الفتية الأغرار... وأسفار الكشف ـــ د.طالب عمران

رواية ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2005

Updated: Sunday, January 29, 2006 01:56 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الرابع (العودة إلى الدائرة)

ـ 1 ـ‏

بعد غياب عشر سنوات شعرت لينا أنها بحاجة للعودة إلى المدينة التي تربّت فيها، رغم أنها تفتقد الكثير من أقربائها الذين ماتوا، ومن بينهم أمها وخالتها.. ولكن الذكريات ألحّت عليها للعودة إلى المدينة التي شهدت صباها وطفولتها، رغم أن هذه العودة المؤقتة قد تفتح عليها أنفاقاً من الحزن وهي تتذكر أمها..‏

كانت تعيش مع زوجها الذي يدرس في الجامعة في تلك المدينة الصاخبة، وكانا سعيدين معاً، رغم أن لينا لم تنجب الأولاد.. بسبب تأخر زواجها..‏

استعادت ذكرياتها مع سعد وهما يزرعان الطرق والشوارع في المساءات الباردة، وقد ربط الحبّ بين قلبيهما.. ولكن استهتارها وعدم جديتها في تلك السنوات جعلت سعداً يبتعد عنها، فتزوجت مرّة من طبيب لم تعش معه طويلاً، ثم عاشت حياتها، قبل أن تتوفى أمها، فتغادر إلى تلك البلاد البعيدة..‏

لم تنس تلك المفاجأة التي شهدتها في الطائرة وسعد يلتقي بها وجهاً لوجه بعد سنوات، وهي راحلة للعمل في نفس المدينة التي يهاجر إليها سعد، الذي يحمل شهادة دكتوراه في الفلك، والمعروف بأبحاثه وكتبه ومقالاته..‏

استيقظ الحب القديم في كليهما دفعة واحدة، وتطور إلى زواج، أطلق عليه سعد، (زواج قبل فوات الأوان). كانا يعيشان سعيدين، حين ألحّت على لينا فكرة السفر إلى الوطن، مع سعد.‏

ورغم محاولته تأجيلها، ألا أنه وافق عليها، وقد بدأت ذكرياته عن العالم الذي عاش فيه طفولته وصباه تستيقظ من ذاكرته بكل قوة..‏

الوطن في القلب.. ويظلّ القلب ينبض بحبّه حتى يتوقف عن الخفقان.. هكذا كان سعد يردد..‏

وهكذا استعدّا للسفر.. وهيّأا نفسيهما للمكوث ثلاثة أشهر، نصفها على الأقل في بلدته.. ولكن شيئاً خارقاً عطّل عليهما سفرهما.. فلقد جرى تفجير برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك ومبنى البنتاغون في واشنطن.. وأصبحت حوادث الحادي عشر من أيلول استثناء ألقى بظلّه المعتم على العالم..‏

ـ تغيّر الوضع حولنا، أصبح الجميع ينظرون إلينا بريبة..‏

ـ حتى عندنا في الجامعة، وفي المرصد الفلكي التابع لها، أصبحت نظرتهم لي مختلفة..‏

تنهدت: ـ كأن شرخاً حدث في التاريخ البشري.. قد يصبح العالم في مهب الريح..‏

ـ ليتنا سافرنا قبل الحادث.. أنا آسف كنت منشغلاً في بعض الأبحاث، ولم أرغب بالسفر قبل إتمامها..‏

ـ إنه قدرنا، قد لا نستطيع السفر إلاّ بعد أشهر.. شركات الطيران غيّرت برامجها، ومخططاتها..‏

ـ لا بأس يا لينا، وماذا في استطاعتنا أن نعمل؟ مضت أيام على الحادثة والعالم يغلي، كأن القوة العظمى تحضّر للهجوم على تلك البلاد الشرقية..‏

ـ مساكين، سيقاومون بصدورهم آلات الدمار المتطوّرة..‏

- ما رأيك لو نذهب في جولة سنمرّ من خلالها على المؤسسة الصحفية التي تعملين بها؟ ما زال موضوع الدكتورة ليلى الحمدان يشغلني..‏

ـ تلك المرأة المدهشة؟ يا إلهي كم أفتقد رؤيتها.. هل سمعت عنها خبراً جديداً؟‏

ـ لا.. وهذا ما يحيّرني، انقطعت أخبارها قبل نحو عامين.. كيف جرى ذلك.؟.‏

ـ آه.. يا إلهي.. رغم محاولاتي الكثيرة التي تعرفها.. وكنت مشغولة كما تعلم بموضوع شرق آسيا، وتاريخ تلك المنطقة بعد الأزمة الاقتصادية الكبيرة التي مرّت بها نتيجة الضغط الأمريكي.. لم أستطع الوصول إلى خبر عنها.. كيف اختفت؟ ولماذا؟‏

ـ لا بأس.. يعلم الله أين هي الآن؟ يا إلهي ماذا يحصل للعالم؟‏

ـ أتعتقد أنهم جادون في الهجوم على تلك البلاد الشرقيّة؟‏

ـ نعم.. بالتأكيد، وقد بدؤوا يجمّعون أساطيلهم ويستنفرون جنودهم تحضيراً للبدء بالهجوم..‏

ـ لماذا تذكرت الدكتورة (ليلى حمدان) الآن.؟.‏

ـ لأن صلتنا بها انقطعت فجأة، دون أن نستكمل معلوماتنا عن مشروعها الضخم في إثبات أن (الفتية) الأغرار، قد اكتشفوا أمريكا قبل نحو (500) عام من اكتشاف كولمبس لها..‏

ـ معك حق.. لم تتصل بنا اعتقدت أنها سافرت في سبيل إكمال بحثها.. ولكنّها أطالت الغيبة كثيراً..‏

ـ رغم أنها كثيرة التجوال والترحال في سبيل اكتمال معلوماتها، لم أعتقد أنّ العثور عليها صعباً إلى هذه الدرجة..‏

ـ ما الذي سنفعل لمحاولة معرفة أيّة أخبار عنها؟ هل سنتصّل بأصدقائنا الهنود؟‏

ـ أنا أفكر بذلك منذ الحادي عشر من أيلول، منذ أن وقعت الأحداث..‏

ـ لا نعرف تأثير تلك الأحداث عليهم.. كان يجب فعلاً أن نتّصل بهم..‏

تنهّد ـ وأنا أتأمل ما يمكن أن يحدث للعالم، خطر على بالي موضوعها حول الفتية الأغرار، قلت لنفسي، لن يكون ذا فائدة في هذه الأيام، لأن ما يجري أخطر بكثير من البحث في التاريخ وإثبات نظرية معينة..‏

ـ إلى هذه الدرجة أنت متشائم؟‏

ـ نعم يا لينا.. ما يحدث سيكون مرعباً، أكاد أرى تجلياته المرعبة..‏

ـ أتستفقدها يا سعد؟‏

قال متنهداً:‏

ـ لا أدري أشعر بحاجة كبيرة لامرأة مثلها، فيها حنان الأم، وقوة العالمة، وشهامة الفارسة..‏

ـ إنها تتمتع بهذه الصفات فعلاً، وربما أضيف إليها صفة الاهتمام بنزعة الخير عند الإنسان والقتال من أجلها تحت أي ظرف..‏

ـ سأبحث في دفاتري القديمة عن أرقام هواتف أصدقائنا الهنود.. واسألهم عنها بل وسأحاول زيارتهم في بيوتهم على أطراف حي (هارلم)..‏

ـ عائلة الاشبيلي؟ غريب نحن في نفس المدينة منذ سنوات ولم نتبادل الزيارات.. زرناهم لعدّة مرّات في بداية تعرفنا عليهم.. ثم بدأت تلك الزيارات تقل حتى انعدمت منذ سنوات.‏

ـ نحن نعيش في مجتمع العمل فيه هو كل شيء، نعمل من الصباح حتى المساء، ونأتي مرهقين، وفي عطلة نهاية الأسبوع يومي السبت والأحد، نخرج للراحة في الخارج، والتنزّه والتبضّع من الأسواق، لا وقت لديناً فعلاً.. ولكن رغم ذلك ما كان علينا أن نهمل الدكتورة ليلى، خاصة أن الموضوع الذي تقوم ببرهانه مهمّ..‏

ـ أعتقد أنها وصلت إلى تطوّر كبير في هذه المسألة..‏

ـ بالطبع، أتذكرين، زارتنا مرّات عديدة قبل أن تتجه إلى إسبانيا لتتابع أبحاثها، وهناك حدث لها حادث أقعدها في غرناطة لعدة أشهر ثم أتت إلينا في زيارة سريعة، وقالت إنها ستذهب إلى بيروت وستتصل بنا فور عودتها.. ولم نرها بعد ذلك..‏

ـ لكنها اتصلت عدة مرّات، وفي أزمنة متفرقة.. نحن لم نلح على موضوعها كثيراً في ذلك الحين.. كنت مشغولة في ذلك الحين بمحاولة الحمل.. آه يا إلهي.. كم كانت تلك الأيام صعبة. حاولت أن أنجب رغم كل شيء.. وكان الوقت متأخراً..‏

ـ المهم أنت بخير، وتعيشين معي، وأنا سعيد معك، لا تفتحي مثل هذه المواضيع من جديد.. أرجوك يا لينا..‏

ـ حسناً.. سأحاول، أعدك..‏

ـ سأذهب إلى المكتب في الغرفة الداخليّة، أفتش عن أرقام هواتف أصدقائنا الهنود..‏

ـ 2 ـ‏

كانت الدكتورة ليلى قد تمكنت من الوصول إلى الكثير من الوثائق حول أولئك الشبّان الشجعان، ولكن أسئلة كثيرة ظلّت في داخل سعد لم يتمكن من معرفة أجوبتها.. شغلته الأبحاث المرهقة ـفي بلد العمل فيه يمثل الإرهاب بعينه ـ عن متابعة أبحاث الدكتورة ليلى تلك الباحثة الخارقة، التي توصلت إلى نتائج باهرة في إثبات أن الفينيقيين وصلوا شواطئ أمريكا، وتحاول أن تكمل إثباتاتها أن العرب المسلمين قد وصلوا أيضاً إلى شواطئ أمريكا، وأنّ الفتية الأغرار الذين انطلقوا من الأندلس قد وصلوا هناك وامتزجوا مع شعوب تلك البلدان.. وما زال هناك العديد من الأسر من الهنود الحمر لهم أسماء عربية تؤكد بذلك على تلك المقولة..‏

عثر سعد في دفاتره على بضعة أرقام من الهواتف أمام اسم الدكتورة ليلى اتصل بهم واحداً واحداً.. من بين خمسة أرقام كان هناك رقم لا يجيب أمّا الباقي منها فكانت لأناس لم يتعرفوا على الدكتورة ليلى..‏

وصمم عندها أن يزور عائلة الاشبيلي.. وهكذا أمسك سماعة الهاتف و ضغط على أزراره على رقم تلك العائلة بعد نحو ثلاث سنوات، وهو خائف أن لا يردّ عليه أحد أو أن يكون الرقم قد تغيّر..‏

ـ ألو.. بيت الاشبيلي؟‏

ـ نعم.. من أنت؟‏

ـ أنا الدكتور سعد..‏

ـ سعد السوري؟‏

ـ نعم..‏

ـ أهلاً بك يا دكتور.. أنا فاطمة.. ابنة محمد الاشبيلي..‏

ـ كيف حالك يا فاطمة.. أنا آسف مضى وقت طويل لم اتصل خلاله بكم.. ظروفي معقدة وعملي كثير..‏

ـ لا بأس يا دكتور..‏

ـ والدك موجود؟‏

ـ سيأتي بعد ساعة.. هل أبلغه شيئاً؟‏

ـ أرجوك، أريده أن يتصل بي.. على هذا الرقم..‏

ـ لا بأس.. يمكنك الكلام معه على هاتفه النقّال.. أليس عندك الرقم؟‏

ـ لا.. ما هو من فضلك؟‏

أعطته الرقم، وطلبت منه زيارتهم وزوجته.. فأكد على ذلك وأغلق الهاتف قالت لينا:‏

ـ اتصل به فوراً.. وإن رغبت بزيارته يمكنك ترتيب الموعد..‏

ـ معك حق..‏

ضغط على أزرار النقال فأجابه صوت أجش:‏

ـ ألو.. نعم.. من يتكلّم؟‏

ـ أنا الدكتور سعد.. كيف حالك يا محمد؟‏

ـ الدكتور سعد، أهلاً بك، منذ زمن لم تتصل بنا.. خير؟ ما أخبار الدكتورة ليلى؟‏

ـ لا أعرف عنها شيئاً.. كنت أود أن أسألك عنها..‏

ـ أنا آسف.. أنا في قسم الشرطة.. اعتقلوا أخي إبراهيم للتحقيق..‏

ـ خير؟ ما الذي جرى؟‏

ـ بعد (11 أيلول) اختلطت الأمور يا دكتور..‏

ـ معك حق.. يجب أن نلتقي إذن.. بأقصى سرعة..‏

ـ سأعود بعد قليل إلى البيت بعد أن أطمئن على إبراهيم.. تفضل. سنكون سعداء باستقبالك هناك..‏

ـ شكراً لك.. سأمرّ مساءً أنا وزوجتي..‏

ـ الأفضل أن تمرّ بعد الظهر، لنتحادث طويلاً، ولتتناول العشاء معنا..‏

ـ سأحاول..‏

ـ لا.. أرجوك.. حاول القدوم مبكراً..‏

ـ إن شاء الله.. إن شاء الله..‏

شعر سعد بغصّة، فإبراهيم معتقل، ربما لانتمائه الديني، أو ربما لأمر آخر ومحمد كما يبدو لا يعرف الكثير عن الدكتورة ليلى، فلقد سأله مباشرة عن أخبارها..‏

انتابه إحساس بالتقصير بحق هؤلاء الناس البسطاء، الذين تعود جذورهم إلى (أبي الخير الاشبيلي) أحد الفتية الأغرار الذين وصلوا قبل ألف عام على متن سفينتهم الشراعية إلى أمريكا، قبل كولمبس بنحو (500) عام..‏

هذه العائلات الهندية المتناثرة في عدة مناطق على الشاطئ الشرقي لأمريكا الشمالية والجنوبية، لها جذور عربيّة.. إنّ الفتية الأغرار تزوجوا من الهنود الحمر واختلطوا بهم وكونوا أسراً مشتركة.. كيف تناسى هذا الموضوع طوال تلك السنوات؟‏

حكى للينا بعضاً من أفكاره.. واستعدا للذهاب معاً إلى بيت محمد الاشبيلي على طرف (حي هارلم)..‏

كان يوم الأحد بالنسبة لهما، يوم راحة، ويبدو أنهما لم يكونا بحاجة للراحة في تلك الأيام، وشبح ما بعد (11 أيلول) يربض جاثماً بظلّه البغيض فوق الأفكار والمشاعر والطموحات..‏

ـ 3 ـ‏

قاد السيارة بهدوء صوب بيت الاشبيلي، كانت الشوارع قليلة الازدحام كالعادة في أيام العطل، ولكن الوجوم والعبوس كان مسيطراً على الناس وعلى رجال الشرطة وسائقي السيارات ومن يتحرك في الشوارع أو في سيارته الخاصة.. وصلا أخيراً إلى المنطقة التي يسكن فيها محمد..‏

لم يتذكر سعد جيداً مكان البيت فسأل بعض الناس المتواجدين في الشارع عنه..‏

ـ عفواً.. هل يعرف أحدكم بيت الاشبيلي؟‏

ـ الاشبيلي؟ ذلك الرجل الكهل، إبراهيم؟‏

ـ إبراهيم؟ أم محمد؟ لا فرق..‏

قال أحدهم هامساً: ـ الناس بدأت تنفر من هذه العائلة، يقال إن لها علاقة بالذين ارتكبوا التفجيرات..‏

ـ ماذا تقول؟ تلك العائلة من الهنود الحمر وأمريكيّة..‏

ـ أنا هندي أيضاً.. ولكن الإشاعات عن بيت الاشبيلي تنتشر بسرعة.. أن لهم علاقات وطيدة بمن قاموا بتلك التفجيرات..‏

ـ لا أعتقد أن هذا صحيح، على كل حال أرجوك دلني على البيت الذي أقصده..‏

ـ إنه في تلك الناحية، لونه أبيض وقربه محلّ لبيع السجائر..‏

ـ شكراً لك..‏

انطلق بالسيارة صوب المكان الذي أشار له الرجل:‏

ـ أرأيت يا لينا؟ بدؤوا يلفقون التهم..‏

دارت السيّارة منعطفة صوب المكان الذي أشار إليه الرجل، تنهّدت لينا بارتياح:‏

ـ الحمد لله وصلنا أخيراً..‏

طرق الباب فطالعه وجه محمد الذي ازداد كهولة وتعباً..‏

ـ أهلاً وسهلاً بكما.. مضى وقت طويل..‏

ـ أنا آسف فعلاً.. ولكن تعلم أن العمل في هذه البلاد ينسي الإنسان حتى نفسه..‏

ـ معك حق..‏

ـ قل لي ما قصة أخيك إبراهيم؟‏

ـ تعلم أن لإبراهيم اهتمامات تاريخية كثيرة، وهو يكتب المقالات في مجلات تاريخية عديدة، وأحياناً يلتقي بالكثيرين ممن يعملون في حقله.. ومن بينهم عرب، يبحثون في مسائل تاريخية معينة، ويتردد عليه بعضهم..‏

ـ وكان من بين من ترددوا عليه أحد المتهمين بحوادث التفجير؟‏

ـ لا يا دكتور.. من المستحيل أن تصل التحقيقات إلى هذه الأسماء بسرعة كبيرة.. إنه الشك، الشك بكل إنسان له علاقة مع العرب أو المسلمين، خاصة الذين يعتقدونهم محافظين..‏

ـ فهمت.. وما هي آخر الأخبار عنه؟ هل سيطلقون سراحه؟‏

ـ وعدني المحامي بذلك خلال أيام.. فليست هناك تهمة حقيقيّة ضدّه.. ولكن تعرف الظروف، إنهم يضخّمونها ليضايقوا بعض الناس..‏

ـ معك حق..‏

أحضرت فاطمة الشاي وهي تبتسم لهما سعيدة بوجودهما..‏

ـ شكراً لك يا فاطمة.. هه؟ متى انتهيت من الدكتوراه؟‏

ـ منذ ثلاث سنوات تقريباً.. بعد آخر زيارة لكما بأشهر قليلة..‏

ـ ماذا كان موضوعك؟‏

ـ حول فلسفة ابن رشد وتأثيرها على فلاسفة الغرب..‏

ـ موضوع مهم..‏

قال سعد للينا:‏

ـ جيّد أنك تذكرت أن فاطمة كانت تدرس الفلسفة الإسلامية‏

ـ تناقشنا في ذلك مع الدكتورة ليلى حين تقابلنا لأول مرة..‏

ـ آه.. قل لي يا محمد ما هي أخبار الدكتورة ليلى؟‏

ـ منذ نحو عامين ونصف لم نسمع عنها شيئاً..‏

قالت فاطمة :‏

ـ كانت مرتبكة وقلقة في آخر زيارة لها.. ولما سألتها عن السبب، قالت لي:‏

((ـ يبدو أن البحث الذي أقوم بإكماله يا فاطمة قد أزعج البعض، فأرسلوا رسائل يهددونني بها..‏

ـ ألا تعرفين هؤلاء؟‏

ـ أشعر أحياناً أنهم يحصون عليّ أنفاسي، أسمع خطواتهم ورائي، أشك في من يجلس إلى جانبي دون إذن في المطعم، في المكتبة.. حتى في البيت بدأت ألحظ جولاتهم التفتيشية على أثاثه.. وبين الكتب والأغراض..‏

ـ ولم تفقدي شيئاً من وثائقك؟‏

ـ لا.. أنا حريصة جداً على ذلك.. أنا لا أحمل هذه الوثائق والمخطوطات معي، أضعها في خزانة المصرف القريب من بيتي.‏

ـ أنا خائفة عليك، لم لم تبلّغي الشرطة بذلك؟‏

ـ أبلغهم عن وجود أشباح لا أراهم ولا أعرف عنهم شيئاً..؟‏

ـ ورسائلهم إليك؟ أليست وثائق.؟‏

ـ إنها رسائل بالإنترنت لا تعد دليلاً..‏

ـ انتبهي لنفسك يا دكتورة أرجوك.‏

ـ عندي بعض الأعمال المهمة هنا، وحالما أنتهي منها، سأغادر إلى إسبانيا، لاستكمال الفصول الأخيرة من الكتاب، ثم أتجه لبيروت لطباعته..‏

ـ ستبقين هنا لبعض الوقت؟ ما رأيك أن أكون رفيقتك.. ربما كان هذا مبعث اطمئنان لك..‏

ـ لا يا ابنتي، لا أريد أن أجعلك رفيقة لي، قد ينتقل الأذى الذي يصيبني إليك.. حتى سعد ولينا لم أرغب في تجديد الاتصال بهما حتى لا يتعرضا للمضايقة وربما للأذى.. تعلمين كم أحبهما.. إنهما في مقام ولديّ..‏

ـ إلى هذه الدرجة يضايقونك؟ سأتلكم مع والدي..‏

ـ لا.. لا داعي لذلك..‏

ـ يجب أن نظل على اتصال دائم ببعض.. أرجوك انتبهي لنفسك..‏

ـ إن شاء الله..))‏

وأكملت فاطمة حديثها وقالت:‏

ـ تلك كانت آخر زيارة لها..‏

سألها سعد: ـ ولم تتحدث معكم بعد ذلك؟‏

قال محمد: - اتصلت بي لأخبر أخي إبراهيم أن يقابلها في المكتبة العامة هنا..‏

ـ وقابلها؟‏

ـ نعم.. ولا أدري ما جرى بينهما.. لم أسأل إبراهيم..‏

سألت لينا: ـ ولم تتصل بك بعد ذلك يا فاطمة؟‏

قالت فاطمة: ـ اتصلت مرتين، كانت في كل مرّة تستفسر عن مسيرة دراستي.. وفي آخر اتصال ذكرت أنها تجهز نفسها للسفر إلى إسبانيا.. ولم نسمع صوتها بعد ذلك.. قالت إنها سترسل لي رسالة من إسبانيا..‏

سأل سعد: ـ ولم تفعل؟‏

ردت فاطمة: ـ لا.. لم أستلم منها شيئاً..‏

ـ ألم تترك لكم عناوينها في إسبانيا، أو في بيروت؟‏

تنهد محمد: ـ لا.. مع الأسف.. تبدو متلهفاً يا دكتور سعد على أخبار الدكتورة ليلى؟ أقلقتني؟ أهي تمر بأزمة؟ أم حدث لها حادث؟‏

زفر سعد بقلق: ـ صدقني لم أسمع عنها خبراً منذ أكثر من سنتين..‏

ـ وكيف تذكرتها، وبدأت تسأل عنها؟‏

ـ لا أدري.. تذكرت موضوعها الهام.. وأنه قد لا يحدث الأثر المنتظر الذي كانت تطمح إليه، نظراً لتداعيات الأحداث الأخيرة التي غيّرت اهتمامات الناس وربّما اهتمامات المثقفين..‏

ـ لا.. ليس إلى هذه الدرجة.. إنها مرحلة ستزول سريعاً.. وتزول تأثيراتها بإذن الله..‏

ـ مع الأسف تبدو مرعبة في نتائجها..‏

ـ أنا معك.. ولكن ألا يمكنك يا سيدة لينا أن تلاحقي أخبارها عن طريق مركزكم الذي يهتم بالدراسات الشرقية؟. إنه مركز صحافي معروف..‏

ـ كنت أفكر بذلك وسعد.. ربما أخصص لهذا الموضوع ساعة من عملي غداً..‏

ـ وربما توصلت لبعض النتائج.. نحن متشوقون فعلاً لسماع أخبارها والاطمئنان عليها، إنها سيدة نادرة المثال..‏

ـ 4 ـ‏

سمعوا طرقاً على الباب فأتجه محمد يفتحه طالعه وجه امرأة:‏

ـ فاطمة هنا؟‏

ـ نعم.. ماذا تريدين؟‏

ـ أعطوني هذا الطرد لأسلمه لك..‏

ـ من؟ من الذي أعطاك إياه..‏

ـ رجل أعطاني دولارين.. كان يقف هناك..‏

ـ أين؟ لا أراه..‏

قال محمد: ـ اتركيها يا ابنتي.. إنها صادقة. ألا تعرفينها؟ إنها مشردة من (هارلم)..‏

قالت فاطمة: ـ لم أتذكرها..‏

أغلقت الباب واتجهت إليهم تحمل الطرد، قال محمد مكملاً:‏

ـ أراها أحياناً حين أزور أصدقائي هناك.. أرني الطرد يا فاطمة.. يبدو كأنه كتاب..‏

قال سعد بقلق:ـ انتبه جيداً يا محمد.. لست مطمئناً.. قد تكون قنبلة موقوتة؟‏

ـ ماذا تقول؟ لماذا؟ لم أفعل شيئاً لأحد.. ولم تفعل ابنتي شيئاً لأحد..‏

ـ لست مطمئناً لطرد يأتي من شخص لا تعرفه، يختفي بعد تسليمه..‏

قالت لينا: ـ يا سعد معك حق.. انتبه يا محمد أنت وفاطمة.. كما اعتقلوا إبراهيم قد يرسلون شيئاً مؤذياً..‏

قال محمد: ـ وماذا تقترح؟‏

أكد سعد: ـ أن تسلّمه للشرطة بسرعة.. أو أن تلفيه في النفايات.. المهم أن لا تفتحه..‏

ـ حسناً إنها موجهة للدكتورة فاطمة من شخص يقول إن في داخلها مخطوطة مهمة..‏

ـ ولم لم يأت لتسليم هذه المخطوطة بنفسه.. هه؟‏

ـ آه.. إنه يكتب بعض العبارات هنا حول ذلك.. يقول.. "أعلم أنكم تهتمون بالمخطوطات القديمة.. وقد عثرت بين أغراض جدّي على هذه المخطوطة التي قالوا لي إنها مكتوبة بالعربية، ولأني لا أعرف العربيّة، ولن أستفيد منها وحتى لا ألقيها مع المهملات.. قررت إرسالها لك يا دكتورة فاطمة.. ولست راغباً في أن تعرفي على من أكون.. وأين أعمل وأين أسكن؟"‏

ـ أرني.. إنها ثقيلة قليلاً.. ما رأيك يا لينا؟‏

ـ شيء يحيّر.. ربما كانت مخطوطة فعلاً.. وربما كانت شيئاً آخر.. إن كانت مخطوطة لمَ لم يرغب برؤية فاطمة؟‏

ـ هذا هو السؤال المهم.. ماذا تفعل يا محمد؟‏

ـ سأفتحها مستعيناً بالله.. هه.. إنها فعلاً مخطوطة.. انظري يا فاطمة..‏

ـ مكتوبة بالعربيّة، وقديمة.. يا إلهي.. تشبه المخطوطة التي نحتفظ فيها في خزانة المصرف..‏

ـ كيف؟ تتحدث عن الفتية الأغرار..‏

ـ لا أدري.. إنها بنفس الخط تقريباً.. ولكنها تتحدّث عن رحلة بحرّية أيضاً.. في ظروف عاصفة.. يجب أن أدرسها جيداً..‏

ـ سعد يتقن العربيّة، أعطه إياها، قد يعرف الجواب..‏

ـ تفضل يا دكتور.. تبدو شديدة الأهميّة..‏

ـ كأن ذلك الرجل الذي أوصلها إليك بهذه الطريقة، يريد أن يتخلص من كل الآثار التي تربطه بأجداده..‏

ـ يمكن؟ ربما كان ذلك أحد نتائج بعبع الرعب الذي حدث في الحادي عشر من أيلول..‏

ـ إنها مخطوطة.. نادرة يا فاطمة.. أعتقد أن جدّك الأول أبا الخير الإشبيلي كان زميلاً لكاتب هذه المخطوطة.. أي أنه أحد الفتية الأغرار.. سبحان الله، كيف قادتني الصدفة لأرى مخطوطة جديدة، أتتكم بالصدفة أيضاً، لأنَّ صاحبها راغب بالابتعاد عن كل ما يذكرّه بأصله، خوفاً من أن يحدث ما حدث لإبراهيم أخيك..‏

ـ هل ستقرأ بعضاً من صفحاتها..‏

ـ نعم.. نعم‏

سمح صوتاً متواصلاً على الباب وحين فتح محمد الباب اندفعت المرأة المشرّدة إلى الداخل:‏

ـ أرجوك يا سيدي أعطني الطرد.. صاحبه أتى يسترده وأعطاني مبلغاً إضافياً..‏

ـ أين هو؟ لم لم يأت معك.؟..‏

ـ لا أدري.. إنه خلف البيوت هناك..‏

قالت فاطمة: ـ قولي له.. إننا نرفض إرجاعه.. وخذي مني هذا المبلغ..‏

ـ حسنا.. سأقول له..‏

خرجت المرأة كأنما أقنعها المبلغ الذي أعطتها إياه فاطمة.. علق سعد:‏

ـ يبدو أن أحداً أنبّه على التفريط بالمخطوط..‏

ولكن الطرق على الباب عاد من جديد وحين فتح محمد الباب اندفع شاب إلى الداخل:‏

ـ أنا آسف.. اسمي سالم.. أنا من أرسلت المخطوطة.. جدّتي كادت تقتلني وقد بحثت بين أغراض جدّي فلم تره..‏

ودخلت سيدة عجوز وراءه:‏

ـ نعم.. كاد يقتلني حين علمت بما فعل، اعتقدته أتلفه.. الحمد لله أنه أرسله لك يا فاطمة يا ابنتي..‏

ـ الخالة (ورقاء) تفضلي، أرجوك..‏

قال محمد مرحَباً ـ كيف حالك يا ورقاء؟‏

ـ أنا بخير.. ولكني أريد استعادة المخطوطة.. إنها وثيقة تدل على هويتنا التي تعود جذورها إلى الماضي البعيد..‏

رجتها فاطمة: ـ اجلسي قليلاً.. أنت وحفيدك..‏

قالت ورقاء موضحة: ـ سالم. يعمل في الشرطة السريّة..‏

قال محمد معتذراً: ـ أنا آسف يجب أن أخرج الآن لدى موعد مع المحامي لن أطيل غيابي.. اعذريني يا ورقاء"..‏

ـ لا بأس يا محمد. يمكنك الذهاب وأعان الله إبراهيم في محنته..‏

خرج محمد معتذراً قالت فاطمة معرفة بسعد ولينا:‏

ـ الدكتور سعد، وزوجته لينا، من سورية...‏

ـ تشرفنا.. هه.. أصول جدي الأكبر من بلاد الشام.. المخطوطة تدّل على ذلك..‏

قالت فاطمة وهي تقلّب المخطوطة:‏

ـ وكيف حفظتها بهذا التماسك حتّى الآن؟‏

ـ أنا أعمل في ترميم المخطوطات.. وهذا ما أفادني كثيراً..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244