاب الطبية، فوضعتها بكيس من الورق وجاءت بها قائلة: ـ هيا.. سترى يا أبا ياسين، كيف سأجعل امرأتك تضحك. ـ لكنْ، لا أريدها أن تتكلم. ـ لماذا؟ ـ ستعرفين بعد قليل. كانت أم ياسين ـ كما توقّعت أم أحمد ـ قَدْ طلبت من أمها أن تغلي لها بعض الأعشاب التي جلبتها معها، ففعلت وما إن شربت نقيعها حتى سكنت آلامها، وأخذت تنظر بعين الرضا والشكر إلى أم أحمد التي اقتربت منها كثيراً، فقبّلتها قائلة: ـ ستنجبين لأبي ياسين المولود الذي انتظره سنين طويلة، أليس كذلك؟ هزّت أم ياسين رأسها بالإيجاب، فقالت أم أحمد: ـ الآن أنت بخير، أرجو أن تسمحوا لي بالذهاب، لقد تركت حميدة وحدها، وقلت لها إنني لن أتأخر عليها. تشبّثت بها أم ياسين راجية البقاء قليلاً، فاستجابت أم أحمد لرجائها. اقتربت هاصميك من أم ياسين، وقبّلتها مراراً قائلة: ـ لو لم يأتِ أبو ياسين إلينا لجئناك والله. أمسكت أم ياسين يد هاصميك، واعتصرتها بكل الحب الكامن فيها، ولم تنبس ببنت شفة. قالت أم أحمد لأبي ياسين مستفهمة: ـ ما اسمها؟ ـ ترفندا. ما معنى هذا الاسم؟ ـ يعني بلغتهم (وجه القمر). ـ ما شاء الله، نادِها (قمر) وانتهى الأمر، وهي والله مثل القمر، وما اسم أمها يا أبا ياسين؟ ـ شاكي، وتعني (قليلة الحظ). ـ والله مثلما نقول /شاكي باكي/ عن قليلة الحظ، لكنها سعيدة الحظ، لذا وجب أن تغير لها اسمها. هذا ظلم. أما علّمتها العربية؟ ضحك أبو ياسين طويلاً، وقال: ـ أصبحت تفهم كلّّ ما نقوله، لكنها عند الكلام فإنها تتكلم بعربية ما تكلّمها عربي على وجه الأرض، لسانها مازال معوجاً؛ إنَّها تذكّر المؤنث، وتؤنّث المذّكر، لكنها ذكية وأمها أذكى منها. اسألي قمراً ـ كما تقولين ـ واسمعي إجاباتها وستحكمين. اقتربت أم أحمد من أم ياسين، وقالت لها: ـ اسمك من اليوم (قمر) يا أم ياسين، ماذا تقولين؟ أجابت بتلعثم: ـ أنتَ تقول زينْ، أنتَ زين، أنا يحبك يا أم أحمد. ضحك الجالسون طويلاً، فطلب أبو ياسين من أم أحمد أن تسأل أمها أي سؤال، فقالت أم أحمد لشاكي: ـ اسمك من اليوم (سعيدة)، ماذا تقولين؟ ـ فأجابت شاكي بتعثّر: ـ إيدة.. فردّ عليها أبو ياسين على الفور: ـ إي.. عيدة السعيدة.. هزّت شاكي رأسها، وابتسمت. نظرت هاصميك إلى ترفندا نظرة حب، ثم اقتربت منها كثيراً، ولامست بطنها برفق، وقالت: ـ ترفندا.. ستلدين إن شاء الله ولداً. ابتسمت ترفندا وقالت: ـ أنتَ هاصميك مثلو إن شاء الله. قال أبو ياسين: ـ إن شاء الله. الله يسمع منكما. يا عيدة السعيدة أين الشاي الأحمر؟ ـ جاهز. كانت شاكي قَدْ أعدّت الشاي الأحمر كما يعدّه أبو ياسين، ووضعت أمام كلّّ واحد كوباً، وبدأت تسكب بتأنٍّ الشاي القرمزي. قال أبو أحمد: ـ المهم يا أبا ياسين أن تكون مرتاحاً معهما. ـ أقسم لك بالله يا أبا أحمد إنني ما عرفت الراحة أو الاستقرار إلاَّ في ظلَّهما، وإنني أفديهما بروحي. لم أرَ في حياتي مثلهنّ طيبةً وصدقاً وأمانة، وما يعجبني فيهن أكثر أنّهن أتقنَّ تصليح السلاح وتنظيفه وتركيبه بسرعةٍ قياسية.. أتصدّق أنهما قادرتان على التسديد والضبط والإطلاق بدّقة قلّما يمتلكها رامٍ؟ ـ ما شاء الله.. ما شاء الله.. أتعرف يا أبا ياسين، البارحة قال لي أبو صادق الميكانيكي إن عماله الأرمن ابتكروا طرائق عديدة، وطوّروا بعض المعدّات بشكل أذهل كبار الميكانيكيين، وهذا إن دلّ على شيء، فإنما يدلّ على ذكائهم ومقدرتهم الفائقة في مجال الصناعة. ـ ليس في الصناعة وحدها يا أبا أحمد. فنساؤهم نظيفات ومرتّبات وأنيقات ويعرفن كيف يمتلكن قلب الزوج وعقله، والله إنهن ملائكة. قالت أم أحمد محتجّة: ـ أنتم الرجال تحبّون الغريبة. أما نحن فنعمل عمل الحمير ولا تقولون فينا هذا القول الجميل. ضحك أبو أحمد، وقال: ـ يا أم أحمد، كلمة حقّ يجب أن تقال.. أنت يا بنة عمي فيك ـ والله ـ كلّّ الخير والبركة، لم تقصرّي في حقّي يوماً، أنتِ لست بحاجةٍ إلى ثناء. ـ لا يا أبا أحمد، أنا كغيري من النسوة يحببنَ الثناء فَلِمَ تبخلون به علينا؟ ألا نستحقّه؟ ـ والله ثم والله، تستحقون أكثر من ذلك. قال أبو ياسين متفاخراً: ـ دعك من كلام النساء يا أبا أحمد. أريد أن أذيع لك سرّاً أرجو أن تكتمه. ـ تفضّل يا أبا الأسرار. ـ لقد أجريت بمساعدة أم ياسين وأمها تعديلاً في حجرة إطلاق (الطبنجة)، وقد حقّقنا نجاحاً باهراً بحيث أصبح المدى أكثر من ذي قبل، وأكثر مقدرةً على الاختراق والنفاذ. ـ وهل علم الأتراك بهذا الاختراع؟ ـ لا.. ليس بعد. ـ أعلِمْهم به كي تحصل على براءة اختراع وجائزة. ـ لا أريد. ـ لماذا؟ ـ أخشى من النتائج العكسية. أريده أن ينفع الثوار وحدهم دون غيرهم. قالت أم أحمد مستأذنة: ـ أعتقد أننا اطمأنّنا على أم ياسين، ونرجو أن تسمحوا لنا بالذهاب إلى البيت. وقف الجميع، وقال أبو أحمد وهو يودّعهم: ـ هل ستذهب إلى مضافة علي بك هذا المساء؟ ـ أجل يا أبا أحمد، فلديّ أكثر من سؤال سأطرحه على علي بك لعلّه يُشفي غليلي بالإجابة عنها. ـ إذن.. هيّا بنا. ـ اذهب أنت وأحمد، وسألحق بكما بعد قليل. شدّ الحديث عن السلاح المعدّل انتباه أحمد وتفكيره طويلاً، فهمس في أذن أبي ياسين كليمات ارتجف لوقعها، وأشار بالسبّابة علامة النفي، لكنه ألحّ عليه كثيراً بأي ثمن يريده، حتى استكان أبو ياسين، وهدأ فهزّ رأسه موافقاً شريطة السريّة في الأمر. ضحك أحمد قائلاً: ـ وهل تريدها مثل أسرارك أم مثل أسراري؟ ـ لا.. لا.. لا أريدها مثل أسراري. ـ إذن لك هذا. كان أبو أحمد طوال الطريق إلى البيت يفكّر بعدّة أمور، منها إصرار ولده على امتلاك السلاح المعدّل، أما الأمور الأخرى فسيطرحها على علي بك بعد أن يطرح أبو ياسين أسئلته عليه، ولعلّ أهم سؤال مازال يدور في رأسه ألا وهو معرفة السرّ الحقيقي لعداء الأتراك للأرمن الطيّبين، فهو يعرف أن الأرمن كانوا يخدمون في الجيش التركي، وأن منهم ضبّاطاً كباراً، ونواباً في مجلس المبعوثان، ورجال أعمال وفنانين وأدباء ومفكرين، فهل من المعقول أنهم تآمروا على تركيا، وهم يعيشون بينهم؟ ولماذا إذن حدث ذلك؟ فهو قَدْ سمع أن السبب الرئيس هو خطورة تفوّقهم، فهل هذا صحيح؟ تاه فكر أبي أحمد في محنة الأرمن المتواصلة وعذاباتهم التي لم تنقطع، وتمتم في سرّه: كان الله في عونهم. تنبّهت أم أحمد لحال زوجها وشروده فقالت: ـ ما بك يا أبا أحمد واجماً لا تتحدث؟ أخشى أنك غضبتَ من احتجاجي على الرجال أمام أبي ياسين؟ ـ لا.. أبداً. قال أحمد معتذراً: ـ أخشى يا أبي أنك غضبت مني عندما طلبت السلاح من أبي ياسين؟ والله لم أقصد الإساءة إلى أحد، أو أنوي الغدر بأحد.. لكن الحذر واجب. ـ لا يا بني، فرغم خطورة ما طلبت، فأنا على ثقةٍ من وعيك. إن سبب صمتي ووجومي هو تفكيري بالغد، وما يحمله من مفاجآت قَدْ تكون غير سارّة، وستسمع بأذنيك ما سنقول لعلي بك، وأرجو أن تشاركنا الحديث في المضافة. ـ كما تريد. ـ هيا أسرعوا لأن وقت لقاء الأحبة في المضافة قَدْ حان. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |