الفتية الأغرار... وأسفار الكشف ـــ د.طالب عمران

رواية ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2005

Updated: Sunday, January 29, 2006 01:56 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الثالث (كنز من المعارف)

ـ 1 ـ‏

تعرفت الدكتورة ليلى على شقة لينا الصغيرة في نيويورك، وأكّدت أنها ستزورها وسعد بعد أربعة أيام، لأنها منشغلة بعمل يتعلق ببحوثها.. ثم غادرتهما مودعة..‏

وشهدت الشقة الصغيرة، سعادة الزوجين سعد ولينا، وقد قابل سعد مسؤول الهجرة في الولاية.. الذي أعطاه استمارات، وعرفه على مكان سكنه الجديد الذي قدمته له الحكومة مؤقتاً، حتى يستقر في عمل..‏

ولقي الدكتور سعد ترحيباً من مركز البحوث، ولم تمر الأيام الأربعة التي غابت فيها العجوز عنهما، إلاّ واستقرّ سعد في عمله الجديد براتب مبدئي زاد عن الثلاثة آلاف دولار في الشهر..‏

اعتبر سعد أن ما تحقق كان إنجازاً كبيراً في حياته بعد لقائه مع لينا، كأن القدر يعيد لهما ابتسامتهما التي اختفت إبان سنوات الفراق الطويلة..‏

وفي الموعد الذي حددته العجوز للقائهما.. في شقة لينا.. جلسا ينتظران مجيئها بقلق وقد بدأ الوقت يمر على موعدها..‏

ـ لا تقلق يا سعد، ما زال الوقت ضمن الحدود المألوفة..‏

ـ وماذا لو لم تأت؟‏

ـ ستأتي بالتأكيد إن شاء الله.. أرجو أن لا يكون قد أصابها مكروه..‏

ـ أنا خائف، لقد أحببتها وشعرت أن امرأة مثلها حالة نادرة بين نساء هذا العصر..‏

ـ معك حق..‏

ورنّ جرس الباب، هرع يفتحه.. كانت أمامه تبتسم:‏

ـ آسفة تأخرت قليلاً. معي ضيوف تفضلوا بالدخول..‏

كانوا رجلين وفتاة بدت سمرتهم واضحة.. قالت معرّفة:‏

ـ هذه فاطمة.. وهذا والد فاطمة وهذا عمها.. إنهم من أحفاد الشبّان الأغرار..‏

قال بدهشة: ـ ماذا؟ أهلاً وسهلاً تفضلوا..‏

ـ فرصة سعيدة يا دكتور سعد، لقد حكت لنا الدكتورة ليلى عنك كثيراً، اسمي محمد الاشبيلي.. ربما كان جدّي الكبير يعيش في اشبيلية.. وهذا أخي إبراهيم..‏

قال إبراهيم:‏

ـ أنا أدرس الفلسفة الإسلامية في الجامعة هنا.. وأتابع دراسة الدكتوراه..‏

أوضحت ليلى:‏

ـ إنهم يسكنون على طرف حي (هارلم) يا سعد..‏

ثم أخرجت مغلّفاً كبيراً من حقيبتها:‏

ـ هذه صورة عن المخطوط الذي ورثه عن جده الأكبر ويعود لأكثر من ألف عام.‏

تفحص سعد صورة واضحة عن مخطوط مكتوب بلغة عربية قديمة..‏

ـ يا إلهي.. خطه واضح وكلماته مقروءة..‏

ـ أتعلم أين كان المخطوط الأصلي؟‏

ـ لا.. ألم يكن في بيت محمد؟‏

ـ لا.. كان في صندوق سري في بنك نيويورك الدولي استأجره محمد منذ نحو عشرين عاماً، بعد أن عثر عليه بين أوراق والده.. محمد يعرف العربية، ولكنه لا يستطيع قراءة المخطوط.. طلب مني ترجمته للإنكليزية.. بالطبع لن يعطيني سوى صورة عنه لأترجمها..‏

ـ عمل عظيم.. وفاطمة ألم تعرف قراءة خطوطه؟‏

ـ لا.. هذا الخط القديم يبدو في منتهى الصعوبة علي..‏

ـ معك حق.. لو لم أتعود قراءة المخطوطات القديمة لوجدت صعوبة في قراءته‏

سألتهم لينا:‏

ـ هل تشربون الشاي؟‏

قالت ليلى:‏

ـ إنهم يحبون القهوة العربية، لا بد وأنك جلبت قهوة من دمشق..‏

ـ نعم.. نعم.. كانت مغلّفة جيداً، فلم يصبها البلل نتيجة هبوط الطائرة اضطراراً في المحيط..‏

ـ 2 ـ‏

((أنا أبو الخير حمدان بن سعد الاشبيلي، أحد الشبّان الأغرار.. أحكي قصتي وإخواني، بعد أن عبرنا البحر المحيط من مالقة إلى الأرض الجديدة))‏

ـ أرأيت يا سعد، بدؤوا الرحلة من مالقة وليس من برشلونة‏

ـ نعم.. نعم..‏

ـ ((كنا نجتمع في بيت رفيقنا أحمد بن محمد، الذي كان عالماً كبيراً، رغم مظاهر البساطة والإهمال التي تبدو عليه))‏

***‏

ـ هل الفكرة مستحيلة؟ بالطبع لا.. ما دامت الأرض أشبه بكرة فسندور حولها ونصل اليابسة من الطرف الآخر..‏

ـ بالطبع ليست مستحيلة، ولكنها تحتاج لتمويل..‏

ـ سأطلب التمويل من الخليفة إذا نجحنا في إقناعه بفكرتنا..‏

ـ إذن ماذا ننتظر؟‏

ـ أنتم موافقون على الفكرة..‏

ـ نعم.. نحن موافقون..‏

ـ وأنت.. ألا توافق يا غالب؟‏

نظر غالب إليهم مبتسماً:‏

ـ نعم.. أنا موافق..‏

ـ غالب هو أمير البحر، سيكون قائدنا دون منازع..‏

ـ استغفر الله..‏

ـ أصبحنا ثمانية عشر الآن.. على بركة الله إذن..‏

((وهكذا حصلنا على موافقة الأهل والأقارب بعد أن بنينا سفينة ممتازة.. أبحرنا بها على بركة الله من مالقة وسط استهجان الناس وسخريتهم وقد أطلقوا علينا اسم الشبّان الأغرار.. ولن أنسى ما حييت ذلك الوداع الحزين الذي جرى بين غالب وشيماء زوجته.. وكان الوحيد المتزوج بيننا))‏

ـ شيماء يا حبيبتي لا تبكي أرجوك.. أنت تقطعين قلبي..‏

ـ كيف سأحيا بدونك كل هذا الوقت يا غالب.. بل ربما لن تعود إنها رحلة شديدة الخطورة يا حبيبي.. قد لا أراك بعدها.. وقد لا يراك الطفل الذي أحمله في بطني..‏

ـ أرجوك يا حبيبتي لا تقطعي قلبي ببكائك.. إنهم ينتظرونني، إنهم بحاجة ماسّة لي، أنا من سيقودهم عبر المحيط..‏

ـ أعلم أنّك أبرع البحارة في الأندلس، ولكني خائفة يا غالب..‏

ـ أرجوك سيكون كل شيء على ما يرام بإذن الله..‏

***‏

((رغم صلابة غالب، فإنه مرض بعد عشرة أيام، وظلّ رغم مرضه يوجّه السفن، حتى بدت لنا يوماً جزيرة صغيرة عن بعد، اقتربنا من شاطئها.. وطوينا أشرعة سفينتنا وأنزلنا المراسي لنرتاح، لبعض الوقت عسى أن يستردّ غالب صحته.. ولكن حالته ساءت وظهر عليه مرض غريب أكد لنا أنه معد وحذّرنا من عدوى انتقاله إلينا، لذلك نصحنا بالابتعاد وانزوى في كوخ بنيناه من أجله.. كان يخرج منه كثيراً ليركب ألواناً غريبة من منقوع الأعشاب التي يغليها أحياناً.. وكنا نحضر له الطعام والشراب كلّ صباح، ونتبادل معه أحاديث قصيرة.. وفي أحد الأيام اكتشفنا أنه مات.. دخلنا الكوخ في ذلك الصباح الحزين لنراه ممدداً بلا حركة.. نبّهت أحمد إلى وضعه الغريب وهو يحدّق بالجدار أمامه:‏

ـ انظر إليه.. إنه يستند على السرير وعيناه نحو الجدار.. يا إلهي ما هذا؟‏

ـ إنها صورة شيماء، تكاد تنطق يا إله السماوات أي عمل بديع صنعه غالب؟ هيا يا أصدقائي يجب أن ندفنه..‏

ـ وهناك ورقة مكتوبة قرب رأسه..‏

ـ نعم.. اقرأها من فضلك يا أبا الخير.‏

ـ إنها تقول: ((أرجو نقل جثماني إلى موطني (مالقة) بلّغوا حبي لشيماء، وأرجو أن تسمي ابني باسم والدي (عبد الله).. وإن كان المولود بنتاً فلتسمها شيماء باسمها وهي أحب مخلوق على قلبي..‏

قال أحمد وهو يزفر بحزن:‏

ـ رحمه الله، كان بحاراً شجاعاً.. ستكون مكانه في قيادة السفن يا أبا الخير، لقد درّبك جيداً..‏

ـ درّبنا جميعاً يا أحمد.. ربما كنت الأقرب إليه لذلك أخذت عنه جميع معارفه البحرية..‏

ـ وكيف سننقل جثمانه للأندلس؟ ألن نكمل الرحلة؟‏

ـ خطرت لي فكرة، أنت طبيب يا أبا الخير، أتستطيع حفظ الجثة من التلف لمدة كبيرة.؟‏

ـ آه.. نعم.. ما رأيكم لو حنّطتها؟‏

ـ فكرة ممتازة..‏

ـ 3 ـ‏

((وحنطنا الجثة ووضعناها في تابوت وأغلقنا الكوخ جيداً بعدما حاولنا كثيراً أن نطبّق عليه كلّ معارفنا لحمايته جيّداً، وحفظ ما فيه بدرجات حرارة منخفضة.. ثم أبحرنا في اتجاه الغرب ونحن نوطّن النفوس على العودة وأخذ جثمان غالب إلى الأندلس كما أوصانا.. ومرّت الأيام ونحن في عرض البحر، نتعرض للعواصف أحياناً وللتيارات البحرية والدوارات المائية أحياناً أخرى.‏

لم نعد نحصي الأيام نسينا التواريخ.. كان الزمن يمضي ونحن فوق المحيط الواسع..))‏

((وهكذا ازددنا تعباً، وانتاب بعضنا اليأس، كان السمك هو طعامنا، كنا نصطاده ونشويه على النار مملحاً، وقد عرفنا استخراج الملح من مياه البحر.. حتى صرخ أحمد ذات يوم وكان فوق الصارية العالية في السفينة: "إنها اليابسة".. وفعلاً وصلنا اليابسة.. وقد كاد اليأس يقضي علينا))..‏

***‏

وأورد المخطوط كيف عاش الشبّان لأيام قبل أن يكتشفوا وجود قبيلة من الهنود الحمر الذين تعاملوا معهم بحذر، وقد عثر أبو الخير على أحدهم مصاباً من جراء سقوط من مكان مرتفع فعالجه بأعشاب.. ثم تمكن أبو الخير من مساعدة امرأة حامل على ولادة ثلاثة توائم أحياء.. وهكذا كونوا صداقات مع الهنود الحمر.. هم وبحارتهم على السفن الأربع..‏

ثم تزوجوا من فتياتهم، وعرفوهم على الإسلام، الذي انتشر بينهم.. ولم يطل الوقت حتى عمّ الإسلام القبيلة التي كانت تستوطن الأرض الواقعة جنوب (مكسيكو) اليوم.. وطوّر الشبّان معيشتهم وبنوا البيوت الحجرية، وأورثوا اللغة العربية لأبنائهم وأحفادهم وفي قلوبهم حسرة اجتياز المحيط والعودة للأندلس تلك البلاد التي لم يعودوا إليها أبداً..‏

***‏

كانوا يصغون لقراءة سعد للمخطوط، وفي خيالاتهم تدور الأحداث حول أهمية هذا الكشف المذهل الذي يؤكد أيضاً على وصول العرب المسلمين إلى الأرض الجديدة..‏

ازدادت علاقة سعد ولينا مع أحفاد (أبي الخير الاشبيلي) وقد تمكّنا من تجميع الكثير من المعارف والمعلومات حول ذلك الموضوع شديد الأهميّة.. والدكتورة ليلى كانت تزورهما أحياناً ثمّ تتقطع عن زيارتهما بسبب انشغالها ـ كما كانت تقول ـ بتجميع الوثائق لكتابها، من أماكن عديدة في أوربّا وأمريكا.. وفي كل مرة تحكي لهما عن الاكتشافات الجديدة التي تحصل عليها وتضمّها إلى كتابها الضخم حول رحلة الشباب الأغرار إلى الأرض الجديدة، ومسيرة انتقال الأحفاد عبر مئات السنين من مكان إلى مكان آخر.. وقد توزعوا في مناطق مختلفة من الأمريكيتين..‏

وقد كانت تؤكّد دائماً أنّ تلك المناطق تشهد على وجود بعض الآثار العربية الإسلامية التي يحمل بعضها الطابع الأندلسي، وهي موجودة في مناطق من البيرو والأرجنتين وكولومبيا والإكوادور والمكسيك وأمريكا الشمالية حتى في كندا..‏

رغم أنها آثار صغيرة لبيوت منقوشة بكتابات ورسومات بعضها غاية في الروعة.. إلا أنها كما تؤكد الدكتورة ليلى آثار بالغة الأهمية في إثبات اكتشاف العرب المسلمين وقبلهم الفينيقيين للأراضي الجديدة..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244