السفر إلى حيث يبكي القمر ـــ سها جلال جودت

رواية ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2005

Updated: Saturday, July 09, 2005 10:08 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

- 4 -

معاملته السيئة وأدت قناعتي في بعض ليرات كنت أدسها خلسة في جيب بنطالي، ولأن الإحساس بالقهر وبالظلم قد دفعني إلى مدّ يدي حين أشعر بالحاجة الشخصية، فقد بدأت أفكر بما هو أكبر من ذلك بكثير!.‏

ورغم شكوكه التي ساورته غير مرةٍ، كانت أكاذيبي المفتعلة تجعلني أخرج من خرم الإبرة حتى وقعت في شرك غلطة العمر!.‏

بعتُ سيدة أنيقة وجميلة بعض أشياء من بينها قلم أحمر الشفاه وقلم أسود لكحل العين، لم يكن يخطر في بالي أن المرأة ستعود تريد استبدالهما بعد أن أخفيت الثمن في جيبي، وحين عادت تريد أن تستبدلهما، كان حاضراً فانكشفت سوءة ما فعلت!.‏

وجدت نفسي، بعد خروجها، بين يديه مثل حيوان يتلقفني حائط المحل، وغصص من دموع متحجرة ازدحمت في حلقي، لتسقط المفاجأة التي أنقذتني، تبددت ملامح الرجل الساخط بغضبه المريع إلى بشاشةٍ أذهلتني، فرْحْتُ أحدق في وجهه أكثر من كل مرة، "من هذا الرجل ؟ " إنه يقول وبهدوءٍ: - بابا، إذا ممكن تشتري " كازوز".‏

غرقت في محيط من القهر، كنت غريقاً وأنا على سطح الأرض أتنفس، وقيعتي بين يديه انحفرت في تلافيف الذاكرة مثل شامة مرضية لا تعني الصحة أبداً.‏

إذن تدعني وشأني حين تدخل صاحبتك المحل، هذه الفتاة الشقراء استحوذت على كلّ ما فيك، أتحسبني غبياً لا أفهم في هذه الأمور ؟.‏

وحين تخرج يلبسك شيطان الانتقام، ملامحه، شيطان القبور يشبه ملامحك الآن، أسمع صوت قهقهاته، اللون الأزرق يتحول إلى سوادٍ مشوبٍ بالزرقة، ماذا تقول ؟ سأعمل أجيراً عند الكهربائي أبي بكري وتلك الشقراء ستحل مكاني " يا لرحمة الشقاء !".‏

بضع دقائق مرت كأننا غرباء لا نعرف بعضنا حتى انسلت خطواتي بعد أن غادرت المحل في أصيل حي الميدان وئيدة، وئيدة أصبحت ألف وأدور في الشارع ذاته من غير أن أعرف ما أريد وعما أبحث حتى تعبت!.‏

في البيت كان إخوتي ينامون على الأرض بلا غطاءٍ وبلا فراش ٍ وأختي فريدة متكورة مثل حمامة ورقاء حزينة! راعني المشهد، كادت دموعي تتساقط، كان قلبي ينبض بارتعاش ٍ باردٍ !!‏

أيقظت أختي بهدوءٍ :‏

- فريدة، فريدة انهضي، وحين فتحت عينيها فركتهما ونظرت في وجهي ثم نهضت من غير أن تقول شيئاً.‏

ساعدتها على مدّ الفراش ووضع "المخدات"، حملتهم واحداً واحداً إلى الفراش، ما أذكره عن الليلة تلك أني كنت شبه نائم، وفي الصباح تأملت الوجوه، كانت فريدة مثل ملاك طاهر فردّ خصلات الشعر على "المخدة" فاحتوتها، اقتربت منها همست برفق ٍ :‏

- فريدة... انهضي.‏

فتحت عينيها وبخفوتٍ واضح ٍ قالت :‏

- صباح الخير.‏

- صباح النور.‏

أورثني استيقاظهم متوعكين من الكآبة والحزن على ترك أمي البيت بعد شجارها مع أبي حين خرجت جدتي شعوراً بالكره نحوها هذه التي تتركنا ولا تجعلنا نشعر بمعنى الحنان والهدوء والأمان، واحدة مثلها لا تستحق أن تكون أماً!!‏

فتشتُ عن علبة كبريتٍ فلم أجدْ، طلبتُ من ناجي أن يسأل جارتنا أم نوري التي ما إن سمعت بحاجتنا إلى علبة الكبريت حتى سارعت إلينا وهي تدمدم ببعض كلمات خافتة عن حرد أمي !.‏

وفي غوص معاناتي داخل جدران أحزاني التي تؤويني وإخوتي جعلتني أشعر أني أكبر من عمري بسنواتٍ، وجعلتني أحس أنها أكبر من عمرها بسنواتٍ !.‏

كانت نظرات عينيها تثيران في نفسي عالماً بدأت أحلم به وأفكر في كيفية الدخول إليه، كنت أحس بهذه المشاعر تريد أن تفيض على العالم بالجنى وأنا أرمق صدرها الناهض بإعجابٍ فأقرأ الانشراح على وجهها لحظة أحدق في تكور نهديها الصغيرين الذين بدأا ينموان من تحت "البلوزة" الضيقة!‏

والذي كان يثير دهشتي جرأة نوال حين تختطف قبلة سريعة من خدي بعيداً عن وجود أمها وتتوارى مثل فراشة كانت لتوها موجودة ثم اختفت!.‏

في ذلك الصباح عملت جارتنا أم نوري على تنظيف الأواني وكنس الأرض ومسحها تساعدها أختي فريدة، وبناءً على ما طلبته جارتنا أنزلتُ كيس الزبالة، رميته قرب الحاوية، ولم أدفع به إلى جوفها، فاشتممت رائحة عفن عطن قريبة الشبه من رائحة نفسي وأفكاري، تابعتُ طريقي نحو محلنا بتلكؤ مقصود، فهو ليلة البارحة لم ينمْ معنا، ترى أين نام !.‏

وبدأت أخمن، ربما كان عند أمه، وربما كان عند واحدة من فتياته الشقراوات، أو ساهراً عند واحدٍ من أصحابه يلعبون الورق، فجأة هذه التخمينات توقفت !.‏

حين شاهدني انطلق من داخل المحل بسرعة والعقدة المرسومة على حاجبيه لا تفارقه، والتي اقترنت بلهجته القاسية:‏

- لمَ تأخرت، ألمْ أقلْ لك لا تتأخر، هيا امض ِ معي !.‏

أغلق باب المحل وقفله بالمفتاح، فتبعته مثل جروٍ جريح ٍ ساكتٍ عن النباح، ووقفت أتزود بالصور الجديدة.‏

تصافحا، تحاورا ببضع كلمات عن أحوال السوق، ثم دعاه الرجل إلى فنجان قهوة فجلس، شرب القهوة، وضع الفنجان على الأرض، والتفت ناحيتي وبنبرته المتسلطة:‏

- افتح ذهنك واسمع الكلام، لا أريد شكاوى ولا مشاكل أتفهم!!.‏

تركني ظلالاً متكسرة ومضى، تركني ظلالاً تئن ليكبر مقت وحقد من جعلني مسوراً بعفونة الإنجاب وألف غمامة من الغمّ والأسى تلّف روحي، ومن الطبيعي أن يجعلني هذا الموقف رافضاً كلّ الرفض أن أكون أجيراً للأجير، فمنذ اللحظة الأولى حاول استفزازي بفرض أوامره عليّ:‏

- اغسلْ فناجين القهوة وتعالَ ساعدني.‏

كان أبو بكري خارج الدكان يدخن سيكارته وهو يتراهن مع جاره السمان عن سحب اليانصيب، وحين سمع صوت صرخة في أنة صادحة سارع نحونا!.‏

رميت بالمفك نحو وجهه فأصابه جرح بسيط في خده دمى بعض الشيء، فصرخ أبو بكري في وجهي:‏

- يا بن ال-- ؟!‏

وابتلع ما كان سيقوله، وأنبأني أنه سيشكوني إلى والدي!.‏

الأشقياء لا يُِكذبون أخبار بعضهم، فسرعان ما جاء المسيطر على حياة ولي العهد، جاء ساخطاً، غاضباً، وفوق كلّ هذا وذاك لاعناً يوم ولادتي، يسبني في مقتٍ من بغضاء ويشد أذني في تقزز، كأني لست ولده، فأقرأ تباشير ابتسامة شامتة مازلت أذكر وهج انتصارها في أجواء روحي المعذبة!.‏

ومن بادلتني مقام الرئاسة في المحل ترفض وجودي في فترة الغداء ووالدي يختم على رأيها بالشمع الأحمر، فكل شيء من حقه، المحل، البيت، الأولاد، النساء، وزهرة الربيع المقطوفة الكرة في يدها !.‏

في نهاية الأسبوع جئته فارغ اليدين لم أقبض أجراً، اكفهر وجهه وبلهجة سافرة عن كوامنه المادية الرديئة قال:‏

- تستحي عينه من عيني، على الأقل تشجيع، ناس ما في ذوق !.‏

ضحكت نفسي في داخلها بصمتٍ، كادت ضحكتي تصدح بنذير شماتة وسخرية:‏

" ألم تتخذ قرارك بتعسفٍ من جشع الذئب وطمعه الراقص في داخلك أن أترك المدرسة، ما قالته معلمتي، أني ربما أكون في يوم من الأيام ذا شأن في مجال الأدب إن تابعت تحصيلي الدراسي وقُيض لي الظرف المناسب، أنت لم تسأل لتعرف أني كنت الأول في المدرسة والمتميز الوحيد في كتابة مواضيع التعبير.‏

قتلت المستقبل، قتلت فرحة الغبطة من النجاح الذي حققته يوم أحضرت تقدير نجاحي بترتيبٍ ممتازٍ، وبوحي ٍ من أناك المسيطرة تركتني أهدر الوقت أمام أفلام "الفيدو" من دون أن تسألني:‏

- هل انتهيت من واجباتك المدرسية ؟.‏

والأكثر أهمية من كل هذا أن أكون بين يديك مثل عامل تنظيفات مطيع، ومطيع جداً لسادته في قطاع النظافة، واليوم آتيك حاملاً في يدي نتيجة الرسوب، وحيداً أحمل نتيجة الرسوب، وحيداً أبكي، ما عاد في مدرسة، من البداية عارف ما مصيرك، تمديد الكهرباء تُدرّ ذهباً، تعلمها !.‏

والآن تسألني ما أعطاك ؟... ناس ما في ذوق... اّ... تستحي عينه من عيني، لأفقد الرهبة من أنك أبي!.‏

ويأتي المساء محملاً بالصمت ويعود المتخاصمان إلى بيت الأحزان كأنهما غريبان لا يعرف أحدهما الآخر!.‏

ونحن نصعد الدرج فوجئنا بجارتنا أم نوري، كانت واقفة تنتظرنا وبهدوءٍ قالت المرأة الغريبة :‏

- أبا غالب، الله يرضى عليك، أم غالب فوق أحضرتها أنا، حرام الأولاد مالهم ذنب وأنت ابن ناس وبتفهم بالأصول.‏

هزَ رأسه وابتسم في وجهها بمكرٍ كي ينفي الشكوك عن نفسه قائلاً:‏

- كله خير.‏

وداخل البيت لم يكن للخير الذي نرجو أي وجود، حين دخل لم يسألها عن أي شيء، ولم تتحرك هي من مكانها، كلّ الذي فعلاه أن نام كلّ واحدٍ منهما منعزلاً عن الآخر ووجهه عابسٌ!.‏

- 5 -‏

قبل صلاة الجمعة صبيحة اليوم التالي قال لأختي فريدة كأنه يريد أن يؤكد على سيطرته:‏

- قولي لها أن تطبخ " عدس بحامض ".‏

ومن كانت ممسوسة "بالليفة" والصابون، ومن كانت تجر ظلال قهرها وخيبة أملها في أن تكون سيدة منزل مرغوب بها، انهمكت في تنظيف البيت والغسيل المتراكم فتأخرت عن الطبخ.‏

كانت فرصة مواتية جاءته على قدميها ليثور في وجهها مثل فيل طاش عن قطيعه، لأستشعر من ذلك الزجاج المتناثر الذي تلقفته الأرض في زوايا المطبخ حزناً آسراً يتردد في أعماقي كلما هاجت في نفسي هذه الذكرى.‏

- ما الذي حصل؟ وأي ذنب ٍ عظيم ٍ اقترفته لينصب حقده على هذا الشكل وعلى مرأى من صغاره؟.‏

- أيعقل أن يكون ذلك السبب سبباً قاطعاً لثورة ٍ لا تشبه إلا نفسها؟.‏

بين هول هذه اللحظات القاسيات كان أخي الصغير مازن يشهق في بكاءٍ راجفٍ من شدة الرعب.‏

حاولت إسكاته وإيقاف رقص الذئب في دقات قلبي الذي صار مثل الرعد، ضغطت على أعصابي، أسأل نفسي:‏

- لماذا لم أضربه دفاعاً عن أمي ؟!.‏

أجل لماذا لم أضربه دفاعا ًعن أمي، تلك التي زرعت في نفسي أنا الآخر انطواءً منعزلاً لمشاعري نحوها لكني إزاء ما سمعته حنّ قلبي، سمعتها تبكي بصوتٍ مسموع ٍ، كانت هذه هي المرة الأولى التي نسمعها تبكي، خرج صوت بكائها حزيناً مشوباً برائحة الألم كانت تريدنا أن نقف في وجهه، أن نلتف حولها ونصرخ في وجهه ونطرده كما يطردها، لكننا لم نفعل !.‏

داخل هذا العراء من أم ٍ هاجرة ٍ لكوامن صغارها وأب لا مهابة في شخصه، لأن الرهبة من أفعاله وأقواله كانت هي الساكنة في ذاكرة الخلايا والأحاسيس والتي جعلتنا نقف كالمتفرجين كلّ في زاوية عدا مازن الذي جلس قرب أمه يواصل بكاءه، كنا نعيش حياتنا!.‏

في تلك اللحظات الكئيبة هاجمتني أفكار شتى، وفي لحظات متقدة كنت في الشارع أضع نتف الزجاج المتكسر داخل الحاوية كأني أضع ميتاً مؤذياً!.‏

وأنا أصعد سلالم الدرج أطلّ وجهها من فتحة الباب واقتربت مني قائلة ً:‏

- أهلاً غالب، ما بك؟‏

- أهلاً نوال ما في شيء.‏

(بصعوبة أزحت سكين الجرح العالقة في الحلق وأجبتها ).‏

- كأنما سمعنا صوت تكسير، ماذا حصل؟.‏

- لاشيء، لا تشغلي بالك!.‏

في هذا الظرف القاسي تقدمت نحوي بجرأة، امتدت يدها إلى جبيني، أحست ببرودته ؛ أرادت أن تتكلم معي،كنتُ في حالةٍ لا تسمح لي بالتكلم معها، فأبعدت يدها، وقلت :‏

- أرجوك اتركيني يا نوال.‏

- ------------‏

- مع من تتكلمين؟، ادخلي.‏

جاء صوت أمها من الداخل ذابلاً، فخمنت أن تكون هي الأخرى في وقيعة مع زوجها تشبه وقيعة أمي!.‏

تركتها تدخل وانتظرت حتى أغلقت الباب، ثم تابعت الصعود ضغطت على جرس الباب، ظهر في وجهي مثل مارد أوداجه المنفوخة تنمُّ عن غضبِ حاقدٍ لئيم ٍ؛ رشقني بنظرة قادحة كأنها شرر حارق وتابع هبوطه إلى حيث لا أدري!.‏

في الهزيع الأخير من الليل، وكما تعودنا في الآونة الأخيرة أن يطول سهره خارج البيت، فتحت عينيّ، رأيت شبحاً لا أعرفه، وكيف أعرفه وقد دخل متطوحاً يتقاذفه فراغ الغرفة وقميصه على يده ولا شيء يستر صدره!، أنالا أصدق الذي رأيته، ولا أصدق أيضاً أن الذي حصل كان بسبب "العدس بحامض"!.‏

أهو الكره؟ أمْ بسبب فقدان الحب ؟ أمْ بسبب جدتي التي تكره أمي ؟ وجدتي ووالدي يكرهان بيت جدي من أهل أمي!!‏

تركتُ الفراش وتسللتُ على مهلٍ إلى الشرفة، أردتُ أن أتنفسَ الهواء بعمق ٍ، أن أتأملَ الليل والنجوم، أن أخاطبَ المداخن شهودي الأوائل على ألم ٍ مازال مغروساً في الجسد والذاكرة، نظرتُ إلى هوائيات التلفزة وأسلاكها اللاقطة،تساءلت:‏

" تُراها تملك القدرة على مخاطبتي أو تصوير أحزاني لعرضها في مسلسل عالمي، أمْ تراها لا تأبه بشخصي فأنا مجرد هامش ٍ في صفحةٍ مملوءةٍ بالكثير مما يشبه أحداث أحزاني" ؟!.‏

فتشت عن القمر، كان غائباً، في طرفه الآخر من الكرة الأرضية في المكان الذي تتموسق على لجين أشعته أحلام العاشقين، وأحلام الأطفال المترفين الذين لا ينتمون إلى عالم طفولتي، فأنا نقطة من مداد وجد تخفض جناح الذل من الرحمة!.‏

مُلت برأسي نحو الأسفل، كانت المسافة طويلة، كأني أول مرة أشاهد هذا الارتفاع، وهذه الحارة الهادئة تشاركني تأملاتي في انخفاضها والتوائها عند مفرق الشارع، ولأن الأمر كذلك فقد داهمني شعور غريب، لماذا لا أرمي بنفسي من هذا العلو؟ لعلّ النيام الهانئين بنومهم يستيقظون بمن فيهم والدايّ البارّان بأولادهما، ليشاهدا دمي البارد وقد رسم على الأرض أسئلة في نهاية كلّ واحدٍ علامة من علامات التنقيط، التعجب، والاستفهام والفاصلة والنقطة غير موجودة فالمصير مازال مبهماً مجهولاً!.‏

فجأة تنبهت إلى سخرية الشيطان فصرخت من أعماق الصمت لا، لن أجعلكما تفرحان بموتي، ربما تبكيان بضعة أيام وربما لاوجود للدموع في حياتكما على ولدكما! لن أدعكما تنعمان بالهدوء، سأكون مثل حجارة من صوان تعيق هدوء فرحكما المتآكل من ثرثرة الحيزبون!.‏

أدرتُ ظهري نحو الداخل، رمقتُ الجميع، طار نومي في خضم هذه المضطربات وعيناي ترمقان أمي بنظرات ذات معنى عميق وعميق جداً، من دون أن أشعر نحوها بالعطف عليها رغم صفرة وجهها الباهت، والذي كان يثير الشفقة في نفس أي شخص ٍ كان حين يشاهد وجه هذه المرأة!.‏

تكورتُ على الأريكة الخشبية والحزن يأكل ما بقي من اخضرار القلب وأنا متوتر الأعصاب، غاضبٌ!.‏

انشقتْ خيوط الفجر وانسلتْ ضفائر الشمس مخترقة زجاج النوافذ والشرفات لتقدم عزاءها إلى هذا البيت، كان الكل ما يزال يغط في نومه، تسللت بهدوءٍ على رؤوس أصابعي إلى مكان نومه، امتدت يدي إلى جيب بنطاله، أمسكت بقطعةٍ ورقيةٍ فئة المئة ليرة، وعلى مهلٍ أطلقت رجليّ إلى الشارع مثل سحلية لا تصدر صوتاً!.‏

كانت شوارع المدينة ومنعطفات حديقة ميسلون ملاذي الوحيد، كنت أغني، لمن أغني لا أعرف، هل كنت أغني لعبد الحليم أمْ لفريد أمْ لعبد الوهاب؟ اختلطت الكلمات بالألحان المهم كنتُ أغني لأرمم شقوق الذات المقهورة، ومن طبيعة التسكع أن تكون قد تعرفت على شلةٍ من فريق ٍ هوايتهم العبث والتحرش بالنساء، كنتُ أعرف أين يوجدون، وحين عثرتُ على واحدٍ منهم سررتُ برؤيته، لن أكون وحيداً في ممارسة "الزعرنة"، وقتلاً للوقت الذي ما عاد تافهاً فقد سألته أن نذهب إلى السينما!.‏

سألني بدهشة مقترنة بالرضا:‏

- سينما؟.‏

- لمَ لا، ألسنا مولعين بالحرية؟ أم أنك ترفض دعوتي ؟!.‏

بذل عمر كلّ جهده حتى لا يبدو ضعيفاً أمام قدرتي على الدفع وجعلني في الدخول أتقدمه، فانتابني إحساس بالقوة والزهو مما أفعل!.‏

بعد الفيلم شعرت بالجوع فاشتريت "سندويش فلافل" واتفقنا أن نقضي بعض الوقت في الحديقة العامة، اخترنا مكاناً قصياً، كانت رائحة نهر قويق الكريهة تسبب الزكام للعابرين القلائل على عكس ما كنا نحس به، مياه ضحلة شبه راكدة لا تجدد في حياتها تحتوي على عرق المدينة وغبارها، رائحته لا يحتمل الأنف رداءتها ومع هذا كنا نشعر باللذة ونحن نغني مزيجاً من الألحان والكلمات التي باتت تخصنا وحدنا!!‏

حين سادنا الملل قررنا أن نتزحلق زاحفين إلى شارع "العزيزية فالتلل"، فهناك وعلى الأرصفة المكتظة بالناس بين رواح ومجيء تبدأ الحياة التي نبحث عنها ولا تبحث عنا، نخترق صفوف النساء كي نلمس يد تلك أو خصر هذه،أو، لم تكن تهمنا الشتائم واللعنات التي كانت النسوة ترد فيها على تحرشاتنا، فسمعنا غير مرهف!!.‏

حوالي التاسعة من مساء ذلك اليوم عدتُ إلى البيت بعد أن اتفقت مع عمر على يوم ٍ جديد ٍفي موعد ٍقريب ٍ، وعندما دخلت البيت أبديت عدم اكتراثٍ ولا مبالاةٍ من أسئلتها التي بدت لي غير مستحبة.‏

صعقتها لا مبالاتي، وأوقدت في حنجرتها سياطاًمن الغضب، المرأة الأم تغضب وتثور، الليلة بدأت تسأل! قبل هذه الليالي لم تكن تسأل، قال كانت تحسبني في المحل !.‏

سخرت من قوتها المفاجئة ومحاسبتها التي بدت لي صارمة على غير عهدي بها، فأدرت ظهري متجاهلاً نهرها وجموح ثورتها، أمسكت بي من كتفي وشدتني بعنفٍ، كان الغضب مشتعلاً في عينيها الأم المشغولة بتلميع "الطناجر" والصحون تغضب وتثور وتسأل، ربما فقدت عقلها من تأثير الصدمة السابقة، أعادها غضبها إلى شدي بقوةٍ:‏

- أبوك، سألني عنك مرتين، أين كنت؟.‏

لا مبالياً سحبت يدي من يدها، وأدرت ظهري ثانية وقبل أن أرد على سؤالها دار المفتاح بقفل الباب وانفتح عن وجه كأنه مارد قذفه إلينا بساط الريح لأقع بين لكماته والضرب بقدميه مثل كرة يلعب بها هداف واثق من نفسه، وقبل أن تهدأ غلالة قباحة عقابه النافر التفت نحوها وقال:‏

- مسرورة أنت الآن؟ ابنك في الشوارع؟ حياة " مقرفة".‏

في هذه الليلة لم أشعر بالألم من صفعاته ولكماته، ولم أشعر بالراحة إلا حين سمعته يرمي بسوء تربيتي على كاهلها وكم تمنيت أن تكون جدتي موجودة تشارك أبي اتهامه لأمي في عدم وجود السؤال عن ولدها!.‏

ابتدأت أنمو في وحشةٍ من انطواءٍ على التمردِ الحاقدِ الذي راحت تنمو معه ملامح الذكورة التي جعلتني أحس بالنشوة يوم شعرت بأني قد دخلت مرحلة المراهقة!‏

تصاهرت أحلام بدايات مراهقتي مع صراعات أبي بأمي والأنغام الجديدة ترسم كلماتها في ذاكرتي التي ما غادرت عقلي :‏

- أمك جعلتني أكره اسمك واسم أخوتك، دائماً تذمر، وآهات وشكاوى كيف سأدبر أمري؟ لا أعرف؟‏

فأهمس سراً بشماتةٍ " معك حق، أمي دائماً تنقُ مثل ضفدعة مجروحة!".‏

- 6 -‏

لم أظلمْ أمي، فنق الجريح من وجود الألم يحتاج إلى طبيبٍ ودواء أمي أن تشكوني إلى أبي، وفي هذا لابدّ من أن يضربني وهو يسبني قائلاً:‏

- ولا... ك، ابن الحرام ألن تعقل ؟‏

فأنكمش شاعراً بالذل أمام أخوتي كما في كل مرةٍ!.‏

لكنّ شكوى أمي هذه المرة لم تكن بسبب مشكلة بيني وبينها، بل كانت بسبب ما قالته الجارة أم نوري :‏

- والله يا أم غالب، هذا الكلام من ورائه خراب بيوت ودم!.‏

وكان على أمي أن تردّ عليها قائلة:‏

- صوني ابنتك!‏

- ابنتي مصونة، الغلط من ابنك ومن قلة تربيته!‏

- الولد مثل السيف... لكن البنت... !!.‏

وفي هذا زاد الكلام ولم ينقص وكادتا تتصايحان وتتشابكان وتنتفان شعرا رأسيهما، لولا تدخل الحاجة "أم رضا"، وكنت داخل البيت أسمع صياح المرأتين، وربما كانت هذه هي المرة الأولى التي جعلتني أخاف من أمي بعد هذا الشجار!!.‏

كان خير مكان ٍ اختبأ فيه هو الحمّام، ورغم اختبائي وخوفي فلقد ابتسمت بخبثٍ وقلت في نفسي : " مسكينة أمي وجارتنا تفضحان بعضهما من دون أن تقدرا على منعنا "، وأكاد أضحك بصوتٍ عالٍ !.‏

تفاصيل أخرى وغير إضافية حدثت ما عدت قادراًعلى ذكرها لأنها لاتهمني، والذي يهمني أن أذكره ذلك الحدث الهام في حياتي عندما حصلت على وظيفة مراسل حركي عليه أن يقف عند باب المحل مثل عمود الكهرباء!.‏

وحتى لا يبقى المستور مستوراً على واحدٍ في مثل عمري فقد أرسلني لتبديل الجوارب النسائية، فالنسوة كانت تشكو من قصر الساق ولأن التاجر الذي أرسلني إليه كان مسافراً، وبما أني كنت أحمل علب الكرتون ولا أستطيع التلكؤ، فقد عدت إلى المحل بسرعةٍ ومن دون تأخر، حتى وقعت في رجفةٍ أوهنت مفاصلي، وأذعرت دقات قلبي وعقدت طلاقة لساني في صرخات مكتومة وبعينين براقتين التقطت أبرع الصور لأردد في داخلي:‏

- يعيش بابا، رجل ولا كل الرجال.‏

شعرتُ بمرارة التقيؤ في أعماقي، تمنيت في اللحظة تلك أن يشاهد الناس ما شاهدته، كانت زهرة الربيع المقطوفة تجلس في حضنه يقبلان بعضهما، فبعد الظهر تضعف حركة الناس، بل تكاد تعدم وخاصة يوم الأحد، وحين عدت بهذه السرعة ودخلت فجأة وجدني واقفاً أحدق مثل صقر ٍ، فانتفض فزعاً بينما هي انخلع قلبها من رهبة نظراتي المحدجة عميقاً عميقاً، وكم تمنيت أن أفعل شيئاً، لكنني لم أفعل!.‏

الرجل مسح شاربيه وهي أدارت بظهرها إليّ، ولم يقل شيئاً سوى ذلك السؤال، وكأن الذي حصل كان عبارة عن سحابة هامشية:‏

- هل بدلت الجوارب؟.‏

بنزق ٍ غاضبٍ وضعت العلب على الطاولة وخرجت إلى الرصيف كانت قطتي بانتظاري ولحظة رأتني ركضت نحوي وهي تموء،اقتربت مني تهز ذيلها، فضربتها برجلي ففرت إلى الرصيف المقابل وهي تصرخ بصوتها المعروف كأنها تستهجن من فعلتي وأنا كالغريب واقفٌ أسأل: ابن من أنا؟.‏

"كاترين" خرجت غير آبهة بنظراتي التي كان الشرر يتطاير منها، مرت من أمامي نكاية بي، ويداي كانتا تريدان أن تقبضا على عنقها، وحين صرخ غالب عرفت أنه سيطلب مني السكوت!.‏

حاول أن يكون منهمكاً في عدّ الأوراق النقدية، وقد بدا لي أنه غير مضطربٍ، وشيء غامض في دماغي كان يوزع شظاياه على خلايا جسدي لأشعر في هذه اللحظة بالذات أني أريد البكاء!.‏

كنت متعباً وحين نظرت في وجهه أحسست كأنني أول مرة أرى وجهه، وجه بارد كالحديد، أمسك بذقني، رفع وجهي نحو وجهه وبجدية قال:‏

- أنت كبرت، ولابدّ أن تفهم، سنكون أنا وأنت بعد هذا اليوم أصدقاءً ما رأيك؟!.‏

غشاوة مخاطية لزجة نزلت على عينيّ، فوجئت بطلبه، إنها المرة الأولى التي يعاملني فيها على أني أصبحت شخصاً كبيراً أفهم، صوته غير الأليف يمشي في دمي، فتعمدت تركه حائراً وخرجت بعد أن ضربت باب المحل بقدمي.‏

الجسدُ ضئيلٌ ونحيلٌ، العين ترى الناس بشكل معوج ٍ، سقط العالم أمام روحي فبدأت أسرح مع رائحة النهر، وحين رأيت رجلاً يلاعب طفله سولت نفسي لي " سأعترض طريق ذلك الرجل، سأعكر فرح طفله، إنهما يلعبان بالكرة، يتسابقان، يتضاحكان، سأنزل من الجسر إلى النهر، سأشرب من مائه، هذا القلب يبحث عن الموت " وفجأة تذكرتها تذكرت ما قالت "أنا بانتظارك"، فقررت العودة وأنا متصدع، مأكول، حتى قهقهت أعماقي:‏

- سأفعل مع نوال شيئاً مهماً!.‏

- 7-‏

هاأنذا الآن أسترجع في ذاكرتي قصة حياته كما حكاها لي ربما كي أشفق على أبوته التي أشعرتني آنذاك إني لا أنتمي إليها، وربما كي أحسّ بشقائه وكدّه وحرمانه.‏

كان يتسلق حافلة النقل الداخلي وهي تسير، كي لا يدفع ثمن التذكرة معرضاً نفسه للخطر، وعند موقف النزول كان يقذف بنفسه على الرصيف ويجري بسرعة الريح إلى باب "جنين" للعمل في محطة لبيع المحروقات، ويسعى بكلّ جهده في أن يدخر البخشيش من أجور الضخ، وفي هذا كان يجمع القرش فوق القرش.‏

لسيرتك وقع في قلبي مثل غيمة لا تمطر أبداً، الطفولة تحترق في سعيك الدؤوب على جمع المال بائعاً للجوارب على أرصفة التلل، ثم دَهان عند معلم أرمني، فعامل موسمي في محالج القطن، أستمع إلى التفاصيل بعذابٍ يأكل نبض قلبي والضحكة السافرة عن مجونها في هذه القصة، الضحكة التي يسخر من سماعها رجال الذاكرة التي لا تعرف رائحة النهر في هذه المدينة أن في قصة ولادتك ما يشبه قصة ولادتي!!.‏

سمعت أمي تحكي لجارتها أن وحامها لم يكن على الحامض أو الحلو من الطعام، كانت ورغم بساطتها في الفهم قد أغرمت على متابعة مسلسل الجذور "كونتا كونتي" المسلسل الذي ظهر في أواخر السبعينات، أي في عام 1979، لهذا كانت سمرتي غامقة تميل إلى الصفرة، وأنفي كبير يشبه إلى حدّ ما أنف جدتي أم أبي، وجدتي أم أبي كما سمعتها تحكي لجارتنا أم نوري بعد طلاق أمي أنها حاولت الإجهاض غير مرة خشية من أن يعيدها زوجها إليه إذا كان المولود ذكراً!.‏

في زاوية ما وجد نفسه مع أمه في مرتع من الذل لم يختره هو، بل اختارته هي، يوم رفضت العودة وأصرت على الطلاق!‏

وجد نفسه مع أمه في بيتٍ غير بيت أبيه، وعندما صار الصبي في مثل عمري رفضته زوجة خاله، رفضته قائلة :‏

- الولد كبر، وأنا أخاف على البنات، تدبر أمره وأختك !!‏

وفي هذا تحدث أبي عن كلّ التفاصيل، تحدث قائلاً:‏

" لأن أمي رفضت الخروج تقرفص خالي على الأرض وراح يفعل كما تفعل النائحات بإذلال ٍ لا يمطر إلا الخوف من التمادي بالنواح حينئذٍ قررنا الرحيل عنهم، فخرجنا، ورحنا نبحث عن سكن في غير مكان فزوجته وبيته وأولاده ما عادوا يرغبون بوجودي وأمي !‏

خرجنا نبحث عن مأوى بين وحل الأمطار والبرك الآسنة التي كانت منتشرة في الحواري والأزقة، كنا نمشي بهدوءٍ داخل فراغ الهواء وصمت الضباب بذل ٍ لا يشبه سوى صورة الموت المخيف ونحن نسأل عن بيتٍ يحتوينا والأشياء التافهة التي كنا نحملها، فلم نجد غير سكونٍ لزج ٍ ينبعث من أزقة الحارات الضيقة، و"بقجة" حاجات أمي وكيس الورق الكبير يخشخش مثل أوراق ٍهشةٍ مصفرةٍ يبست في فصل الخريف، صوتها الآن ينداح في قلبي وعقلي كما الأنين!.‏

- أهلاً بالست أم فريد.‏

مصادفة التقت بنا أم طوني، كما كانت تلتقي بأمي غير مرة في حمام "قسطل الحرامي"، أخذتنا معها إلى سكنها في "براكات الأرمن" قرب "الخان الحزين"، وكان من الصعب علينا أن نجد غرفة خالية تحتوينا وهذه الأشياء التافهة، لولا وجود هذه الصديقة التي تدبرت الأمر بعد أن رثت على حالتنا المزرية، لأنها لم تنس هجرتها وحيدة من حرب" الطوشة" بعد أن فقدت زوجها وولديها والتي ما نسيتها أبداً وكيف تنساها وقد حفرت الحزن في أخاديد الذاكرة؟!.‏

في تلك الغرفة نظرتُ بإمعان إلى السقف الخشبي بأعمدته السوداء، قرأتُ من خيوط العنكبوت المعششة في الزوايا عن قصة هجرٍ وهجرة.‏

حين دخلتُ مع أمي إلى غرفة المرأة، المرأة التي لم تصرعها حرب " الطوشة "، شرعتُ أمعن النظر بالغرفة، كان كلّ شيء فيها ينمُ عن فن امرأة تجيد الشغل بالسنارة وبالمخرز، وصورة العذراء والسيد المسيح على الرف ُتزينها ثلاث شمعاتٍ على ثلاث شمعداناتٍ برونزية، حينذاك استقر بنا الحال في هذا المكان، بعد يومين تدبرت لي أم طوني عملاً عند معلم دهان وقالت لي وقتئذٍ:‏

- صنعة باليد أمان من الفقر.‏

حينئذٍ بدأت الصراع مع نفسي ومع الزمن في إجهاد نفسي بالعمل وفي داخلي صقيعٌ من الذل يجثمُ على روحي،أحاول كلما تقدمت خطوة أن أتدثر بالدفء الذي ُحرمت منه، أريد أن أغطيه لأتغلب على كلّ صنوف القهر والحرمان الذي ذقته في بيت خالي!".‏

من هذه القصة، قصة الطرد قبل منتصف الليل، استشرى الحقد في داخلك، كان ينمو في قلبك ويكبر، ومع تطامن هذه الجراح التي ما عرفت كيف تندمل، وكيف تندملُ ومن جعلتك تنشأ على أحقاد عالمها لا تفارقها، ولا تفارقك، أودعت عواطف روحك في صندوق ٍمن التحجر تجاه والدك، فتنكرت من اسمه ومن وجود اسمك حتى في دفتر العائلة، ألمْ تزرع في نفسك الغلّ نحوه عندما كانت تقول لك ولمن كان يجالسها أنه رفض أن يدفع لك نفقة، أو أية مصاريف تتعلق برضاعتك أو بحضانة طفولتك!.‏

تكفلتْ هي بكل مصاريفك من شغلها على ماكينة الخياطة حتى أصبحت قادراً على العمل، انتبه، في السن ذاتها تطالبني أن أتعلم حرفة أو صنعة، أنت من أجل لقمة العيش تركت المدرسة ورحت تعمل أجيراً عند الناس، وأنا لأجل نقمتك على من لم يحتويك وأمك، ولقمة ولدك من صلبك، كنت تقول أنك تخسر!‏

أيها الرجل- الطفل- صاحب عقدة ألا ترى معي لأنك عشت محروماً من إنسانيتك في طفولتك تنتقم مني لاشعورياً قاتلاً كلّ أماني الطفولة بأحلامها البكر!.‏

أنا أذكر هذا الكلام، وأذكر أيضاً أنك كنت تريد أن أقذف بنفسي للعمل في مهنة، حرفة، صنعة، كي تستعين بأجري على مصروف البيت، لم يكن يهمك ما سأكون، وبماذا أحلم، وما هو هدفي ؟؟ كان هدفك أن يشتغل غالب، وتحققت رغبتك! فاشتغل غالب في غير مهنة أو حرفة، أو صنعة، اشتغل غالب في تعاطي الحشيش والنوم مع السكارى والهاربين من العدالة، تعالَ انظر إليّ الآن، انظر إلى ذاكرتي، حاول أن توقف فتيل التوقد الأحمر، حاول أن تضبط أعصابك وأنت تسمع باسم منْ تعرفتُ عليه داخل السجن!!‏

فأنا لم أستطع أن أخفي تأثري من التحول المحتوم الذي آلت إليه نفسي وأنا أراه يدخل " القاووش "، راودني شعور غريب! ولكن لماذا ضجت أصوات السجناء ؟ يا لضجيج هذا المكان!، مرغماً أقطع عزف القلم والروح والعقل وأنظر في وجهه، أرى الملامح المتصاهرة، المأخوذة من اللحم الحي، هذه الملامح شدتني لاشعورياً إلى مناصرته بدافع من اغتباطٍ خفي ٍ، لا تدري من أين تدفأت به نفسك ؟ ولمَ ؟!.‏

في تلك اللحظات، لحظات الإدراك الخفي لإحساس ضامر بدأ يشق رحم الأرض التي هي النفس، ساقتني خطواتي نحو الرجل الذي كنت أدعوه بعمي، وسألته :‏

- تُرى ما تهمة هذا السجين الجديد؟.‏

وأبو حسن الذي كان مستاءً من عزلتي عنه، حدق في وجهي بنظرات حيرى، وبتهكم ٍ ردّ عليّ:‏

- الحمد لله، جاء من حرّك صيام لسانك عن الكلام!.‏

أطرقت خجلاً، فقبل مجيئه كنت مضطهداً من هؤلاء الغربان، فتساءلت داخل سكون روحي "هل سيفعل به هؤلاء المسجونون مثلما فعلوا بي يوم دخلت " القاووش " وقبل مجيء أبي حسن؟ ".‏

أسئلة كثيرة متسارعة متشابكة متوجسة توافدت ثم توقفت فصوت أبي حسن ينتشلني من قاعة حواراتي الصامتة قائلاً:‏

- تعالَ، اجلس، " طرنيب ولا تركس".‏

لم أكن راغباً في اللعب، لكنني أمام مبسمه الودود، جلست وما إن فتح الورق حتى تهافت نحونا من أكره مجالستهم، وأنفر من وقاحة أحاديثهم ونكاتهم التافهة ذات الكلمات المترجرجة البذيئة.‏

من بداية اللعب تذمر أبو حسن وبدت غضبته واضحة وعقدة حاجبيه متمترسة، فوجدت أنه من الأجدى لي أن أنسحب إلى سريري وأنا غير راضٍ عن خسارتنا وأصواتهم تنم ّعن كوامنهم.‏

من مكاني حاولت أن اختلس النظر إلى وجه الزائر الجديد وهو مستلق على سريره بشرودٍ حزين ٍ!.‏

دققت النظر فيه وبسهوه، أريد أن أسأله بعض أسئلة ربما لا تشبه الأسئلة التي واجهني بها هؤلاء السجناء يوم دخلت "القاووش " ولا حتى يوم كنتُ في دار الأحداث.‏

- لماذا تملكتني الرغبة في البكاء ؟، ولماذا تملكتني الرغبة في الرقص؟ ولماذا تملكتني الرغبة في الصياح؟ ولماذا تملكتني الرغبة في نوم ٍ مضطربٍ قلق ٍبعد أن تركت اللعب وتمددت على سريري ؟! فهذا لأنني لم أجد الجواب!!.‏

في الصباح استيقظنا على أصوات جلبة غير عادية تساءلت والنعاس يطبق على أجفاني ماذا يجري؟ الشرطة في حالة استنفار الكتائب في تحرك، صفارات الإنذار تصدح، كل الزنزانات يطوقها الضباط والحرس، الزمان يتوقف، يتهيأ الجميع إلى معرفة الحدث الجديد الهام، الحدث الذي بلبل أرجاء السجن كافة!‏

تجمعنا حول قضبان النافذة الوحيدة، وبين تجمع الرجال وجدت نفسي ضئيلاً لا يحتمل رائحة عرقهم التي تشبه رائحة النهر والتي مازالت مختزنة في ذاكرة الأنف، وحين سمعتهم يقولون يبدو أن أحد السجناء حاول الانتحار، اقتربت من أبي حسن وسألته:‏

- هل هو الشخص نفسه الذي حاول الانتحار في المطعم ؟.‏

بَسَمَ في وجهي بسمة خفيفة ثم أحنى رأسه من أذني وبهمس ٍ قال:‏

- لا تستعجل، يا غالب، لا تستعجل.‏

عدتُ إلى مكاني، التقتْ عيناي في عينيه فقرأتُ زفرات الأسى في وجهه، وحتى لا أفقد ما أحسست به من ارتياح ٍ اقتربت منه وسألته:‏

- كيف حالك اليوم؟‏

- بخير ٍ.‏

انساب صوته في قلبي مثل خرير جدول، وداخل خلايا جسدي نبضَ الدم في عروقي دافئاً، شعرت بدفئه فصوته هادئ، نبرته لطيفة إحساس غامض شدني إلى الجلوس قربه أرغب في محاورته، مصادقة أشجانه، وأنا في مضطرب سحيق المدى مع ذكرياتي!.‏

كان الهدوء قد عمّ المكان بعد هذا الصخب والضجيج ورغم رداءة الزمن وتباطؤه في معرفة أسباب البلبلة جاءنا الخبر البارد الحار الرجل لم تحتمل أعصابه أن يستقر حكمه على المؤبد !.‏

وحين تمكن من الحصول على شفرة حلاقة راح يضرب بها وجهه ويديه في لحظة جنون وهو يصرخ مهدداً كلّ من يقترب منه، حتى فقد وعيه بعد أن غاص في بركة من الدماء وحين أغميّ على الرجل نقلوه بسرعة إلى المشفى لعلاجه والذي نقل الخبر قال ربما لا يعود إلى السجن بل إلى المقبرة، فالرجل نزف كثيراً!!.‏

لم تكن الدعوة باردة فالرجل بمقامه الحصيف قال وبصوت جهوري يميل إلى الأبوة:‏

- تعالَ، صاهرنا بالطعام.‏

انشرح صدري من دعوة أبي حسن للسجين،وانفرجت قسمات وجهي عن ابتسامة غبطة، سرّتني هذه اللفتة الكريمة سروراً عظيماً فمسكته من يده وقلت:‏

- هيا، قم ْ، انهضْ.‏

كالعادة بعد الفطور جلسنا نفتش عن القمل، اندهش الرجل مما نفعل!. ثم كمن يبتلع مقصاً أجاب عن سؤال أبي حسن ببحة من حزن في أسى:‏

- دهستُ طفلاً!.‏

تركت القميص من يدي وسألته:‏

- كيف؟.‏

أجاب وهو يبلع الغصة :‏

- المسكين كان يحمل كيساً من الخبز، الإشارة الضوئية كانت للسيارات وكنت مسرعاً ولم أتمكن من ضبط "الفرامل" وقبل أن تنطفئ الإشارة الخضراء كان مثل شبح ركض حول حتفه!‏

- لا حول ولا قوة إلا بالله. قال: أبو حسن.‏

حينئذ ٍ مفاتيح الأنوار المشتعلة انطفأت، فقدت حالة التوازن التي اتكأت على بعض ٍ من استقرارها في نفسي فأتمنى وبلا جهر بالأسباب أن أكون أنا ذلك الطفل المأسوف على حياته اللحظة تلك، وفي قهر من صمت موجع " بالله عليك أعدْ ما قلت، تابع رصد دقائق اللحظة الواصفة لدقائق لحظاتي السابقة يوم نسيت "الفراطة" على رصيف الشارع.‏

غني على أحزاني أغنية الخبز والدم، ودعني أرقص على ألحانها رقصة الموت، أخاف من هذه الذكرى، قسوتها ما تزال عالقة في شجر الروح، أشعر بالانكسار، بالفجوة تضعني في قلب المأساة، بالألم ينضح بالوجع، أحس حالة من الصراخ تعتريني، سأصرخ الآن سأبكي، سأفعل فعلة المحكوم بالإعدام ".‏

وأنا في صراع على قسوة ما كان وما سيكون، أسمع صوت "الباحاتي" يشق صمت زنزانةٍ مظلمةٍ لا شمس فيها، ورجل الشهامة يُغلق برتاج المروءة مقاومة أحزاني قائلاً:‏

- هيا بلا كسل، هات الغسيل، لا أريد أن أتأخر على الحرمة.‏

لست أدري لماذا في اللحظة تلك شعرت بالرعشة تلو الرعشة تخون قوتي، فتمددت على الحصير قرب السرير أتأمل الضوء المنسرب من فتحة باب " القاووش " تأملت كل الأشياء، الوجوه تُمطر الشقاء إلا وجهه، أريد أن أبدو أمامه رجلاً عاقلاً لا شاباً ضعيفاً، أريد أن أتغلب على الأزمة الداخلية التي انفجرت في داخلي كي تعيدني إلى الدائرة السوداء ذاتها، دائرة الخبز وقسوة العقوبة، فاقتربت منه وبجرأة قلت:‏

- لم نتعرفْ على اسمك بعد؟.‏

أطفأ سيكارته وبغصص من دمعٍ محتجزٍ في العينين الذابلتين قال :‏

- وجيه عبد الوكيل الدليل.‏

لا شعورياً قفزت عن مكاني، وعقلي يردد وجيه عبد الوكيل الدليل، كأني سمعت بهذا الاسم من والدي، وجيه عبد الوكيل الدليل إذن أبعدوني عن العقرب، أبعدوني عن الحرباء، وبانفعالٍ لا إرادي صرخت:‏

- أعدْ الاسم الذي ذكرت‏

- وجيه عبد الوكيل الدليل، هل في الاسم خطأ ما ؟‏

لم أسمع ما قاله السجين، دختُ مثل سكران أفقدته الضربة القاضية حالة التوازن، غبت داخل آبار من خمر معتق وقديم، ركضت الأسماء من حولي، نسب أبي، أخوة أبي، أصبحت أترنح كمن بدأ يفقد وعيه فشعر بتهالكي، مسك يدي وهزني ربما كي أصحو وكرر :‏

- هل هناك خطأ ما ؟ أفزعتني، ما بك؟.‏

انفجرتُ ضاحكاً، ضحكتي تفرقع بشيء من الهستيريا وأنا أصرخ:‏

- وجيه عبد الوكيل الدليل، وجيه، أخو أبي، أو تشابه أسماء !!‏

الرجل غضب وتجهم وجهه فصرخ في وجهي:‏

- عن ماذا تتحدث ؟ ومن أخو، من؟ نعم اسمي وجيه عبد الوكيل الدليل قل ما الأمر؟ هل هذا وقت التنكيت ؟‏

حين سمع السجناء بكلام السجين الجديد وهو يصرخ قل ما الأمر هل هذا هو وقت التنكيت وهو ممسك بيدي، اندهشوا مما يحدث، ومن غريب صخب انفعالي وصوتي الذي بدا مثل جأر الثور!.‏

الرجال معهم حق! ما يقال الساعة تلك قد يبدو قصة خرافية من أيام الأساطير في تشابه الأسماء، بل في حقيقة وجود النسب، هل أناقش هؤلاء؟ أم واحداً من أبطال "الحدوتة" الحكائية والتي أذهلتني سيرتها على لسان شمطاء دحرت أواصر القربى و أبعدتهم عنا في مهزلة من تهويم ٍ فج ٍ لا يغادر ذاكرة عقلي.‏

دعوني أضج بضحكي المجنون، دعوني أقرأ عليكم سيرة والدي بل سيرة جدتي، لا تستغربوا مما ستسمعون، أنا عاقل ودقيق فيما سأعرضه عليكم، حكاية من حرضت أمي على الحرد الأخير ابتدأت تفاصيلها تظهر، تعلن عن حقيقة آن الأوان لظهورها، نحن من أسرة مولودة من بطون العجائب والأسرار، ابتعدوا، لا أريد الشماتة، أريد الإصغاء، أصيخوا السمع، انتبهوا إلى ما ستسمعون، لا أريد تزويراً، ولا أريد سهواً، "ابت...عد وا"، وحاولت أن أدور حول نفسي حاولت أن أقف بلا خلل يضبط توازني، لكنني وقعت على الأرض فلقد أغمي عليّ، وحين فتحت عينيّ، وجدت جسدي الواهن على السرير يبلله العرق، بعض الوجوه كانت قربي، فنهضت بعد أن هدأت ثورة جموح جنوني لأجد أن في وجه السجين الجديد ملامح الدهشة والذهول فالآخر صدمه واقعنا، واقع لقائنا في زنزانة، وأن العم أبو حسن حملني من الأرض لحظة دخل ووجدني في حالة لا تشبه إلا نفسها!.‏

الموجوعة أمي والتي كانت ممسوسة بالليفة والصابون كانت تريد صلاح أمره مع أهله من أبيه، ليكون لأولادها أتراب وأهل يزوروننا فنزورهم، يصاهروننا فنصاهرهم، لكن أسوار المرأة التي حكمت ابنها، قلب الحاقدة التي استشرى حقدها في قلبه جعلته رافضاً أن يكون بينه وبينهم أي اتصال!.‏

- انظر يا أبا غالب، أصبحنا أنا وعمي (أخوك من أبيك) أسطورة زمن لا يصدق فيه مثل هذا النوع من الواقع!!.‏

المتهم الحقيقي خارج أسوار الغرف ذات الجدران الحديدية، والمضطهد الذي أدمن على رؤية الشجار والحرد والتسكع في الشوارع والمطرود بلا هوية من أب لا يعترف بوجوده، والذي وجد نفسه من معاشرة الكبار الهاربين من العدالة داخل هذه القضبان محكوم عليه مع محكومين تعددت جناياتهم!.‏

- أيها القاضي الجليل، كم عاماً ستحكم عليّ؟.‏

عدْ معي إلى منزلنا، تذكر حادثة " العدس بحامض "، ارسم بدقة تفاصيل ذلك الرجل الذي تكرر خروجه وسهره حتى وجه الفجر، ارسم ما اعترانا، لا تعجب ولا تنكر الحقيقة، الحقيقة التي تشبه اللعنة على شارب الخمر وبائعها وشاريها وناظرها ونحن كنا ننظر إلى الأرقام نتابع الدواليب بدقة، حتى صرنا نحلم برؤية الأرقام في المنام كما كان يقول هو عن أحلامه، ونحن كنا نتراهن لأننا كنا نحلم بالأرقام مثله،إذن كنا نلعب القمار معه، لم يكن لعباً بالورق فوق طاولة مع شلة من المقامرين، كان لعباً من نموذج ٍ خاص ٍ، نموذج ابتكره سمسار شركاؤه ملوك "البزنس ".‏

في المقهى وحيث كان يجلس زعيم ميسر السرعة، زعيم الابتكار الجديد، والذي كان يمتاز بخصوصية الساسة المروجين، خمن، أو اختر، أو حتى احلم!.‏

مساء كل ثلاثاء كنا كالمأجورين أمام الشاشة بعد أن تقمصنا شخوص الكهنة والعرافين، نتصايح، نصرخ بدعاء فيه رجاء الصغار،أو حتى الكبار إلى الله، "يا رب... آ... على هذا الرقم " والجدة، والتي كانت عيناها مثل عيني ضب ٍ واقفٍ على صخرة جاثية يرتقب فريسته، كانت تنهض من مكانها حين تقف الدواليب الأخيرة على واحدٍ من أرقام الرهان لتحدق النظر في الرقم على الشاشة وقد أحنت ظهرها وفتحت عينيها !.‏

وهذه الممسوسة بالتنظيف أمي والتي كانت لا تعرف عن تفاصيل هذه اللعبة ما قد بدأنا نعرفه نحن الصغار، فذلك لأنها كانت على ثقة تامة من أن آراءها معتقلة، ولأنها كانت لا تخرج من مطبخها حتى ينام الجميع، وأنا بحكم يقظتي الذهنية وبحكم فراستي النشطة كنت قد حفظتها عن ظهر قلب وحفظت اسمها رغم صعلكة حروفها، من حديثه مع أبي "ميشيل" عرفت طريقة الرهان، والذي جعلني أنا الآخر أفكر باللعب بها وأحلم بشراء سيارة حديثة، وبالجلوس في محل أملكه في شارع "العزيزية" لا حي "الميدان"، حتى حلمت أيضاً بأن التي ستعمل عندي هي زنبقة الحي(كاترين) فقد تفيدني في كسب الزبائن، هكذا أصبحت أفكر وأحلم !.‏

ما تحصل عليه سبعة أضعاف المبلغ الذي ُتقامر عليه عن طريق سمسار اليانصيب، فقط قامر باختيارك رقمين تدفع عليهما المبلغ الذي يبدأ بخمس وعشرين ليرة أ و ضعفه أو الضعفين وهكذا، إذن المسألة سهلة ولا تحتاج إلى تعقيدٍ !.‏

وحين فكر أن يراهن على عددٍ كبير من الأرقام بعد أن وضع في يد السمسار كلّ رأسماله النقدي، والذي ادخره لشراء بضاعة في موسم العيد، أصابته الضربة القاضية، الضربة التي تفحمت عليها ملامحه فانزوى كئيباً يلعن حظه، ولولا العيب لفعل مثلما تفعل بعض النساء في أحزانها، كانت الضربة الأخيرة مدمرة، عرته من كل ما يملك فأصبح على الحديد سوى من بعض أشياء ظلت على رفوف المحل والتي لا تعطي غير ثمن الخبز!.‏

في هذه الفترة من هذه المرحلة، مرحلة الخسارة والانزواء، جاءته تمشي الهوينى، وجدت هذه الظروف فرصة مواتية، وحين رآها قادمة نحو المحل أسرع نحوها، مسكها من يدها وسألها بلهفة:‏

- خير يا أمي، ماالذي أتى بك إلى هنا ؟ لمَ لمْ تذهبي إلى البيت؟.‏

أجابت مثل شرطي سجن غاضب:‏

- لا وألف نبي، يكفينا ما حصل، صرنا حكاية في لسان الناس!.‏

وكأنه كان يفكر كثيراً في مصيرنا قال :‏

- والله ما كاسر ظهري غير الأولاد.‏

أجابته بسرعة:‏

- يعني وجودها مثل عدمه، دور على شبابك، مصلحتك أهم، بنت خالك صارت أرملة، وزوجها خلّف لها دارين وسيارة، أنت أحق من الغريب!!.‏

كنت واقفاً قرب الباب أسمع الحديث وأراقب، ولن أنسى كيف برقت عينا والدي، وكيف شعرتُ أن لحم جسدي قد تخشب، وكيف تخيلتُ نفسي مارداً استطالت أظافره وقبض على عنقها وراح ينهشه كما تفعل النسور بالطريدة!!‏

ما تقولين أيتها العجوز المخربة " أنت أحق من الغريب، بنت خالك أصبحت أرملة، أنت أحق من الغريب "!.‏

هل اندفنت مودّة الجسد؟ وخلفت جداراً مخيفاً للانفصال وبجراءة ووقاحة حين رأيته وكاترين، يسرني بعواطفه قائلاً جملته الملعونة "أنا وأمك تآخينا "!!.‏

يتركني وحيداً أعيد في ذاكرتي ما سمعت، ويمضي معها إلى بيت بنت خاله، وكنت ما أزال أفكر في البحث عن عراف ليشرح لي ما معنى كلمة التآخي بين زوجين منذ أن تفوه بهذه الجملة ؟ فأنا لمْ أفهم شيئاً! لأني كنت مراهقاً، ومنغمساً في الحواري شبه الخالية من أفواج الخلائق البشرية، رائحة النهر لا تغادر ذاكرتي فأغني، وأمي تطلق صياحها كالدجاجة من الديك الغريب الذي بدا لها متوحشاً، حين حلق ذقنه وسكب ماء صابون الحلاقة على الأرض، ودخل يلبس ملابسه وهو يصفر ويدندن !.‏

الشيطان يضحك في سراديبه والرجل يغني، تصاهر وإبليس واكتملت نصف الحكاية، والنصف الآخر المتعلق بالمرأة، المرأة الصامتة الممسوسة بالليفة والصابون والتي تحزمت أخيراً بالجرأة بعد أن طاش صوابها والتي صرخت بملء وجعها: - لمَ فعلت هذا؟، لم يعد صبرها كما كان، وبأعصاب باردة يستدير نحوها، وكأنه لم يفعل شيئاً يحدق في وجهها مستغرباً من سؤالها، وبنظرة تعني الكثير من اللامبالاة يصفر ويدندن مرة أخرى، فتزعق:‏

- طلقني، ما عدت أحتملك!.‏

الرجل الذي يخشى الله، بَسَمَ على دحرجة مشاعرها المسحوقة بَسَمَ بعد أن ترجل عن مروءة الرجال، وخرج إلى زمنه الذي بدأ، تاركاً خلف ظهره وجهاً ذابلاً، وأطفالاً باهتين!!‏

أرهقت عينيّ وعقلي وقلبي وأنا أقرأ تفاصيل الحرد كما في كلّ مرةٍ، صورتها وهي تطوي "بقجة" حاجاتها، وقد بدت مرهقة وهي تحملها، لتقول ما لم تقله من قبل حين تطلق رصاص الحقد :‏

- الله ينتقم منك يا بن الحرام!.‏

 

يتبـــــع

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244