|
||||||
| Updated: Sunday, January 29, 2006 01:53 PM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
(7) كان علي بك قلقاً.. سحب سوداء خيّمت في سماء حياته منعت أشعة الشمس من اختراق حجبها، وثمّة طيور سوداء تنعق في زوايا مضافته التي يؤّمها الأحبة. هموم ثقال، وكوابيس مرهقة تتناوب على رأسه وصدره النحيل، وكان رغم العناء والمحن يبتسم، وكانت ابتسامته بلسماً للجراح النازفة، وإشراقةً في عتمة الضياع. الدير مهدّدة بالوباء، والمجاعة تفتك بأحلام الفقراء.. الحرب المستعرة تنفث سمومها في كلّ اتّجاه، وخيوط سوداء تجرّ المناضلين تارةً هنا وتارةً هناك.. قال أبو طارق: ـ أخشى أن ما جرى للأرمن قَدْ يجري علينا.. شخصت عيونهم، واشرأبّت أعناقهم، ويبست حلوقهم، فلم يعد يقوى أحدهم حتى على الهمس. قال المختار: ـ أخشى الفجيعة مما ستؤول إليه الأحوال.. همهموا طويلاً ثم أدركهم السبات، لكنهم ظلّوا أحياء.. أي خرابٍ سيحلّ في أرض الخير؟ وأي دمار سيطيح بمعالم الصفاء والنقاء؟ قال أبو ياسين: ـ إن انتصر الأتراك سيثأرون، وإن خسروا سيثأرون أيضاً، فما العمل؟ حملق الرجال في عيني أبي ياسين، وشفاههم الراجفة تقطر منها تمتمات واهنة.. لا شيء عندهم يخسرونه سوى الكرامة، وهذه عصيّةٌ على الأتراك وغيرهم.. الأرض والعرض لا مساومة عليهما مهما بلغت التضحيات. قال علي بك محتدّاً: ـ استعدّوا لساعة الصفر، ولعمري إنَّها لقريبة. قال أبو سلطان بعد أن جفف عرقه بمنديل توضع داخل طربوشه: ـ ما رأي ممثّلينا في مجلس المبعوثان يا أبا راغب؟ ردّ أبو صادق الميكانيكي ساخراً: ـ مجلس المبعوثان؟! إنه لا يقدّم ولا يؤخّر، ولن يستطيع ممثّلونا أن يجهروا بأصواتهم فيه، وإن تحدّثوا فسيكون مصيرهم مصير الأعضاء الأرمن فيه. اقترب علي بك من أبي صادق، وأمسك بكتفه وهزّها قائلاً: ـ لا يا أبا صادق.. إن ممثّلينا على قدرٍ كبير من الوعي والمسؤولية، وما أظنّ أنهم سيتقاعسون عن تلبية نداء الوطن.. ـ وهل كان لهم رأي في سَوقيات الأرمن؟ ـ صدّقني يا أبا صادق إنهم استنكروا وشجبوا، ورفعوا أصواتهم عالياً، وقد نالهم غضب الصدر الأعظم وكل السلاطين. ـ وماذا بعد ذلك؟ ـ لا شيء يا أخي.. المهم أن نتدارس الموقف الحرج الآن.. أريدكم يا أخوتي أن تحضروا الاجتماع الموسّع الذي سيضم ممثلينا في مجلس المبعوثان، وعدداً من أعضاء الخلية الثورية.. ستسمعون في الغد إن شاء الله ما يسرّكم. قال أبو عدنان المختار: ـ ما رأيكم أن يتم الاجتماع في بستاني، فهو مناسب لتروه كيف غدا جميلاً مثمراً، ومن ناحية أخرى لتلبّوا دعوتي لكم جميعاً على العشاء؟ قال أبو سلطان ضاحكاً: ـ إذا كان (ذو القرنين) فسنأتي، أما إذا كان (ذو الجناحين) فلن يلبي دعوتك أحد. رد عليه المختار متحديّاً: ـ ذو القرنين يا أبا سلطان جاهز والله، وأنا أبو عدنان. قال علي بك ضاحكاً: ـ اطمئن يا أبا عدنان، سنلبي دعوتك مهما كان عشاؤك. قال أبو ياسين: ـ يا أبا راغب.. أنا من خلال علاقتي الحميمة برؤساء العشائر وشيوخ القبائل أرى أنهم يميلون إلى الهاشميين واتصالاتهم بالإنكليز والفرنسيين، فهل يا ترى هم على صواب؟ ـ كالمستجير من الرمضاء بالنار، وأعتقد أن كلامي واضح. ـ نعم يا أبا راغب، صدقت والله. ـ دعوا الحديث في السياسة للغد، سنناقش كلّّ شيء بالتفصيل بعد عشاء أبي عدنان المختار، والآن أرجو أن تحدّثوني عن أحوالكم مع الأرمن. قال المختار: ـ أنا سأترك الحديث لحين زيارتكم إلى البستان، وسترون بأم أعينكم كيف جعله الأرمن جنّة، والله لقد ندمت كثيراً لأنني لم أستضف المزيد منهم. إنهم نشيطون وعمليّون وأذكياء، ويقنعون بالقليل. سترى يا أبا راغب كم هم سعداء عندي؟ ـ الحمد لله.. وأنت يا أبا أحمد، كيف حال ولدك الآن؟ سكت أبو أحمد، ولم ينبس ببنت شفة، فذهل علي بك وقال متسائلاً: ـ ماذا حدث يا أبا أحمد؟ قل لي أرجوك. ـ لا شيء يا أبا راغب غير أن ولدي نسي أمه وأباه منذ أن تزوّج الأرمنية، فلم يعد يرى في الدنيا سوى عينيها الزرقاوين. فتنفس علي بك الصعداء، وقال باسماً: ـ ألا يروق لك ذلك يا أبا أحمد؟ ـ بلى والله، فسعادتي أراها من خلال سعادة ولدي الوحيد. ـ إذن لِمَ سكتَّ في البداية، وجعلتَ القلق ينتابني؟ ـ لقد تغيّرت زوجته بعد وفاة جدّها، وقد سمعتها تقول لأحمد أنها لن تظل عنده عند مجيء أهلها في السوقيات القادمة. ـ لا تقلق يا أبا أحمد، فلكل معضلة حل إن شاء الله، وأعتقد أنها عندما تضع وليدها ستتغيّر أيضاً، ولن تقوى على مفارقته. نظر علي بك في عيني أبي ياسين، فوجدهما لامعتين تشيان بأسرار لم تستطيعا كتمانها.. اقترب منه، وربّت على كتفه قائلاً: ـ كيف حال المخترع اليوم؟ ـ أنا بخير، وزوجتي ستلد لي إن شاء الله المولود الذي انتظرته طويلاً. ـ إن شاء الله.. الله كريم يا أبا ياسين. لم يستطع أبو احمد إخفاء ضحكة انفجرت عالية، فأذهلت الموجودين، أشار علي بك متسائلاً، فقال والضحكة ما تزال تملأ فمه: ـ أرجوك، اسأله عن أم زوجته. ضحك أبو ياسين وقال: ـ إنَّها مازالت واجمة لا تتحدّث إلاَّ بطلب رسمي، وإن تحدثت فإنها كابنتها تماماً تذكّر المؤنّث، وتؤنّث المذكّر. وروى أبو ياسين عدة أمثلة على ذلك، فضحك الجميع. التفت علي بك بعد ذلك إلى أبي صادق الميكانيكي، فرآه باسماً، وقد بدت عليه آثار النعمة والثراء، وقف أبو صادق عندما اقترب منه علي بك، فقال على الفور: ـ لديّ ثلاثة رجال، ليتهم كانوا ثلاثين. تصوّر يا أبا راغب بعد أن أتقنوا الصنعة وبرعوا فيها، وعدّلوا في عدد من الآلات، لم يعد يعجبهم عملي. يقولون لي كلّّ دقيقة: اجلس أنتَ ولا تفسد عملنا.. والله لا يدعوني أمسك مفتاحاً أو مقراصاً، جزاهم الله كلّّ خير. ـ وماذا فعلتَ من أجلهم؟ ـ بنيت لهم بجانب الورشة بيتاً من ثلاث غرف ومطبخ وحمام، وفيه فسحة واسعة، زرعوا فيها الأشجار والخضرة والورد، وجعلوه جنّة، لكنّ أمراً ما قَدْ حدث، ويجب أن تطَّلع عليه. ـ ما هو يا أبا صادق؟ ـ آرتين أحبّ فتاة تجاورنا، وشاورني بأمرها، فماذا أفعل؟ ـ لا يحق له الزواج من مسلمة إلاَّ بعد أن يعتنق الإسلام، هذا شرع الله، فإن فعل فعليّ الصِّداق وتجهيز العروس بما يليق. ـ لكن أحوالي جيّدة والحمد لله، ولن أبخل عليه بشيء. ـ زيادة الخير خير يا أبا صادق. أما أبو سلطان، فصاح بأعلى صوت عندما اقترب منه علي بك بكل عبارات الشكر والتقدير، وقد أدهش الحاضرين بأناقته، وعدم تنافر ألوان لباسه، وبدا كأحد وجهاء المدينة: ـ ما هذا يا أبا سلطان؟ ـ والله لأول مرة أشعر بأنني إنسان له كيان، ورغم زواجي مرتيّن، ولديّ سبع بنات، ما شعرت بلذّة الزواج وروعته إلاَّ الآن.. و/ميرنا/ هي السبب، إنَّها لا تدعني أخرج من البيت قبل أن تكوي لي ملابسي بعد أن تنتقيها وتمسح طربوشي، وتودّعني بقبلة على خدّي. ـ عظيم يا أبا سلطان.. أنتَ تستحقّ أكثر من ذلك، لكن ما شعور الضرّتين. ـ لو كانت ميرنا ديرية لما طلع عليها الصباح، ولكن لأنها غريبة لا تفهم ما تقولان فيها أحبّتاها. وتصوّر أنهنّ اتفقن عليّ في كلّّ صغيرة وكبيرة، وعندما أدخل البيت أجد ميرنا مرّة في غرفة زوجتي الأولى، ومرّة أخرى في غرفة زوجتي الثانية، وقد يجتمعن أحياناً في غرفةٍ واحدة. ـ أَلَمْ تغيّر اسمها بعد؟ ـ عندما عرفت معنى اسمها وهو (السلام) أحببتُ أن أناديها (سلام)، لكنّها تحب اسمها، وتصوّر زوجتي الأولى تسمّيها (مريومة) والثانية تسميها (مريولة)، وأدلّعها أحياناً وأناديها (ميمي). ـ أتمنى أن تكون ( ميرنا) سلاماً ووئاماً مع ضرتيها، لكن عليك أن تعدل بينهن لئلا تغضب الله، وينالك غضبهن. ـ أتمنى من كلّّ قلبي أن يستمر السلام والوئام، أمّا العدل فإنه مفقود والله، ليس بيدي يا علي بك. أصارحك القول بأنني أدعو الله أن يغفر لي زلّتي، وفي اليوم الذي لا أعدل فيه معهن، فإن صاحبة الدور تسوّد عيشتي والله، ومع ذلك فأنا راضٍ. أليس في ذلك عدل؟ ـ لا يا أبا سلطان.. ليس هذا هو العدل.. العدل تعرفه جيداً، وأجدادنا كانوا يقولون: "عند المسا تتساوى النسا". ـ ألا تعتقد يا أبا راغب أنهم واهمون، والله إنني لا أساوي ميرنا بأية امرأة أخرى. إنَّها تعرف جيّداً كيف تحبّ وتكسب قلب زوجها، وتعرف ما أحب، وتتحاشى كلّّ فعل لا أحبه. والله ما مرّة رأتني مهموماً، إلا وأزاحت عني الهموم بلمساتها السحرية، بعربيتها الركيكة، بابتسامتها العذبة الجميلة.. ـ وماذا بعد ذلك؟ ـ أصارحك القول بأن زوجتي الأولى قالت لي: إن وضعت (مريومة) مولوداً ذكراً، فسيزداد حبها ودلالها، وإلاّ فالويل لها، وهذا ما أكّدته زوجتي الثانية، فما رأيك؟ ـ يا أبا سلطان، هذا اعتراض على حكم الله ـ والعياذ بالله ـ قل لهما ذلك ولا تخف، فالله ارحم بعباده من الأم على وليدها، والآن أريد منك أن تخبرني عن ابنها الذي رافقها إلى بيتك. ـ سركيس.. إنه والله مثل ابني، لا يفارق ابنتي سلطانة، وقد علّمته العربية قراءة وكتابة، وسأضعه قريباً عند الملاّ حسن ليدرس العربية والقرآن، وكل شيء بثوابه يا علي بك. ـ بارك الله فيك. اقترب علي بك من أبي طارق، فوجده واجماً يفكّر. ـ ما بك يا أبا طارق؟ وأين طارق الآن؟ ـ الحمد لله على كلّّ حال. أخي سعد غضب مني منذ أن تزوج طارق بأرمنية، وعلا صوته، وقذفني بكلمات سامحه الله عليها، حتى إنه لم يحضر عرس طارق. ـ لماذا؟ ـ كانوا يريدون طارقاً لابنتهم. علماً بأنني كنت قَدْ طرحتُ هذا الموضوع على ولدي طارق أكثر من مرّة، وكان يجيبني بأن ابنة عمه مثل أخته ولا عاطفة لديه تجاهها سوى عاطفة الأخوة، فماذا أعمل؟ أريدك أن تحدّث أخي فهو يسمع كلامك، وكونه الأخ الأكبر لي فإنني حريص على طاعته وحبه، وعدم الردّ عليه إلاَّ بالحسنى، وقد أرسلت طارقاً مع زوجته إلى خالته في الحسكة بضعة أيام. ـ لا تهتم يا أبا طارق، سأستدعي سعداً صباح الغد إلى مكتبي وأتحدث معه. لا تهتم. قل لي ما اسم زوجة طارق؟ ـ /لوسين/ كما قال لي، ومعناه القمر. ـ بارك الله له فيها، وجعلها قمراً تضيء له عتمة دربه الطويل.. طارق شاب ناضج، وقد أعجبتني آراؤه في السياسة والاقتصاد، ودراسته الجادّة وتفوّقه في المدرسة. انتبه إليه جيّداً، وسيكون له شأن في المستقبل إن شاء الله. ـ إن شاء الله... ارتجفت القلوب، واختلجت الأطراف، وحملقت العيون، واشرأبّت الأعناق، عندما دخل خادم علي بك لاهثاً، وهمس في أذن سيّده كليمات، هزّ لها رأسه مراراً ثم ما لبث أن وقف ونظر في وجوه الحاضرين، واستأذنهم دقائق معدودة، ثم خرج من المضافة. بدأ الهمس يعلو، واللغط يكثر.. تُرى من القادم من رحم الليل؟! أي رعافٍ همت به سحابات الظلام؟! وأية حبلى جاءها المخاض على أعتاب الكلام؟! هو الليل نبع الظنون ووكر الأحلام، فكن يا ليل يقيناً وبشارةً وهاتفاً للسلام، ولا تكن يا ليل ذئباً وأفعواناً وعيوناً لا تنام.. ألقى الشك ظلاله على الوجوه الصفراء طويلاً، ما لبث الدم أن تدفّق إليها، لتقف الأجساد، وتشرئب الأعناق، وتنطلق الألسن مهلّلة مرحّبة.. خضر بك، ومحمد بك، وتركي بك، من ممثّلي لواء الزور في مجلس المبعوثان.. إنهم من كرام الناس خُلقاً وسلوكاً ووطنية، ولا غبار على إخلاصهم ووفائهم. قال خضر بك: ـ شرفٌ كبير أن نلتقي هذه الوجوه الطيّبة المؤمنة بحب الوطن، المدافعة عن شرف الأمة وكرامتها، وكان بودّنا أن نحضر اجتماع الغد، لكن أمراً طارئاً استدعي منّا ضرورة السفر إلى الأستانة صباح الغد، وسنلتقي عند عودتنا ونتحدّث كثيراً. تقدّم محمد بك، وقال: ـ باسمي وباسم زملائي، نبارك جهودكم الخيّرة في احتضان الأرمن. إنه عمل عظيم سيذكره التاريخ في صحائفه المشرقة، ونرجو أن تتكرر مثل هذا الأفعال، لأن القوافل مستمرة. ثم تقدّم تركي بك وقال: ـ أرجو ألاَّ تقلقوا من التكاليف المادية التي سبّبتها أفعالكم الطيبة. نحن سنرسل بانتظام كلّّ ما يلزم إلى لجنة المساعدات، ونرجوكم ألاّ تصطدموا مع جند الوالي وأزلامه، ودعوا مثل هذه الأمور لعلي بك فهو أدرى الناس بأخلاق الوالي وسلوكه، وأنا على ثقة بأنْ: لن يصيبكم إلاَّ ما كتب الله لكم. قال علي بك: ـ إن ما فعله المناضلون هو واجبهم، ولا مِنّة فيه، وإنهم على استعداد لاحتضان العديد من الوافدين، ولن يبخلوا بأيّ جهد أو مال، ونحن سنمدّ لهم يد المساعدة المادية والمعنوية، ولا خوف عليهم إن شاء الله. صحيح أنني أعرف الوالي قبل تسلّمه الولاية، لكنه صرّح لي بأن ضغوط /طلعت باشا/ وأوامر الباب العالي تضايقه كثيراً، وتلحّ عليه بالقيام بواجبه، والتسامح بحدود ضيّقة، وإني أعدكم أن يكون دائماً وأبداً إلى جانبكم. سنجتمع نحن غداً في بستان المختار، ونلبّي دعوته، ونتحدّث طويلاً. قال أبو ياسين مخاطباً أعضاء مجلس المبعوثان: ـ نخشى عليكم من فقدان أماكنكم في المجلس. ضحك محمد بك قائلاً: ـ يا أبا ياسين، أكثر من مرة حاولوا طردنا من المجلس، وقد نُطرد منه في أي وقت، أو نُعتَقل، أو نُنفى. فالأيام القادمة عصيبة جداً، ولسنا آسفين على شيء. أسفنا أن يستشري الظلم والعدوان، ولا أحد يستطيع أن يُجابهه أو يتصدّى له. ـ ماذا تعني بالأيام القادمة يا محمد بك؟ ـ الأيام القادمة يا أبا ياسين محَنٌ وامتحان لكم ولنا ولشعبنا، فلتكن صفوفكم متراصّة، وأيديكم على الزِّناد. كانت كلمات محمد بك يشوبها الأسى والحزن، ولم تستطع الابتسامة الصفراء التي ارتسمت على شفتيه أن تخفي معالم الفجيعة التي ستحل على لواء الزور، فالحرب الكونية شارفت على الانتهاء، وقد تكشّفت بعض نتائجها، والعرب قَدْ وقفوا ضدّ الأتراك، والجيش العربي على أُهبة الاستعداد، فاكتفى محمد بك أن هزّ رأسه مراراً، ثم استأذن مع زميليه بالانصراف، فشيّعتْهم النظرات بعيون قلقة. حاول المختار وزملاؤه الانصراف أيضاً، لكنّ المضيف أبى، فجاء العشاء، وجلسوا جميعاً يمضغون الطعام وبعض الكلام، حتى انتهوا، فخرجوا يسيرون بتؤدة، ويتحدّثون بصوت خفيض، وآخرون يرتّبون أحلامهم وأمانيهم في خزانة الوقت ولو إلى حين. (8) لم يكن نيسان /1916/ ربيعاً مزهراً بدير الزور، كان كسابقه يحمل سيف القهر ومتراس الرهبة.. يقتحم حصون الأمل، ويلوي أعناق الترجّي.. يفتح حقائب الصمت، ويجرف كلّ أحاديث الأمان.. بيوتٌ دُمّرت، وعائلات شُرّدت، لوى الموج ساعد الصبر عندما جرف النهر عدداً من الأطفال والحيوانات. تجمّع أكثر من خمسين رجلاً يرمّمون السدّ الكبير الذي انهار قسمٌ منه، ويدعمونه بالصخور السوداء، وصيحات النخوة والشهامة تدوّي، وصوت الكسّاري يعلو فوق كلّّ صوت: هاتوا الصخر هاتوا اْسلاك تا نقيّد النهر ونْقُلّه اْهلاك دوسوا السدّة، زين.. زين لا تخلّوها تعدّي غاد وهينْ دوسوا السدة زين يا نشامى دوسوها زين إخوة الريامى أمّا النساء فقد تجمّعن عند امرأة عرفتها المدينة مثالاً للشهامة والكرم والنخوة والإيثار.. إنَّها الشيخة فاطمة بنت محمد بك التي أنفقت جلّ مالها من أجل أن تغرس البسمة على شفاه المنكوبين والمتعبين.. كانت تقيم الولائم للفقراء والمساكين، وتوزّع عليهم المال واللباس والمؤن، وكان والدها يشجّعها، ويأخذ بيدها.. قال لها مرّةً: ـ يا شيخة فاطمة.. أتعرفين ماذا سنفعل إن ضاقت بنا الدنيا، ونفذ مالُنا؟! وكانت تجيبه باسمةً: ـ لا تخف يا أبي.. إنّ أحبّ الأسماء إلى الله هو (الكريم)، وأحب الناس إليه هم (الكرماء المحسنون).. لقد عفا الرسول الكريم محمد ( عن ابنة حاتم الطائي وقومها عندما وقعوا في الأسر إكراماً لأبيها الذي اشتهر بالكرم.. لا تخف يا أبي، لا تخف.. فإن الله لن يضيّعنا. كان محمد بك معجباً بذكاء ابنته، وسرعة بديهتها، فابتسم وربّت على كتفها قائلاً: ـ أكثري من العطاء يا أم بسام، فوالله لو توقفتِ عنه يوماً لأغضبتِ أباك. وكان أكثر من شيخٍ عرفتهم المدينة أيام الجوع، يولمون الولائم للجائعين، ويكسون العراة، ويبذلون المال بسخاء، أمثال الشيخ أحمد وجنيد والحاج رشيد.. كانوا يدورون في الأحياء، يوزّعون المؤن على المنكوبين، وقد بثّوا عدداً من الرجال يصيحون: من يريد مساعدة فليتجه إلى بيوت هؤلاء المحسنين. فتهافت الفقراء والمُعوزين إليهم من كلّّ حدب وصوب. بقعة ضوءٍ أخرى أنارت دياجير الظلام في حياة عدد من الرجال بعيداً عن جوّ النكبة، وما خلّفه الفيضان أمثال: أحمد الصبّاغ وأبي ياسين وأبي سلطان وطارق، إذ منّ الله عليهم بأولاد ذكور عدا طارقاً الذي كان نصيبه مولودة جميلة. أقاموا لأجلهم الاحتفالات، ولم تعد الدنيا تتسع لفرحتهم. أما الخلية الثورية التي اتّسعت رقعتها، وكبر فضاؤها، وتنوّعت مشاربها، فقد قادها المثقّفون والمناضلون الثوريون الذين شكّلوا جماعة العهد لتقض مضاجع العثمانيين، وكانت الأستانة تدرك جيداً أهمية لواء الزور ومقدرته الفائقة في قلب الموازين، وبخاصّة عندما مالت كفّة الحلفاء عليها، وجعلتها بين المطرقة والسندان، فقرّرت إرسال والٍ جديد إليها اسمه /علي سعاد بك/ الذي بدا لطيفاً وكريماً ومتسامحاً مع سوقيات الأرمن الجديدة التي تهافتت على اللواء، بحيث أمر بترحيلهم إلى حلب دون المساس بهم. وكان من بين القادمين بقايا أهل هاصميك زوجة أحمد الصبّاغ: أمها وأختها وخالتها، فقدْنَ الأب والأخ والابن.. احتضنتهم هاصميك بكل الشوق الكامن فيها.. دموع مدرارة تهطل بلا حدود، تبلّل الوجنات، وتحرق الشِّفاه، والنشيج يتعالى كلّّ هنيهةٍ، وصوت هاصميك الناشج يتساءل: ـ أمّاه.. أين أبي؟ أين إخوتي؟ ـ لقد رحلوا يا بنتي إلى حضرة الإله.. ـ إذن قُتِلوا؟ أليس كذلك؟ ـ لقد أُلقوا في هاويةٍ سحيقة قبل أن نصل إلى هنا بوقت قصير.. صلّي لأجلِهم يا بنتي. صرخت هاصميك صرخةً رجّت الأرض، أفزعت كلّ الواقفين، وسقطت مغشيّاً عليها.. حملها أحمد على ساعديه، وبلّل وجنتيها بدموعه مردّداً: ـ هاصميك.. حبيبتي.. يا أطهر النساء، ردّي عليّ.. لا تتركيني وحيداً.. إن لم يكن من أجلي فمن أجل طفلنا الرضيع. تحت ظِلّ شجرة على الشاطئ أجلسَها، ومسح وجهها بمنديله المبلل بالماء.. فتحت عينيها ببطء وتثاقل، فرأت خيالات ترمقها بعيون ذابلة.. اقتربت منها أمها، فأودعت وجهها الجميل قبلات محمومة.. همست في أذنها: ـ هل مازال جدّك حيّاً؟ بكت هاصميك ثانيةً، واحتضنت أمّها بقوّة وتمتمت ناشجةً: ـ لقد رحل يا أمي.. أثقل عليه المرض، وجاء العجاج ليكتم أنفاسه. ـ أين وليدك؟ ـ إنه عند جدّته في البيت. ـ ماذا أسميته يا بنيّتي؟ ـ على اسم جدي: سورين ـ بارك الله فيك، وحفظك الربّ. ـ أمّاه.. ألا تبقين معي؟ ـ لا يا بنتي لن نستطيع. قالوا لنا سنذهب إلى حلب. ـ سأرحل معك. والتفتت إلى أحمد، ثمّ ركعت عند قدميه تستحلفه بالله وبرسله وبحبها له أن يسمح لها بالرحيل مع بقايا أهلها.. طار صواب أحمد، واستحلفها بالله وبمحمد والمسيح أن تبقى مع وليدها وأهله في بيته، لكنّها أبت، وأصرّت على الرحيل.. ـ وابننا يا هاصميك؟! ـ إن أردتَ أن تأخذه فهو ابنك، وإن أعطيتنيه فسأشكرك من كلّّ قلبي.. أريد يا أحمد أن أحيا أو أموت مع أهلي.. اتركني أرجوك. ـ وإن قلتُ لن ترحلي؟ ـ سأقتل نفسي والله أمامك. ـ هاصميك؟ ـ أحمد.. أرجوك دعني. وقبّلت يديه، وركعت عند قدميه باكيةً.. ـ انهضي حبيبتي.. لم يستطع أحمد أن يكسر قيود إصرارها، فكان ينظر إليها نظرة استجداء وترجٍّ، وكانت تهز رأسها رافضةً.. ـ إذن سيبقى الطفل عندي، وارحلي إن شئت. سار ركب الأرمن، وقد زاد عددهم امرأة، لكنها ليست كأي امرأة.. أنها هاصميك. ولم يسمح حرّاس الرّكب لأي إنسانٍ أن يأخذ أحداً منهم.. همست هاصميك في أذن أحمد كليماتٍ ناشجةً، ورحلت. سار أحمد إلى حيث لا يدري، تعثّر في مشيته أكثر من مرّة، ولم تسعفْه عيناه الدامعتان من النظر جيّداً إلى حيث يسير.. توقّف هنيهةً، وضرب جبهته بكفّه، وتمتم متألماً: ـ كان عليّ أن أمنعها من السفر، وأحجر عليها حتى يبتعد أهلها. حاول أن يرجع إلى البيت ليمتطي صهوة جواده ويعود بها، لكنّ كبرياءه منعته، وتذكّر أنها قَدْ هدّدت بارتكاب حماقةٍ بحقّ نفسها، فهي عنيدة كما خبِرها. سارت به قدماه إلى بستان يعرف صاحبه، وجلس في ظلّ شجرة توت هرمة، وشرع يفكّر.. إنّه يحبّ زوجته حبّاً ملك قلبه وعقله، وأراد أن يبقى الطفل الوليد لديه، لأنه سيراها من خلاله، ولأنه سيبقى الذكرى الوحيدة المتبقّية لديه منها.. تذكر عندما كانت هاصميك تنادي ابنها: سورين. كيف كان يسارع بالردّ عليها قائلاً: إنه سوري. ليته كان سورين، وتبقى أمه إلى جانبه. وا أسفاه! لقد رحلت. وكان يدرك تمام الإدراك باستحالة عودتها.. تذكّر ما همست به قبل رحيلها.. لقد قالت له: (الولد أمانة عندك. أحسِن تربيته. وعوّض حناني له بحنان امرأة تليق بك). يا إلهي! ما أعظمها من امرأة! أخذ يضرب فخذيه بكفّيه، ويلطم وجهه بقوّة، ونشيجه يمزّق السكون، حتى غاب عن الوعي. لم يفق أحمد من سباته إلاَّ عند أذان العصر، وصوت صاحب البستان يذكّره بصلاة العصر. كان رأسه ثقيلاً مليئاً بالهواجس والظنون.. اسودّت الدنيا في عينيه. وعندما بدأ يمشي، أخذ يتمايل يمنةً ويسرة، ولا يكاد يرى شيئاً، فاصطدم بالشجر والحجر والبشر، حتى ظنّ بعضهم أن مسّاً من الجنون قَدْ أصابه. عاد إلى البيت بخطىً ثقيلة، شاحب الوجه، أشعث الشَّعر، وكاد يتهاوى على عتبة الدار لولا سماعه صراخ الطفل، فانتفض، وهرول، وخطف الطفل من بين يدي أخته حميدة، وأخذ يشمّه، ويبكي معه.. قالت له أمّه بعد أن هدأ: ـ إن الطفل يا ولدي لم يكفّ عن الصراخ منذ رحيل أمه.. حاولت النسوة إرضاعه فرفض المراضع، أعطيناه حليباً بقريّاً فرفضه، دلقنا في فمه نقيع اليانسون فلم يتقبله.. أرجوك يا ولدي، بحق أمّه عليك أن تأخذه إليها.. إن الطفل يذوب ببطء.. لا أريده أن يموت بين يدي.. أسرع به يا أحمد، فمازال في الوقت متّسع، لعل الله يحنّن قلب أمه فترجع، أو تكتب له الحياة معها.. كان أحمد يسمع كلمات أمه، وهو دامع العينين، وصراخ الطفل يتعالى، فلم يدرِ ماذا سيفعل! وحده الطفل كان يعرف أن اقتلاع الجذر مستحيل، وأنّ الدم لا يمكن أن يكون ماءً، وأن عبير الأم وعبقها لا يعادلهما في الدنيا أيّ شيء، وأن الظلمات الثلاث التي مكث فيها تسعة أشهر تناديه وتحثّه على المجيء.. الأم وحدها منبع السكينة والحب والحنان والطمأنينة.. الأم التي جعل الله الجنّة تحت أقدامها.. أمه التي آثرت أمّها، وضحّت بزوجها وابنها من أجلها.. يا للوفاء! الطفل رضعه من لبان أمه.. الطفل أدركه، وأبى إلاّ أن يترجم صراخه إلى فعل.. فكان ما كان.. أخذ أحمد يشمّ الطفل كلّّ هنيهة، ويبكي مع بكائه، فتمتزج الدموع، وتتعانق الآهات والتنهّدات.. "إيهٍ يا طفلي الغالي.. وحدك من ترجم الآه في مسارب الدموع لن تظلّ يا ولدي كلمةً مبهمة في سِفر التاريخ ولا في مهب الريح. ستنتظركَ دهورٌ بابتهاج وسرور.. وستكون رايةً لعشب يموج ولزهور تفوح أراك الآن خارج أسوار مملكتي أميراً وأنا الطريد أمدّ إليك يدي بلهفة ولا أصل إليك أي بني.. سترحل الآن لتداوي جناحك المكسور وتترك أباك خلف كومة غيمٍ كطائر الرعد ارحل بني.. استجمع ذاتك في رئتيك وكن قادراً على نسْلِ خيطٍ من عذوبة صوت أمّك وأرسله إليّ.." ـ أسرع يا أحمد.. أرجوك.. اذهب إليها إن كنت حقّاً تحبّها.. أنقذ الطفل يا أحمد. امتطى أحمد صهوة جواده الأصيل، وحمل طفله في حضنه، ولفّه بعباءته، وسار يخبّ، فوصل القافلة قبيل غروب الشمس بقليل.. قطع أكثر من ثلاثين كيلو متراً دون أن يدري.. وكان الأرمن يجرّون أرجلهم وأجسادهم عيّاً وعجزاً، وكلّما تهالك واحدٌ منهم على الأرض حملوه، ورشّوا الماء على وجهه، ليتابع معهم مسيرة اللانهاية.. صاح أحمد بأعلى صوت: ـ هاصميك.. هاصميك. التفتت هاصميك بذهول إلى مصدر الصوت الذي اخترق قلبها بقوّة، فصاحت دون وعي: ـ أحمد.. أحمد. يا إلهي! ما الذي جاء به؟ هل أصاب الولد مكروه؟! ترجل أحمد، والطفل في حضنه يبكي بكاءً يمزق الأكباد.. وضع الطفل على الأرض عندما أقبلت إليه، واحتضنها بلهفة، وكأنه لم يرَها منذ سنين. أخذت هاصميك طفلها بشوق وهو يبكي، وما إن ألقمته ثديّها حتى سكت وسكن إلاَّ من نشيجٍ غير مسموع يهزّه من آونةٍ لأخرى وهو يمتص لبن أمه، وعينا أحمد تغوصان في عيني زوجته باشتياق.. ربّاه.. إن أعطيتَ فلِمَ تأخذ؟ وإن أخذتَ فلا تحرم. ربّاه.. ابني وأمه ضيفان عندك يا الله.. يا من لا تضيع ودائعه إنّي أودعهما عندك.. ربّاه أنت القادر على أن تجمعني معهما، لا تتركني وحيداً، أجترّ القهر والحرمان، فأنت الكريم الجواد.. أكرمْني بهما، وارحمني وارحمهما. أفاق أحمد من شروده على صوت طفله وهو يناغي أمه فتناغيه، حتى أخلد رأسه في حجرها، وتملّكه النعاس فغفا على صدرها متشبّثاً به. ـ أصيل يا أحمد.. لن أنسى صنيعك هذا مدى العمر. ـ أرجوك يا حبيبتي أن تعودي إلى بيتك، والله لن أهنأ بالعيش في غيابك. ـ قلت لك يا أحمد تزوّج وانسَني، فلن أترك أهلي، أرجوك إن كنتَ تحبّني فارحل أنت وابنك قبل أن يستيقظ، وإن شئتَ اتركه لي، وأقسم لك بالله وبكل المقدّسات سيعود إليك إن أبقاه الله حياً. ـ خذيه يا هاصميك كما أخذت قلبي وروحي وعقلي. بكت هاصميك طويلاً على كتف أحمد وعانقته بحرارةٍ عناقاً ممزوجاً بالدموع، وقالت له ناشجةً: ـ أرجوك أن تتزوّج غيري، واعلم أن الله لن يخذلك، لأنّك طيبٌ وصادقٌ ووفي. رحل أحمد بعد لأيٍ، وكان يتلفّت كلّّ آونةٍ إلى حيث زوجته وولده، ملوّحاً بيده، وكان يرى عن بعدٍ تلويحةً متعبةً تردّ عليه. (9) لم يجرؤ أحدٌ ممن في المجلس أن يكلّم علي بك، وإن عرفوا سبب وجومه وكآبته.. كان يعتصر رأسه كلّّ هنيهة، وعيناه الصغيرتان تحملقان في أعمدة سقف المضافة، وما حوته من أعشاش لطيورٍ لم تجد الأمان إلاَّ فيها. وحده المختار من بدّد جوّ الكآبة، وقطع حبل الصمت عندما اقترب منه قائلاً: ـ لقد آلمنا جميعاً ما حدث، أنت تأمر ونحن ننفّذ.. رفع علي بك رأسه الصغير، وقال بألم: ـ لقد نقلوا /سعاد بك/ تأديباً إلى بغداد، واتّهموه بالتساهل وعدم إطاعة الأوامر، وجاءوا لنا بأقذر والٍ عرفته الولايات العربية على الإطلاق.. إنه /زكي بك الجركسي/.. مجرم خطير لا يحمل في قلبه إلاَّ الحقد والكراهية.. منذ يومين جاءت إلى الدير قافلتان من الأرمن، أمر بترحيل قافلةٍ إلى حلب، أما الثانية فأمر رجاله بأخذها إلى جبال (الولي) المحيطة بأحد أطراف المدينة، وقتلهم رمياً بالرصاص، وكان ينظر إليهم بمنظاره، ويتلذّذ بعملية الإبادة، حتى إذا ما تمت بإتقان تنفّس الصعداء، وجلس ينتظر قوافل أخرى.. فهل هذا الوضع مريح؟ وهل يمكننا المضيّ معه بسلام؟! قام أبو ياسين منتفضاً، وسار عدة خطوات، حتى أصبح في مواجهة علي بك، وقال: ـ أتحبّ أن أخلِّصكم من شروره وآثامه؟ أعطِني الأمر، وأقسم بالله أنه لن يرى الصباح. ـ يا أبا ياسين.. إن قتلنا واحداً فإنهم سيقتلون منّا ألفاً. اسألني أنا. لم تحِن الفرصة بعد لعملية الاغتيال. علينا أن ننتظر أياماً، بل ربما شهوراً قليلة حتى نقرأ فاتحة الخلاص.. إنّي أخاف عليكم من الذئب المجروح يا إخوتي. كلّّ ما أطلبه منكم المزيد من الحيطة والحذر، والحفاظ على حياة الأرمن الموجودين في بيوتكم. ـ ماذا تقول يا أبا راغب؟! إن الأرمن الموجودين في بيوتنا أصبحوا أهلنا، وأقسم لك بالله ثلاثاً، سأدّمر بيت الوالي بمن فيه، إن تعرّضت أم ياسين أو أمها لسوء. أقسم المختار، وأبو صادق الميكانيكي، وأبو سلطان الجابي، وأبو طارق، وعدد كبير ممن حوتهم المضافة يمين الوفاء. قال أبو عدنان متهكّماً: ـ ماذا فعل لنا ممثّلونا في مجلس المبعوثان يا أبا راغب؟! ـ فعلوا كلّ الخير، تقدّموا بطلبٍ عاجلٍ إلى الباب العالي لنقْلِ والينا، وقالوا بصريح العبارة: إن الشعب ينوي قتلَه إن لم يُنقَل، وإن شاء الله سيتمّ هذا الأمر. كانت الأيام صعبة، والدير تعيش حياة الحذر والقلق، فالوالي الظالم يفعل ما يحلو له، لم يستطع أحدٌ أن يسهر في بيتٍ آخر غير بيته، فلا مضافات، ولا أفراح، بل أتراح متجدّدة.. الكل محكوم عليه بالخوف والطاعة. المحال التجارية، وخانات الحبوب والأقطان مباحة للوالي وأتباعه، ولا أحد يردع الظالم عن ظلمه. دعا علي بك لاجتماع عاجلٍ في بستان أبي عدنان بعد صلاة العشاء.. اجتماع أحيط بالسريّة والكتمان. ذهب المناضلون فرادى، ومن طرقٍ متعرّجةٍ لا تثير الشكوك أو الظنون، وعندما التأم شمل الجماعة. قال علي بك متألِّماً: ـ لقد أعدم الظالمون مجموعة كبيرة من الثوار في دمشق وبيروت، وسورية تلتهب، وعلينا أن نتضامن معهم بكل ما أوتينا من قوّة. رحمة الله على الشهداء الذين ينيرون لنا طريق الحرية والكرامة بدمائهم الزكية.. إنَّها ضريبة الخلاص يا إخوتي، وعليكم بالمزيد من الحيطة والحذر. قال أبو ياسين: ـ ألَمْ تردْكَ تعليمات للتحرّك؟! ـ لا. وسأبلغكم بها فور ورودها، فجمعية العهد مازالت مجتمعة في مركزها الرئيس بحلب. قال أبو طارق: ـ ما أخبار ثورة الشريف؟ ـ مسألة وقت وستسمع أخبارها الطيّبة، وثمارها اليانعة ستعمّ القطر. اطمئن يا أبا طارق.. الأمور بخير. قال أبو عدنان: ـ أرى أن يكون البستان مقرّاً لاجتماعنا كلّّ يوم خميس ريثما تنقشع الغمّة. وهذا هو رأيي، وإن شاء الله الخلاص قريب. وكان الخلاص قريباً، تنفّس المناضلون الصعداء، عندما أثمرت جهود ممثلينا في مجلس المبعوثان، وقرّرت الأستانة نقل زكي بك، وتولية عبد القادر بك، ليكون عام 1917 عام خير وبركة. قال علي بك لجلساء مضافته: ـ قاتل الله (زكي بك).. أتدرون أنه بثّ عيونه في الأيام الأخيرة له لمراقبة تحركاتي من الصباح إلى المساء؟! كنتُ أراهم في كلّّ مكان أذهب إليه، لقد حاصرني ذلك المجرم حصاراً رهيباً، وأكثر من ذلك أنه طلب منّي بتهديد مبطن أن أشي بالوطنيين الثائرين مقابل إطلاق يدي في أمور اللواء، وعندما رفضت هدّدني بالطرد والنفي إن لم أستجب خلال عشرة أيام، فسخرت منه، وهددته بأنني سأتوجّه إلى الأستانة مع وجهاء اللواء محمّلاً بعريضة موقّعة من كافّة شرائح المجتمع معلنة فساد الوالي وطغيانه. ضحك وقتذاك وقال معتذراً: إنني أمازحك يا علي بك. قاتله الله كان ساديّاً يتلذّذ بتعذيب الآخرين حتى مع أقرب خلصائه.. إنه لا يثق بأحد، ويتمنى الموت للجميع. قال لي أحد حراسه وكان وطنياً: والله يا علي بك حاولت أكثر من مرة اغتياله، لأخلّص الجزيرة والفرات من شروره وآثامه، لكنك لم تعطني الأمر بذلك، وعندما قررت قتله دون إذن منك شفع له قرار نقله، وروى لي قصصاً تقشعرّ لها الأبدان عن عمليات تعذيب الأرمن، والتفنّن بقتلهم.. على كلٍّ الحمد لله الذي أزاح ذلك الكابوس عن البلد وأبنائه. قال المختار: ـ أخشى أن يكون عبد القادر بك مثله. ردّ علي بك بصوت عالٍ: ـ لا يا أبا عدنان. عبد القادر بك رجلٌ مثقّف ولطيف. أعرفه جيداً، وقد وافق على إصدار جريدة باللغتين العربية والتركية، سأجعلها منبراً حرّاً للأدباء والمفكّرين والوطنيين الأحرار بإذن الله. وقف أبو أحمد الصباغ، وهو في حالة يُرثى لها، وقد أثقلته الهموم والمتاعب، فاقترب منه علي بك، واحتضنه، فأجهش أبو أحمد باكياً متمتماً: ـ ولدي أحمد يا علي بك. أرجوك أنقذه. إنه يقتل نفسه. ـ ألمْ يصْحُ بعد؟ ـ لا والله.. إنه يزداد سوءاً. لا يأكل إلاَّ ما يسدّ به الرمق، أهمل نفسه، وأطال لحيته، وصار يهذي في الحلم واليقظة، حتى اتّهمه الناس بالجنون. أرجوك قل لي ماذا أفعل؟ ـ يجب أن تزوّج ابنك بأسرع وقت يا أبا أحمد، وأنا على ثقةٍ بأن الزواج سيخرجه من تلك الصدمة. ـ أزوّجه؟ ممّن؟! ـ أرسله إلى مكتبي قبل صلاة الظهر، وسأناقش معه هذا الموضوع. همّ أبو أحمد الصباغ بتقبيل يد علي بك. إلاَّ أن عليّاً أزاح يده بسرعة، وحال دون تقبيلها قائلاً: ـ أستغفر الله.. لا يا أبا أحمد. أرجوك ألاّ تفعل ذلك ثانيةً، فأنا أخوك ورفيق دربك، وإذا لم أقف إلى جانبك في الملمّات، فمتى سأقف؟: عسى فـرَجٌ يـأتي به الله إنه * * * * * له كلّ يومٍ في خليقته أمرُ إذا اشتدّ عسرٌ فارْجُ يسراً فإنه * * * * * قضى الله أنّ العسر يتبعه اليسرُ ـ إن شاء الله على يديك يأتي الفرج واليُسر. ـ أهلاً بك وبولدك. أرسلك إليَّ. وسترى. ـ هل أرافقه في المجيء إلى مكتبك؟ ـ لا مانع من ذلك، بل أراه الأفضل من أن يأتي وحيداً ويضعف أمامي. تعال معه. أريد أن أعزّز ثقته بنفسه. التفت علي بك إلى وجه أبي ياسين، فرآه مطمئنّاً. ابتسم وقال: ـ كيف حال ياسين وأمه وجدته؟ ـ ياسين بخير، يحدّثني وأحدثه، ويلعب بقطع السلاح، ويبكي إن فارقها، وأمه تحسّن كلامها، أما حماتي فأمرها مازال محيّراً. ـ ما المحيّر في أمرها؟ ـ إنَّها تخفي أمراً لم أتبيّنْه بعد. ضحك المختار قائلاً: ـ لم يقل لنا أبو ياسين، هل ولده يتحدّث معه بالأرمنية أم لا؟ أما حماته فأنا أخمّن أنها تفكّر بالزواج. قال علي بك: ـ اعتنِ بهم يا أبا ياسين جيّداًُ، فهم أمانة عندك. ـ والله يا أبا راغب لم أقصّر، ولن أقصّر إن شاء الله. التفت علي بك إلى أبي صادق الميكانيكي وقال: ـ لقد بلغني اتّساع ورشتك وسمعتها الطيبة. ـ هذا بفضل الله وفضلك، وفضل الأرمن الطيبين. ـ سمعتُ أنك زوّجت آرتين. ـ بعد أن رفض تغيير اسمه ودينه تزوّج أرمنيّةً كزميليه. ـ لكن كيف تمّ لهم ذلك والقافلة كانت مراقبة؟! ـ ظلّوا ينتظرون القافلة، وعندما رأوها على الضفّة الأخرى، عبروا النهر بقارب صغير، واستطاعوا لقاء مبلغ من المال أن ينتقوا ثلاث فتيات منها، ثمّ عادوا بالقارب وبهنّ إلى الورشة سالمين. ـ أبطال والله، وماذا فعلت لهم؟ ـ زوّجتهم للفتيات، ودفعتُ مهرهم، وزوّدتهم بكل مستلزمات الزواج وهم الآن في غاية السعادة. ـ بارك الله فيك. هذا الخبر أسعدني كثيراً. تقدّم علي بك من أبي سلطان، وقال باسماً: ـ ما أحوال جابي بلديّتنا؟ ـ ولدي سلطان سعيد، وبإذن الله سيكون سلطاناً غير تركي. ضحك علي بك وقال: ـ وماذا يمنع أن يكون مثل السلاطين الأتراك إن كان عادلاً ورحيماً؟! ـ لا يا أبا راغب.. أريده سلطاناً للعقل والرحمة، للعلم والمعرفة، للوفاء والإيثار.. أريده سلطاناً بأقواله وأفعاله.. أريده سلطاناً يحمي أخواته السبع ونسائي الثلاث من مكائد الدهر وصروف الأيام.. ـ إن شاء الله يا أبا سلطان.. إن شاء الله. نظر علي بك في وجه أبي طارق، فرآه سعيداً، قال: ـ في عينيك يا أبا طارق حكاية، أرجو أن تفصح عنها. ـ والله يا أبا راغب، لقد جاءني أخي وصالحني، لكنه عاتبني لأنني نقلت إليك ما جرى بيننا. ـ المهم أن الأمور سارت بهدوء، وأن المياه عادة إلى مجاريها. ـ الحمد لله، وكل الشكر والتقدير لك يا علي بك. ـ وطارق.. ما أحواله؟ ـ طارق كان بودّه الحضور لولا أنه تعب من السفر أما أحواله العائلية فهي ممتازة والحمد لله. ـ وفّقه الله، قل له بأنني أتوق إلى رؤيته. ـ إن شاء الله سيحصل ذلك. قال المختار مستفسراً: ـ أحد الأئمة عندنا أفتى بتكفير كلّّ من يقف مع الفرنجة ضد الأتراك المسلمين، ويعدّ ذلك ـ إن حدث ـ خروجاً على الدين، فما رأيك؟ ـ مسكين هذا الإمام، سيدرك فيما بعد خطل رأيه وخطره، ومن ثم لا يحقّ لإمام مسلم أن يكفّر مسلماً صحيح أن بعض الأئمة مشبعون بالفكر السلفي، وأن الأتراك قَدْ جنّدوهم لخدمة مآربهم الخبيثة: أظهروا للنـاس ديناً * * * وعلى الدينار داروا ولـه صاموا وصلّوا * * * ولـه حجّوا وزاروا لو بـدا فوق الثريّا * * * ولهـم ريشٌ لـطاروا هؤلاء يا مختار الدين الإسلامي الحنيف بريء منهم، ولا يمثّلون الوجه الحقيقي للشعب الفراتي العظيم. قال أبو ياسين: ـ يا أبا راغب.. منذ يومين قال لي أحد الضباط الأتراك ـ عندما جاء إلي لأصلح سلاحه الفردي ـ كلاماً يشي بقرب الخلاص. ـ أجل يا أخي، فالقوات التركية تقهقرت في كلّّ مكان، لكن لن يتحرر الوطن العربي، بل على العكس سيتجزّأ إلى دويلات يخضع قسم منها لفرنسا وقسم لإنجلترا، وبقية الدويلات إلى الدول الحليفة.. الوضع سيصبح خطيراً يا أبا ياسين، وسبق أن قلت لكم إن الأيام القادمة لن تكون مريحةً أبداً.. محَنٌ وهموم ثقال.. وغداً ستقرؤون في صحيفة (الجول) مقالات وقصائد ربما تعترض طريق المناضلين.. ستقرؤون ربما لآخر مرّة خطورة ما يكتب الأدباء والثوار. ـ ماذا تعني يا أبا راغب؟ ـ أعني بأن الطريق لن يكون ممهّداً لأقلام الثائرين، وأن دروبهم محفوفة بالمخاطر. وحدث ما توقّع علي بك. لقد غُرست الأشواك في أيادي الأدباء والثوار، والعلماء المتنوّرين، لكنهم استطاعوا بعد جهدٍ جهيد اقتلاعها، وكلهم عزم وتصميم على المضيّ قُدُماً نحو التحرير. تسلّلت الصحيفة إلى قلب الأستانة، ودقّت الباب العالي بعنف، وخلعت عمامة الصدر الأعظم، وأشاعت البلبلة في صفوف السلاطين، وعمّقت شرخَ الحدث، فكان هناك تياران متناقضان تقاسما تحليل الواقع ورسم ملامحه وأبعاده. قسم كان يصرّ على الخلافة الإسلامية بكلّ عجرها وبجرها، وهذا ما أراح الولاة والقادة الأتراك، والقسم الآخر كان يرى ضرورة الخروج من الرداء التركي، والمعطف الأوربي، وكانوا يحلمون بالخلافة العربية. وكان لكل قسم أنصارٌ ومؤيّدون، وهذا ما أثار حفيظة الأتراك، فضيّقوا الخناق عليهم إلى درجة أن هاجر بعضهم إلى دمشق وحلب ليكونوا باستقبال الفاتحين العرب الذين علَت بشائر نصرهم سماء الوطن العربي. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |