|
||||||
| Updated: Saturday, July 09, 2005 10:10 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الكتاب الثاني العفن الوردي "هنا حيث لا شيء تراه لا شيء تفعله قرية كوسموبوليتية وبشر هراطقة" من دليل سياحي الطريق لاحبة طويلة. تمتّد في جسد أرض جاسية ومقفرة، ومن بعيد لاحوا، يعتسفون الخط الرمادي المتعرّج، سرعان ما انكشفت عن رجل أشقر وخشن، يرتدي بزّة عسكرية، مما يدّل على انتمائه إلى الحامية الفرنسية التي ترابط في المدينة، وآخر غامق السمرة يرتدي ثياباً بالية، وقد دلّت سحنته على أنه واحد من الأهالي الذين يخدمون في الثكنات من خلال قيامهم بخدمات صغيرة، ثم الكلب وبعض الطيور القتيلة. ـ لقد مررت بمدن كثيرة، وعرفت صنوفاً وأشكالاً من البشر والخمور والنساء، كلها تمّحى من ذاكرتي حين أعبر الحدود إلى حدود جديدة. ـ ... ثم.. كنت أعرف حقيقة ثابتة أكثر مما أعرف الأمكنة والوجوه ولحظات الجنس والسكر والمرح، هذه الحقيقة تقول: بندقيتك هي الشيء الوحيد الذي سيغادر معك إلى كل مكان تذهب إليه. ـ ... قال الفرنسي وقد بان البشر على وجهه، وهو يرى النهر، فاتجه إليه، وعند الشاطئ توقف الموكب الصغير للاستراحة. ـ لقد قتلت.. أجل قتلت أناساً، وحاصرت بيوتاً، ولم أشعر بالذنب، كان الأمر في الحقيقة لا يعدو أكثر من تنفيذ مهمة عسكرية بانضباط. ـ ... ـ أمّا هنا، فالأمر اختلف، فهذه الأرض مسكونة بالجنون، والأرواح، الموتى أحياء تراهم في الأوابد والنقوش الأثرية والأسوار الحجرية، والأحياء موتى صامتون، يتحركون مثل دمى أو فزاعات. ـ ... ـ لكنني فهمت لماذا اختار الله هذه الأرض للأنبياء؟؟ ـ ... ـ كما فهمت أيضاً كيف خسرنا حروبنا المقدسة من أجل بيت المقدس؟ ـ ... ـ من هنا تأتي أهمية انتصارنا في الحرب. ـ ... ـ ما لك صامتاً أيها البدوي؟ إنني أنقل مشاعري في لحظة اعتبرها خاصة، وأنت مثل فوهة بئر مغلقة. ـ ... كان البدوي في وجوم كثيف، تهوّم في داخله مشاعر، تلتصق به كحراشف الشبوط، فتعزله عن الإحساس بالمكان والزمان والبشر، وتسلمه إلى ذلك الحياد القاتل، والبرود الثلجي. ـ هذا الحر يجب أن ينضج مشاعر ممتازة مع أنه لا يطاق. ـ لقد اعتدنا عليه سيدي. ـ ينتهي العالم لمعظمكم عند النهر. ـ نحن البدو كنا نشتو في سهل العمق، وبعد أن منعنا الأتراك، وحلقوا شعور النساء، امتنعنا عن الذهاب، وتحولنا إلى البادية رغم قلّة المراعي. ـ أنت تكره الكلام أيها البدوي. ـ ... مضارب الشعر، التي كان يسكنها أهل العشيرة، وقطعان الغنم التي تسدّ عين الشمس، دلّة القهوة الكبيرة، وهي تهدر فوق جمر الرمث والشيح، صور تلوح في ذهنه، ثم تبدأ الوجوه في المرور، وجه أبيه الأسمر، وجه أمه، وجه عمه عناد، ثم وجه فرسهم الزرقاء الأصيلة، تصهل بين البيوت. ـ سأغضُّ الطرف عن صمتك أيها البدوي، فأنت مشغول بأمور أخرى، ربما بامرأة تموت من أجلها عشقاً، وحين تتزوجها تضربها في اليوم التالي حتى الإغماء، وقد تضربها ليلة "الدخلة"، فلقد سمعت أنكم تحملون خيزرانات رفيعة معكم، أعددتموها خصيصاً لعرائسكم، تكسرونها على جلودهن حتى تزرقّ، ثم تباشرونهن مثل ذؤبان يثيرها منظر الدم والدموع، أيُّ كونت ساد هذا الذي يسكنكم؟! ـ قد نموت أحياناً من أجل أشياء غير النساء. قال البدوي بهدوء ورصانة، وكأنه يقرأ أمراً لا يقبل الجدل. ـ لا تقل لي من أجل الوطن. ـ مات أبي حزناً على فرس. ـ مات أبوك من أجل فرس، وأنت كيف تموت؟! ـ ... ـ لن تموت من أجل شيء. ـ ... ـ هل عرفت امرأة؟! ـ هذا لا يخصك... سيدي. ـ لقد امتلكت شيئاً واحداً، وأراهن أنك لا تعرفه. ـ ... ـ تعرف الخنازير التي ترعاها، ويحرم دينكم لحمها، لقد امتلكت طبيعتها. ـ ... وزيادة على ذلك، الخنازير لا تسكر، أمّا أنت فتسكر حتى التبوّل. ـ الله غفور.. ـ لن تفهم شيئاً من حديثي، والآخرون لا يفهمون، ولكنهم يملكون في ذواتهم شيئاً يشبه البارود، عند الضغط ينفجر بقوة وعنف ورجولة، تقرب من الإلهام والجنون. ـ ... ـ الفارس في ذاتك أغرقته الهموم والخنازير والخمرة، لهذا فأنت معطوب وأبله لا يرجى منه خير، ومعظم قومك هراطقة. ـ ... ـ في دير الزور افتتح الأمريكان مشفى يشرف عليه بعض الآباء بإخلاص، كانوا يلُّمون المرضى والفقراء، ينظفونهم من القمل والوسخ، ويشبعون بطونهم الجائعة، ويقدّمون لهم العلاج والأدوية، حتى يتحوّلوا إلى بشر، فإذا حدثوهم عن معجزات الرّب، ردّوا بمكر: صلّى الله على سيدنا محمد... لقد أعجزوهم. ـ ... ـ هل أحببت الفرس التي مات أبوك من أجلها؟! ـ كانت فرساً أصيلة، وهذا يكفي سيدّي. ـ هذا الشيء بالضبط نفهمه أكثر منكم لأنه يعني عندنا فرنسا. ـ قال أحد العارفين لأبي: هذه الفرس مشعورة تحمل اللعنة لكل من يملكها، فتخلّص منها لكنه رفض. سكت الفرنسي قليلاً، وقد أعادت البرودة، وحركة الكلب الودودة إحساسه بما حوله من الموجودات، ومع ذلك ظلّت شهوته إلى الكلام، لا تنتهي، فعاد إلى السؤال: ـ ترى ما يحاكمكم؟ ـ أعراف الصحراء وقوانين البدو. ـ ولمَ تركت الصحراء؟! ـ مشيئة الله. ـ أتعرف أين تعلمت لغتكم؟ هناك في الجزائر. كانت الكلاب والرعيان والقطعان أكثر من جنود الحامية الفرنسية، حتى كان ذلك اليوم الذي لم يبقَ فيه لأبيه حردان سوى فرسه الزرقاء، الحلال مات، والرعيان هجوّا، فركب فرسه في الصباح، وحين عاد وحيداً، كان ضائعاً، زائغ البصر، لا يعي ما حوله، حمَّ، فلزم الفراش، وبعد أيام مات. ـ بعد موت أبي حاولت أن أمتهن اللصوصية، لكنني لم أفلح في ذلك.. ـ مهنة الضعفاء. ـ من لا يسرق عندنا لا يعد رجلاً. حين استعد الموكب الصغير، للتحرك، انطلق الكلب أمام الرجلين، بينما حمل البدوي الطيور وتنكب الفرنسي سلاحه، ساروا مسافة على طريق عام، وفجأة صاح الفرنسي: ـ أسود.. انظر هناك، هل ترى ما أراه؟ ـ نعم سيدي.. أرى رجلاً وامرأة في طريقهم إلى البيت. ـ ألا تجد في الأمر شيئاً شاذاً؟ ـ لا.. سيدي ـ أيها البدوي، ماذا ترى بالضبط؟ ـ رجلاً يركب على حماره، وامرأة تحمل حزمة من الحطب اليابس تباريه. ـ هذا الشذوذ بعينه. نادهما. ركض أسود الحردان نحو الرجل والمرأة مرغماً، تكلم معهما قليلاً، ثم جاء الثلاثة إلى حيث يقف الفرنسي والبندقية في يده. ـ انزل عن الحمار. وجه الفرنسي حديثه إلى الرجل القروي، فلم يفهم السبب، ثم وجّه حديثه إلى المرأة التي تئن تحت حزمة الحطب الثقيلة. ـ أنت اركبي مكانه، وهو سيحمل الحطب. ولم يتحرك الرجل، والمرأة واقفة ببلاهة، ترقب ما يجري والخوف يتلبسها: ـ انزل أيها الأحمق، انزل. وظل الرجل مسمراً رغم التهديد، فأي موقف سوف ينتظره حين يعود إلى القرية؟ وماذا سيقول الناس عنه؟ وبدون مقدمات، دوّت الطلقة، وسقط الرجل عن الحمار، يتخبط بدمه، وتجمدت المرأة، وتابع الفرنسي طريقة، وظلَّ يتبعه أسود الحردان، والمسافة تمتد بينهما، وفجأة انطلق صوت المرأة في عويل مفجع وحزين ودافق كالسيل. في تلك اللحظة حسم أسود الحردان موقفه، حمل الرجل الجريح على حماره، ومضى تتبعه المرأة إلى القرية، حيث احتشد الخلق حولهما، يستفهمون عما جرى، فصاح بهم: ـ الرجل سيموت وأنتم تثرثرون.. تحرّكوا. ولم يعد أسود الحردان إلى الثكنة، خاوى الليل والسطو، فبنى شهرة أسطورية في اللصوصية وعبور الحدود إلى الجانب التركي، لكنّه ظل مفرداً، لا يألف أحداً، ولا يسرق عابراً أو فقيراً. *** كل هذه السيرة أرّخها الدكتور عبد الله الرفاعي في مقالاته وأقاصيصه. فأمثال هذه الشخصية أثيرة لديه، يرى فيها إعادة لتاريخ الصعاليك، واستمراراً لإرثهم، قد يلتقي بهم في عيادته، أو في المضافة حين ينصرف ـ كعادته ـ إلى السمر واسترجاع ما مضى من سيرة البلد. والمضافة بناء مستطيل من الفخار المشوي والطين. بناه الجدّ الأول على عادة الرواد الأوائل الذين قدموا من الموصل وأورفة والعشارة، فيه يجتمع الأبناء والجوار والأضياف ـ حيث لا فنادق في البلد ـ فتعقد زيجات، وتحلّ خلافات مزمنة على أيدي عوارف حكماء، وتحاك مؤامرات، وتدار القهوة المرّة، والنراجيل، والطعام للغرباء. في الصيف والربيع يجلس الناس في فناء المضافة، المحاط بسور حجري قليل الارتفاع، يتخذون منه مسنداً لظهورهم، وقد مدّت البسط تحتهم، وفي الوسط تقف شجرة الرمان الخضراء، وتحتها دنّ الماء الفخاري، تتدلى ثمارها كأثداء عذارى، أمّا في الشتاء والبرد فيدخل الرجال إلى البناء، يجلسون على البسط الصوفية واللبابيد، والنار تشتعل في الوجاق، وقد اصطفت دلال القهوة حسب أطوالها كحرس ملكي. ما إن دخل الدكتور عبد الله المضافة حتى هبّ الجميع إلى الترحيب به، وقد عاد إلى نفسه شعور بالأمن، وامتلأ برائحة القهوة والدخان والبشر. ـ مرحباً حكيم. ـ مرحباً. ـ مرحباً حكيم. ـ مرحباً. تنهمر التحيات من الحضور، والدكتور يردّ بآلية وسرعة، وقد ألف هذا التقليد منذ نعومة أظفاره، كما ألف عادات كثيرة، تشكل جزءاً من سلوكه، وحين دارت القهوة المرّة، والتقط الدكتور أنفاسه. ـ يا حكيم. قال رجل عجوز وناحل، وهو يحرك أصابعه بقلق، دافعاً حبات سبحته الصفراء. ـ نعم. ـ اختلفنا قبل حضورك، ونريد رأيك. ـ هات. ـ أيهما أنفع للزكمة، حليب الجحشة أم بول التيس؟! ضحك الدكتور عبد الله بمودة.. وقال: ـ تريد العلم؟ ـ أي علم يا حكيم؟! نريد رأيك. ـ رأيي لا هذا ينفع ولا ذاك. ـ ماذا ينفع إذن؟! ـ الدواء الجديد.. ويبقى العلم عند ربك. ـ وما أوتيتم من العلم إلا قليلا. ردّد الرجل باستسلام، وانصرف إلى لفّ سيكارة جديدة من علبته المعدنية، بينما وجه الدكتور عبد الله حديثه إلى أسود الحردان طامعاً في حكاية من حكاياته التي لا تنتهي. ـ لم نرك منذ زمن يا عم أسود. ـ عمك أسود لم يعد كما كان يا ابن أخي، أصبحت ضعيفاً، والعمر له حصّة، أمشي في الطريق ولا أحد يعرفني، بعد أن كانت نسوان البلد يهددن أولادهن بي ليناموا، الغزو راح والمعيشة اختلفت. ـ وهل كنت تغزو وحيداً؟! ـ أكيد.. فعمك أسود لا يثق بأحد إلا فرسه وبارودته. ـ إلى هذا الحد؟ ـ وأكثر.. ثم أنا لا أحب أن يشاركني بشر في ثلاثة: امرأة وفرس وسرقة. ـ وكيف كنت تذهب؟ ـ كنت أعبر الفرات وثيابي على رأسي، وعند الشاطئ أدفنها، ثم أنطلق عارياً، ربي كما خلقتني، حتى يتعذر الإمساك بي، ثم أعود بالذي فيه النصيب عبر مخاضات أعرفها في مجرى النهر. ـ لو قلت لك: ما أصعب موقف مرّ بك في غزواتك؟ ـ أقول لك تريد حكاية جديدة كعادتك.. ـ تماماً.. فحكاياتك مختلفة. ـ يا ابن أخي.. مرة خرجت، وقلت لن أعود إلا بشيء يُعدُّ مفخرة، فتوجهت إلى البادية، أرض تشيلني وأرض تحطني، حتى وصلت نزلاً من منازل البدو، ذكروا لي عندهم فرساً لا مثيل لها بين العربان، ذاع صيتها، وعشقها كل من سمع بها، وفعلاً حين رأيتها، سحرتني، فكمنت حتى ضفّ الليل، بعد أن استطلعت المكان جيداً، فتسللت عارياً، أجسّ الأرض بأصابعي، وأشم رائحة الريح والكلاب، وحين وصلت قرب الفرس، صهلت، فتسارع نبضي، ولبدت في الأرض، حتى دخلت رؤوس الحجارة في أضلعي، وبعد دوية، تحركت من جديد، فصهلت، شتمت، وهرّ الكلب، ومالك بطولة السيرة، وصلت إلى مربطها، أعالج حديدها، وأنا أرتعش شوقاً إلى اللحظة التي أعتلي ظهرها، لأنطلق كالسهم في الليل، فلا يلحقني أحد، وإذا بأيدٍ تطبق عليَّ، فعرفت أنني قد وقعت فلا فائدة من المقاومة، وعدوي هذه المرة من البدو، والبدوي أمكر مخلوقات الله وأقساها، كان صاحب البيت وأولاده الأربعة كالطوق من حولي، كتفوني، وغطوا عورتي ونصفي الأسفل ثم أوقدوا ناراً عظيمة، فاجتمع النزل بكامله، وقد بدأت النار تتوهج بجمرها الأحمر، تقدم صاحب البيت بملقط القهوة الأسود، تناول جمرة حمراء، ثم تقدم، حتى وقف أمامي، أومأ إلى أحد أولاده، فرفع يدي كاشفاً تحتها عن إبطي، وضع الجمرة، ثم أعادها، وهكذا فعل بالأخرى، ولا تسل عن الألم الذي أعماني وشل لساني ورأسي، والنار تأكل الشعر والجلد واللحم والعصب، لكني عمّك، كابرت بجنون، لا يمكن أن أعطي كسيرة وأنهار أمام أولئك البدو الأنجاس، وكان الدهن يسيل من تحت الإبطين حاراً لزجاً ثم يتجمع حول الخصر، كان شيئاً يشبه البكاء والعويل ينطلق من تحت إبطي، وليس من فمي، كل الرجال يبكون ولكن ليس شرطاً من العيون ويعولون ولكن ليس شرطاً من الأفواه، أشجع الرجال يبكون من قلوبهم أو تحت آباطهم مكابرين، أيامٌ عفا الله عنها، قال أسود الحردان ينهي حديثه، وتشعب الحديث بعد ذلك إلى شؤون أخرى لا يرى فيها الدكتور عبد الله جدوى أو فائدة له، وترتجف أغصان شجرة الرمان، وتدور القهوة المرّة على الحضور، وكأنها تعيد إليهم نشاطهم بعد همود، ويبدأ جوّ شعائري يدرك معناه الدكتور، فالليل وأعشاش العصافير والخطاف، والفخار الذي يمتلئ بروائح عصر مغرق في القدم، كل ذلك يترافق مع الأصابع وعلب الدخان وثرثرة جمر النراجيل. ورويداً... رويداً يفقد ترابطه مع العالم فينهض قائماً.. ليرحل. *** انفتحت البوابة الكبيرة عن قامة سعيد النهري الربعة. وقد تورمت من الشحم والعافية، فغاصت رقبته في قبة من اللحم، وغرقت عيناه الماكرتان في وقبين ضيّقين، توصوصان بقلق، وقد فاحت من ثيابه النظيفة رائحة عطر ثقيل، يذكر بالزوايا والموالد، وكأنه يخفي بذلك زمناً من العفونة. ـ مسيو ديران؟! جاء صوته الخشن، وقد فاحت من فمه الرطب رائحة التبغ مختلطة برائحة العطر، وعلى رأسه المدوّرة، تتربع طاقية بيضاء من نسيج يدوي، اشتهرت بصناعته نسوة البلد، كتعبير عن حب ومهارات لا تبارى. ثم أردف: ـ تفضل.. تفضّل، يعلم الله شرّفت المكان. ـ شكراً حاج. ـ البيت بيتك. وأفسح الطريق إلى داخل "الليوان" المزيّن بشكل باذخ كالقصور، وقد ملأت سعة بيت ديران براحة يقدرها رجال المصارف، واصطفت الغرف الكبيرة على الجوانب، تاركة ساحة نظمتها يد عارفة وخبيرة، فالبركة في الوسط، وعرائش الورد، والبلاط المميّز، ولمسة الذوق هذه، ليست بعيدة عن امرأة عاشت عمرها في الحواضر الكبيرة، وعرفت أسرار البيوت العريقة في دمشق وحمص وحلب، وهذا وارد، فالحاج يوزع زوجاته وبيوته على جهات المدينة الأربع، ولا يعرف أسماء أولاده لكثرتهم إلا بالرجوع إلى أسماء أمهاتهم، اللواتي انتقاهن من حواضر القطر لأسباب يعرفها، ويقدرها وحده، وهو يبدلهن كلما أحس بالملالة، أو يخاويهنّ، ثم يتناساهن بعد فترة من الزمان، ولا يخرج على القاعدة الذهبيّة التي تعلمها من باوم الألماني: لكل بضاعة سعرها، وقد صنّف النساء من خلال تجربته، فللمطبخ والغناء بنت حلب، وللفراش والنقار بنت دير الزور، وللمآدب والاستقبال بنت الشام، وللحماية والوجاهة بنت البلد. *** ـ مساء الخير يا جماعة. ـ أهلاً مسيو ديران. وشبّ الحضور واقفين احتراماً للقادم الجديد، ثم جلسوا، وجلس ديران إلى جانب أحد شيوخ البدو الشبان، وبدأ سيل من التحيات الحارّة، يتدفق من كل جهة، وهو يردّ بآلية ووقار تليق بمكانته. وحين انتهى طقس التحيات، التفت إليه شملان البدوي الشاب، وقال بلباقة وفيما يشبه الهمس: ـ مساء الخير مسيو ديران. ـ مساء الخير شيخ شملان. هذه الطريقة الخاصة في السلام يدرك ديران قيمتها بحسه الداخلي، كما يحرص على تبادل الألقاب بلهجة فخمة، وصادقة وحميمة، تخلق عالماً مشتركاً، يدرك الاثنان سرّه، ومعناه، وهذا إرث لا يدركه سواهما. ـ سيكارة. ومدّ علبة الدخان الذهبيّة الأنيقة، فتناول ديران لفافة رغم أنه لا يدخن غير السيكار، لكنها "قواعد لعبة الضيافة" في البلد، وهو لا يخرج على الأصول، عادة تعلمها في البيت، وفي العمل، وفي المجالس الخاصة. ـ وكيف حال العين؟! ـ بخير.. واكتفى ديران بذلك، كي لا ينصرف عمّا يدور من حوار بين الجالسين، له قيمته في عمله الوظيفي والاجتماعي، وقد ارتدى قناعه المصرفي. ـ مسيو ديران.. قهوة مرّة أم..؟ ودارت القهوة المرّة قمراً من السواد الصافي المترجرج في قعر الفنجان الفاخر، عيناً من الإِثمد السائل، وحسوة من المرارة اللذيذة والدفء، وهزّ الفنجان دلالة الاكتفاء، وتعرَّف إلى معظم الحضور ممن يشكلون نخبة المتعاملين مع البنك، من تجار أغنام يتحكمون بحركة "البازار" ويعملون وسطاء لحيتان أكبر في حلب وحماة ودمشق، ومزارعي قطن، رجل في البنك، ورجل في خانات حلب المموّلة، وصاحب محطة محروقات دخل نادي "أغوات الزراعة" حديثاً، وإلى جانبه متعهد شركة "السوس" وهو رجل حذر وقليل الكلام، إضافة إلى نائب سابق في البرلمان كل مجده أنه صديق دائم لرؤساء المخافر المتعاقبين وقوّاد الفصيل. جثث متورّمة، تغرق في الدخان وقرقرة النراجيل، وأحاديث الموسم القادم من القطن، وخطط الحكومة، والخوف من الفيضان والدودة. ـ سوق الأغنام كاسدة هذه الأيام، والطلب قليل. قال أحد التجار الكبار، فردّ آخر: ـ عجيب .. هل ترك الناس أكل اللحوم؟! ـ لا.. ولكنهم باتوا يفضلون لحم الجمال.. خذ بيروت مثلاً أصبح لحم الجمل أغلى من لحم الخروف الضان. ـ والسبب؟! ـ لا أعرف.. فتذكر في تلك اللحظة "غنزو السرميني" جاره الذي لا يبيع إلا لحم الجمل، ولا يذبح إلا الجمل، وقد وقف بطوله الفرع، وبطنه الكبيرة أمامه وكأنه جمل سنامه في صدره لا في ظهره، فقال: ـ يبدو أنَّ ذلك لصالح السرميني. فضحك الحضور.. وعقّب سعيد النهري: ـ على الأقل السرميني جمل يأكل جملاً. ودفقت نوبة جديدة من الضحك في المكان. *** من بيت سعيد النهري انطلق ديران وصاحبه. كان الليل سلطاناً، يتوجه الهدوء والبرودة السليلة، سلطاناً من الأُبَّهة والبريق، ينشر ريشه الأسود، فيكسو العراء، والبيوت الهاجعة، وقد أطلت الأضواء الخجولة، كبرتقال سماوي في غبار شفيف. ـ بلد أصغر من طابع البريد. قال رافي صباغ وهو ينفثّ دخان سيكارته، ويستمع إلى وقع خطواته وخطوات جاره يتعالى في الأزقَّة الخالية، وقد انفضّ السامر من دارة سعيد النهري كالعادة في مثل هذا الوقت، والوقت وردة من حرير أسود وضوء فضّي. ـ مسيو رافي، أنت معي في أنَّ الليل ساحر وجذاب، وهذه النجوم البراقة في السماء الصافية مثل عيون الله، تفيض بالمحبة والأنوار. ـ لقد تحولت إلى شاعر مسيو ديران. ـ المكان هو الذي يخلق الشاعر، وإلا كيف تفسر وجود آلاف الشعراء الذين أنجبتهم البوادي والصحراء؟! لقد سمّوه قديماً شيطان الشعر، ولكنه في الحقيقة ليس أكثر من روح المكان وسطوته، من جبروت الجبل الأرعن، إلى ضآلة حبّة الرمل، ومن تفرّد شجرة النخل إلى عشوائية خلق الجمل. ـ جادت القريحة اليوم. ـ ليست قريحة تجود أو لا تجود، إنها قوانين وحقائق ثابتة، نعرفها عن طريق الاستقراء والبحث العلمي. قال ديران.. فردّ رافي: ـ ظننت ثقافتك فرنسية. ـ إنني أحاول أن أتواصل مع المكان بعد أن فقدت مكاني الأصلي، والثقافة دائماً هي البوابة للدخول. واستسلم الرجلان إلى الليل، وأنفاس الأرض، والأضواء البعيدة لسيارات تعبر الجسر، وتذكّر ديران أباه، كأس العرق المقدّس، ورائحة الثوم والبسطرمة، والشارب الأبيض والعيون التي لا تكفّ عن التقاط أصغر الجزئيات بمهارة وعشق، وصورة مارجرجس، وهو يطعن التنين برمحه، كل شيء أرمني، الرائحة والطعام والعيون الواسعة والوجوه، والأولاد الذين يعملون في أعمال تمتُّ إلى العائلة بصلة، فالأول صاحب فرن ممتاز، والثاني عنده كاراج لإصلاح السيارات، والثالث مصوّر فوتوغرافي مشهور، الوحيد الذي اتّجه إلى العمل الوظيفي كان هو، مع احتفاظه بسرّ شغفه بالآثار والأدب.. وجاءه صوت رافي: ـ سيكارة مسيو ديران. ـ شكراً.. أفضّل السيكار. وغرز لفافة بين شفتيه.. ثم تابع: ـ مسيو ديران ألا تستغرب معي وجود الشيخ شملان عند سعيد النهري اليوم؟! ـ وما الغرابة في ذلك؟! ـ الغرابة أنّ ذئباً من ذؤبان البدو مثل الشيخ شملان يتواجد في مجلس رجل بالنسبة له ليس أكثر من جيفة مثل النهري. ـ ربّما جاء يطلب قرضاً عاجلاً. ـ نصف خانات حلب تحت تصرفه. ـ إذن لعبة قمار. ـ بدون عبده الأسود "ذباح" ورشاشه لا يلعب. ـ أصبح الأمر أحجية. ـ الأمر واضح مسيو ديران. ـ كيف؟! ـ ثلاثة يضعف أمامها شيوخ البدو: المال والقمار والنساء، فإذا استبعدنا المال والقمار، يبقى لدينا النساء، إذن فتش عن المرأة. ـ أهذا الذي جاء به؟! ـ أجل.. سعيد النهري يظلّ قوّاداً عريقاً، تسري في عروقه المهنة، وهو يعرف معظم فتيات الأسر الكبيرة، فلقد عمل عند معظمها قبل أن يثري خادماً يجلب الماء والحطب ويصبّ القهوة المرّة في المضافات، وهؤلاء البدو الشبان بحكم تردّدهم على المضافات والبيوت، قد تخلب ألبابهم قامة هيفاء، أو عينان خضراوان، فلا يتركون وسيلة للوصول إلى مرادهم، المال والهدايا والتهديد. ـ وإذا رفض النهري؟! ـ المال لا يكفي لتكون قوياً في هذا البلد، خاصة إذا كان لك تاريخ قذر كتاريخ النهري، هذا جانب، أمّا الجانب الآخر، فالرفض يعني نهايته، فديونه ومصالحه عند قوم الشيخ شملان تموت، وعلى مشروعه الزراعي السلام، وربما بقر "ذباح" بطنه... ـ كل هذا والشيخ شملان نائب في البرلمان. ـ بل الأهمّ والأذكى في كتلة العشائر، وقد تطاول أكثر من مرّة على أكرم الحوراني. ـ وكل المشايخ على هذه الشاكلة؟! ـ لا. بالتأكيد مسيو ديران، خذ مثلا ًالشيخ سليمان، هذا الشاب الوطني المتحمّس، لقد حطّت طائرة فرنسية مروحية، واختطفته لينفى مع رجالات الحركة الوطنيّة، وقد عاد كثيرون أو عرف مكان الباقين ومصيرهم، أمّا سليمان فقد ضاع أثره بين رودس وقبرص وفرنسا، وإلى اليوم لا يعرف أهله عنه شيئاً رغم بحثهم الدائب ومناشدتهم للحكومات والصليب الأحمر. ـ عالَم بمقدار ما هو حقيقي بمقدار ما هو خرافي. ـ إنه الشرق.. تصوّر ماذا أشاع الفرنسيون حين اختطفوا الشيخ سليمان؟ قالوا إن فرنسا معجبة به، وتريد أن تستولد منه نسلاً، هكذا مثل أي حصان مع صاحبه حُجَتَه وسلالته، وصدّق الناس ذلك، فتحوّل سليمان من رجل إلى خرافة لا يريد أحد الإيمان بحقيقة وجودها. ـ جميل.. أنت تملك عقلاً موهوباً في التحليل. ـ شكراً مسيو ديران، لا تنسَ المطالعة رذيلة فاضلة. ـ أظنّ ذلك. ـ والخوف يرافق اللذة. ـ ربّما. ـ هذا العالّم الذي تراه حولك مثل لعبة الروليت الروسي، مع كل تكّة زناد تموت من الخوف والثمن باهظ، والاختيار باهظ. ـ الشرف أو الحياة. ـ بالضبط. وعند هذا الحدّ توقف الكلام، وتابع الشبحان سيرهما، تلفهما روح المكان، وهدوء اللحظة الآسرة، تماهت الوجوه والفواصل وقواطع البيوت والحدود، لاحت "القشلة" العجوز الخاوية بعد رحيل الفرنسيين، والأسوار التاريخيّة، وأمام باب البيت توقف رافي صباغ وقال: ـ ما رأيك بقدح أخير يبّدد آثار الليلة. مسيو ديران؟ ـ الوقت متأخر، وأنا بحاجة إلى رأس صاحية لأهضم أحداث الليلة الباهرة هذه، وأتوازن. ـ كما تحب. ـ ليلة سعيدة. ـ سعيدة. وافترق الصديقان، ظل ديران وحيداً، كل ما حوله هادئ هدوء مقبرة مهجورة، فتابع طريقه، وهو يمتلئ بمشاعر وأصوات وأناشيد غامضة، تختلط فيها لغاته الثلاث: الأرمنية والفرنسية والعربية، ومطالعاته التي تقوده إلى عوالم مختلطة، وأحلامه بآلاف اللقالق والغرانيق والبلشونات اللاهية في سماء حرّة. في البدايات لم يكن ديران يذهب إلى سهرة الاّ بناء على دعوة أو موعد مسبق، ولكنه مع الوقت وجد الذهاب بدون موعد، أو دعوة أكثر حميمية وترحاباً، وأقرب إلى القلوب. فالانتظار وترقب الساعة والارتباط مسائل واخزة، فالأهلون لا يشعرون بحضور الزمن إلاّ في مواسم القطن والقمح، ولحظات الجنس والولادة أو الموت. مرّة قال له سعيد النهري: ـ مسيو ديران، بصراحة أنت لا تشبه الموظفين ولا الأرمن. فابتسم بودّ يفرضه العمل.. وسأله: ـ كيف؟! ـ لا تشبه الموظفين لأنك تعطي للبنك كل ساعات الدوام، وخارج الدوام تتحول إلى ديران آخر، ولا تشبه الأرمن لأنك لا تعرف في الحديد أو صناعة الخبز. وعند باب المنزل توقّف، ألقى ببقية السيكار، ومدّ يده إلى جيبه، فرنّت سلسلة المفاتيح، وكانت أضواء منزل الدكتور الجديد سفيان بنقسلي ماتزال مضاءة. * * * داخل المنزل شعر رافي صباغ بأنه يسترّد نفسه. هذا المنزل الخاص به، والذي استقلّ به عن بيت العائلة الكبير في الطرف الآخر من البلد، لأسباب يراها وجيهة، فلم يعترض والده، بل وجدها فرصة لقضاء معظم أوقاته في حلب موطنه الأصلي، بحثاً عن التسلية والترويح، بعد أن اطمأنّ إلى قدرة ولده الوحيد على إدارة أملاكه، وكان يخاف عليه من رحلاته الموسمية إلى بيروت أو باريس أو اسطنبول أكثر مما يخاف عليه من البقاء معه. ـ هنا عالمك الأثير. قال.. ومسح المكان بعينيه، فوضى الصحون الفارغة، وأعقاب السكائر، وكؤوس الشراب، والستائر الغامقة، وبقايا رائحة تمتاز بها بيوت العزاب الأثرياء، وأوكار القمار والغرام، ولوحات فنية، وكتب فرنسية ومجلات، ثم رائحة أنثى خاصة، ميّزها من بين كل الروائح الهائمة، فهتف: ـ لقد كانت هنا، هذا عطرها. ثم ابتسم، وهو يلقي بجثته على الكرسي، فأطل وجهها عنيداً وسفّاحاً للرغبات كالكوسج، آه زهيرة، ورفع رأسه إلى الأعلى، مستسلماً إلى خمول عذب، ودعة ماتعة لا تقاوم رغم الشاهيات. ـ بنت الحرام. وضرب فخذه بنزق مرح، وقام إلى الخزانة، فتحها بحرص، وأخرج ألبوماً أنيقاً، قلّبه بسرعة، مستعرضاً الوجوه والأجساد العارية، كأنه في حمام تركي، طواه ثم ركنه في مكانه، وسكب كأساً من الويسكي... وبدأ يردّد: ـ وتظن نفسك ذئباً ونائباً ورجلاً يا شملان، كل هذه الأجساد التي يحلم بها عقلك البدائي، تركت بصماتي عليها، وأنا بلا سند أو ظهر أو عشيرة، إرضاء لنزوة مجنونة اسمها "التصوير الضوئي" لو عرف بها جبران الصباغ أبي لجّن جنونه، فاحلم بكلباتك في مضارب الشعر، أو براقصات الفرق الأجنبية في كباريهات حلب.. سأظل الأول. هجس بلذة وشهوة، بينما استقرت نظراته على أحدث آلات التصوير، التي استقدمها معه من رحلاته إلى بيروت. حين أدار الشيخ شملان المفتاح. هدر محرك السيارة، زلزلة صغيرة في هدوء الليل، راقب الضوء المنسفخ على الجدران والأرض، ووجهه المعافى يتُّر في المرآة، وقد نكس عقاله الأسود على كوفيته "المركزيت" البيضاء إلى الأمام، عضّ برطمه بذئبية ثم انطلق، مخلّفاً وراءه سحابة من الدخان والغبار والصوت الأصم في المكان الهادئ. ـ يا مسبوع الأبو. شتيمة بدوية مقذعة قذفها شملان، ربما إلى سعيد النهري، وربما إلى عدو غامض، فكل شيء من حوله يثير الأعصاب، ويوترها، خاصةً الأشجار المهومة، أشجار عبدها الأسلاف ذات يوم، فأغدقت عليهم عطاياها، وأفضالها. أدار مفتاح المذياع، فطالعته موسيقا ناعمة من إحدى المحطات، فأنس بالصوت، داخله ليبرد وحشة الطريق في سهوب تنبسط كراحة الكف مؤئلاً للقطا والصعو وعانات الغزلان تنحدر من جبال طوروس، ترسم بأظلافها رُقُماً مسمارية على الثلج، وهي تهرب من شتاءات البرد والذؤبان المقرومة، ترك لأحلامه العنان، تَطَّاول واخزة زاهية، تيجاناً من القندريس تنحني له رقاب النوق، ثم ترتفع وهي تتلمظ به بلذة، وعاودته حكمة جده الذي عجن الدنيا ثم خبزها على تنور الاحتراب والتجربة: ـ اسمع يا ولدي.. العقل ما هو برأس ابن آدم من أول يوم يبغم به في دنياه، فالوغدان مثل البَهَم، عقلها بكعب رجلها، طافخة طوال نهارها وراء الجرابيع وفروخ. الدرّاج والقطا، والجهَّال عقلها بوسطها، خيرها قليل وشرها أكثر، أمّا الشباب فعقلها بكتفها، تناطح مثل الكباش الفتية، تريد أن تزحزح الضهاري والجبال من مكانها، وهنا من صاب أصاب، ومن خاب لا يفلح أبداً، وبعد هاك العمر، ينتقل العقل إلى الرأس، ويبدأ الجمع والصرف، وتزهو الدنيا، يصير لها طعم ومعنى، أما في أرذل العمر ـ مثلما قال ربك ـ فينتقل إلى الخشم، فيكثر النزق والخرف والنسيان، وتضيق الدنيا الواسعة، وبعدها عطسة وينتهي كل شيء يا ولدي.. الدنيا مثل رغيف الصاج تا "يستوي، لازم أن ينقلب على الوجهين. هذا الجد الذي بخن الدنيا، وخبز خفاياها، سعدها ونحسها، وشم برقها الخلّب والصادق، وتجلّد أمام قرّها، وحرّها، حتى ثبت سطوة العائلة، ورّسخ شيختها رغم أنف الحاسدين، والشيخة كما يقول العوارف عن تقاليدها: ـ أن لا يكون عطاؤك منّاً، ولا لينك ضعفاً، ولا قوتك غشوماً، وأن تكون المجلّي والمتغافل عن الصغائر. هذا الجد كان كريماً في إطعام المعتفين حول منازله حتى السفاه، كريماً في سفك الدماء حتى الجنون، يغسل شعره ببول الإبل، ويحنِّي أصابعه بدم خصومه، جبى الخوّة من العشارة في الشرق إلى حدود حلب في الغرب، قدّم رؤوس خصومه على مناسف العشاء. وقال للناس آمراً: ـ الرأس للرأس... كلوا. وتجفل القلوب، تخبط كقطاة عزّها شرك، ويطلق الهول كلابه الشرسة، ثم يهدر هدير الفحل من الإبل: ـ أين كنت أنت وأبوك يوم أهدر دمي ابن مطيران؟! وابن مطيران من تلك السلالة من المشايخ متوسطي الذكاء، الذين ورثوا الشيخة عن أجداد أقوياء، لم تصنعهم الألقاب العثمانية أو الدسائس، إنما صنعتهم أعمال جليلة، ورث الشيخة بالنسب، وليس بالسيف، سعت إليه ولم يسعَ إليها، فاستنام مطمئناً، وقضى وقته بين القنص وطرد الخيل وملاحقة النساء، غير عابئ بضاري بن سلطان أو سواه، ومن يكون ضاري ليخشاه؟ رجل عادي من عربه شغوف بالغزو والمال والسلاح، تهابه العربان وهو واحد من رجاله. وكان الحكماء من عقال القبيلة يهمسون: ـ يا عمي.. خذ حذرك من ضاري. ـ ضاري؟! ومن ضاري؟! يردّ باستهانة.. فيؤكدون: ـ ضاري ذيب يا عمي.. ما ترك حمولة في الديرة إلا وغزاها، وطرح الخوّة عليها، حتى هابته العربان، وصار عنده من الحلال والإبل ما يسدُّ عين الشمس، ويدير الرأس، ويشتري الغالي والرخيص: والناس مصالح. ـ جلُّوا الهرج، ضاري ما هو إلا كلب بَرّ جوعان متى شبع همد، ولاذ بكاسر البيت يتمضرح. ـ يا عمي الشيخ، ضاري ذيب، والذيب لو نام عين مفتوحة، وعي مغمضة، والعربان مع القوّة والمال. وظلّ ابن مطيران سادراً، وحين تنبه كان الوقت قد فات، وضاري نخر جذوره كالسوس، فتداعى شجرة بطم في الحماد. هذا الجدُّ ضاري بن سلطان، المصوّت "بالعشا" في سنوات الجوع، وراعي الحدبا، يده في الدم والأخرى في الندى، يرسل عبداً من عبيده يدعو العربان إلى العشاء، ويرسل آخر لاغتيال أعز أصدقائه إذا رأى منه بادرة، تدعو إلى الحذر، يشعل النار في أعالي الظهاري ليهتدي الطراق والعابرون والضيفان، ويشعلها في المقابل في بيوت الفلاحين وبيادرهم، إذا تأخروا في دفع فلس من الخوّة، مَنْ دخل بيته أمن الدرك والعشائر والجن، قسم الدنيا بينه وبين ربه، وحين سألوه: ـ ماذا تركت للناس؟! قال بأناة: ـ الناس عيال الله، ومَنْ جاع ونسيه الله أطعمته. وبعد سُنيَّات اختفى ضاري بن سلطان، غيّبه الحماد، قيل: ـ خاوى الجن، فالأرض ما عاد يجد فيها ندّاً له. وقيل في رواية أخرى: ـ تعاهد مع الشيطان في حلف. وقيل: ـ ربما أقام نسلاً وعشيرة في باطن الأرض. خرافات لا تنتهي عن اختفائه الغريب، زادها الرعاة والنسوة جاذبية وألقاً، ومازال تداولها قائماً خاصة في الربيع حين يزهر البختري والزعتر البرّي. * * * العراء هادئ لا يريم. والسيارة تندفع مثل السهم في الظلام، تقلق الأرانب والقنافذ وبنات آوى، والسماء من خلال الزجاج قبّة من الكريستال الصافي، تلمع نجومها ببهاء نفّاذ، وشملان بن جابر لا يسمع سوى هدير السيارة، وصوت تنفسه الرتيب، وحيد وحدة الذئب المفرد، تصحو روحه وتأتلق في هذا الفضاء البادي، وتخطر صورتها أمامه رعبوبة، لها كفل مهرة برّية، وعينا رئم ممروض. ـ قلت مَنْ؟ فحّ صوت سعيد النهري مثقلاً برائحة الخوف والكار العريق، وتثاقلت أنفاسه، وعاوده الصوت: ـ سمعتني جيّداً يا بن النهري، وما من عادتي أن أكرر الكلام مرتين. ـ تركت كل بنات الدنيا واخترت حوّاء بنت التعاويذي. قال بصوت أقرب إلى البكاء، فكرر الشيخ كلامه: ـ تظلّ قواداً يا أقرع ولو ملكت أموال الدنيا. وبعد رحيل الشيخ شملان استلقى النهري كالطعين على ظهره، يرقب أعمدة السقف الخشبية المدهونة، وأضواء الثريّا البرّاقة، ودلال القهوة المرة، وتذكر نبوءة معلمه القديم باوم الألماني: ـ ولد سعيد، هذه الرأس الكبيرة يصعب أن تفكر تفكيراً نظيفاً، ولكن ليس من السهل كسرها، ستشفى من "القرع" قريباً، أما من الداخل فلا شفاء لها، حافظ عليها، فلا بدّ أن تقودك إلى المال، أما الشرف والحكمة فلا نصيب لك فيهما، فلقد ولدت لتكون "بندوقاً" حقيقياً. وكان حين يستمع إليه، يرى عالماً من النباتات الشوكية وأكداء السوس والعجاج الأصفر، والأراول الزاحفة، أراول بعيون خضر كالعشب، بينما أصابع باوم الخشنة ملطخة بالمراهم والأدوية، وهو يجري تجاربه الفريدة على رأسه، فلقد شغلت هذه الرأس القرعاء الألماني في وحدته. ثم جرت الأيام كساقية تروي يباباً، لكي تربو وتزهر، لقاءات محمومة يرتبها مع قوّادين محترفين، لم تنبتّ صلته بهم، وظلت علاقة بعيدة معهم، أمثال سلمون العبد وحماد الزيدي العجوز، ثم حَبَل، وزيارات سرّية إلى الدكتور مهنا خارج أوقات الدوام، تتبعها مساومات، واتفاقات هامسة، ونزول إلى القبو حيث يمارس الدكتور المذكور الجانب المحرّم من مهنته، تساعده زوجته "ثريّا" في عمله، بوجهها المستطيل كوجه الفرس، حيث يخلو من كل معنى إنساني، مجرّد قناع من الشمع، وبعد العملية يضاف اسم جديد إلى دفتر مذكراتها الخاص، الذي روت فيه حوليّات البلد وأسراره، وقد فتحت ـ كما يقال ـ خطّاً مع كليات الطب، والآباء الراغبين في ذرية، فباعت الأجنة، والأحياء الذين يولدون من أمهات قرويات عذارى، ليست لهن دراية بنات المدن، يدفعن كل ما يمكن مقابل ستر العار، وقد تبالغ الأقدار فيدفعن حياتهن ثمناً لغلطة العمر، أو يرحلن تاركات ثمرة عارهن لثريا، نحيلات صفراوات يلفهن السواد والخوف. ـ أدفع نصف عمري مقابل هذا الدفتر. قال بصوت هامس، ثم استكان كالثور. وكانت سيارة الشيخ شملان تعبر الحماد، وضوء سيكارته، يلمع في الظلمة نجمة مدورة حمراء، والتلال بمهابتها الراسخة، ترقب الوافد المعدني، بعيون سرّية لا يراها الناس بعيونهم العادّية. ـ لتطلق كل شياطينك من قمقمها أيها التعاويذي. قال وقد احتقن الدم في عينيه، والبرّية تفتح صدرها للحمام والقطا النافر، والسيارة الهادرة لا تلوي على شيء. وفجأة من أعلى تلة، حيث تلتقي ذروة المرتفع بسرة السماء، رأى كما يرى النائم ناقة تنحدر، وعلى ظهرها راكب غامض، تنحدر بتمهل وهدوء، والأرض تنسحب تحتها كبساط ناعم، وفي مجال الضوء تقدّمت، تعرف طريقها، وخفف من سرعة السيارة، وحين قاربت الناقة توقف، ولم يعد يرى منها سوى صدرها، أراد أن يتكلم، لكنها مدت رأساً غريبة، فيه عينان نبعان من حنان ولوم وعتاب، كانت تريد أن تقول شيئاً ثم تحركت قدم الراكب الذي لا يراه، وقد بدت أظافر طويلة وحادّة، تلمع كالمعدن ولحظة مدّ رأسه من نافذة السيارة، طالعه في ضوء القمر وجه أليف إليه، وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة، لها برودة الثلج، وليس في محجريه سوى وقبين مظلمين كفّوهة غار.. أراد أن يصرخ: ـ جدي.. ضاري. لكنه غّص وكأن في فيه ماء، وجاءه الصوت كالفحيح: ـ ماذا تريد من بنت التعاويذي؟! سكت قليلاً.. ثم أردف: ـ ابعد عنها يا شملان. وتحوّل كل شيء إلى الأزرق، الناقة والراكب والليل والتلول، وحين استردّ وعيه، وجد نفسه، يغرق في عرق غزير، والسماء صافية، يرحل فيها القمر، فقرأ ما يحفظ من المعوّذات، ثم أطلق العنان لسيارته، وقد قرّر أن ينسى بنت التعاويذي إلى الأبد. * * * تنتشر طيور الصعو والقبرات بين أثلام الفلاحة. تلتقط حبوب الذهب الأصفر بمناقر تعرف مكامن البذار، بينما تندّس العظايا والزيزان المرحة في الظلال، هناك حيث البشر الممصوصون ينتشرون في العراء لا يفرقون بين لحم أرجلهم وطين الحقول، تهبّ على أرواحهم زوابع الحزن والعجاج فيتصاعد الغناء الحارّ من الصدور كدخان المواقد، ومع ذلك تراهم يتناسلون فيختلط نسلهم بجراء الكلاب وجداء الماعز وطليان الأغنام لا فرق في ذلك. ويدبّون كما تدبّ الهوام، يصنعون من هذا الهباء النثير بيوتاً متباعدة سمّوها قرية ومنحوها لقب "كديران" وقد تكون كلَّ شيء إلاّ قرية، وجاء الاسم مناسباً فلا كدر ولا يباس مثلها، وقد تكون نسيها الله زمناً طويلاً فلم يؤاخذ أهلها لأنهم عجم ناطقون بما لا معنى له. من هناك، قبل عقدين من الزمن الهشّ الأسود، الذي لازال يسكن العصب واللحم كبرد "المربعانية" أدار سعيد الأقرع ظهره لقرية "كديران" الباسلة، وقال يودّع الناس والبيوت الطين والكلاب وشجيرات السوس الأخضر والأرض الجافة كبطن عجوز في الثمانين والحيوانات الهزيلة: ـ تفو.. يا أولاد الأراول النجسة. ولم يجد أفضل من "الأراول" يشبههم بها فهم ليسوا أكثر من عظايا ذات جلود قاسية، وأفواه عضوضة، وطباع وحشية، وبخل زائد، بصق ثانية، فارتدّ البصاق على وجهه الأصفر الناحل، وما كان أحد في وداعه وقد هاله الصمت وحالة الشعور بالدونيّة والرخص، ثم اتجه إلى الشرق مخلّفاً وراءه عمراً من اليتم والمذلّة وليالي الوحشة التي تدخل العظم والعصب كالمخرز والركض اللاهث في الشوك وراء أعشاش القطا والدجاج الضال ليسكت جوعه المزمن، ثعلباً مصاباً بالقرع وسوء التغذية، وقد زرعت أكفّ الرعاة والفلاليح، وأسنان الضواري والكلاب نوعاً من الثوّل والألم الدائم في رقبته ومؤخرته. وأحياناً يلجأ بعضهم على سبيل التسلية إلى إطلاق كلابهم خلفه عن قصد لكسر الرتابة اليومية، فيندفع كالمجنون في الأرض الجرداء يتبعه النباح واللهاث، وكلما اقترب منه الصوت ارتفع صراخه حتى يتحوّل إلى عواء غير إنساني، بينما هم يضحكون وقد أمسكوا بخصورهم وفحصوا بأقدامهم في الأرض إلى أن تدمع عيونهم، ولا ينقذه من ذلك إلاّ وصوله إلى النهر، وهناك يلقي بنفسه في الماء، وتتراجع الكلاب فيستسلم للبكاء والنهر، هذا الذي يشعر بالحماية فيه والانتماء إليه ويرى صدره العريض الهادر كقطيع من الثيران والجلال الإلهي الأخاذ، فيغطس فيه بتبتل وصوفية وكأنه يمارس شعائر غامضة ثم يملأ قبضة كفّة بالرمل والحصا، يرفعها عالياً ويتركها تنفرط لتعود إلى القاع مرة أخرى، فيتركه الأسى والدمع، ويسترد حس الطفولة، وتعروه فرحة يتمتع بها كحبات السمسم التي يسرقها من بعض الحقول، ويصيح ليردّ الصدى: ـ سعيد.. يا سعيد... وبعد صمت قصير يعاود من جديد: ـ يا ثعلب الماء... ويغمض عينيه وهو يرفع وجهه كدوّار الشمس باتجاه الضوء يشربه بكل حواسه وسريره المائي يهدهده، ويدفعه بيدين من ريش ومخمل بارد، محاذراً أن تأخذه التيارات الغادرة إلى الأعماق. ثم يخرج من الماء، يعصر ثوبه الوحيد، وينشره على إحدى شجيرات العاقول، ويستلقي على رمل الشاطئ يرقب قطعان الغيم العابر، وزرقة السماء الوسيعة، ويتخيّل كم من الآباء والأمهات هناك، وكم من البيوت والأنهار وشجر الرمان والتين والجوز الذي يحضره الباعة الجوّالون من سفيرة وحلب وتادف على الجمال في المواسم، ليبادلوه بالصوف والسمن والشعير أو الحنطة، وهم رجال قساة كيف يدافعون عن أنفسهم ضد الكلاب واللصوص، ولطولما تمنّى لو كان له أب منهم ليدفع عنه الأذى، ويرفع رأسه عالياً أمام الآخرين، هذا الرأس الأقرع الذي يعيّره به الصغار، ويسخر منه الكبار حتى بات اسماً له، فالأقرع ذهب، والأقرع جاء، الأقرع سرق البيض، والأقرع يعدي فابعدوا ـ ليدخل الأقرع رأسه في أمهاتكم جميعاً. يقول بهمس وينفلت إلى ظل بيت مهجور، أو شجيرات من الطرفاء، ومع كرهه للكلاب، كان يجدها أحياناً مفيدة له، إذ يلطأ قريباً منها عندما تبدأ النسوة الشابات في تحضير الخبز، حيث الدخان والنار وعرق الصبايا وهو يقطر من وجوه احترقت بشبق لاهب، وكلما احترق رغيف أو ساء ألقت به إحداهن إلى الشريكين الدائمين، نصفه لـه، والنصف الآخر للكلب، وهو يجد في الجراء الصغيرة صداقة وقرباً وأكثر من أولاد الناس. ومثل لقلق تائه لا يسأل عنه أحد، ومَنْ لـه؟ عائلته أبادتها جائحة الهواء الأصفر الأخيرة، فآوته عجوز وحيدة لتؤنس به صمت أيامها الآيلة إلى النفاذ، وعاملته بحنان امرأة فقدت وحيدها، فتحولت مشاعرها إليه فكان سعالها الليلي الصاخب الذي يوقظ الدجاجات وأعواد السوس الأخضر، وتيجان القندريس البري الإمبراطورية، وأصابعها المعروقة الناحلة، التي تدب كالعنكبوت بحثاً عن رائحة أنفاسه، كل ذلك يبعث فيه الإحساس العالي بالأهمية، فيسكره هذا الأمر، ويأتيه صوتها الخافت: ـ سعيد.. يا سعيد. ويلبد مثل فروة خروف مبلولة، لا يرد: ـ ولد يا سعيد. وتتفجر ينابيع اللذة في داخله، تسقي زرعه اليابس، ويعلو الصوت والأنفاس والغضب الموشى بخوف قديم يطل من خلال الظلام كحد الخنجر: ـ أين أنت يا مقصوف الرقبة؟ ـ هنا.. هنا.. أين كنت يا ولد؟ ـ كنت في الخلاء. ـ لماذا لا ترد؟ ـ لم أسمع. هذه الألعاب الماكرة الصغيرة لثعلبها، تدركها العجوز بحسها الفطري، وتسر لها، فالمكر بضاعة ذهبية عند البدائيين والأرياف، فهي تعادل الحياة في بعض المواقف الحرجة. ـ تعشَّيت يا ولد؟. ـ لا. ـ الخبز عندك. حوارية تتكرر، ولا معنى لها في الحقيقة سوى أن تتأكد العجوز أنها لازالت حيّة، تتنفس، وأنها مازالت على ظهر الدنيا لا في باطن الأرض، وهذا الذي معها ليس "غريريّاً دخل حرمة قبرها المظلم، وزيادة في التأكيد تتلمس صدره وبطنه ومنابت عشبه الذي لم ينم بعد، ثم تترك يدها هناك تقتنص لحظات آثمة لا يؤاخذ عليها الله، وتناديه لتصرف ذهنه عن مداعبتها الماتعة، ويرنّ صوتها: ـ ولد.. يا سعيد. ـ ها. ـ بدأ الحصاد في الديرة؟ ـ بعض الناس رحلوا، وبعضهم على نيّة. ـ وجماعة هزّاع الجلوي؟. ـ بين يوم وليلة يرحلون. ـ إيه.. وكتمت بقية الكلام، ثم اشتعلت عيناها العمشاوان في الظلمة لأول مرة، رأت سهوباً مزروعة بالناس والنباتات تسلم رقابها للحصاد، والذهب الناهض إلى فضاء ينتظر المجزرة ليتكوم، رأت سماوات من رفوف الحبارى ونعاج الماء والقبرات تكسر زرقة القبة بأصواتها، ووسط كل ذلك كان ثمّة صبية يخطب ودّها شبان القرية، تضع أشراكاً سرّية لجوقات من السحر والإغواء، وهي مشغولة برجل واحد اسمه هزّاع الجلوي، تصنع منه حنّة لأصابعها، وعطراً لشعرها، ووشماً أزرق للزُهرة تحت سرّتها، وفي الليل تعصر شمامتين من الدم والعصب والتوت على الوسادة في غفلة من العيون ثم تناديه بشوق وحنان، فينمو عشب أخضر على الوسادة ترعاه الغزلان والكباش المغرورة، وتتطاير آلاف الفراشات والورود من شعرها وثوبها الأصفر. وفي موسم الحصاد، تسكب الأرض ذهبها، وتقفر القرية من ساكنيها، ويرتحل الناس إلى الأراضي المزروعة ولا يبقى سوى العجائز وبعض الكلاب الهرمة والحيوانات التي لا نفع منها نواطير لهذه البيوت الخاوية، ومن لا زرع لديه يخرج بأغنامه للرعي، أو العمل بأجر يومي. وهناك تحت وقدة الشمس الكاوية، يبدأ عمل مرهق، إذ تنحني القامات على السنابل وتفعل المناجل فعلها، ويجد سعيد وأمثاله عملاً، كجلب الماء للحصادين، أو حراسة الأطفال الرضع في ظلال شجيرات السوس، ويولد الانفعال بالخصب دورة من التحدي والدم الجديد، وأمام هتك المناجل للزرع، يبدأ فيض من اللغة السوقية والأغاني البذيئة، تردّدها الحاصدات في دعوة مكشوفة لذكورة الرجال بصراحة جارحة، ساخرات بذكاء من تلك الفحولة المطفأة تحت التعب والشمس، في نهارات الموت البطيء، معلنات عن رغبة في شهوات، قلمَّا تتاح لهن في غير مواسم الحصاد، فتكابر الزنود، وتتسع مساحة الهتك، وتتعرى الأرض كمومس مقدسه من ثيابها الذهبية، جليلة، نابضة بالحرارة والصبا والحياء، تستعد لحرث جديد، حين تقلبها السكك الحديدية. ـ هذه الحياة كفر وشقاء. مقولة يردّدها جميع العاملين، وهم يعلمون علم اليقين، أن لا مفر من هذا الجحيم ولا خلاص إلا بالموت. وفي الليل يتصاعد الدخان من المواقد وصوت الحصادين، ويأوي المتعبون إلى النوم ولكن فضله من الدم الشاب والعصب تدفع الفتيات للقاء عشاق قدامى أو جدد تفاهمن معهم بلغة العيون أو الإشارات الصريحة بين أكداس الزرع، وتحت ضوء القمر الصافي، تفرغ الأجساد ما بقي فيها من جيشان، وتستسلم لهدوء غامر بانتظار الغبش. ليبدأ العمل. وكان أصحاب الزروع يجرون ذيولهم كالطواويس بين الحصادين يأمرون ويحضون ويحلمون بمال جديد، ونسوة جديدات، وخيول جديدة، فالمال وظيفته الأثيرة لديهم دفع الديّات والمهور وتأكيد الجاه والمكانة. ـ ولد يا سعيد. ـ ها. ـ اسمعني يا ولدي، أيامي قربت، وموتي بين عيوني. ـ إن شاء الله مائة عام. ـ كل هذا الكلام لا ينفع، اسمع، ما عندي مال أعطيك، لكن عندي وصية حطّها مثل حلقة في أذنك، دفعت عمري حتى تعلمتها، دوّر على المال، لأنك بالمال تشتري الديرة، لحاهم وشواربهم ونساهم، الفقر لا يدوم، جرّب حظك في غير هذه الدنيا، الأرض وسيعة يا ولدي. فهمت؟ ـ فهمت. ـ إذا أخذ الكريم أمانته ارحل، وإلا فالندامة مرّة. تلك آخر كلمات العجوز التي علمته الكثير ثم ماتت، فشرد كلباً ضالاً في القرية بعد أن استولى أحدهم على الكوخ وطرده منه. وفي الأمسيات الجائعة كان يتلصص من قباب الطين الزرية يرقب دخان المواقد ورائحة البشر والخبز والأضواء الشاحبة المتصاعدة من عيدان القصب وقحوف الفخار، وتعلم الكثير، رأى ما لم يره سابقاً، فضائح وخيانات ونسوة ينمن في غير فراش الزوجية، لاحق هزّاع الجلوي ينتقل من فراش إلى آخر كفحل الماعز، مزهواً بقرونه وأمواله، ولولا اعتدال الطقس ووفرة نبات الخباز وعجوز البرية والفطر لمات جوعاً أو تجلداً كأية سائمة داشرة لا نفع منها. وكان العجاج آخر ما رآه يلف الديرة، يصل ما بين الأرض والسماء، تطل منه قرعة إبليس كشمس حمراء، تحتضر مثل ذئبة جريحة، وبارى الفرات، ومن يباري الفرات لا يموت جوعاً أو عطشاً، وهاله أن يرى الأرض تتسع وتكبر حتى تدوّخ الرأس ويصغر كل مجد ورجل حتى هزّاع الجلوي بوجهه الأحمر الطافح بالصحة والعافية وضحكته التي زرعها أطفالاً في فراش الآخرين، إنه مثاله الآن، ألم يكن جدّه الجلوي الأول رجلاً مغموراً، أجلته الحكومة والعشيرة عن ديرته عقوبة جناية ارتكبها، فجاء يقود ذلوله ويعرض بضاعته من التمر والتين الجاف والرمان على العربان، وحين طاب له المقام افتتح دكاناً صغيراً للبضائع، وكان بارعاً في تجارته، قلّب رأس ماله الصغير، ومع هذا ظلّ غريباً "الجلوي" عن الديرة، ولم يدخل إلى حياة القرية كأحد أبنائها إلاّ بعد أن أصهر إلى أقوى بيوتها، صحيح أن العروس كانت عاطلة من الجمال على أبواب الثلاثينات، لكن لا يهم ما دامت تقربه من الوجاهة. راحت الرخم والشواهين تحوم وتساءل: هل تكذبه عيناه؟ أم أن ما يحدث الآن حقيقة؟ إنه لا يكاد يصدق رغم أنه يلمسه كما يلمس حجراً من الصوان وعاينه كما يعاين الشمس والتلال والعراء الوسيع حتى الشطط، فيضيق حتى التحدي، مع هذا فذلك الصباح غير حقيقي، سراب حلم، متعة عابرة في أحضان النهر، إغفاءة في وجر رطب، ونسمة الهواء بدأت تحرك رؤوس الشجيرات الرعوية والشوكيات وتدفع الصعو إلى الكبد الزرقاء الصافية، لتكسر صحن الهدوء الفخاري وقنوت التلال الخاشع، وتخرج هدوء الشعبان الظاهر برداً سرّياً يعرفه النمل والقنافذ، وبقية بنات آوى والأرانب، كل ذلك مجرد كذبة؟! خرافة، جزّة من الصوف ورائحة الأغنام في موسم القصاص؟!. ـ ميثا.. يا ميثا. لأول مرة ينادي عجوز باسمها. ـ أريد أهلي يا ميثا. ويأتيه الصوت من الداخل.. ومن أهلك يا سعيد؟! وتقف الشمس ترساً من القصدير الحامي والرصاص، ويخفق عماء سرابي شفيف على الموجودات، يظهر في ركود النبض الرتابي، ورائحة الخوف، وانحناء رؤوس الشوك والصرّ، وصفحة الماء اللامعة كأنها وجه الله، لقد امتلأ بالله والخوف، حاول النكوص لكن يداً قوية كانت تمسك برقبته وتقوده إلى الشرق، تجرجره إلى مصيره فلجأ إلى بيت شعر منفرد، أسلمه في اليوم التالي إلى الطريق الموحش، وظلّت أنفاس "ميثا" العجوز ترافقه حتى وصل إلى شركة لعرق السوس أقامها ألماني يدعى "باوم" على الفرات مسافة أميال من الرميلة. ـ أصبحت الرجعة مستحيلة عليك يا سعيد. قال لنفسه ثم استسلم لقدره، وهذا ما دفعه بعد سنوات من الرحلة إلى الانفجار في وجه أحد المشايخ ممن اعتادوا تناول العشاء عنده حين قال له واعظاً لحظة من لحظات التبسّط والصفاء. ـ يا حاج سعيد. ـ نعم. ـ أنت رجل مبروك. ـ بارك الله أصلك. وعاد الرجل إلى الطعام ريثما يجمع أنفاسه، وينتقي ألفاظه بدقة ودماثة لا تؤذي مضيفه الذي يعرف عنه سرعة الغضب أمام من يعتبرهم دونه في المال. ـ لقد زرت بيت الله، وتنسمت عطر الرّوضة.. ـ لا إله إلاّ الله. ـ ومع هذا يا حاج لازلت تتعامل مع البنك بالربا، حرام عليك يا رجل، أقربكم إلى النار، أقربكم إلى الربا والفاحشة. وتوقفت يد الحاج، اشتعلت عيناه بالنار والغضب، وارتج عليه الكلام، ثم انفجر صائحاً: ـ اسمع يا هذا، النار التي جرّبتها وانكويت بها لا تعدلها نار، وجهنم أعرفها، لذا حين تدوس برجلك النجسة عتبة هذا البيت مرّة أخرى، أملأ بطنك الكبيرة، واخرس فمك، طاقة الشيطان هذا فلا وقت لدّي للنصائح. ـ وكل ربك يا حاج. ـ الله يأخذ أمثالك من الدنيا لترتاح الكائنات، ياه. قال وكأنه يغرس أنيابه، كل أنيابه في جثة خصم أبدي. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |